الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك | رياض الصالحين (105)

الدرس ٩٤ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٩:٣١

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَشْكُورِ عَلَى مَا أَعْطَى، وَالْمُجَابِ إِلَى مَا دَعَا، وَالْمَرْغُوبِ فِيمَا رَغَّبَ فِيهِ وَمَنَّى، أَعْطَانَا التَّوْحِيدَ بِعلمه بنَا، وَأَجَبْنَا إِلَى طَاعَتِهِ بِتَوْفِيقِهِ لَنَا، وَرَغَّبَنَا فِي كَرَامَتِهِ وَجَنَّتِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّاهَا لَنَا وَرَغَّبَنَا فِيهَا، فَهُوَ السَّلَامُ، وَدَارُهُ دَارُ السَّلَامِ، وَالسَّالمُ مَنْ سَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَسَابَقَ إِلَى مَرْضَاتِهِ لِيَحْظَى بِدُخُولِ جنتهِ الَّتِي يٌؤْمَنُ فِيهَا مِنَ الْآفَاتِ، وَيُسْلَمُ فِيهَا مِنَ الْعَاهَاتِ، الَّتِي مَنْ دَخَلَهَا أَمِنْ مِنَ الْبَوَارِ، وَسَلِمَ مِنَ الدَّمَارِ، وَحَظِيَ بِنعيمِ الْمُنْعِمِ الْجَبَّارِ، الَّتِي خَلَقَهَا عُدَّةً لِمَنْ وَحَّدَهُ، وَأَلْقَى الشِّرْكَ وَعَبَدَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ))، والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين، سيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، وإمام الأنبياء والمرسلين، ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الفصل والدين، أما بعد: 

الحديث

نكمل في هذا الكتاب المبارك كتابِ رياض الصالحين للحافظ النووي رحمه الله تعالى حيث يقول: الحادي عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثلُ ذلِكَ». رواه البخاري. 

الشرح

الحادي عشر (أي الحديث الحادي عشر من باب المجاهدة وهو الحديث الخامس بعد المائة من كتاب رياض الصالحين) عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الجَنَّةُ (وهي دار السلام ودار السلامة من الآثام والشرور، هي الجزاء الذي أعده الله لعباده ومن آمن به، هي المكان الذي يتنعم به المتنعمون، ويُجازَى به عبادُ الله المؤمنون، فلا يدخلها إلا مؤمن. والمؤمن هو من آمن بالله ورسوله، وَالإِيمَانُ بِاللهِ وَمَعْرِفَةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ هُوَ أَوَّلُ الوَاجِبَاتِ وَأَصْلُهَا وَأَهَمُّهَا وَأَفْضَلُهَا، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ “إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ” فَأَفْضَلُ الأَعْمَالِ عَلَى الإِطْلاَقِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ الأَصْلُ الَّذِي لاَ تَصِحُّ الأَعْمَالُ بِدُونِهِ. وَمَعْنَى الإِيمَانُ بِاللهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ شَكَّ فِي وُجُودِهِ، مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الـمَوْجُودَاتِ، لَيْسَ جِسْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلَيْسَ حَجْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَحْجَامَ، لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَلاَ جِسْمًا لَطِيفًا كَالهَوَاءِ وَالجِنِّ وَالـمَلاَئِكَةِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُشْبِهُ الإِنْسَانَ وَلاَ النَّبَاتَ وَلاَ الجَمَادَاتِ، وَلاَ يُشْبِهُ الهَوَاءَ وَلاَ الرُّوحَ وَلاَ الضَّوْءَ وَلاَ الـمَلاَئِكَةَ وَلاَ الجِنَّ فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا العَالَمِ بَلْ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[سورة الشورى / 11] وَمَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِخِلاَفِ ذَلِكَ أَيْ لاَ يُشْبِهُ ذَلِكَ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي الوَهْمِ وَلاَ يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ، غَايَةُ الـمَعْرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ وَلاَ مَكَانٍ أَىْ أَقْصَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ كَالـمَوْجُودَاتِ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ وَالَّتِى لاَ تُشْبِهُ صِفَاتِ المـَخْلُوقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ. هَذَا مَعْنَى الإِيمَانُ بِاللهِ. 

أَمَّا الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ بِأَنَّ مُحَمّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَمْ مِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ أَمْ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ وَالآخِرَةِ لاَ يُخْطِئُ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّدَهُ اللهُ بِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الدَّالَّةِ دِلاَلَةً قَطْعِيَةً عَلَى صِدْقِهِ وَحَلَّاهُ رَبُّهُ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيَانَةِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالـمُرْسَلِينَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ كُفْرٌ لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا وَلاَ يَحْصُلُ مِنْهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ وَلاَ فِعْلٌ خَسِيسٌ يَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ وَخِسَّةِ نَفْسٍ، دَعَا النَّاسَ لِدِينِ الإِسْلاَمِ دِينِ كُلِّ الأَنْبِيَّاءِ، الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، الدِّينُ الَّذِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَإِنْ سَبَقَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ، الدِّينُ الَّذِي مَنِ ابْتَغَى دِينًا غَيْرَهُ يَدِينُ بِهِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ بَلْ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ الهَالِكِينَ، فَلاَ سَبِيلَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ إِلاَّ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ءال عمران/116]. فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ وَيُكْرِمَنَا بِالوَفَاةِ عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَيَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ) أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ (بِكَسْرِ الشِّينِ، أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، قال الفيومي: شِرَاكُ النَّعْلِ سَيْرُهَا الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ وَشَرَّكْتُهَا بِالتَّثْقِيلِ جَعَلْتُ لَهَا شِرَاكًا. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: ضَرَبَ الْعَرَبُ مَثَلًا بِالشِّرَاكِ; لِأَنَّ سَبَبَ حُصُولِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إِنَّمَا هُوَ بِسَعْيِ الْعَبْدِ، وَيُجْرَى السَّعْيُ بِالْأَقْدَامِ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا اسْتَحَقَّ الْجَنَّةَ بِوَعْدِهِ وَمَنْ عَمِلَ شَرًّا اسْتَحَقَّ النَّارَ بِوَعِيدِهِ وَمَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ مُنْجَزَانِ فَكَأَنَّهُمَا حَاصِلَانِ.اهـ) وَالنَّارُ مِثلُ ذلِكَ (إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيِ: النَّارُ مِثْلُ الْجَنَّةِ فِي كَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْ شِرَاكِ النَّعْلِ، وقِيلَ هَذَا لِأَنَّ سَبَبَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ الشَّخْصِ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالسَّيِّئُ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ إِذْ هُوَ مُجَاوِرٌ لَهُ وَالْعَمَلُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ)»، (وفي هذا الحديث ذِكْرُ الجنة والنار، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافًا للمعتزلة والفلاسفة. 

الدليل من الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: ((أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِيْنَ))، وقوله تعالى: ((أُعِدَّتْ لِلَّذِيْنَ آمَنُوْا بِاللهِ وَرُسُلِهِ))، وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى)) وقوله تعالى عن النار: ((وَاتَّقُوْا النَّارَ التِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِيْنَ))، وقوله تعالى: ((إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا، لِلطَّاغِيْنَ مَآبًا)).

 الدليل من السُّنَّة: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري: «دَخَلْتُ الجَنَّةَ»، وكذلك ما ورد عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فيما رواه البخاري، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ»، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الكَافِرُ ـ أَوِ المُنَافِقُ ـ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ»، والحديث المرفوع الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ»، وما ورد في صحيح مسلم عن ابن عباسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، فبهذا يظهر بطلان قول المعتزلة بأن الجنة والنار ليستا مخلوقتان الآن. والجنّةُ والنار شاء الله لهما البَقاء أي أن لا يلحقَهما الفناءُ فلا يَنعَدمان، وكذلك أهلُوهُما بعدَ أن يستَمرّوا فيهما باقُون لا يَلحَقُهمُ الفَناء.

 وقد استشكل بقاء الجنة والنار على بعض الناس، فقالوا: كيف نقولُ الجنّة والنار باقيتَان أليسَ يكونُ ذلكَ تَشريكًا مع الله حيثُ إنّ الله تعالى لا يجوز عليه الفناءُ، فإذا قلنا الجنّةُ والنار باقيتان أليسَ ذلك تَشريكًا لهما معَ الله في البَقاء؟ وهذا جوابُهم أن يقالَ لهُم: ليسَ هذا تَشريكًا للجنّة والنار مع الله بصفةِ البقاء لأنّ بقاءَ الله تعالى ذاتيٌّ أي واجِبٌ لا يَقبَلُ العَقلُ خِلافَه، أمّا بقاءُ الجنّة والنار فليسَ بقاءً ذاتيًا، فيجوز مِن حيث العقلُ أن ينقَطعَ بقاؤهما فيَنعَدِمان، فلا تَشريكَ، فبهذا يزُول الإشكالُ ويطمئنّ القَلب لاعتقادِ بقاءِ الجنّة والنار إلى غَيرِ نهاية. 

وقد اتّفَق أهلُ الحقّ على أنّ الجنَّةَ والنار باقيَتان لا تَفنَيان ولم يخالف في ذلكَ أحَدٌ إلا جَهم بن صَفوان فكفّره المسلمُون، وتبع جهما في قوله هذا بعض المجسمة في القرن السابع والثامن ثم بعدَ بُرهَة مِن إقرار بعض من يعظمه من مجسمة هذا الزمن ويعتبرونه شيخهم بهذا الإجماع رجع وقال بفناء جهنَّم، وتبعه في ذلك بعض الجهال فشذوا عن معتقد أهل السنة، ومن شذ عن المسلمين شذ في النار. وليعلم أنه لا متمسك لهم مهما أعملوا فكرهم وأجهدوا ذهنهم، ولن يجد متبعه في كتب العلماء مهما نقب فيها وبحث، فلن يجد نقلًا واحدًا عن أئمة أهل السنة والجماعة ممن يقول بقوله هذا. وغاية أمرهم في هذا أن قالوا: «إن الله تعالى يقول عن نار جهنم: ((لَابِثِيْنَ فِيْهَا أَحْقَابًا)) فهذا يدل على فناء النار بزعمه». فإنه أراد بهذا أن كلمة أحقاب على وزن أفعال، وأفعال من جموع القلة فهذا يدل على تناهيها.

القاعدة: حيث سُمِعَ الجمعانِ جمعُ القلة وجمع الكثرة فاستعمال أحدهما مكان الآخر يقال له مجاز. جمع التكسير هو ما دلّ على أكثر من اثنين بتغيير صورة مُفرده، ويكون هذا التغيير إمّا في الحركات مثل: “أَسَدْ” تُجمع على “أُسُدْ”، وإمّا في الزيادة مثل: “صنو” تُجمع على “صِنوان”، وإمّا بالنقص مثل: “تُخمة” تُجمع على “تُخَمْ”، وإمّا بالزيادة والشّكل مثل: “رَجُلْ” تُجمع على “رِجَال”.

 قلنا في الرد: إن جموع التكسير منقسمة إلى قسمين: جموع كثرة وقلة. فأما جمع القلة فإنه يراد للثلاثة وما فوق ذلك إلى العشرة، وأما جموع الكثرة فإنها تراد لما فوق ذلك، وقد بين علماء اللغة أوزان كل منهما. ومن أوزان القلة «أفعال» كأخشاب وأبواب وأحقاب، لكن المخالفون لأهل السنة ومن تبعهم فاتهم أن جموع القلة قد تأتي للكثرة كما أن جموع الكثرة قد تأتي للقلة، وفي ذلك يقول الإمام ابن مالك في الألفية:

«أَفعِلَةٌ» «أَفعُلُ» ثُم «فِعْلَةْ»
ثُمَّتَ «أَفعالٌ» جُمُوعُ قِلَّة

وَبَعْضُ ذِيْ بِكَثْرَةٍ وَضْعًا يَفِي
كَأَرْجُلٍ وَالعَكْسُ جَاءَ كَالصُّفِي. 

الصفاة صخرة ملساء والجمع صَفىً واصفَاءٌ وصُفيٌ على فعول كما في مختار الصحاح

وعنى بالأرجلِ ما ورد في قوله تعالى: ((وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) فإن الأرجل من أوزان القلة إلا أنه أريد به في الآية الكثرة، إذ المأمور في هذه الآية بغسل الرجلين يزيد على العشرة، فهذا نص على أن أوزان القلة تأتي للكثرة، ومثل هذا نقول في قوله تعالى: ((لَابِثِيْنَ فِيْهَا أَحْقَابًا))، فالمراد بقوله تعالى ((لَابِثِيْنَ فِيْهَا أَحْقَابًا))، فمَعناه للدّوام معناهُ أنهم دائمونَ فيها لا يخرجُون ولا يَفنَون، وليس المعنى أنهم يمكثُون فيها مُدّةً طويلةً إلى أمَدٍ بعِيد ثم يفنَون بل قولُه تعالى ((أَحْقَابًا))، الأحقابُ هي جمع حُقب والحقبُ ثمانونَ سنة والمعنى أحْقابًا لا نهايةَ لها أي أزمِنَةً لا نهايةَ لها، فهذا هو المعنى لأنّ الله تعالى وصَف في موضع آخر في القرآن بأنّ خلودَ الكفّار أبديٌّ أي لا نهايةَ له فعلِمنا مِن ذلك أن قولَه تعالى: ((أَحْقَابًا))، ليس بتَحديد مُدّةٍ بل هو عبارةٌ عن دوام المكث واللُّبثِ هناك، إذ القرءانُ يجبُ التّوفيق بينَ ءاياتِه لأنّه منزّه عن التناقُض. وما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإسناد مقطوع غير متصل أنه يأتي على جهنم يوم ينبت فيها الجرجير يعني تفنى، فليس هناك نار ينبت فيها الجرجير، وهذا مقطوعٌ ليسَ متَّصِلًا إلى عمر رضي الله عنه. 

كان بعض العلماء يأمر بشراء البقل يأمرني بالإكثار منه ومن الجرجير، فيشتري له، وكان يقول عليه السلام: ما أحمق بعض الناس! يقولون: إنه ينبت في واد في جهنم، والله عز وجل يقول: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) فكيف تنبت البقل)؟ هذا بالإضافة إلى وجود آيات وروايات متكاثرة تدل على الدوام مثل قوله سبحانه: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى‏ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*أُوْلئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ). البقرة. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ). البقرة. وقال سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ). آل عمران. وقال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ). النساء. وقال تعالى: (فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). آل عمران. وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). المائدة. وقال عز وجل: (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ). النحل. وقال تعالى: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً). الإسراء. وقال سبحانه: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ). الحج. وقال تعالى: (ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). السجدة. وقال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا). السجدة.

قالوا: كيف يمكن دوام النار مع أن العقل يدل على أنه خلاف العدالة، إذ السيئة تجزي بمثلها لا أكثر، والشرع قد صدّق ذلك كما في الآيات المتعددة: قال سبحانه: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال سبحانه: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).

قال: «إنما خلّد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا لو بقوا أن يطيعوا الله أبداً ما بقوا، فالنيات تخلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى‏ شَاكِلَتِهِ) قال: على نيته».

أما من شاء الله له دخول النار من عصاة المسلمين لا يُخلد في جهنم بل يُعذَّب فيها فترةً من الزمن من غير أن يصل عذابه إلى عذاب الكفار خلافًا للخوارج الذين كَفَّرُوا مرتكب الكبيرة وزعموا أنه مخلدٌ في نار جهنم، وخلافًا للمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلة لا هو مؤمن ولا هو كافر وحكموا بخلوده في النار، وكلا الفريقين على ضلالة، وذمَّهُما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أمّا الخوارجُ فقَد ورَد فيهم مِن أحاديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخاري أنهم مَارقُونَ مِنَ الإسلام كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرّمِيّةِ. وأمّا المعتزلةُ فيَصدُق علَيهِم حديثُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عند الترمذي: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ: المُرْجِئَةُ وَالقَدَرِيَّةُ». فالحق مع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة نصرهم الله وهو الموافق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البخاري: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». ومعنى «حَرَّمَ عَلَى النَّارِ» أي الدوام فيها إلى الأبد على مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ معتقدًا في قلبه واجتنب الكفر إلى أن مات فمن أدى أعظم حقوق الله على عباده بتوحيده تعالى أي ترك الإشراكِ به شيئًا وتصديق رسولِهِ صلى الله عليه وسلم لا يخلدُ في نارِ جهنّم خلودًا أبديًّا وإن دخلَها بمعاصيه ومآله في النهايةِ على أيّ حالٍ كان الخروج من النّار ودخول الجنّةِ بعد أن يكون قد نالَ العقابَ الذي يستحقُّ إن لم يَعفُ الله عنه. والمؤمن الذي يخرج من النار يغتسل في نهر الحياة قبل دخول الجنة) (قال ابن بطال في شرحه للبخاري: دليل واضح أن الطاعات الموصلة إلى الجنة والمعاصي المقربة من النار قد تكون في أيسر الأشياء، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِى بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، أَيْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ. فينبغي للمؤمن ألا يزهد في قليل من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلاً من الشر يجتنيه فيحسبه هينًا، وهو عند الله عظيم، فإن المؤمن لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها).. والجنَّة فَوقَ السَّماءِ السَابِعةِ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البيهقي، وقال تعالى: ((عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)) أي عند سدرة المنتهى، ليسَت متّصِلةً بها، وسَقْفُها عَرشُ الرّحمنِ كما أخبرَ بذلكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الذي رواهُ البخاريّ: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». والجنّةُ لها ثمانيةُ أبوابٍ، منها بابُ الرَّيان الذي يدخلُ منهُ الصَّائمونَ، وشهيدُ المعركَةِ يخيَّرُ من أيّ أبوابِ الجنّةِ شاءَ أن يدخُلَ، والجنّةُ فوقَ السّماءِ السّابعَةِ منفصلة عنها بمسافةٍ بعيدةٍ، ولها أرضُهَا المستقلَّة. وأهْلُ الجنة علَى صُورةِ أَبِيهم ءادمَ سِتّونَ ذِراعًا طُولًا في سَبْعةِ أذرُعٍ عَرْضًا، جمِيلُو الصُّورةِ، جُرْدٌ مُرْدٌ في عُمرِ ثَلاثةٍ وثَلاثِيْنَ عَامًا، لا تنبتُ لهم لحيةٌ وليس على أذرعتِهِم ولا على بطونِهِم ولا على سيقانِهم شعرٌ إلا شعر الرّأسِ والحاجِبِ، طعامُهُم وشرابُهُم لا يتحوَّلُ إلى الغائِطِ والبولِ، إنّما يفيضُ من جِسمهم عرقٌ كالمسكِ ليس كعرقِ الدنيا، عرقُ الدنيا يتولَّدُ منه الوَسَخُ والقَملُ، خالِدُونَ فِيها لا يَخرجُونَ مِنها أبدًا، حسانُ الوجوهِ، فمن كانَ في الدنيا من المؤمنين دميمًا تَذهَبُ عنه دمامتُهُ، الله تعالى يجعلُهُ في الجنّةِ كجمالِ يوسفَ الصّدّيق، يعطيهِ شبهًا بيوسفَ الصدّيق في الجمالِ، والذي كان قصيرًا يذهَبُ عنه قصرُهُ. ويجعلُ الله تعالى في كلّ واحدٍ علامةً تميّزهُ عن غيرِهِ أنَّ هذا هو فلانٌ حتّى إن زارَهُ من كانَ يعرفهُ في الدّنيا يعرفهُ تلكَ الساعة، فإنَّ أهلَ الجنّةِ يتزاورونَ وتزاورُهُم يحصُلُ إمّا بأن يطيرَ بالشخصِ سريرُهُ حتّى ينزلَ به أمامَ سرير الذي يريدُ زيارته فيجلسانِ متقابِلَينِ لأنّه من سهولةِ السيرِ هناكَ السّريرُ الذي عليهِ بمجرّدِ ما يشتاقُ الإنسانُ لصاحبِهِ الذي يريدُ رؤيتهُ يطيرُ به بقدرةِ الله تعالى حتّى ينزل بهِ أمامَ سريرِ ذلكَ الشخص فيتجالسانِ فيتحدّثانِ، ثمّ يطيرُ بهِ إذا أرادَ الرجوعَ إلى منزلِهِ، وهذا هو معنى الآية: ((عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِيْنَ)). وأمّا قولُهُ تعالى: ((فِيْهَا سُرُرٌ مَرْفُوْعَةٌ)) فقد قالَ ابن عبّاسٍ: ألواحُهَا من ذهبٍ مكلّلَة بالزَّبرجَدِ والدُّر والياقوتِ مرتفعة ما لم يجئ أهلهَا، فإذا أرادَ أن يجلسَ عليها أصحابُهَا تواضَعَت لهم حتّى يجلسوا عليها، ثم ترتفِعُ إلى موضِعِهَا، وأحيانًا يركبونَ خيولًا من ياقوتٍ لها أجنحةٌ من ذهبٍ تطيرُ بهم. وقد روى مسلم عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا». وءاخرُ من يدخل الجنةَ من المؤمنينَ له مثل هذه الدنيا وعشرة أمثالِهَا، وقد وردَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ رواهُ البخاريُّ وغيرُه. والواحدُ من أهلِ الجنّةِ أقلّ ما يكونُ عندَهُ من الولدانِ المخلَّدينَ عشرة ءالافٍ، بإحدى يدي كلّ منهم صحيفة من ذهبٍ وبالأخرى صَحيفة مِن فِضَّةٍ، قالَ تعالى: ((يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))، والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو إناءٌ مستديرٌ لا عروةَ لهُ أي لا أذنَ لَهُ، وقال تعالى: ((وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ)) أي يطوفُ للخدمَةِ غلمانٌ كأنّهم من الحُسنِ والبَيَاضِ لؤلؤٌ مكنونٌ أي لم تمسّهُ الأيدي، وهؤلاء الغِلمان خلقٌ من خلقِ الله ليسوا بشرًا ولا جنًّا ولا ملائكة. وأما الحديث عن النَّار، فقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ». وهي مكانٌ أعدَّهُ الله لعذاب الكفار الذي لا ينتهي أبدًا وبعض عصاة المسلمين، ومكانها تحت الأرض السابعة من غير أن تكون مُتصلةً بها، ولها أرضها وسقفها المستقلان. ويزيدُ الله في حجم الكافر في النار ليزداد عذابًا حتى يكون ضِرسهُ كجبل أحد ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، ولو كانت خِلقتهم تكون كما هي في الدنيا لذابوا بلحظة. والكفار في النار يخلدون لا يخرجون منها كما ثبت ذلك في النصوص الشرعية كقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا))، ولا يموتون في النار فيرتاحون من العذاب ولا يحيون حياةً هنيئة طيبة بل هم دائمًا في نكد وعذاب، وهذا معنى قول الله تعالى: ((لَا يَمُوْتُ فِيْهَا وَلَا يَحْيَى)). وقال ملاحدة المتصوفة: إن أهل النار يعودون يتلذذون في النار حتى لو أمروا بالخروج لا يرضون، وهذا ردٌّ للنصوص الشرعية وردّ النصوص كفرٌ. وطعامهم من ضريع وهو شجرٌ كريهُ المنظر كريه الطعم كريه الرائحة، يوجد في البلاد الحارة شبيهه، قال تعال: ((لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ، لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ))، وقال تعالى: ((إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ))، وهذه الشجرة منظرها قبيحٌ جدًا ورائحتها كريهةٌ جدًّا لا تُطاق لكن هم من شدة اضطرارهم ومن شدة جوعهم وحرمانهم كأنهم يأكلونه بدون اختيار، ملائكة العذاب يُطعمونهم من هذا، قال تعالى: ((أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ)). وكذلك يأكل أهل النار من الغسلين، قال تعالى: ((فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ)) والغسلين هو ما يسيل من جلود أهل النار، لأنه كلما أنضجت جلودهم النار يُكسون جلودًا غيرها فيها رطوبة. وأما شراب أهل النار فهو الماءُ المتناهي في الحرارة قال تعالى: ((إِلَّا حَمِيْمًا وَغَسَّاقًا))، والحميم هو الماء المتناهي في الحرارة، والغساق هو ما يسيل من جلود أهل المار، وملائكة العذاب يسقونهم من هذا فتقطَّع أمعاءهم. وثياب الكفار من نار قال تعالى: ((فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)). وقد خلق الله في جهنم لتعذيب الكفار حياتٍ، الحيةُ الواحدة كالوادي، وعقارب كالبغال، وأما كون جهنم تحت الأرض السابعة فقد قال أبو عبد الله الحاكم في المستدرك: «إن ذلك جاءت فيه روايات صحيحة»). (وهذا الحديث فيه ترغيب للعمل الحسن الموافق للشريعة قليله وكثيره وفيه تنفير عن سوء العمل قليله وكثيره، فإن في موافقة الشريعة عزا وفخرا لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهذا مع التوكل على الله فإليه القصد والمفزع، فكل ما يجري في هذا العالم هو بخلقه وتقديره سبحانه، وهَذَا أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ قَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ ” تَارِيخِهِ ” أَمْرًا عَجِيبًا وَشَأْنًا غَرِيبًا، حَيْثُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ نَجِيحٍ الْمَلْطِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَتَى أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَمَا تَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: بَلَى، لَوْ أَصَبْتُ لِي أَصْحَابًا. قَالَ فَقَالُوا: نَحْنُ أَصْحَابُكَ. قَالَ: لَسْتُمْ لِي بِأَصْحَابٍ، إِنَّمَا أَصْحَابِي قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ الزَّادَ وَلَا الْمَزَادَ. فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُسَافِرُ قَوْمٌ بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ؟! قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الطَّيْرِ تَغْدُو وَتَرُوحُ بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا، وَهِيَ لَا تَبِيعُ وَلَا تَشْتَرِي، وَلَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ قَالَ: فَقَالُوا: فَإِنَّا نُسَافِرُ مَعَكَ. قَالَ: تَهَيَّئُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: فَغَدَوْا مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ، لَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ وَلَا مَزَادٌ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ قَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، طَعَامٌ لَنَا وَعَلَفٌ لِدَوَابِّنَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ. فَتَنَحَّى غَيْرَ بَعِيدٍ، فَتَسَنَّمَ مَسْجِدَ أَحْجَارٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: إِلَهِي، قَدْ تَعْلَمُ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ مَنْزِلِي، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ زَائِرًا لَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَخِيلَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تَنْزِلُ بِهِ الْعِصَابَةُ مِنَ النَّاسِ فَيُوسِعُهُمْ قِرًى، وَإِنَّا أَضْيَافُكَ وَزُوَّارُكَ، فَأَطْعِمْنَا وَاسْقِنَا، وَاعَلِفْ دَوَابَّنَا. قَالَ: فَأُتِيَ بِسُفْرَةٍ مُدَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَجِيءَ بِجَفْنَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ تَبْخَرُ، وَجِيءَ بِقُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، وَجِيءَ بِالْعَلَفِ لَا يَدْرُونَ مَنْ يَأْتِي بِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ حَالُهُمْ مُنْذُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ أَهَالِيهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، لَا يَتَكَلَّفُونَ زَادًا وَلَا مَزَادًا.اهـ  فَهَذِهِ حَالُ وَلِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، نَزَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ مَائِدَةٌ مَرَّتَيْنِ، مَعَ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلُوفَةِ لِدَوَابِّ أَصْحَابِهِ، وَهَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ، وَإِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ).