الْحَمد لله الَّذِي من تواضع له رَفعَه، وَمن تكبَّر عَلَيْهِ أذله وَوَضعَه، وَمن توسل إِلَيْهِ بِمُحَمد ﷺ نجاه بإذنه ونفعَه، أَحْمَده حمد من أحسن إِلَيْهِ وأشكره، بشكر من أنعم عَلَيْهِ، وأسأله الْأَمْن يَوْم الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الأولُ بِلَا بداية، وَالْآخرُ بِلَا نِهَايَة، الَّذِي لَهُ فِي كل شَيْء آيَة، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، الَّذِي أرْسلهُ للإنس والجن بآياته، وأيده بمعجزاته، الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاتِه، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله، وعلى أبي بكر أفضل صحبه وأصفيائِه، وعلى عمر الذي فرَّق بين باطل الكلام وصوابه، وعلى عثمان الذي قُتِلَ وهو يقرأ في مصحفه وكتابِه، وعلى عليٍّ أبي الحسنين وزوجِ الزهراءِ، صَلَاةً مُتَّصِلَة إلى يَوْم يجازى الناسُ بثوابه وعقابه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، وبعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثامن: عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيَلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَىْ، فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِيْ رَكْعَةٍ، فَمَضَىْ فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيْهَا تَسْبِيْحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُوْلُ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ” فَكَانَ رُكُوْعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: “سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ” ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيْلًا قَرِيْبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَىْ” فَكَانَ سُجُوْدُهُ قَرِيْبًا مِنْ قِيَامِهِ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثامن (أي الحديث الثامن من باب المجاهدة وهو الحديث الثاني بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قال النووي عبارة: رضي الله عنهما بعد ذِكْرِ اسم حذيفة بن اليمان لأنه هو وأبوه صحابيان. وهو حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ صَاحِبُ السِّرِّ، وَاسْمُ اليَمَانِ: حِسْلٌ – وَيُقَالُ: حُسَيْلٌ – ابْنُ جَابِرٍ العَبْسِيُّ، اليَمَانِيُّ، كنيته أَبُو عَبْدِ اللهِ، مِنْ أَعْيَانِ المُهَاجِرِيْنَ، روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث ونيفاً، اتفق البخاري ومسلم منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، وَكَانَ وَالِدُهُ حِسْلٌ قَدْ أَصَابَ دَمًا فِي قَوْمِهِ، فَهَرَبَ إِلَى المَدِيْنَةِ، وَحَالَفَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَسَمَّاهُ قَوْمُهُ اليَمَانَ؛ لِحِلْفِهِ لِلْيَمَانِيَّةِ، وَهُمُ الأَنْصَارُ، شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ حُذَيْفَةُ أُحُدًا، فَاسْتُشْهِدَ أي أبو حذيفة يَوْمَئِذٍ، قَتَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ غَلَطًا، وَلَمْ يَعْرِفْهُ؛ لأَنَّ الجَيْشَ يَخْتَفُوْنَ فِي لَأْمَةِ الحَرْبِ، وَيَسْتُرُوْنَ وُجُوْهَهُمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَامَةٌ بَيِّنَةٌ، وَإِلَّا رُبَّمَا قَتَلَ الأَخُ أَخَاهُ، وَلَا يَشْعُرُ، وَلَمَّا شَدُّوْا عَلَى اليَمَانِ يَوْمَئِذٍ، بَقِيَ حُذَيْفَةُ يَصِيْحُ: أَبِي! أَبِي! يَا قَوْمُ! فَرَاحَ خَطَأً، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ عَلَيْهِم بِدِيَتِهِ، وكان حذيفة أحد الرقباء النجباء وأحد الفقهاء أهل الفتوى وصاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين، الرسول ﷺ كان قد أسر له بأسماء المنافقين المحيطين بهم ولم يفش بهذا السر لأيٍّ كان وهذا هو شأن الحافظ لسر. والمختص بأخبار الفتن المستقبلة ما ظهر منها وما بطن، وله مقامات محمودة في الجهاد، وأبلى في الفتوح، وحمدت مشاهده، وكان فَتْحُ همدان والدينور على يديه، وشهد فتح الجزائر، ولاه عمر المدائن، (والمدائن هي عاصمة ملك فارس وكانت مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم، وسماها العرب المدائن لأنها سبع مدائن بينها وبين بغداد 25 ميلًا. وبها طاق كسرى أو إيوان كسرى وهو قصر من قصور كِسرى الذي تهدم وبقيت آثاره في مدينة المدائن). وروي عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي عَهْدِ حُذَيْفَةَ عَلَى المَدَائِنِ: اسَمَعُوا لَهُ، وَأَطِيْعُوا، وَأَعْطُوْهُ مَا سَأَلَكُمْ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ عَلَى حِمَارٍ مُوْكَفٍ (موكف: أي قد وضع عليه الإكاف، وهو بمنزلة السرج للحصان)، تَحْتَهُ زَادُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ، اسْتَقْبَلَهُ الدَّهَاقِيْنُ (الدهاقين: رؤساء القرى، أو التجار) وَبِيَدِهِ رَغِيْفٌ، وَعَرْقٌ مِنْ لَحْمٍ. وَلِيَ حُذَيْفَةُ إِمْرَةَ المَدَائِنِ لِعُمَرَ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى بَعْدِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً. وقال عمر لأصحابه يوماً تمنوا فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان أستعملهم في طاعة الله تعالى. قَالَ الوَاقِدِيُّ: آخَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بَيْنَ حُذَيْفَةَ وَعَمَّارٍ، وروي أَنَّ عَلِيّاً سُئِلَ عَنْ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: عَلِمَ المُنَافِقِيْنَ، وَسَأَلَ عَنِ المُعْضِلَاتِ؛ فَإِنْ تَسْأَلُوْهُ، تَجِدُوْهُ بِهَا عَالِمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَسَرَّ إِلَى حُذَيْفَةَ أَسْمَاءَ المُنَافِقِيْنَ، وَضَبَطَ عَنْهُ الفِتَنَ الكَائِنَةَ فِي الأُمَّةِ. وروى مسلم أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ» قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي. وفي مسلم أيضا عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ». وفي البخاري قال أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ واسمه عائذُ الله بن عبدالله بن عمرو الدمشقي شيخ دمشق ومفتيها وعالمها وقاضيها وقارئها وواعظها أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ ابْنُ سِيْرِيْنَ: بَعَثَ عُمَرُ حُذَيْفَةَ عَلَى المَدَائِنِ، فَقَرَأَ عَهْدَهُ عَلَيْهِم فَقَالُوا: سَلْ مَا شِئْتَ قَالَ: طَعَاماً آكُلُهُ، وَعَلَفَ حِمَارِي هَذَا – مَا دُمْتُ فِيْكُمْ – مِنْ تِبْنٍ فَأَقَام فِيْهِم مَا شَاءَ اللهُ؛ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: اقْدُمْ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ قُدُوْمُهُ، كَمَنَ لَهُ عَلَى الطَّرِيْقِ؛ فَلَمَّا رَآهُ عَلَى الحَالِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهَا، أَتَاهُ، فَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي، وَأَنَا أَخُوْكَ. وروي عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الغَطَفَانِيِّ، قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ لَا يَزَالُ يُحَدِّثُ الحَدِيْثَ، يَسْتَفْظِعُوْنَهُ فَقِيْلَ لَهُ: يُوْشِكُ أَنْ تُحَدِّثَنَا: أَنَّهُ يَكُوْنُ فِيْنَا مَسْخٌ! قَالَ: نَعَمْ! لَيَكُوْنَنَّ فِيْكُمْ مَسْخٌ: قِرَدَةٌ وَخَنَازِيْرُ. وروي عَنِ النَزَّالِ بنِ سَبْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيِّ: مَاذَا قَالَ حُذَيْفَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ؟ قَالَ: لَمَّا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ، قَالَ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ صَبَاحٍ إِلَى النَّارِ – ثَلَاثًا – ثُمَّ قَالَ: اشْتَرُوا لِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يُتْرَكَا عَلَيَّ إِلَاّ قَلِيْلاً حَتَّى أُبْدَلَ بِهِمَا خَيْراً مِنْهُمَا، أَوْ أُسْلَبَهُمَا سَلْباً قَبِيْحًا. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ حُذَيْفَةُ بِالمَدَائِنِ، وقيل توفي بالمدينة سنة ستّ وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وَلَهُ عَقِبٌ) (وتطبيق هذا الأمر الذي يرويه لنا حذيفة رضي الله عنه في هذا الحديث عن النبي ﷺ يحتاج إلى مجاهدة نفس وصبر على القيام في الصلاة ليلا، لذلك أورده النووي رحمه الله في هذا الباب) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيَلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ (وهذا دليل لمن قال من الفقهاء بجواز قول: البقرة، آل عمران، النساء، دون أن يقول سورة البقرة أو سورة آل عمران أو سورة النساء) (وسورة البقرة هي أطول سورة في القرآن الكريم وثاني سور القرآن في ترتيب المصحف الذي بين أيدينا بعد سورة الفاتحة وقد وردَ في فضائِلِها الكثيرُ مِنَ الأحاديثِ ذُكِرَت منفردةً أحيانا وأحيانا مع سورة آل عمران، ومن ذلك ما روى مسلمٌ في صحيحِه عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ. أي: المُنِيرَتَيْنِ،لأنَّهما نُورانِ، أو لِكَثْرةِ أنوارِ أحكامِ الشَّرْعِ والأسماءِ الحُسنَى فيهما. وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه: سحابة وغيرهما. قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين. أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، أي: طائفتانِ وجَماعتانِ، «مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ»، وهي جَماعةُ الطَّيرِ الباسِطةُ أجنحَتَهَا متَّصلًا بعضُها ببعضٍ، والمرادُ أنَّهما يَقِيانِ قارِئَهما مِن حَرِّ الموقِفِ، وكَرْبِ يومِ القِيامةِ، وتُجادلانِ عنه بالشَّفاعةِ، أو عِندَ السُّؤالِ إذا لم يَنْطِقِ اللِّسانُ، وأطْبَقَتِ الشَّفَتَانِ، وضاعتِ الحُجَجُ. اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». أي السَّحَرَةُ.اهـ وقولُهُ: «اقْرَؤُوا سُورةَ البقرةِ» تَخصيصٌ بَعْدَ تَخصيصٍ؛ فإنَّه عمَّم أوَّلًا بالقُرآنِ كلِّه، ثمَّ خصَّصَ الزَّهراوينِ، ثمَّ خَصَّ البقرةَ منهما؛ دَلالةً على عِظَمِ شأْنِها، وكَبيرِ فضْلِها؛ فقال: «فإنَّ أَخْذَها» وذلك بالمواظَبةِ على تِلاوتِها، والتَّدبُّرِ في مَعانيها، والعَمَلِ بما فيها، «بَرَكَةٌ»، أي: زِيادةٌ، ونَماءٌ، ومَنْفَعةٌ عَظيمةٌ لِقارئِها، «وَتَرْكَهَا حَسْرةٌ»، أي: تَلهُّفٌ وتأسُّفٌ على ما فاتَ مِنَ الثَّوابِ، ثمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّه لا يَقْدِرُ عليها «البَطَلَةُ» وهم السَّحرةُ، والمقصودُ أنَّهم لا يَستطيعون دَفْعَها، واختراقَ تَحْصِينِهَا لِمَنْ قَرَأَها أو حَفِظَهَا؛ فهي حِصْنٌ لِقارئِها وحافِظِهَا مِنَ السِّحْرِ.
وروى أحمدُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْبَقَرَةُ سَنَامُ الْقُرْآنِ وَذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمَانُونَ مَلَكًا، وَاسْتُخْرِجَتْ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَ “يس” قَلْبُ الْقُرْآنِ لَا يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ يُرِيدُ اللهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، فَاقْرَؤُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ». وروى الطبراني عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلَةً، لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ نَهَارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». وَروى الطبراني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ». (واستدل النووي وغيرُه من الفقهاء بهذا الحديث على الجهر في صلاة الليل)، فَقُلْتُ (أي حذيفة، وقال أي في نفسه) يَرْكَعُ (أي النبي ﷺ) عِنْدَ الْمِائَةِ (أي عند تمام مائة آية من البقرة)، ثُمَّ مَضَىْ (أي أكمل قراءته ﷺ أكثر من المائة)، فَقُلْتُ (أي حذيفة، وقال في نفسه كما تقدم) يُصَلِّي بِهَا فِيْ رَكْعَةٍ (أي يصلي هذه الركعةَ بقراءة سورة البقرة بعد الفاتحة فيها فقط)، فَمَضَىْ فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ (أي بدأ النبي يقرأ سورة النساء)، فَقَرَأَهَا (أتمها كاملة)، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ (ومما جاء عن السلف في بركات قراءة سورة البقرة وآل عمران، أن أَبَا أُمَامَةَ كان يَقُولُ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ فِي صَدْعِ جَبَلٍ وَعْرٍ طَوِيلٍ وَعَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ شَجَرَتَانِ خَضْرَاوَانِ يَهْتِفَانِ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةْ؟ هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ؟ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ، دَنَتَا مِنْهُ بِأَعْذَاقِهِمَا حَتَّى يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَتُخْطِرَانِهِ أي يتجاوزن به الْجَبَلَ.اهـ وروي أَنَّ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيَّ (وهو يزيد بن الأسود الجرشي مِنْ سَادَةِ التَّابِعِيْنَ بِالشَّامِ، يَسْكُنُ بِالغُوطَةِ، بِقَرْيَةِ زِبْدِيْنَ. أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ يُوْنُسُ بنُ مَيْسَرَةَ، قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الأَسْوَدِ! كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَدْرَكْتُ العُزَّى تُعْبَدُ فِي قَرْيَةِ قَوْمِي. وَرَوَى صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَسْقِي, فَلَمَّا قَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ, قَالَ: أَيْنَ يَزِيْدُ بنُ الأَسْوَدِ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ, فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّاهُمْ, فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ, فَصَعِدَ المِنْبَرَ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِخَيْرِنَا وَأَفَضْلِنَا يَزِيْدَ بنِ الأَسْوَدِ, يَا يَزِيْدُ, ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ, فَمَا كَانَ بِأَوْشَكَ مِنْ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ كَالتُّرْسِ وَهَبَّتْ رِيْحٌ فَسُقِيْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ. وَرَوَى الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَكَّارٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ يَزِيْدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ المَشْيَخَةِ: أَنَّ يَزِيْدَ بنَ الأَسْوَدِ الجُرَشِيَّ كَانَ يَسِيْرُ فِي أَرْضِ الرُّوْمِ هُوَ وَرَجُلٌ, فَسَمِعَ هَاتِفاً يَقُوْلُ: يَا يَزِيْدُ إِنَّكَ لَمِنَ المُقَرَّبِيْنَ وَإِنَّ صَاحِبَكَ لَمِنَ العَابِدِيْنَ وَمَا نَحْنُ بِكَاذِبِيْنَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ الآخِرَةَ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ, وَيَخْرُجُ إِلَى زِبْدِيْنَ، فَتُضِيْءُ إِبْهَامُهُ اليُمْنَى، فَلاَ يَزَالُ يَمْشِي فِي ضَوْئِهَا إِلَى القَرْيَةِ) كَانَ يزيد بن الأسود يُحَدِّثُ أَنَّهُ «مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي يَوْمٍ، بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُصْبِحَ» قَالَ: فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سِوَى جُزْئِهِ.اهـ وروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ فِي لَيْلَةٍ كَانَ أَوْ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ»، أي: المطيعين، أو الخاشعين، أو المصلين، أو الداعين، أو العابدين، أو القائمين.اهـ وقال عبد الله بن مسعود: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ».
فَقَرَأَهَا (أي أنه لم يقرأ بترتيب المصحف الذي بين أيدينا الآن، فالترتيب الآن هو الابتداء بالفاتحة ثم بالبقرة ثم بآل عمران ثم النساء) (قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ اجْتِهَادٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ وأنه لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تَرْتِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ وَكَّلَهُ إِلَى أُمَّتِهِ بَعْدَهُ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني قال الْبَاقِلَّانِيِّ هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ مَعَ احْتِمَالِهِمَا قَالَ وَالَّذِي نَقُولُهُ إِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الدَّرْسِ وَلَا فِي التَّلْقِينِ وَالتَّعْلِيمِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا حَدٌّ تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ تَرْتِيبُ الْمَصَاحِفِ قَبْلَ مُصْحَفِ عُثْمَانَ قَالَ وَاسْتَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْأُمَّةُ بَعْدَهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ تَرْكَ تَرْتِيبِ السُّوَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالدَّرْسِ وَالتَّلْقِينِ قَالَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّدَهُ لَهُمْ كَمَا اسْتَقَرَّ فِي مصحف عثمان وإنما اختلف الْمَصَاحِفِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمُ التَّوْقِيفُ وَالْعَرْضُ الْأَخِيرُ فيتأول قراءته ﷺ النِّسَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّوْقِيفِ وَالتَّرْتِيبِ وَكَانَتْ هَاتَانِ السُّورَتَانِ هَكَذَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةً قَبْلَ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الْأُولَى وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذلك في رَكْعَةٍ وَلِمَنْ يَتْلُو فِي غَيْرِ صَلَاةٍ قَالَ وقد أباحه بعضهم وتأول نَهْيِ السَّلَفِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَنْكُوسًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ إِلَى أَوَّلِهَا قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ تَرْتِيبَ آيَاتِ كُلِّ سُورَةٍ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ فِي الْمُصْحَفِ وَهَكَذَا نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا ﷺ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا (أي: مرتلًا بتبيين الحروف وأداء حقها، وكانت قراءته ﷺ قراءة مُتْقَنَةً، فهو أعلم الخلق بكتاب الله، وصوته ﷺ أجمل الأصوات التي خلقها الله عز وجل، فقد روى الترمذي عَنْ النبي ﷺ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَكَانَ نَبِيُّكُمْ r حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ.اهـ وفي الشمائل النبوية للترمذي عَنْ يَعَلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِr، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا.اهـ وهكذا ينبغي إذا قُرئ القرءان أنْ يُقرأ مفسراً حرفاً حرفاً، على أصوله. بعض الناس أحيانا لأجل السرعة يخِلُّون ببعض الاحكام، وبعض الأحكام الإخلالُ بها حرام، بعضها وإن كان لا يحرم لكنه قبيح. لكن قسم منها الإخلال بها حرام. المد أحيانا، يعني مثلا “ولا الضالين” أليس تمد ست حركات؟ لو مدها اثنتين فقط فقد أساء، لكنه لو أخلَّ بالمد الطبيعي لأجل السرعة فقد لَحَنَ لحنا لا يجوز، يوقعه في المعصية. وهكذا في مواضعَ أخرى فينبغي أنْ يتنبه الشخص أنْ لا يمُد في غير موضع المد وأن لا يُسقِط المد بالمرة إلى غير ذلك من الأمور وأن يخرج الحروف من مخارجها، كلُ هذا لا بد من التنبُهِ له ومراعاته عند القراءة. ومن الناس من لا ينتبه لهذا كلِهِ، يريد أنْ يَكسِبَ الثواب، فيعصي. وهذا ليس ما ينبغي أنْ يفعلَه الإنسان. أحيانا شخص يتكلم بسرعة يقول “الرسول صوسلم”، ايش معنى صوسلم؟؟! r. أليس تريدُ من ذلك الصلاةَ على النبي عليه الصلاة والسلام ليكون لك الثواب؟ فقلها على وجهها حتى يكون لك الثواب. وهكذا في أمورٍ تشبه هذا ينبغي أنْ يكون الشخص متنبها. بعض الناس يريد أنْ يسبح، يبدأ سبحان الله سبحان الله ثم يصير سبحان اللا سبحان اللا، أكل الهاء، ورب العالمين اسمه الله. هذا ما عاد ذكراً لله صار تحريفا لاسم الله ما عاد ينالُ الثواب صار عليه إثم لأنه حرف اسم الربِّ تبارك وتعالى. لو كان واحد اسمه سليم مثلا، هل يحبُ أنْ ينادى ليم أو حامد هل يحب أنْ ينادى حا. لا بد من مراعاة الشَّرع، الذي يذكر لا بد أنْ يراعي شرع الله والذي يقرأ القرءانَ لا بد أنْ يراعِيَ شرع الله والذي يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أنْ يراعي شرع الله تعالى وهكذا. وهكذا كان النبيُ عليه الصلاة والسلام. أو بعضُهم يكتب صلعم أو ص مجردة، مع أن العلماء نبهوا الى كل هذا، أحيانا يغفُلُ الشخص وأحيانا يتصرف بجهل وكِلا الأمرين ليس حميداً.اهـ
أما حديث: الماهِرُ بالقرآنِ مع السفرَةِ الكرامِ البرَرَةِ، والذي يقرؤُهُ ويتَعْتَعُ فيهِ وهو عليه شاقٌّ لَهُ أجرانِ رواه البخاري.
وفي هذا الحديثِ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الذي يَقرَأُ القرآنَ وهو ماهرٌ حاذِقٌ، لا يَتوقَّفُ ولا تَشُقُّ عليه القِراءةُ؛ لجَودةِ حِفظِه وإتقانِه؛ أنَّ مَنزِلَتَه مع السَّفَرةِ الكرامِ البَرَرةِ، المرادُ الملائكةُ المُكرَمونَ المقرَّبون عِندَ اللهِ تعالَى؛ لعِصمتِهم ونَزاهتِهم عن دَنَسِ المعصيةِ والمخالَفةِ، والبَرَرةُ جمعُ البارِّ، وهمُ المطيعونَ. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ معْنى كونِه معَ الملائكةِ: أنَّ له في الآخرةِ منازلَ يكونُ فيها رفيقًا للملائكةِ السَّفرةِ؛ لاتِّصافِه بصِفتِهم مِن حمْلِ كِتابِ اللهِ تعالَى، وأخبَرَ أنَّ الذي يَقرَأُ القرآنَ، فيَضبِطُه ويَتفقَّدُه، ويُكرِّرُ قراءتَه حتَّى لا يَنساهُ، ويَشتدُّ عليه هذا الأمرُ ويَشُقُّ عليه؛ لضعْفِ حِفْظِه وإتقانِه؛ فإنَّ له أجريْنِ: أجرًا لِقراءتِه، وأجْرًا لِعَنائِه وما يُلاقيهِ مِن شِدَّةٍ في حِفْظِه، وليسَ المرادُ أنَّ أجْرَه أكثرُ مِن أجْرِ الماهرِ، بلِ الأوَّلُ أكثرُ؛ ولذا كان مع السَّفَرةِ؛ فالحافظُ لا يَصيرُ كذلك إلَّا بعْدَ عَناءٍ كثيرٍ ومَشقَّةٍ شَديدةٍ غالبًا.اهـ
وروي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ r عَلَى نَاقَتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهُوَ يَقْرَأُ: ]إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ[، قَالَ: فَقَرَأَ، قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: لَوْلا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ لأَخَذْتُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ الصَّوْتِ) (والنبي ﷺ كان يقرأ القرآن مجوَّدًا مُرَتَّلًا، والتجويد لغة مصدر من جـود تجويدا، أي أتى بالقراءة مجودة الألفاظ، ومعناه الإتيان بالجيد. واصطلاحا إعطاء كل حرف حقه ومستحقه، وترتيب مراتبه، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وتلطيف النطق به من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف، قال الداني: «ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكه». أي بفمه. وطريقه: الأخذ من أفواه المشايخ العارفين بطريق أداء القراءة بعد معرفة ما يحتاج إليه القارئ من مخارج الحروف وصفتها والوقف والابتداء والرسم، كما قال الشيخ زكريا الأنصاري. أما الترتيل لغة فهو مصدر من رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا على مكث. واصطلاحا: ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها بتلبث فيها. وأما حكمه: فتعلمه فرض كفاية على المسلمين. وأما فضله: فهو أنه يعلم التلاوة على الوجه الذي أنزل. وأما استمداده فمن القراءة المتبعة المتلقاة بالتواتر خلفا عن سلف) إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيْهَا تَسْبِيْحٌ سَبَّحَ (أَسْنَدَ النَّحَّاسُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَعْنَى” سُبْحَانَ اللَّهِ” فَقَالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ). ومنه قول الملائكة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أَيْ نُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِكَ. وَالتَّسْبِيحُ فِي كَلَامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وَهُوَ الْجَرْيُ وَالذَّهَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:” إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا” [المزمل: 7] فَالْمُسَبِّحُ جَارٍ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ. والمعنى أي تنزه الله وتبارك عما لا يليق به من الوصف بصفات المخلوقات كالجسم والجوارح والمكان والتغير والجلوس والنزول الحقيقي ونحوه فالتسبيح كما قال الزبيدي وغيره التنزيه أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات)، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ (أي طلب من الله تحقيقَ مراداتِهِ)، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ (قال الفيومي: اسْتَعَذْتُ بِاَللَّهِ وَعُذْتُ بِهِ مَعَاذًا وَعِيَاذًا اعْتَصَمْتُ وَتَعَوَّذْت بِهِ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} لِأَنَّهُمَا عَوَّذَتَا صَاحِبَهُمَا أَيْ عَصَمَتَاهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وهذا الوصف لقراءة النبي ﷺ يدل على خشوعه واستحضاره لمعاني ما يقرأ عليه الصلاة والسلام) (قال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ)، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُوْلُ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ” (العظيم معناه أنه عَظِيمُ الشَّأْنِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ، فَالله أعْظِمُ قَدْرًا مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ، فَاللّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ قَدْرًا وَعَظَمَةً وَلَيْسَ حَجْمًا وَجِسْمًا فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسْمِيَّةِ وَعَنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ. فَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ قَدْرًا وَعَظَمَةً وَرُتْبَةً وَشَأنًا وَمَنْزِلَةً وَلَيْسَ حَجْمًا وَلَا جُثَّةً وَلَا كَمِّيَّةً إِذْ أَنْ مَنْ وَصَفَ اللهَ بالحجميةِ وَالجِسْمِيَّةِ أَوْ عُلُوِّ المكَانِ وَالمسَافَةِ أَوْ الجِهَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللّهِ العَظِيمِ جَاهِلٌ بِهِ، وَمَعْنى سُبْحانَ رَبِّيَ الأَعْلى وَسَبحَانَ رَبَّيَ العَظِيمِ تَقْدِيسٌ وَتَمْجِيدٌ وَتَعْظِيمٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الكُفَّارُ مِنْ نِسْبَةِ المكَانِ أَوِ الحَجْمِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَ عِظَمُ اللهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الجِسْمِيَّةُ وَالتَّرْكِيبُ مِنْ أَجْزَاءَ، فَالْمُرَكَّبُ مُحْتَاجٌ لِمَنْ رَكَّبَهُ وَمُحْتَاجٌ لِمَنْ حَدَّهُ بِذَلِكَ الحَدِّ وَمُحْتَاجٌ لِمَنْ قَدَّرَهُ بِمِقْدَارِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا وَكُلُّ مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى مَحْدُودَةٌ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَدَّهَا قَالَ الله تَعَالَى: [وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ]، وقال تعالى: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]، فَمَنْ نَظَرَ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلِمَ أَنَّ العَالَمَ وَمَا فِيهِ لَهُ حَدٌّ وَمِقْدَارٌ مِنْهُ العَظِيمُ المِقْدَارِ وَمِنْهُ القَلِيلُ المِقْدَارِ وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ لَا كَبِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَان لَهُ مِقْدَارٌ لِكَانَ شَبَهًا لِأَجْزَاءِ العَالَمِ المقَدَّرَةِ المحْدُودَةِ. [ مِنْ خَوَاصِّ اِسْمِ اللهِ “العَظِيمِ”: وَجُودُ العَافِيَةِ وَالبُرْءِ مِنَ المَرَضِ لِمَنْ يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَضَرَ أَجَلُهُ]) فَكَانَ رُكُوْعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ (أي أنه أطال الركوعَ) ثُمَّ قَالَ: “سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ” (أَيْ أَجَابَ اللهُ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ وَمعنَى يَسمعُ اللهُ لكمْ يستجيبُ دعاءَكُمْ، فالله تعالى هوَ السَّامعُ للسِّرِّ والنَّجوى بلا كيفٍ ولا ءالةٍ ولا جارحةٍ وهوَ سميعُ الدعاءِ أي مجيبُهُ، والسمعُ صفةٌ أزليةٌ ثابتةٌ لذاتِ اللهِ فهوَ يسمعُ الأصواتَ بسمعٍ أزليٍّ أبديٍّ لا كسمعِنَا ليسَ بأذنٍ وصماخٍ، فهوَ تعالى لا يعزبُ أي لا يغيبُ عنْ سمعِه مسموعٌ وإنْ خَفِيَ – أي علَيْنَا – وبَعُدَ – أي عنَّا -، كمَا يعلمُ بغيرِ قلبٍ. ودليلُ وجوبِ السمعِ لهُ عقلًا أَنَّه لو لم يكنْ مُتَّصِفًا بالسمعِ لكانَ مُتَّصِفًا بالصَّمَمِ وهوَ نقصٌ على اللهِ والنقصُ عليهِ محالٌ، فمنْ قالَ إِنَّه يسمعُ بأذنٍ فقدْ كفرَ، أما حديثُ ((لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا))، الأَذَنُ فِي اللُّغَةِ الاسْتِمَاعُ فهوَ يسمعُ هذهِ الأصواتَ الحادثةَ بسمعِه الأزليِّ الأبديِّ الذي ليسَ لوجودِه ابتداءٌ ولا انتهاءٌ بلْ هوَ باقٍ دائمٌ كسائرِ الصفاتِ. يسمعُ اللهُ كلامَه الأزليَّ بسمعٍ أزليٍّ ويسمعُ كلامَ المخلوقاتِ وأصواتَهم بسمٍع أزليٍّ ليسَ بسمعٍ يحدثُ في ذاتِه عندَ وجودِ الحادثاتِ.
ومِنْ خواصِّ اسمِ اللهِ “السميعِ”: أَنَّ مَنْ قَرَأَهُ يومَ الخميسِ بعدَ صلاةِ الضحىْ خمسَمِائَةِ مرةٍ كانَ مجابَ الدعاءِ) ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيْلًا قَرِيْبًا مِمَّا رَكَعَ (أي أطال القيام أيضًا)، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَىْ” (الأعلى أي هُوَ الَّذِي يَعْلُو عَلَى خَلْقِهِ بِقَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِارْتِفَاعِ المكَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ المكَانِ لِأَنَّهُ خَالِقُهُ، قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَبِ: “العلاءُ الرِّفعةُ”، فَصِفَاتُ اللهِ تَعَالَى أزليةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا بِدَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ وَالمكَانُ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ واللهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ عَلِيٌّ قَبْلَ خَلْقِ المكَانِ وَالجِهَاتِ، فَعَلُوُّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ عُلُوَّ مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ. العَلِيُّ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللهِ معناهُ عُلُوُّ القَدْرِ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فِي الجِهَةِ العُلْيَا مِنَ العَالَمِ وَهُوَ مَا يَلِي العَرْشَ لِأَنَّ هَذَا عُلُوُّ مَكَانٍ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِيْنَ فَلَيْسَ مَعْنَى الأعلى أو العلي في حق الله تعالى أَنَّهُ قَاعِدٌ فَوْقَ العَرْشِ أَوْ فِيمَا بَيْنَ سمائين مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بَلِ القُعُودُ مِنْ صِفَاتِ الخَلْقِ وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ أَيْ لَا يُوْصَفُ بِالقُعُودِ أَيِ الجُلُوسِ وَلَا بِالقِيَامِ الَّذِي هُوَ يُقَابِلُ القُعُودَ وَلَا بِالمحَاذَاةِ وَالاسْتِقْرَارِ بَلْ هُوَ عَلِيٌّ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَىءٍ قَدْرًا، فَالأعلى هُوَ المسْتَحِقُّ لِأَوْصَافِ الرِّفْعَةِ وَالجَلَالِ وَالتَّقْدِيسِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ، وقالَ الفيروزأباديُّ: ” وقالَ الطبريُّ: [وَهُوَ الْعَلِيُّ] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ وَهُوَ العَلِيُّ عَنِ النَّظِيرِ وَالأَشْبَاهِ”.اهـ وقالَ القرطبيُّ: [وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيْمُ] يُرَادُ بِهِ عُلُوَّ القَدْرِ وَالمنْزِلَةِ لَا عُلُوَّ المكَانِ لِأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ وَالعَلِيُّ وَالعَالِي: القَاهِرُ الغَالِبُ لِلأَشْيَاءِ تَقُولُ العَرَبُ: عَلَا فُلَانٌ فُلَانًا أَيْ غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمُ
تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرٍ
وَهِيَ صِفَةٌ بِمَعْنَى عَظِيمِ القَدْرِ والشّرفِ، لَا عَلَى مَعْنَى عِظَمِ الأَجْرَامِ.اهـ وقالَ الرازيُّ: [وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيْمُ] وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المرَّادُ مَنْهُ العُلُوَّ بِالجِهَةِ، وَقَدْ دَللنَا عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ”اهـ
وقالَ ابنُ عطيةَ: [الْعَلِيُّ]: يُرَادُ بِهِ عُلُوَّ القَدْرِ وَالمنْزَلَةِ لَا عُلُوَّ المكَانِ، لِأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ”.اهـ
وَقَدْ تَقَرَرَ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ أَنَّ البارىءَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الأَنْبِيَاءُ وَالمرْسَلُونَ، وَبِهِ جَاءَ كِتَابُ رَبِّنَا العَزِيز وَعَلَيْهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَخَلَفُهَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
قَالَ الرَّازِي فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِهِ تَنْزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنْ المكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ مَا نُصُّهُ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ تَعَالَى مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَزِدْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ الْخَلَّاقِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 23] فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الدخان: 7] وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 26] وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: قالَ (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [الشُّعَرَاءِ: 28] وَكُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخَلَّاقِيَّةِ وَأَمَّا فِرْعَوْنُ لعنه اللَّه فانه قال: (يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى) [غَافِرٍ: 36 37] فَطَلَبَ الْإِلَهَ فِي السَّمَاءِ فَعَلِمْنَا أَنَّ وَصْفَ الْإِلَهِ بِالْخَلَّاقِيَّةِ وَعَدَمَ وَصْفِهِ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ دِينُ مُوسَى وَسَائِرِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ ووَصْفه تَعَالَى بِكَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الْكَفَرَةِ) فَكَانَ سُجُوْدُهُ قَرِيْبًا مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.