الحديث الواحد بعد المائة

الدرس ٩١ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:٠٠:٢١

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَشْكُورِ عَلَى مَا أَعْطَى، وَالْمُجَابِ إِلَى مَا دَعَا، وَالْمَرْغُوبِ فِيمَا رَغَّبَ فِيهِ وَمَنَّى، أَعْطَانَا التَّوْحِيدَ بِعلمِهِ بنَا، فَأَجَبْنَا إِلَى طَاعَتِهِ بِتَوْفِيقِهِ لَنَا، وَرَغَّبَنَا فِي كَرَامَتِهِ وَجَنَّتِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّاهَا لَنَا وَرَغَّبَنَا فِيهَا، فَهُوَ السَّلَامُ، وَدَارُهُ دَارُ السَّلَامِ، وَالسَّالمُ مَنْ سَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَسَابَقَ إِلَى مَرْضَاتِهِ لِيَحْظَى بِدُخُولِ دَارِ النعيمِ الَّتِي يٌؤْمَنُ فِيهَا مِنَ الْآفَاتِ، وَيُسْلَمُ فِيهَا مِنَ الْعَاهَاتِ، الَّتِي مَنْ دَخَلَهَا أَمِنْ مِنَ الْبَوَارِ، وَسَلِمَ مِنَ الدَّمَارِ، وَحَظِيَ بِنعيمِ الْعزيزِ الْجَبَّارِ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ المختار، أفضلِ مَن دخلَ دارَ القرار، وأولِ مَن يقرعُ بابَها وينالُ بذلكَ مِن أنواع العزِّ والفخار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه البررةِ الأخيار، وعلى أبي بكرٍ صاحبِه في الغار، وعلى عمرَ الفاروقِ الذي دكَّ عروشَ الكفرةِ الفجار، وعلى عثمانَ الحييِّ الكريمِ المعطار، وعلى ابنِ عمِّه وزوجِ ابنتِه عليٍّ الكرار، وعلى مَن سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم الفصل والقرار، أما بعد: 

الحديث

السابع: عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بَالْمَكَارِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَفِيْ رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (حُفَّت) بَدَلَ (حُجِبَت) وَهُوَ بِمَعْنَاهُ: أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا الْحِجَابُ، فَإِذَا فَعَلَهُ دَخَلَهَا.

الشرح

السابع (أي الحديث السابع من باب المجاهدة وهو الحديث الواحد بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْهُ (أي عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو راوي هذا الحديث والحديثِ الذي قبله) أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (حُجِبَتِ (أَيْ: أُحِيطَتْ، وقال ابن حجر: أَيْ غُطِّيَتْ بِهَا فَكَانَتِ الشَّهَوَاتُ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي النَّار) النَّارُ (وهي جهنم هي دار العذاب المقيم، من نجا منها نجا من عسير، أنذرنا الله من حرِّها وشدة عذابها فقال: ((إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ، نَذِيرًا لِلْبَشَرِ)) والكُبَر: أي الأمورُ العِظَامُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ ‌مَا ‌أُنْذِرَ ‌الْخَلَائِقُ بِشَيْءٍ أَدْهَى مِنْهَا، وقد تعددت أحوال الصالحين من هذه الأمة عند ذكر جهنم وما فيها من الأهوال، فمن الخائفين من منعه خوفُ جهنم من النوم فقد كان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام، فيقوم إلى مصلاه. وكان طاووس يفترش فراشه ثم يضطجع عليه ثم يثب ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين. وقال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبت مالَكَ لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن النار لا تدع أباكِ ينام. وكان صفوان بن محرز إذا جنَّهُ الليل يخور كما يخور الثور ويقول: منع خوف النار مني الرقاد. وكان عامر بن عبد الله يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام هاربها فكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح وإذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي. وكان ينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي. وعن أبي مهدي قال: ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي وما أطلب إلا فِكاكَ رقبتي من النار. وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:

إِذَا مَا ‌اللَّيْلُ ‌أَظْلَمَ ‌كَابَدُوهُ
فَأَسْفَرَ عَنْهُمُ وَهُمُ رُكُوعُ

أَطَارَ الْخَوْفُ أَمْنَهُمُ فَقَامُوا
وَأَهْلُ الْأَمْنِ فِي الدُّنْيَا هُجُوعُ 

وقَالَ إسماعيل السدي: قَالَ الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط، قَالَ: كيف أضحك وجهنم قد سُعِّرَتْ والأغلال قد نصبت والزبانية قد أعدت؟! وفي حديث أبي ذر الطويل عند ابن حبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله ما كانت صحف موسى؟ قَالَ: “كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار وهو يضحك”. وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف، فهم أمثال الفِراخ ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم!! وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إِلَى قوله تعالى: {إن عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} قَالَ عمر: قَسَمٌ وربِّ الكعبةِ حقٌّ، ثم رجع إِلَى منزله فمرض شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. وكان جماعة من عُبَّاد البصرة مرضوا من الخوف ولزموا منازلهم كالعلاء بن زياد وعطاء السلمي. وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين. وكانوا يرون أن بدو مرض عمر بن عبد العزيز الَّذِي مات فيه كان من الخوف. وسُئِلت فَاطِمَة بنت عبد الْملك زَوْجَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عبَادَة عمر فَقَالَت وَالله مَا كَانَ بِأَكْثَرَ النَّاس صَلَاة وَلَا أَكْثَرهم صياما وَلَكِن وَالله مَا رَأَيْت أحدا أخوف لله من عمر لقد كَانَ يذكر الله فِي فرَاشه فينتفض انتفاض العصفور من شدَّة الْخَوْف حَتَّى نقُول ‌ليصبحن ‌النَّاس ‌وَلَا ‌خَليفَة ‌لَهُم. وَقَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز بِالنَّاسِ ذَات لَيْلَة {وَاللَّيْل إِذا يغشى} فَلَمَّا بلغ {فأنذرتكم نَارا تلظى} خنقته الْعبْرَة فَلم يسْتَطع أَن ينفذها فَرجع حَتَّى إِذا بلغَهَا خنقته الْعَبْرَة فَلم يسْتَطع أَن ينفذها فَتَركهَا وقرأ سورة غَيرهَا. ويروي الإمام أحمد عن حذيفة قَالَ: كان شاب عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فلما نظر إِلَيْهِ الشاب قام إِلَيْه فاعتنقه وخر ميتًا، قَالَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم: “جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده، والذي نفسي بيده. لقد أعاذه الله منها، من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه”.اهـ وقال حفص بن عمرو الجعفي فيما رواه أبو نعيم: اشتكى داود الطائي أيامًا، وكان سبب علته أنّه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مرارًا في ليلته، فأصبح مريضًا، فوجدوه قد مات ورأسه عَلَى لبنة. ورُوي أن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وقال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب “الأهوال” فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه، فحمل إِلَى منزله، وعاش أيامًا، ثم مات رحمه الله. نسأل الله أن يجيرنا من نار جهنم ويجعَلَنا من الذين يستعدون لها حق الاستعداد) بِالشَّهَوَاتِ (كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا، وَالشَّهَوَاتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شَهِيٌّ أَيْ مُشْتَهًى. وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ مُرْدٍ وَطَاعَتُهَا مَهْلَكَةٌ، وقيل: الشَّهَوَاتُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَيَشْتَهِيهِ وَيُلَائِمُهُ وَلَا يَتَّقِيهِ. قال القرطبي: وَفَائِدَةُ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِزِ الْمَكَارِهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا. وَأَنَّ النَّارَ لَا يُنْجَى مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَفِطَامِ النَّفْسِ عَنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ حَزْنٌ [الحزن (بفتح فسكون): المكان الغليظ الخشن] بِرَبْوَةٍ [الربوة (بالضم والفتح): ما ارتفع من الأرض] وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ [السهوة: الأرض اللينة التربة]، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ” حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ”. أَيْ طَرِيقُ الْجَنَّةِ صَعْبَةُ الْمَسْلَكِ فِيهِ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الرَّوَابِي، وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ لَا غِلَظَ فِيهِ وَلَا وُعُورَةَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ” سَهْلٌ بسهوة”)، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ (وهي دار النعيم والسلامة من الآفات والبليات والمكروهات، قال تعالى: ((وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)). ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقل أهل الجنة منزلة فما بالكم بالأعلين درجات، وما ذاك إلا لما نالوه ببركة الإيمان والثبات عليه. روى مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (‌سَأَلَ ‌مُوسَى ‌رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ! كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ! قَالَ: رَبِّ! فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي (قال النووي: مَعْنَاهُ اصْطَفَيْتُهُمْ وَتَوَلَّيْتُهُمْ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَى كَرَامَتِهِمْ تَغْيِيرٌ) (ليس معناه أن الله يوصف باليد الجارحة، لا، فربنا عز وجل تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات. لا يوصف بالجسمية ولا بصفات الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا. فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ” قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}. وروى مسلم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ. فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً ‌وَيَكْبُو ‌مَرَّةً. وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً. فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ. لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (يرى أنه حاز ما لم يأخذه أحد من الأولين والآخرين بمجرد أنه نجا من النار). فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ! لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: لَا. يَا رَبِّ! وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ. لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ له عليه. فيدنيه منها. فيستظل بظلها ويشرب مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا. لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ. لِأَنَّهُ يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه مِنْهَا. فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى. يَا رَبِّ! هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا. فَيُدْنِيهِ مِنْهَا. فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ (كان يتكلم عن نجاة من النار وانظر إلى ما صار إليه بعد ذلك)). وفي البخاري: فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: ‌تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ‌تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا. 

وهذا كله يناله العبد ببركة الإيمان، لأنه اجتنب الكفر في هذه الدنيا، فلذلك يجب على المؤمن أن يحفظ إيمانه من الردة: والردةُ وهيَ قطعُ الإسلامِ، وتنقسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: أفعالٍ وأقوالٍ واعتقاداتٍ كما اتَّفقَ على ذلكَ أهلُ المذاهبِ الأربعةِ وغيرُهم، كالنوويِّ وغيرِه مِنَ الشافعيةِ، وابنِ عابِدِينَ وغيرِه مِنَ الحنفيةِ، ومحمدٍ عليشٍ وغيرِه مِنَ المالكيةِ، والبهوتيِّ وغيرِه مِنَ الحنابلةِ، وكلٌّ مِنَ الثلاثةِ كفرٌ بمفردِه؛ فالكفرُ القوليُّ كفرٌ ولو لم يقترنْ بهِ اعتقادٌ أو فعلٌ، والكفرُ الفعليُّ كفرٌ ولو لم يقترنْ به قولٌ أو اعتقادٌ أو انشراحُ الصدرِ به، والكفرُ الاعتقاديُّ كفرٌ ولو لم يقترنْ به قولٌ أو فعلٌ، وسواءٌ حصَلَ هذا مِن جاهلٍ بالحكمِ أو هازلٍ أو غضبانَ قالَ اللهُ تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ))، وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكلَّمُ بِالْكلِمَةِ لَا يَرَىْ بِهَا بَأْسًا يَهْوِيْ بِهَا سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا فِي النَّارِ)) وفي معناهُ حديثٌ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وقال الإمامُ المجتهدُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: “إنَّ من المسلمينَ من يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه”اهـ وقالَ الحافظُ الكبيرُ أبو عَوانَةَ الذي عَمِل مستخرجًا على مُسلمٍ: “وفيه أنَّ مِنَ المسلمينَ مَنْ يخرجُ مِنَ الدينِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه ومِن غيرِ أنْ يختارَ دينًا على دينِ الإسلامِ”اهـ 

وقال السيدُ البكريُّ الدِّمياطيُّ: “واعلمْ أنَّه يجري على ألسنةِ العامَّةِ جملةٌ ِمن أنواعِ الكفرِ من غيرِ أنْ يعلموا أنها كذلك، فيجبُ على أهلِ العلمِ أن يُبيِّنوا لهم ذلك لعلهم يجتنبونَه إذا علموه لئلا تحبَطَ أعمالُهم ويخلُدونَ في أعظمِ العذابِ وأشدِّ العقابِ ومعرفةُ ذلك أمرٌ مهمٌّ جدًا وذلك لأن من لم يعرفِ الشرَّ يقَعْ فيه وهو لا يدري وكلُّ شرٍّ سببُه الجهلُ وكلُّ خيرٍ سببُه العلمُ، فهو النورُ المبين والجهلُ بئسَ القرينُ.اهـ 

ويقولُ الحافظُ الزبيديُّ ما نصُّه: “وقد ألَّفَ فيها -أي الردةِ- غيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ مِن المذاهبِ الأربعةِ رسائلَ وأكثروا في أحكامِها”اهـ وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ أبو بكر الحِصنيُّ الشافعيُّ ما نصُّه: “فصلٌ في الردةِ: وفي الشرعِ الرجوعُ عن الإسلامِ إلى الكفرِ وقطعُ الإسلامِ، ويحصلُ تارةً بالقولِ وتارةً بالفعلِ وتارةً بالاعتقادِ، وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواعِ الثلاثةِ فيه مسائلُ لا تكادُ تُحصرُ، فنذكرُ مِن كلٍّ نبذةً ما يُعرفُ بها غيرُه أمَّا القولُ: فلو سبَّ نبيًا مِن الأنبياءِ أو استخفَّ بهِ فإِنَّه يكفُرُ بالإجماعِ، ولو قالَ لمسلمٍ يا كافرُ بلا تأويلٍ كفرَ لأنَّه سمَّى الإسلامَ كفرًا. وأمَّا الكفرُ بالفعلِ: فكالسجودِ للصنمِ والشمسِ والقمرِ وإلقاءِ المصحفِ في القاذوراتِ والسِّحرِ الذي فيه عبادةُ الشمسِ، ولو فعلَ فعلًا أجمعَ المسلمونَ على أنَّه لا يصدُرُ إلا مِن كافرٍ وإنْ كانَ مصرِّحًا بالإسلامِ معَ فعلِه. وأمَّا الكفرُ بالاعتقادِ: فكثيرٌ جدًا فَمَنِ اعتقدَ قِدَمَ العالَم أو حدوثَ الصانعِ، أو اعتقدَ نفيَ ما هو ثابتٌ للهِ تعالى بالإجماعِ، أو أثبتَ ما هو منفىٌّ عنهُ بالإجماعِ كالألوانِ والاتصالِ والانفصالِ كانَ كافرًا، أو استحلَّ ما هو حرامٌ بالإجماعِ، أو حرَّمَ حلالًا بالإجماعِ، أو اعتقدَ وجوبَ ما ليسَ بواجبٍ كفرَ، أو نفى وجوبَ شىءٍ مجمعٍ عليه عُلِم مِن الدينِ بالضرورةِ كفرَ، وقد جزمَ النوويُّ في صفةِ الصلاةِ مِن شرحِ المهذَّبِ بتكفيرِ المجسمةِ، قلتُ: وهو الصوابُ الذي لا مَحيدَ عنه إذ فيهِ مخالفةُ صريحِ القرءانِ، قاتَلَ اللهُ المجسمةَ والمعطلةَ ما أجرأَهم على مخالفَةِ مَنْ ليسَ كمثلِه شىءٌ وهو السميعَ البصيرَ”.اهـ  

ومما يدل على بركة الإيمان وشؤم الكفر ما روى ابن أبي شيبة وأحمد عَنِ الْبَرَاءِ بن عازب قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي ‌انْقِطَاعٍ ‌مِنَ ‌الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، حَتَّى يَجْلِسُونَ مِنْهُ، مَدَّ الْبَصَرِ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقْعُدُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَإِذَا أَخَذُوهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَذَلِكَ الْحَنُوطِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْخَةِ مِسْكٍ، وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيَسْتَقْبِلُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِي الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولَانِ: مَا عَمَلُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، وَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَقْتُ بِهِ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا، وَرَوْحِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتُ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، أَقِمِ السَّاعَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي، وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي ‌انْقِطَاعٍ ‌مِنَ ‌الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ (وهو الجلد)، حَتَّى يَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ قَالَ: فَتَفْرُقُ فِي جَسَدِهِ، قَالَ: فَتَخْرُجُ فَيَنْقَطِعُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ فَيَأْخُذُوهَا، فَإِذَا أَخَذُوهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ، طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، وُجِدَتْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ” قَالَ: فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ الْمَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهَا لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا دِينُكَ؟، فَيَقُولُ: هَاهَا لَا أَدْرِي قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَفْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتَّى تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، وَقَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتُ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ) بَالْمَكَارِهِ (كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، (المَكَاره) جمع: كَرْه، وهو المشقة والشدة، جمع على غير قياس، كـ (محاسن) جمع حسن؛ يعني: الجنةُ مُحدَقة بأنواع الشدائد والمشقات، وهي عبارة عن التكاليف الشرعية من الصوم والصلاة والحج والزكاة، فإنها ثقيلةٌ على غالب الأنفس، لا سيما الزكاةِ؛ فإنها ماليةٌ، فالثقلُ فيها أشدُّ؛ لأن البخلَ مركوزٌ في أكثر الطبائع، فحينَئذٍ مَن امتثلَ أوامر الشرع فقد قطعَ مفاوزَ المشقات العظيمة من التكاليف، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يحصلَ له الجنةُ الباقيةُ؛ جزاءً لذلك الاحتمال العظيم في التكاليف رزقنا الله سبحانه إياها بفضله، وكذا النارُ مُحدَقة بالشهوات، وهي عبارة عن الدنيا ومستلذاتها ومرادات النفس، كشرب الخمر والزنا وغير ذلك من المحرَّمات الشرعية، فإن غالب النفوس مائلةٌ إليها طبعًا، والشيطانُ مساعدٌ لها طوعًا، أعاذنا الله تعالى منها برحمته) (ومعنى الحديث بالإجمال ما قال النووي رحمه الله: مَعْنَاهُ لَا يُوصَلُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى النَّارِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ، وَكَذَلِكَ بِهَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا، فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ، فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ، وَهَتْكُ حُجُبِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ، وَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَالْعَادَاتُ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا اهـ. وَيُنَاسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ بَنَى مَكَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ وَالدَّرَجَاتِ» أَيْ: لَا تَحْصُلُ دَرَجَاتُهَا إِلَّا بِالتَّحَمُّلِ عَلَى مَكْرُوهَاتِهَا) (قال ابن حجر: وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدِيعِ بَلَاغَتِهِ فِي ذَمِّ الشَّهَوَاتِ وَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهَا النُّفُوسُ وَالْحَضِّ عَلَى الطَّاعَاتِ وَإِنْ كَرِهَتْهَا النُّفُوسُ وَشَقَّ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ انْظُرْ إِلَيْهَا قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ ‌بِالْمَكَارِهِ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهَا فَرَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَرَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهَا فَرَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ فَهَذَا يُفَسِّرُ رِوَايَةَ الْأَعْرَجِ فَإِنَّ الْمُرَادَ ‌بِالْمَكَارِهِ هُنَا مَا أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا كَالْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَاتِ عَلَى وَجْهِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمَكَارِهَ لِمَشَقَّتِهَا عَلَى الْعَامِلِ وَصُعُوبَتِهَا عَلَيْهِ وَمَنْ جُمْلَتِهَا الصَّبْرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا وَالْمُرَادُ بِالشَّهَوَاتِ مَا يُسْتَلَذُّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مِمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ تَعَاطِيهِ إِمَّا بِالْأَصَالَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِ فِعْلِهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ الشُّبُهَاتُ وَالْإِكْثَارُ مِمَّا أُبِيحَ خَشْيَةَ أَنْ يُوقِعَ فِي الْمُحَرَّمِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يُوصَلُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَشَقَّاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْمَكْرُوهَاتِ وَلَا إِلَى النَّارِ إِلَّا بِتَعَاطِي الشَّهَوَاتِ وَهُمَا مَحْجُوبَتَانِ فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ اقْتَحَمَ) (وقال القرطبي: وقوله: ” حفت ‌الجنة ‌بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ” من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه عليه السلام من التمثيل الحسن، فإن حفاف الشيء جوانبه، فكأنه أخبر عليه السلام أنه لا يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره وكذلك الشهوات، وما تميل إليه النفوس، وأنّ اتباع الشهوات يلقى في النار ويدخلها وأنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات. فيه تنبيه على اجتنابها).

وَفِيْ رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (حُفَّت) بَدَلَ (حُجِبَت) (يَعْنِي لَفْظُ حُجِبَتْ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ حُفَّتْ لِمُسْلِمٍ فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْنًى، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، لَكِنَّ حَدِيثَهُمْ فِيهِ تَقَدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مُخَالِفٌ لِلْبُخَارِيِّ فِي تَرْتِيبِهِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: ( «حُفَّتِ ‌الْجَنَّةُ ‌بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»)) وَهُوَ بِمَعْنَاهُ: أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا الْحِجَابُ، فَإِذَا فَعَلَهُ دَخَلَهَا. 

(قال ابن حجر: قَوْلُهُ حُفَّتْ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءُ مِنَ الْحِفَافِ وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِالشَّيْءِ حَتَّى لَا يُتَوَصَّلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَخَطِّيهِ فَالْجَنَّةُ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِزِ الْمَكَارِهِ وَالنَّارُ لَا يُنَجَّى مِنْهَا إِلَّا بترك الشَّهَوَات. وفي معنى حديثنا هذا روي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْخَيْرَ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ، أَلَا وَإِنَّ الْجَنَّةَ حَزْنَةٌ بِرَبْوَةٍ، أَلَا وَإِنَّ النَّارَ سَهْلَةٌ بِشَهْوَةٍ فَمَتَى مَا يُكْشَفُ بِرَجُلٍ حِجَابُ شَهْوَةٍ وَهَوًى أَشْفَى عَلَى النَّارِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَتَى مَا يُكْشَفُ بِرَجُلٍ حِجَابُ صَبْرٍ وَكُرْهٍ أَشْفَى عَلَى الْجَنَّةِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، فَاعْمَلُوا بِالْحَقِّ تَنْزِلُوا بِالْحَقِّ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ لَا يُقْضَى إِلَّا بِالْحَقِّ.اهـ وَقَالَ يَحْيَى: يَا ابْنَ آدَمَ حُفَّتِ ‌الْجَنَّةُ ‌بِالْمَكَارِهِ فَأَنْتَ تَكْرَهُهَا، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ فَأَنْتَ تَطْلُبُهَا، فَمَا أَنْتَ إِلا كَالْمَرِيضِ الشَّدِيدِ الدَّاءِ، إِنْ صَبَرَتْ نَفْسُهُ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ اكْتَسَبَ بِالصَّبْرِ عَافِيَةَ الشِّفَاءِ، وَإِنْ جَزِعَتْ نَفْسُهُ عَلَى مَا لَمْ يَلْقَ مِنْ أَلَمِ الدَّوَاءِ طَالَتْ بِهِ عِلَّتُهُ).

وهذا الحديث يدلنا على أن الدنيا ليست هي منتهى الأمر، فقد يكون بعض الناس تعب تعبا شديدا في هذه الدنيا وأصابته المكروهات والبلايا، ولكن مآله في الآخرة إلى نعيم الله عز وجل، فالدنيا ليست الجنة والدنيا ليست منتهى أمرنا، بل العبرة بالآخرة التي لا تعب فيها، وقد روى أبو سعيد النقاش في هذه المعنى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” خَرَجَ مُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ إِلَى الْبَحْرِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي عَجَائِبِ الْبَحْرِ، فَإِذَا هُوَ بِصَيَّادٍ مُشْرِكٍ مَجُوسِيٍّ خَبِيثٍ، أَشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَفَرَ بِهِ، فَأَلْقَى شَبَكَتَهُ، فَطَبَعَهَا سَمَكًا، ثُمَّ أَلْقَاهَا الثَّانِيَةَ فَطَبَعَهَا سَمَكًا حَتَّى مَلَأَ سَفِينَتَهُ، ثُمَّ وَلَّى وَأَشْرَكَ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ شَيْخٌ كَبِيرٌ مُسْلِمٌ وَرِعٌ، فَأَلْقَى الشَّبَكَةَ فَلَا شَيْءَ، ثُمَّ أَلْقَى الثَّانِيَةَ وَدَعَا، فَلَا شَيْءَ، ثُمَّ أَلْقَى الثَّالِثَةَ، وَأَمْسَى قَالَ: يَا رَبِّ، عِيَالِي وَحَاجَتَنَا. قَالَ: فَإِذَا هُو بِسَمَكِةٍ قَدْ وَقَعَتْ فِي الشَّبَكَةِ قَالَ: وَمُوسَى يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَشَكَرَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا يُبَلِّغُ عِيَالَنَا اللَّيْلَةَ، وَانْصَرَفَ حَامِدًا لِلَّهِ شَاكِرًا. قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ، عَبْدٌ جَاءَكَ أَشْرَكَ بِكَ، وَكَفَرَ بِكَ، وَجَعَلَ لَكَ شُرَكَاءَ، بَسَطْتَ لَهُ رِزْقَكَ، وَأَوْسَعْتَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَيْتَهُ، وَجَاءَكَ عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ رَاضِيًا بِكَ، فَقَتَرْتَ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتَ لِهَذَا الْمُشْرِكِ، وَيَأْكُلُ رِزْقَكَ، وَيَمْشِي فِي أَرْضِكَ، وَيَعْبُدُ غَيْرَكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى، إِنَّ لِي دَارَيْنِ، فَانْظُرْ إِلَيْهِمَا قَالَ: فَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ، وَقَالَ: انْظُرْ دَارِي هَذِهِ جَعَلْتُهَا لِأَوْلِيَائِي، وَأَهْلِ طَاعَتِي، وَأَهْلِ الصَّبْرِ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ إِلَى دَارِي الْأُخْرَى، فَأَخْرَجَ جَهَنَّمَ، فَزَفَرَتْ، فَاسْتَجَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا بِرَبِّهِ، وَقَالَ: يَا مُوسَى، مَا ضَرَّ عَبْدِي أَيَّامًا مَعْدُودَةً، قَتَّرْتُ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ، فَصَبَرَ، وَرَضِيَ بِمَا رَضِيتُ لَهُ، قَدِمَ عَلَيَّ، وَأَنَا عَنْهُ رَاضٍ، فَأَسْكَنْتُهُ دَارِي، مَا ضَرَّ مَا كَانَ فِيهِ بِالْأَمْسِ، وَبَسَطْتُ لِعَبْدِي هَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِي فِي رِزْقِي، وَيَمْشِي فِي أَرْضِي، أَسْكَنْتُهُ دَارِي هَذِهِ الْأُخْرَى، مَا نَفَعَهُ مَا كَانَ فِيهِ بِالْأَمْسِ.