الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه

أبو موسى الأشعري

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾

سُورَةُ التوبة (20)

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

الأَشْعَرِيُّونَ فِي النَّاسِ كَصُرَّةٍ فِيهَا مِسْكٌ

رواه الحافظ السيوطي

مِنْ نَسْلِهِ جَاءَ الإِمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ الهُمَامُ، قَامِعُ البِدْعَةِ وَالزَّيْغِ وَالأَوْهَامِ، حَافَظُ عَقِيدَةِ خَيْرِ الأَنَامِ، فَنَزَّهَ هُوَ وَجَدُّهُ رَبَّهُ عَنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ، العَالِمُ العَامِلُ المُعَلِّمُ قِرَاءَةَ القُرْآنِ، صَاحِبُ الْهَادِي العَدْنَانِ، العَابِدُ القَائِمُ الصَّائِمُ، أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

اسمه ونسبه رضي الله عنه

هُوَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بنِ حَضَّارِ بنِ حَرْبٍ، وَأُمُّهُ ظَبْيَةُ بِنْتُ وَهْبٍ.

وَيَعُودُ نَسَبُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْجُمَاهِرِ بْنِ الأَشْعَرِ، وَالأَشْعَرُ مِنْ أَوْلَادِ سَبَأٍ الَّذِينَ كَانُوا بِاليَمَنِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ وَعَلَيْهِ الشّعَرُ.

سيرته رضي الله عنه

أَسْلَمَ أَبُو مُوْسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ، وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِيْمَنْ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، رَافَقَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَمَلَ عَنْهُ عِلْمًا كَثِيْرًا، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ لِعُمَرَ، وَإِمْرَةَ البَصْرَةِ، وأَقْرَأَ أَهْلَ البَصْرَةِ القُرءَانَ وَفَقَّهَهُمْ فِي الدِّيْنِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ تُسْتَرَ (وَاسمُهَا حَالِيًّا شُوشتَرَ فِي جُنُوبِ إِيرَانَ)، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ صَوتَهُ.

كَانَ صَوَّامًا، قَوَّامًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، مِمَّنْ جَمَعَ العِلْمَ وَالعَمَلَ وَسَلاَمَةَ الصَّدْرِ، وَلَمْ تُغَيِّرْهُ الإِمَارَةُ، وَلاَ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا.

مناقبه رضي الله عنه

شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالإِيمَانِ وَالإِنَابَةِ، فَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ قَائِمٌ، وَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: “يَا بُرَيْدَةَ، أَتَرَاهُ يُرَائِي؟”، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: “بَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ مُنِيْبٌ، لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ“،فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ أَبُو مُوْسَى فَأَخْبَرْتُهُ، رواه أحمد في مسنده وعبد الرزاق في مصنفه، وروى نحوه البخاري ومسلم وغيرهما بروايات عدة.

قَالَ العُلَمَاءُ: المُرَادُ بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْتُ الحَسَنِ، وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفسُهُ، وَآلُ فُلَانٍ قَد يُطلَقُ عَلَى نَفسِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ ﷺ حَسَنُ الصَّوتِ جِدًّا.

وَهُوَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّنْ هَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، فَقَد رَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوْسَى الأشعري رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ اليَمَنِ فِي بضْعٍ وَخَمْسِيْنَ مِنْ قَوْمِي، وَنَحْنُ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ: أَنَا، وَأَبُو رُهْمٍ، وَأَبُو عَامِرٍ، فَأَخْرَجَتْنَا سَفِيْنَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَعِنْدَهُ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ، فَأَقْبَلْنَا حِيْنَ افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَقَالَ رَسُوْل اللهِ ﷺ: “لَكُمُ الهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ“، رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهم.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اِسْتِغْفَارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، فَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوْسَى عَنْ أَبِيْهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيْمًا“، رواه البخاري ومسلم.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الأَشعَرِيِّينَ: “هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي بَابِ قُدُومِ الأَشعَرِيِّينَ وَأَهلِ اليَمَنِ.

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا أَقْوَامٌ، هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ“، قَالَ: فَقَدِمَ ‌الْأَشْعَرِيُّونَ، فِيهِمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ، يَقُولُونَ:

غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ *** مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ

فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا تَصَافَحُوا، فَكَانُوا هُمْ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْمُصَافَحَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ.

قوم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه

لمَّا نَزَلَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ  ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ  وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، [سُورَةُ المائدة: 54]، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: “‌هُمْ ‌قَوْمُكَ ‌يَا ‌أَبَا ‌مُوسَى“، وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَمِنْ نَسْلِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الاعْتِقَادِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الَّذِي جَمَعَ هُوَ وَالإِمَامُ المَاتُرِيدِيُّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَثْبَتَاهَا بِالعَقْلِ وَالنَّقْلِ حَتَّى بَرَعَا وَصَارَا إِمَامَيْنِ مُقَدَّمَينِ يَنْهَلُ مِنْ عِلْمِهِمَا كُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ.

وَمِن جُمْلةِ اعتقادِ الأشعريِ الذي هُوَ اعتقادُ أَهْلِ السنةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لَيْسَ جِسْمًا وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الجِسْمِ، مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ السَّمَاءِ وَالعَرْشِ وَالكُرْسِيِّ وَالمَكَانِ، وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَالْمَكَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَنَّهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، [ سُورَةُ الشورى: 11]، فَاللَّهُ لَا يَسْكُنُ جِهَةَ فَوْقٍ وَلَا تَحْتٍ وَلَا يَمِينٍ وَلَا شَمَالٍ وَلَا خَلفٍ، بَلِ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ.

علمه رضي الله عنه

صَحِبَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَهَلَ مِنْ عِلْمِهِ الشَّرِيفِ الشَّيءَ الكَثِيرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ وَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ حَتَّى صَارَ فَقِيهًا مُقْرِئًا.

قَالَ الشَّعْبِيُّ: يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ سِتَّةٍ: عُمَرُ، وَعَبْدُ اللهِ، وَزَيْدٌ، يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ عَلِيٌّ، وَأُبَيٌّ، وَأَبُو مُوْسَى يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

وَقَد رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنهَا، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِأَرْبَعَةٍ وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ.

وفاته رضي الله عنه

مَاتَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالكُوفَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثنَتَينِ وَأَربَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً كَمَا ذَكَرَهُ اَلْحَافِظُ ابْنُ اَلْأَثِيرِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  6. مُصَنَّفِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
  7. مُستَدرَكِ الحَاكِمِ.
  8. مُجَرَّدِ مَقَالَاتِ الأَشعَرِيِّ لِابنِ فُورَكَ.
  9. أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
  10. طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى لِتَاجِ الدِّيْنِ السُّبْكِيِّ.
  11. تَبْيِيْنِ كَذِبِ الْمُفْتَرِيْ فِيْمَا نَسَبَهُ إِلَى الْإِمَامِ أَبِيْ الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ لِابْنِ عَسَاكِرَ.
الصحابي الجليل جابر بن عبد الله

الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share