قيام النبي شكرا لله | رياض الصالحين (98)

الدرس ٨٩ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:١٤:٤٩

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا وَاضِعَ لِمَا رَفَعَ، وَلا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ وَلا مُفَرِّقَ لِمَا جَمَعَ، َحَكَمَ فَالْكُلُّ حُكْمُهُ كَيْفَ وَقَعَ، أَمْرَضَ حَتَّى أَلْقَى عَلَى شَفَا ثُمَّ شَفَى الْوَجَعَ، وَوَاصَلَ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ قَطَعَ، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَع} أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَعْطَى وَمَنَعَ، وَأَشْكُرُهُ إِذْ كَشَفَ لِلْبَصَائِرِ سِرَّ الْخِدَعِ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحْكَمَ مَا صَنَعَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَالْكُفْرُ قَدْ عَلا وَارْتَفَعَ، فَفَرَّقَ بِمُجَاهَدَتِهِ مَنْ شَرُّهُ مَا اجْتَمَعَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي نَجَمَ نَجْمُ سَعَادَتِهِ يَوْمَ الرِّدَّةِ وَطَلَعَ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي عَزَّ الإِسْلامُ بِهِ وَامْتَنَعَ، وعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا وَمَا ابْتَدَعَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي دَحَضَ الْكُفْرَ بِجِهَادِهِ وَقَمَعَ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي سُئِلَ بِهِ سَيْلُ السَّحَابِ فَهَمَعَ. اللَّهُمَّ يَا مَنْ إِلَى بَابِهِ كُلُّ رَاغِبٍ رَجَعَ، اجْعَلْنَا مِمَّنْ بِالْمَوَاعِظِ انْتَفَعَ، وَاحْفَظْنَا مِنْ مُوَافَقَةِ الطَّمَعِ، وَانْفَعْنِي بِمَا أَقُولُ وَكُلَّ مَنِ اسْتَمَعَ، أما بعد:

الحديث

يقول الحافظ النووي رحمه الله: الرابع: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّىْ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُوْلَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: “أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُوْنَ عَبْدًا شَكُوْرًا؟“. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لفظ البخاري، ونحوُه في الصحيحين مِن رواية المُغيرة بن شُعْبَةَ.

الشرح

الرابع (أي الحديث الرابع من باب المجاهدة وهو الحديث الثامن والتسعون من كتاب رياض الصالحين) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ (ثبتت ‌‌فضيلة قيام الليل في القرآن والحديث وفي عمل العلماء والعباد والزهَّاد، أما من الآيات فقولُه تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ)) وقولُه تعالى ((إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيْلًا} وقولُه سبحانه وتعالى ((تَتَجَافَىْ جُنُوْبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)) وقولُه تعالى ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ)) وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقيامًا} وَمِنَ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ ﷺ فيما يرويه البخاري: يعقِدُ الشيطانُ علَى قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هوَ نامَ ثلاثَ عُقَدٍ يضربُ مكانَ كلِّ عقدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فَارْقُدْ فإنِ استيقَظَ وذَكَرَ اللهَ تعالى انْحَلَّتْ عقدةٌ فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عقدةٌ فإنْ صلَّى انْحَلَّتْ عقدةٌ فأصبحَ نشيطًا طيبَ النفسِ، وإلَّا أصبَحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ. وقال ﷺ: رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الْعَبْدُ في جوفِ الليلِ خيرٌ له مِنَ الدنيا وما فيها، ولولا أن أشقَّ على أمتِي لفرَضْتُهُما عليهِم. رواه الديلمي. وفي الصحيح عن جابر أن النبي ﷺ قال: إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إياه. رواه مسلم.

وفي رواية: يسأل الله تعالى خيرًا من الدنيا والآخرة وذلكَ في كلِّ ليلة. وقال ﷺ عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ فإنَّ قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ عز وجل وتكفيرٌ للذنوبِ ومطردةٌ للداءِ عن الجسدِ ومنهاةٌ عن الإثمِ. رواه البيهقي. وَقَالَ ﷺ مَا مِنِ امرئ تكونُ له صلاةٌ بالليلِ فغلبَه عليها النومُ إلا كُتِبَ لهُ أجرُ صلاتِه وكانَ نومُه صدقةً عليهِ. رواه النسائي. وقال ﷺ لأبي ذر: لوْ أردتَ سفرًا أعددت له عدةً، قال: نعم، قال فكيفَ سفرُ طريقِ القيامةِ ألا أنبئكَ يا أبا ذرٍ بما ينفعكَ ذلكَ اليومَ؟ قال: بلى بأبي أنتَ وأمي، قال: صُمْ يومًا شديدَ الحرِّ ليومِ النشورِ وصلِّ ركعتينِ فِي ظلمةِ الليلِ لوحشةِ القبورِ وحُجَّ حجةً لعظائِمِ الأمورِ وتصدَّقْ بصدقةٍ علَى مسكينٍ أو كلمةُ حقٍّ تقولُهَا أو كلمةُ شرٍّ تسكتُ عنهَا. رواه ابن أبي الدنيا. وروى أحمد عَنْ سَالِمٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى الرُّؤْيَا قَصَّهَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لِلنَّارِ شَيْءٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ – يَعْنِي قَرْنَيْنِ كَقَرْنِ الْبِئْرِ – وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حفصة فَقَصَّتْهَا حفصة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ! لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا» كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَيَقُولُ: لَا! فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! فَيَقْعُدُ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ.اهـ وروى ابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ‌إِنَّ ‌فُلَانًا ‌يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: “سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ”. وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” رَحِمَ اللهُ ‌رَجُلًا ‌قَامَ ‌مِنَ ‌اللَّيْلِ، ‌فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ. وروى البيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” مَنِ ‌اسْتَيْقَظَ ‌مِنَ ‌اللَّيْلِ، ‌وَأَيْقَظَ ‌امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا لَيْلَتَئِذٍ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ”. وقال ﷺ: ‌أَفْضَلُ ‌الصَّلَاةِ ‌بَعْدَ ‌الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. رواه البيهقي. وروى ابن عساكر عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ؛ فَيَسْقُطُ ‌حَتَّى ‌يُعَادَ ‌مِنْهَا ‌أَيَّامًا كَثِيرًا كَمَا يُعَادُ الْمَرِيضُ. وروى ابن أبي شيبة عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا هَدَأَتِ الْعُيُونُ قَامَ فَسَمِعْتُ لَهُ دَوِيًّا ‌كَدَوِيِّ ‌النَّحْلِ ‌حَتَّى ‌يُصْبِحَ». وروى البيهقي فقال: شَبِعَ سُفْيَانُ لَيْلَةً فَقَالَ: ‌إِنَّ ‌الْحِمَارَ ‌إِذَا ‌زِيدَ ‌فِي ‌عَلَفِهِ، زِيدَ فِي عَمَلِهِ، فَقَامَ حَتَّى أَصْبَحَ فقام تلك الليلة حتى أصبح. وَروى ابن الجوزي أنه كَانَ طاووس يَفْرِشُ فِرَاشَهُ ثُمَّ يَضْطَجِعُ فَيَتَقَلَّى كَمَا تَتَقَلَّى الْحَبَّةُ عَلَى الْمِقْلَى ثُمَّ يَثِبُ فَيَتَطَهَّرُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حَتَّى الصَّبَاحِ وَيَقُولُ: طَيَّرَ ‌ذِكْرُ ‌جَهَنَّمَ ‌نَوْمَ ‌الْعَابِدِينَ. وقدمَ بعضُ الصالحين من سفرِه فَمُهِّدَ لهُ فراشٌ فنامَ عليهِ حتَّى فاتَهُ وِرْدُهُ فَحَلَفَ ألَّا ينامَ بعدَها على فراشٍ أبدًا. وكانَ عبدُ العزيزِ بنُ روَّاد إذا جنَّ عليهِ الليلِ يأتي فراشَه فيمُدُّ يدَه عليهِ ويقولُ إنكَ لَلَيِّنٌ ووَاللهِ إنَّ فِي الجنةِ لَأَلْيَنَ منكَ ولا يزالُ يصلِّي الليلَ كلَّه. وقال الفضيل: إني لأستقبلُ الليلَ مِنْ أولِه فيهولُنُي طولُه فأفْتَتِحُ القرآنَ فأصبحُ ومَا قضيتُ نَهْمَتِي. (أي ما شبعتُ مِنَ القرآنِ والصلاةِ) وقالَ الحسنُ: إِنَّ الْعَبْدَ ‌لَيُذْنِبُ ‌الذَّنْبَ ‌فَيُحْرَمُ بِهِ قِيَامَ اللَّيْلِ. وقال الفضيل فيما وراه أبو نعيم: «إِذَا ‌لَمْ ‌تَقْدِرْ ‌عَلَى ‌قِيَامِ ‌اللَّيْلِ ‌وَصِيَامِ النَّهَارِ فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحْرُومٌ مُكَبَّلٌ كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ» وكان للحسنِ بنِ صالحٍ جاريةٌ فباعَها لِقومٍ فلمَّا كانَ في جوفُ الليلِ قامَتِ الجاريةُ فقالتْ: يا أهلَ الدارِ الصلاةَ الصلاةَ فقالوا أَصْبَحْنَا. أَطَلَعَ الفَجْرُ؟ فقالَتْ: ومَا تُصَلُّوْنَ إلَّا المكتوبةَ؟ قالوا: نعم، فَرَجَعَتْ إلَى الحسنِ فقالَتْ: يَا مولايَ، بِعْتَنِيْ لِقَوْمٍ لا يُصَلُّونَ إلَّا المكتوبةَ، رُدَّنِيْ، فَرَدَّهَا. وقالَ الربيعُ: بِتُّ في منزلِ الشافعيِّ رضي الله عنه لياليَ كثيرةً فلم يكنْ ينامُ مِنَ الليلِ إلَّا يسيرًا. وقالَ أبو الجويريةِ: لقدْ صَحِبْتُ أبَا حنيفةَ رضيَ الله عنه ستةَ أشهرٍ فمَا فيهَا ليلةٌ وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الأرضِ. ويروى أنَّه مَا كانَ له فراشٌ بالليلِ. ويقالُ إنَّ مالكَ بنَ دينارٍ رضي الله عنه باتَ يردِّدُ هذهِ الآيةَ ليلةً حتَّى أصبحَ، وهي قولُه تعالى: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)). وقالَ المغيرةُ بنُ حبيبٍ: رَمَقْتُ مالكَ بنَ دينارٍ فتوضَّأَ بعدَ العشاءِ ثمَّ قامَ إلَى مُصَلَّاهُ فَقَبَضَ علَى لِحْيَتِهِ فَخَنَقَتْهُ العَبْرَةُ فَجَعَلَ يقولُ: حَرِّمْ شَيْبَةَ مالكٍ علَى النارِ إلَهِي قدْ عَلِمْتَ سَاكِنَ الجنةِ مِنْ ساكِنِ النارِ فأَيُّ الرجلينِ مالكٌ وأَيُّ الدَّارَيْنِ دارُ مالكٍ، فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ قولَهُ حتَّى طَلَعَ الفجرُ. وقَالَ مالكُ بنُ دينارٍ: سَهَوْتُ ليلةً عنْ وِرْدِيْ ونِمْتُ فإذَا أنَا فِي المنامِ بجاريةٍ كأحسنِ مَا يكونُ وفِي يدِهَا رقعةٌ فقالَتْ ليْ: أَتُحْسِنُ القراءةَ؟ فقُلْتُ: نَعَمْ، فَدَفَعَتْ إِلَيَّ الرقعةَ فإذَا فيها:

أَأَلْهَتْكَ اللَّذَائِذُ وَالْأَمَانِي
عَنِ الْبِيْضِ الْأَوَانِسِ فِي الْجِنَانِ

تَعِيْشُ مُخَلَّدًا لَا مَوتَ فِيْهَا
وَتَلْهُوْ فِيْ الْجِنَانِ مَعَ الْحِسَانِ

تَنَبَّهْ مِنْ مَنَامِكَ إِنَّ خَيْرًا
مِنَ النَّوْمِ التَّهَجُّدُ بِالْقُرْانِ

وَحَجَّ مسروقٌ فَمَا باتَ ليلةً إلَّا ساجدًا. وقَالَ يوسفُ بنُ مهرانَ: بَلَغَنِي أَنَّ تحتَ العرشِ مَلَكًا فإذا مضَى ثلثُ الليلِ الأولُ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ القائمونَ فإذَا مضَى نصفُ الليلِ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ المتهجدونَ فإذَا مضَى ثلثَا الليلِ ضرَبَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ المصلونَ فإذَا طلَعَ الفجرُ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ لِيَقُمِ الغَافلُونَ (أي الغافلون عن قيام الليل) وقيل إن وهب بن منبه اليمانيَّ ما وضع جنبَه إلى الأرضِ ثلاثينَ سنةً. وكانت له مخدَّةٌ مِن أُدُمٍ إذَا غَلَبَهُ النومُ وضعَ صدرَه عليهَا وخَفَقَ خفَقَاتٍ ثمَّ يَفْزَعُ إلَى الصلاةِ. (ومما يدل على أفضلية قيام الليل وترغيب الشرع به ما روى البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن في الترغيب في القيام في آخر الليل وأن مَلَكًا ينزل بأمر ربنا ينادي في السماء مُبَلِّغًا عن الله عز وجل: هل من داعٍ فيستجيب الله له وهل من مستغفر فيغفر الله له. والرواية في الصحيحين: عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «‌يَنْزِلُ ‌رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»، قال ابن حجر في شرح البخاري: قَوْلُهُ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ وَقَالَ هِيَ جِهَة الْعُلُوّ ‌وَأنكر ‌ذَلِك ‌الْجُمْهُور لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً وَهُمُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا مَا فِي الْحَدِيثِ إِمَّا جَهْلًا وَإِمَّا عِنَادًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالسُّفْيَانَيْنِ [هما الإمامان: سفيان بن سعيد الثوري (161هـ )، وسفيان بن عيينة 198هـ ]. وَالْحَمَّادَيْنِ [هما حماد بن زيد بن وحماد بن سلمة بفتح اللام بن دينار البصري، وفَضْلُ بن سَلَمَةَ عَلَى ابْنِ زَيْدٍ، كَفَضْلِ الدِّيْنَارِ عَلَى الدِّرْهَمِ يَعْنِي: الَّذِي اسْمُ جَدِّهِ دِيْنَارٌ، أَفْضَلُ مِنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ الَّذِي اسْمُ جَدِّهِ دِرْهَمٌ. ومما يحسن التنبيه عليه، ويتعين الإشارة إليه أن هذا التفضيل بين الحمادين محمول على الجلالة والديانة والزهادة والورع كما ذكره الذهبي معلقا على كلام عبد الله بن معاوية الجمحي فقال: وَهَذَا مَحْمُوْلٌ عَلَى جَلاَلتِهِ وَدِيْنِهِ، وَأَمَّا الإِتقَانُ، فَمُسَلَّمٌ إِلَى ابْنِ زَيْدٍ، هُوَ نَظِيْرُ مَالِكٍ فِي التَّثَبُّتِ] وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِمْ، قال ابن حجر: وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ حُكِيَ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعَنِ السَّلَفِ إِمْرَارُهَا وَعَنْ قَوْمٍ تَأْوِيلُهَا وَبِهِ أَقُول فَأَمَّا قَوْلُهُ يَنْزِلُ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلَكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالنُّزُولُ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي فَإِنْ حَملته فِي الحَدِيث على الْحسيِّ فَتلك صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ وَإِمَّا بِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ (هو أبو بكر بن فُورَك الإمام المتكلم المفسر الفقيه الأصولي النحوي الأديب أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي الأشعري، له ما يقرب من المائة مؤلف في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن وعلم الحديث، اعتبره ابن الأثير من المجددين في الإسلام. توفي سنة 406هـ قيل إنه مجدد القرن الرابع الهجري) حكي عنه أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُنْزِلُ مَلَكًا وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَقَالَ الْبَيْضاوِيُّ [هو الإمام قاضي القضاة عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير ناصر الدين البيضاوي والمكنى بأبي الخير وقد ولد الإمام البيضاوي في بلدة البيضاء؛ وهي بلدة تابعة لمدينة شيراز في بلاد الفرس في القرن السابع الهجري] قال: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ فَالْمُرَادُ نُورُ رَحْمَتِهِ. انتهى كلام ابن حجر في شرحه حديث النزول) حَتَّىْ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ (معناه يحصل له انتفاخ قليل بالقدمين يزول بالمشي) (ليس معناه أنه يصل إلى حدِّ الإيذاء، لا، بل إيذاء النفس مستحيل أن يصدر من نبي، فلا يجوز أن يؤذي النبي نفسه، أو أن يقوم لدرجة إيذاء النفس، لا، وكذلك لا يجوز عليه بالتالي ما هو أشدُّ من ذلك، كالانتحار، أو محاولةُ الانتحار، أو قصدُه، فهذا يستحيل أن يصدر من نبي، فالذي حصل مع النبي ﷺ عند فترة الوحي إنما هو لتخفيف شدة الوجد الذي حصل له من إبطاء الوحي عليه لا للانتحار مع اعتقاد أنه لا يصيبه أي أذى بإذن الله فإنه حصل لكثير من الأولياء أنهم مشوا على الماء ولم يغرقوا وحصل من البعض من الأولياء أنه كان يطير في الهواء بإذن الله، وهذا الذي حصل مع نبينا ﷺ كما حصل مع يونس عليه السلام لما ألقى بنفسه في البحر حينما ابتلعه الحوت فإنه كان يعتقد أنه لا يصيبه هلاك بالغرق، فلا يجوز أن يظن أن ذلك انتحار منه لأن الانتحار أكبر الجرائم بعد الكفر، وذلك مستحيل على الأنبياء. فإنه من الكفر قولُ بعض الناس (لما يقرأ في حديث فترة الوحي إن الرسول كان أراد أكثرَ من مرّة أن يطلع على رأس جبل من جبال مكة فيُلقي بنفسه فيبدو له جبريلُ فيقول يا محمد أنتَ رسول الله حقًّا) فمن زعم أنه كان أراد أن ينتحر جهلاً منه بمعنى الحديث فهذا كافر. وهذا الحديث من مرسلات الزهري وليس معناه أن الرسول كان يريد أن يقتل نفسه بإلقاء نفسه من ذِروة الجبل إنما مراده أن يخف عنه الوجْد الذي لحقه بفتور الوحي عنه تلك المدة وهو يعلم أنه لا ينضرّ بذلك الإلقاء، فمن رأى هذا الحديث في كتاب من الكتب على هذا التأويل الفاسد فليَحذر، واعتقاد هذا المعنى الفاسد كفرٌ وإلحاد لأن الانتحار أكبر المعاصي بعد الكفر فلا يُتصوَّر حصوله من الرسول ولا سيما وجبريل يقول له: يا محمد أنتَ رسولُ الله حقًّا. وأما الذي يروى في حديث فترة الوحي: فقد روى البخاري: وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا – حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ (أعلاه) لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ (أي ظهر)، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ (أي نفسه)، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.اهـ)، (قال القدوة العارف بالله الزاهد الصالح الإمام العلامة المقرئ المشهور بابن أَبي جَمْرة [وهو عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، أبو محمد: من العلماء بالحديث، مالكي. أصله من الأندلس ووفاته بمصر.  مؤلف مختصر البخاري وشرحه بهجة النفوس، له كرامات عديدة مجموعة في كراريس]. قال في أثناء كلام له على حديث: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» ما لفظه: لا يخطر بخاطر أحد أن الذنوب التي أخبر الله تعالى أنه بفضله غفرها للنبي من قبيل ما نقع نحن فيها، معاذ الله، لأن الأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، ومن الصغائر التي فيها رذائل. أما الصغائر التي ليس فيها رذائل ففيها خلاف بين العلماء.اهـ ويقول أيضا الإمام الشيخ ابن أبي جمرة الأندلسي في كتابه بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها شرح مختصر البخاري في شرح الحديث الثالث صحيفة 35 من الجزء الأول بعد ذكره للمبتدعة وذكر القدرية والجبرية (ومنهم المجسمة لأنهم يقولون بالجسم والحلول ومعتقد هذا لايصح منه الإيمان لأنّ من لا يعرف معبوده كيف يصح له الايمان به وذلك محال). انتهى) فَقُلْتُ لَهُ، لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُوْلَ اللهِ (وَفِي رِوَايَةٍ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّعَجُّبِ) وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ (قال الإمام الشافعي: أَنْزَلَ الله تعالى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: أَنْ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ) (ومثل هذا الحديث ونحوه من الأحاديث والآيات استدل بها العلماء الذين قالوا بجواز المعصية الصغيرة التي ليس فيها خسة ودناءة نفس على الأنبياء، فإن لعلماء أهل السنة قولين في جواز صدور المعصية الصغيرة التي لا خسة فيها ولا دناءة من الأنبياء وقد ذهب إلى تجويز ذلك الإمام الأشعري والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما وبين العلماء أن فعل ذنب أو اثنين من الصغائر التي لا دناءة فيها لا يسقط العدالة ولا ينافي الاتصاف بالأمانة ولا يسقط الشخص من أعين الناس لا سيما مع التوبة والإسراع بالإنابة، وهذا إجماع بلا خلاف أنه لا يسقط العدالة، ومما اختلف فيه المفسرون قول الله تعالى: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)) فقال بعضهم ليس المراد بالذنب هنا المعصية التي فيها إثم وذهب آخرون إلى أن الذنب فيها هو صغيرة من الصغائر وهو ظاهر ما ذهب إليه الإمام الطبري فقال: وَسَلْهُ غُفْرَانَ ذَنبَكَ وَعَفْوَهُ لَكَ عَنْهُ. وقال: وَسَلْ رَبَّكَ غُفْرَانَ سَالِفِ ذَنبِكَ وَحَادِثِهَا، وَذُنُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِكَ مِنَ رجالٍ وَنِّسَاءِ. وقال الطبري: إن قوله تعالى: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)) راجع إلى قوله: ((وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ)) لِيَغْفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ، وَمَا تَأَخَّرَ إِلَى وقت نزول هذه السورة، وظاهر الذنب عند الإطلاق المعصية كما لا يخفى. وقال النووي في [شرح مُسلم]: <وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ التَّحقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِن أَئِمَّتنَا إِلَى عِصمَتِهِم مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصمَتِهِم مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَن مُوَاقَعَتِهَا وَعَن مُخَالَفَةِ اللهِ تَعَالَى عَمدًا>. وقال الفيروزأبادي: والعِصْيَان: خلاف الطَّاعة. وقال القشيري: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ»: وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب، ولم يكن جميع استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» وهنا لم يذكر ذلك.اهـ) (ومن هذا الحديث وغيره يظهر لنا أن النبي ﷺ كان يحِبُّ الإكثار من الصلوات ويرتاح بها فهو القائل: وَجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاة، وهو القائل ﷺ لبلال رضي الله عنه: أرحنا بها يا بلال. وليُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَظَّمَ قَدْرَ الصَّلاةِ فَالْمُرَادُ مِنَ الْعَبْدِ التَّعَبُّدُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ خُضُوعِ بَدَنِهِ وَنُطْقِ لِسَانِهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِبَادَةَ مَلائِكَتِهِ بَيْنَ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ وَذِكْرٍ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي الصَّلاةِ. فَالشَّرْعُ عَظَّمَ أَمْرَ الصَّلاةِ وَضَرَبَ الأَمْثَالَ بِفَضْلِهَا، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالُوا: لا. قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا“، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ“، وفي مسلم مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “ما من امرئ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ“، وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ. وَقَدْ فَضَّلَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: “الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا“، أي على أول وقتها، وَفُضِّلَتِ الصَّلاةُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “صلاة الجماعة تفضل على الصلاة الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً“، وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَائَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ“، قَالَ الْبَغَوِيُّ سَمِعْتُ عُبَيدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ أبو سعيد يَقُولُ: لَمْ تَكُنْ تَفُوتُنِي صَلاةُ الْعَتَمَةِ فِي جَمَاعَةٍ، فَنَزَلَ بِي ضَيْفٌ فَشُغِلْتُ بِهِ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الصَّلاةَ فِي قَبَائِلِ الْبَصْرَةِ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ صَلَّوْا وَخَلَتِ الْقَبَائِلُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الْفَذِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً“. وَرُوِيَ “سَبْعًا وَعِشْرِينَ“. فَانْقَلَبْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، ثُمَّ رَقَدْتُ فَرَأَيْتُنِي مَعَ قَوْمٍ رَاكِبِي أَفْرَاسٍ وَأَنَا رَاكِبٌ فَرَسًا كَأَفْرَاسِهِمْ وَنَحْنُ نَتَجَارَى فَالْتَفَتُّ إِلَى أَحَدِهِمْ فَقَالَ لا تُجْهِدْ فَرَسَكَ فَلَسْتَ بِلاحِقِنَا. فَقُلْتُ: فَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّا صَلَّيْنَا الْعَتَمَةَ فِي جَمَاعَةٍ.اهـ وَثبتَ الثَّوَابُ لِمُنْتَظِرِ الصَّلاةِ، فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ قَالَ: “لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ لا يَمْنَعُهُ إِلا انْتِظَارُهَا“، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ما قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَعَقَبَ مَنْ عَقَبَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْسِرُ ثِيَابَهُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: “أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: “هَؤُلاءِ عِبَادِي قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى“، وَقَدْ عُظِّمَ الصَّفُّ الأَوَّلُ فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا“، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً“، وَقَدْ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِخَفْضِ رَأْسِهِ اسْتِعْمَالا لأَدَبِ الْخِدْمَةِ فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ أَوْ لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ“، وَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالتَّثَبُّتِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فقد روي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “لا تجزئ صَلاةٌ لا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ“، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شَيْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “لا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلٍ (أي لا ينظر إليه نظر رحمة) لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ“، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ، وَتَعْظِيمُهُ لا يَكُونُ إِلا بِحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْخِدْمَةِ. وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يَتَغَيَّرُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَيَقُولُ: أَتَرَوْنَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ؟! وَقَدْ كَانَ أَصحابُ التَّفَكُّرِ مِنَ السَّلَفِ يُشَاهِدُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِبْرَةً، فَيَذْكُرُونَ بِالأَذَانِ نِدَاءَ الْعَرْضِ، وَبِطَهَارَةِ الْبَدَنِ تَطْهِيرَ الْقَلْبِ، وَبِسَتْرِ الْعَوْرَةِ طلب ستر الْقَبَائِحِ مِنْ عُيُوبِ الْبَاطِنِ، وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صَرْفَ الْقَلْبِ إِلَى الْمَقْلَبِ، فَمَنْ لَمْ تَكُنْ صَلاتُهُ هَكَذَا فَقَلْبُهُ غَافِلٌ. قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا هَانَتْ عَلَيْكَ صَلاتُكَ فَمَا الَّذِي يَعِزُّ عَلَيْكَ؟ وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ حُضُورَ الْقَلْبِ جَاءَ الْوَعْدُ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَيْهِ. روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي. ثُمَّ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ فَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتَشْفَعَ لِصَاحِبِهَا. فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا وَلا الْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي. ثُمَّ أُصْعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ظُلْمَةٌ فأغلقت دونها أبواب السماء فَلُفَّتْ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا“. رواه الطبراني في الأوسط) قَالَ: “أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُوْنَ عَبْدًا شَكُوْرًا؟ (الشُّكْرُ قِسْمَانِ شُكْرٌ وَاجِبٌ وَشُكْرٌ مَنْدُوبٌ. فَالشُّكْرُ الواجبُ هُوَ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِتَرْكِ الْعِصْيَانِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ هَذَا هُوَ الشُّكْرُ الْمَفْرُوضُ عَلَى الْعَبْدِ، فَمَنْ حَفِظَ قَلْبَهُ وَجَوَارِحَهُ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْعَبْدُ الشَّاكِرُ، ثُمَّ إِذَا تَمَكَّنَ فِي ذَلِكَ سُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وَالشَّكُورُ أَقَلُّ وُجُودًا مِنَ الشَّاكِرِ الَّذِي دُونَهُ. وَالشُّكْرُ الْمَنْدُوبُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى الْعِبَادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ مِمَّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصَائِنَا. وقد عدد الله على عباده من نعمه ونبههم بذلك على ما يلزمهم من عبادته تعظيما له وشكرا، {يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، فذكر سبحانه نعمة خلقه لعباده وأنه أمرهم بعبادته، فقال: {اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}، فكان أول ما ذكر من نعمه خلقه إياهم وهذه والله أعلم إشارة إلى نفس الخلق بهيأته الذي أولاها الحياة ثم العقل لأن الحي بالعقل يعلم نفسه ويعلم غيره ويعلم فاعله ويميز بين السيء وضده، ثم إذا ساعده التوفيق ثم الحواس الخمس التي هي مشاعر ضرورته وهي السمع الذي يدرك به الأصوات والبصر الذي يدرك به الألوان والشم الذي يدرك به الروائح واللمس الذي يدرك به خشونة الشيء ولينه والطعم الذي يدرك به مرارة الشيء وحموضته وحلاوته وقد ذكر الله تعالى هذه النعم في غير هذه الآية فقال: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، أي إنما جعل لكم هذه المنافع لتشكروه ومعنى تشكروه تستعملونها في طاعته خاصة ولا تستعملونها في معاصيه، ثم له في كل عضو من أعضاء بني آدم نعمة لا يقوم أحد بشكرها إلا بتوفيقه ومن شكرها المعرفة بأنها من الله جل ثناؤه ثم استعمالها في طاعة الله دون معصيته، ثم إن الله عز وجل يخلق الإنسان مستويا معتدلا منتصب القامة لا منكسا كالبهائم ثم قال الله عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، قيل: منتصب القامة شاخص الرأس والوجه. فقيل من تكريمه أن جعله يأكل بيده ولا يحوجه إلى أن يأخذ الطعام من الأرض بفمه ثم ذكر من نعم الله تعالى على الناس أنه أعطاهم البيان باللسان والقلم، قال الله عز وجل: {الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ}، وقال: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ}، ومما أنعم الله على الناس في هيئة خلقهم أن جرد أبدانهم عن الشعور التي جعلها سترة لأبدان البهائم والسباع والطيور وأيديهم وأرجلهم عن المخالب ، ومن نعمه عليهم وعلى سائر الحيوانات تسويغ الطعام وإخراج فضله عن مخرجه، ومن نعمه على عباده أن جعلهم ينامون فيستريحون بالنوم من أذى الإعياء والنصب وتطيب به نفوسهم قال الله عز وجل: {وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً}، يعني راحة لأبدانكم، ومما أنعم الله تعالى على عباده من تعليمهم الصناعات والحرف وجعلها لهم مصالح ومكاسب وتصريفها بينهم حتى لا تجتمع على واحد فجعل واحدا يحرث وآخر يحصد وآخر يغزل وآخر ينسج وواحدا يتجر وآخر يصوغ حتى إذا اشتغل كل واحد منهم بشغل نجحت الأشغال بما حصل من التظاهر عليها، قال الله عز وجل: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}، ومما وضع الله تعالى في الأرض والسماء من منافع الخلق وما في ذلك من منافع بني آدم وذكر فوائد كل نوع من أنواعها ثم ذكر من نعمه إرسال الرسل لتعليمهم ما يجهلون وتخصيص هذه الأمة بأفضلهم صلّى الله عليه وسلّم وعليهم أجمعين، وأول ما يجب على الشاكر أن يذكر نعمة الله عليه. قال الله عز وجل في مواضع من كتابه: {اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ}، والإذكار بالنعمة لا يكون إلا لاستدعاء الشكر ثم نص على الأمر بالشكر فقال: {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}، إلى سائر ما ورد في القرآن في هذا المعنى فإذا حصلت النعمة مذكورة فالشكر لها يختلف فمنها: اعتقاد أن الله عز وجل قد أنعم فأكثر وأجزل وأن كل ما بنا من نعمه فمنه لا من الكواكب وأن كل ذلك فضل منه وامتنان وإنا وإن اجهدنا لم نؤد شكرها ولم نقدرها حق قدرها. ومنها الثناء على الله جل وعز وحمده وإظهار ما في القلب من حقوق هذه النعم باللسان والجمع فيها بين الاعتقاد والاعتراف بها كذلك في الإيمان. ومنها، الاجتهاد في إقامة طاعته فعلا بما أمر به وكفا عما نهى عنه فإن ذلك هو الذي يقتضيه تعظيمه ولا تعظيم كالطاعة. ومنها: أن يكون العبد مشفقا في عامة أحواله من زوال نعم الله تعالى عنه وجلا من مفارقتها إياه مستعيذا بالله تعالى من ذلك سائلا إياه متضرعا إليه أن يديمها له ولا يزيلها عنه. ومنها: أن ينفق مما أتاه الله في سبيل الله ويواسي منه أهل الحاجة ويعم المساجد والقناطر ولا يدع بابا من أبواب الخير إلا أتاه وأظهر من نفسه أثرا جميلا فيه ومنها: أن لا يفخر بما أتاه الله على غيره ولا يتبذخ ولا يتصلف أي يتجاوز قدره ولا يزهو ولا يتكبر).

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الشاكرين له ومن الشكورين إنه على كل شيء قدير.