بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿تِلكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدخِلهُ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾
سورة النساء (13)
فِي ظِلِّ التَّأثِيرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالعَادَاتِ المُتَدَاخِلَةِ الَّتِي تَشهَدُهَا مُجتَمَعَاتُنَا اليَومَ، يَظهَرُ سُؤَالٌ جَوهَرِيٌّ: كَيفَ أَصبَحَ الالتِزَامُ بِتَعَالِيمِ الشَّرعِ أَمرًا غَرِيبًا لَدَى البَعضِ؟ وَلِمَاذَا يُنظَرُ إِلى مَن يََتَمَسَّكُ بِأَحكَامِ الدِّينِ عَلَى أَنَّه شَخصٌ غَرِيبٌ؟
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِين﴾ [سورة الأنبياء:١٠٧] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَحْمَةً لِجَمِيعِ النَّاسِ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ سَعِدَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ سَلِمَ مِمَّا لَحِقَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْغَرَقِ”.
قَولُه تَعَالَى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء:١٠٧] قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: “هَذَا عَامٌّ للبَرِّ وَالفَاجِرِ، فَمَن آمَنَ بِهِ تَمَّت لَهُ الرَّحمَةُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن كَفَرَ بِهِ صُرِفَت عَنهُ العُقُوبَةُ إِلى المَوتِ وَالقِيَامَةِ.
وَفِي هَذَا المَقَالِ، سَنُسَلِّطُ الضَّوءَ عَلَى أَهَمِيَّةِ الرُّجُوعِ إِلى الشَّرعِ كَمَرجِعٍ أَسَاسِيٍّ فِي كُلِّ مَا نَقُومُ بِهِ، وَسَنُنَاقِشُ بَعضَ الأُمُورِ الَّتِي أَصبَحَت غَرِيبَةً عِندَ البَعضِ بِسَبَبِ تَأَثُّرِهِم بِعَادَاتٍ مُخَالِفَةٍ، كَمَا سَنَتَنَاوَلُ تَحلِيلًا عَمِيقًا لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَثَرِهَا عَلَى حَيَاتِنَا وَحَيَاةِ أَبنَائِنَا. فَكَيفَ يُمكِنُنَا إِعَادَةُ التَّمَسُّكِ بِالشَّرعِ إِلى مَكَانَتِهِ الصَّحِيحَةِ فِي حَيَاتِنَا؟
ميزان الأفعال والأقوال
الشَّرعُ هُوَ المِيزَانُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَن نَزِنَ بِهِ أَفعَالَنَا وَأَقوَالَنَا وَأَفكَارَنَا وَحَتَّى عَادَاتِنَا. وَمَعَ ذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ الالتِزَامَ بِهِ أَصبَحَ أَمرًا يُستَغرَبُ مِنهُ أَحيَانًا، بَينَمَا تُقبَلُ عَادَاتٌ أُخرَى مُخالِفَةٌ لِلدِّينِ وَكَأَنَّهَا جُزءٌ طَبِيعِيٌّ مِن حَيَاتِنَا، فَهَذَا يَعكِسُ بُعدًا عَن تَعَالِيمِ الإِسلَامِ، وَالحَاجَةَ المَاسَّةَ لِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي فَهمِنَا لِلشَّرعِ وَأَهَمِّيَّتِهِ فِي تَنظِيمِ حَيَاتِنَا.
فَإِذَا عَرَفتَ أَخي القَارِئَ أَنَّ الشَّرعَ هُوَ المِيزَانُ الَّذِي نَزِنُ بِهِ أَفعَالَنَا وَأَقوَالَنَا، تَعلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَن نَجعَلَ هَذَا المِيزَانَ حَاكِمًا فِي كُلِّ أُمُورِ حَيَاتِنَا، بِالشَّرعِ تَعرِفُ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ، فَالحَسَنُ هُوَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرعُ، وَالقَبِيحُ هُوَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرعُ.
فَمَا قَبِلَهُ الشَّرعُ يَكُونُ خَيرًا وَمُصلِحًا، وَمَا رَفَضَهُ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَمُفسِدٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، [سورة الإسراء:9].
إِذَا جَعَلنَا هَذِهِ القَاعِدَةَ مِعيَارًا لِحَيَاتِنَا، فَسَنَعلَمُ أَنَّ المَصلَحَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكُونُ فِي اتِّبَاعِ أَحكَامِ الشَّرعِ وَتَطبيقِهَا. أَمَّا مَا خَالَفَهُ، فَسَيَؤدِّي إِلَى الخُسرَانِ. فَإِنَّ مَصَالِحَ العِبَادِ مُنحَصِرَةٌ فِيمَا وَافَقَ الشَّرِيعَةَ، فَالحِكمَةُ كُلُّهَا فِي مَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ.
التحذير من الاستغراب في تطبيق الشرع
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِنَّ الإِسلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا -أَي مُحَارَبًا- وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلغُرَبَاء»، قِيلَ: وَمَن هُمُ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الَّذِينَ يُصلِحُونَ مِن سُنَّتِي مَا أَفسَدَ النَّاسُ
رَوَاهُ مُسلِمٌ وَالبَيهَقِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ
فَإِنَّ الشَّرعَ هُوَ الحَقُّ المُطلَقُ الَّذِي يَجبُ أَن يَكُونَ مِيزَانًا لِأَفعَالِنَا وَأَقوَالِنَا، وَمَعَ ذَلِكَ نُلاحِظُ أَنَّ الالتِزَامَ بِتَعلِيمَاتِ الشَّرعِ قَد يُثِيرُ استِغرَابًا لَدَى البَعضِ، بَل قَد يَرَى فِيهِ البَعضُ تَطَرُّفًا فِي زَمَانٍ أَصبَحَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الشَّرعَ عَادَةً مَألُوفَةً غَالِبًا، إِذَا نَظَرنَا إِلى المَاضِي عِندَمَا كَانَت تُطَبَّقُ الأَحكَامُ الإِسلَامِيَّةُ وَالحُدُودُ الشَّرعِيَّةُ مَا كَانَت تَكثُرُ المَفَاسِدُ، وَإِن كَانَت تُوجَدُ لَكِن بِقِلَّةٍٍ، غَيرَ أَنَّهُم كَانُوا يَخَافُونَ اللهَ وَيَضَعُونَ الشَّرعَ نُصبَ أَعيُنِهِم، وَكَانَ الوَاحِدُ مِنهُم إِذَا حَصَلَت مِنهُ مَعصِيَةٌ يَستَتِرُ مِنهَا لِئَلَّا يُفضَحَ بَينَ قَومِهِ، أَمَّا الآنَ فَتَجِدُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُجَاهِرُونَ بِالمَعصِيَةِ وَيَتَفَاخَرُونَ بِأَنفُسِهِم، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُم مُخَلَّدُونَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، لَا يَأتِيهِم يَومٌ يُبعَثُونَ فِيهِ فَيُحَاسَبُوا عَلَى كُلِّ أَعمَالِهِم، تَجِدُ الأَولَادَ عِندَهُم عُقُوقٌ لِآبَائِهِم، وَالزَّوجَةَ لَا تُطِيعُ زَوجَهَا، وَالزِّنا شَاعَ بَينَ الرِّجَالِ وَكَأَنَّهُ أَمرٌ بَسِيطٌ فَتَجِدُهُم كَالبَهَائِمِ يَزنِي مَعَ تِلكَ وَتِلكَ وَتِلكَ، الشُّذُوذُ صَارَ أَمرًا هَيِّنًا، لَا وَبَل يُطَالِبُونَ بِحُقُوقِهِم؟! وَإذَا أَنكَرَ البَعضُ هَذَا الأَمرَ وَمَا قَبِلَهُ يُعَادَى، وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الكُفَّارِ لِلمُسلِمِينَ وَبَثِّ مُعتَقَدَاتِهِم وَآرَائِهِم بَينَهُم مِمَّا أَدَّى إِلَى هَذَا الفُسُوقِ وَرُؤيَةِ هَذَا الدِّينِ غَرِيبًا وَمَن يُطَبِّقُهُ غَرِيبًا «بَدَأَ الدِّينُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ».
يَا قَارِئُ تَفَكَّر بِمَا تَقرَأُ فَلَا تَكُن مِنَ الَّذِينَ قَالَ عَنهُم سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “النَّاسُ نِيَامٌ إِذَا مَاتُوا انتَبَهُوا” فَلَا تَكُن غَافِلًا نَاسِيًا عَمَّا سَيَكُونُ بَعدَ هَذِهِ الدُّنيَا فَإِنَّهَا سَتَفنَى وُسَتُحَاسَب عَلَى مَا عَمِلتَ بِهَا، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا مَنْ بِدُنيَاهُ اشتَغَلْ
وغَـرَّهُ طُولُ الأَمَلْ
المــَوتُ يَأتِي بَغتَةً
وَالقَبرُ صُندُوقُ العَمَلْ
تَفَكَّر بِأَحكَامِ الإِسلَامِ وَبِحِكمَةِ اللهِ بِنَا تَفَكَّر بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُنَا ﷺ خَيرُ قَائِدٍ وَخَيرُ مُرَبٍّ، فَقَد حَدَثَت غُربَةُ الإِسلَامِ أَوَّلًا فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد وَاجَهَ الإِسلَامُ أَكْثَرَ النَّاسِ حِينَ كَانوا يَقُومُون عَلَى ظُلمِ الإِنسَانِ لِأَخِيهِ، وَتَسُودُهُم الجَهَالَةُ وَالجُهَلَاءُ، ظُلُمَاتٌ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ، تُصَوِّرُهُ كَلِمَةُ جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلنَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إِذ قَالَ: “أيُّهَا المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أَهلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعبُدُ الأَصنَامَ، وَنَأتِي الفَوَاحِشَ، وَنَقطَعُ الأَرحَامَ، وَيَأكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ فِينَا رَسُولًا مِنَّا“.
كَانَ الإِسلَامُ أَمرًا غَرِيبًا عَلَيْهِمْ، أَثَارَ عَجَبَ المُشرِكِينَ فِي تِلكَ الأَيَّامِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [سورة ق: ٢-٣].
أسباب الاستغراب ممن يتمسك بأحكام وشريعة الإسلام
الاختلاط الثقافي
الِاختِلَاطُ بِغَيرِ المُسلِمِينَ وَتَبنِّي عَادَاتِهِم غَالِبًا يُؤَثِّرُ فِي سُلُوكِنَا، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الِابتِعَادِ عَن تَعَالِيمِ الشَّرعِ وَإِضعَافِ وَحدَةِ صَفِّ المُسلِمِينَ بِحَيثُ صَارَ مَن يَتَمَسَّكُ بِالشَّرِيعَةِ يُعتَرَضُ عَلِيهِ وَيُستَغرَبُ، وَكُلُّ هَذَا يُحَقِّقُ أَهدَافَ أَعدَاءِ الدِّينِ، وَالتَّارِيخُ الإِسلَامِيُّ يَشهَدُ بِمَا كَانَ يَصنَعُهُ أَعدَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالمُسلِمِينَ، فَكَم عُذِّبَ ءَالُ يَاسِرٍ مِن أَبِي جَهلٍ، وَكَم عُذِّبَ سَيِّدُنَا بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَم عُذِّبَ سَيِّدُنَا خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ، وَغَيرُهُم مِنَ المُسلِمِينَ.
استَقوَى هَؤُلَاءِ الكُفَّارُ عَلَى ضَعَفَةِ المُسلِمِينَ لِيُدخِلُوا الوَهنَ فِي قُلُوبِ المُسلِمِينَ وَمَن يُفَكِّرُ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، وَمِلَّةُ الكُفرِ وَاحِدَةٌ وَطَرِيقَتُهُم وَاحِدَةٌ، فَهَا نَحنُ نَرَى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ اليَهُودَ يَستَعرِضُونَ قُوَّتَهُم عَلَى المُسلِمِينَ وَيَتَقَوَّونَ عَلَيهِم بِأَسلِحَتِهِم، وَهُم مِن أَجبَنِ خَلقِ اللهِ تَعَالَى، وَكُلُّ هَذَا يُصَدِّقُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ مِن قَولِ وَرَقَةَ للنبي ﷺ : “لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إلَّا عُودِيَ”. فَبَعدَ ذَلِكَ عَلَينَا أَن نَكُونَ عَلى أَتَمِّ الاستِعدَادِ لِلأَيَّامِ المُقبِلَةِ، وَعَلَينَا أَن نَكُونَ عَلَى عِلمٍ بِأَنَّ أَعدَاءَ الإِسلَامِ لَن يَتَوَقَّفُوا عَن مُحَارَبَتِنَا إِلَى أَن يَشَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَقَد حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ أَفضَلُ خَلقِ اللهِ، وَحَارَبُوا صَحَابَتَهُ وَمَن بَعدَهُم مِنَ العُلَمَاءِ، وَالكَلَامُ فِي هَذَا كَثِيرٌ. روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ صَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا –أَي تُعرَضُ الفِتَنُ فِتنَةً فِتنَةً وَتُعَادُ وَتُكَرَّرُ- فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا -أَي قَبِلَ الفِتنَةِ- نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا -أَي الحَجَرِ الأَملَسِ الَّذِي لَا يَعلَقُ بِهِ شَيءٌ فَلَا تَلتَصِقُ بِهِ الفِتَنُ- فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا -أَي فِيهِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ- كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا -أَي الكُوزِ المَائِلِ الَّذِي انسَكَبَ مِنهُ المَاءُ وَنَحوُهُ فَكَذَلِكَ مَن أَثَّرَت فِي قَلبِهِ الفِتَنُ بَدَأَ قَلبُهُ يَنسَكِبُ مِنهُ البَيَاضُ شَيئًا فَشَيئًا- لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاه»،فَالمَرءُ إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارتَكَبَ المَعَاصِيَ دَخَلَت قَلَبَهُ بِكُلِّ مَعصِيَةٍ يَتَعَاطَاهَا ظُلمَةٌ، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ افتَتَنَ وَزَالَ عَنهُ نُورُ الإِسلَامِ، وَالقَلبُ مِثلُ الكُوزِ فَإِذَا انكَبَّ انصَبَّ مَا فِيهِ وَلَم يَدخُلْهُ شَيءٌ بَعدَ ذَلِكَ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ. وَمَا أَكثَرَ الفِتَنَ فِي زَمَانِنَا، كَيفَ لَا؟! وَقَدْ عَمَّتِ الْبَلْوَى فِي زَمَانِنَا وَطَمَّتْ، وَانْتَشَرَ الْفُحْشُ، وَقَلَّتِ التَّقْوَى فِي الْقُلُوبِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُ مُبَالِينَ ولاَ يَتَوَرَّعُونَ عَنِ الْغَوْصِ فِي الْمَعَاصِي وَقد قَلَّ حَيَاؤُهُمْ، فَتَرَى كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ، بَل وَأَشبَاهَ الرِّجَالِ قَدْ خَلَعُوا ثَوْبَ الْحَيَاءِ وَأَظهَرُوا لِلنَّاسِ مَا خَفِيَ مِنْ عَورَاتِهِم، فَوَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الفِتنَةِ وَالحَرَامِ. وَالحَلُّ يَكُونُ فِي تَجَنُّبِ مُخَالَطَةِ أَصحَابِ العَادَاتِ السَّيِّئَةِ وَالاحتِمَاءِ بِالمُجتَمَعِ الصَّالِحِ.
ضعف التعليم الديني
الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يُعرِضُونَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالشَّرِيعَةِ، وَينشَغِلُونَ بِالمُلَهِّيَاتِ وَالمُسَلِّيَاتِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنيَا وَزِينَتِهَا، وَيَنغَمِسُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَمَلَذَّاتِهَا، حَتَّى ءَاثَرَ النَّاسُ الفَانِيَةَ عَلَى البَاقِيَةِ، فَخَفَّ نُورُ الإِيمَانِ مِنْ قُلُوبِهِم، وَانطَفَأَتْ جَذْوَتُهُ عِنْدَ الخُطُوبِ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ اليَأسُ وَالقُنُوطُ مِنَ الرَّحمَنِ، وَعَدَمُ القَنَاعَةِ بِالمَوْجُودِ، وَالتَّكَالُبُ وَالشُّحُّ وَالاقْتِتَالُ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي وَصفِ حَالِ الدُّنيَا وَطَالِبِهَا قَوْلُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “الدُّنْيَا جِيفَةٌ وَطُلَّابُهَا كِلَابٌ”، انظُرُوا إِلَى مَا حَلَّ بِالأُمَّةِ مِنْ هَذَا البَلَاءِ المُسْتَطِيرِ، حَيْثُ أَمْسَى الصَّادِقُ كَاذِبًا وَالكَاذِبُ صَادِقًا، وَاؤتُمِنَ الخَائِنُ وَخُوِّنَ الأَمِينُ، وَتَكَلَّمَ السَّفِيهُ وَالرُّوَيْبِضَةُ بِأَمْرِ العَامَّةِ، حَتَّى تَفَشَّى الظُّلْمُ بَينَ النَّاسِ وَالخَرَابُ وَالدَّمَارُ وَالهَرْجُ وَالمَرْجُ فِي كَثِيرٍ مِنَ البُلدَانِ وَتَجِدُ البَعضَ قَد دَخَلُوا فِي اكتِئَابٍ بِسََبَبِ الِاهْتِمَامِ بِالْغِذَاءِ الدُّنْيَوِيِّ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَلْبَسٍ – مَعَ أَهَمِّيَّتِهَا لِقِيَامِ حَيَاةِ النَّاسِ – الَّتِي فِيهَا صِحَّةُ الجِسْمِ وَقُوَّةُ البَدَنِ، وَالعُدُولِ عَن غِذَاءِ الرُّوحِ الَّذِي فِيهِ صَفَاؤُهَا وَقُوَّتُهَا لِلتَّغَلُّبِ عَلَى المَصَاعِبِ النَّفسِيَّةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الإِنسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، وَهَذَا يَتِمُّ بِالإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَالإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَبِعِبَادَةِ اللهِ مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَبِرٍّ وَصَدَقَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَمِن أَهَمِّ ذَلِكَ تَعَلُّمُ عِلمِ الدِّينِ الَّذِي بِهِ يَحصُلُ صَلَاحُ الفَردِ وَالمُجتَمَعِ.
العلاقات الاجتماعية
يَنبَغِي اختِيَارُ الصَّدِيقِ المُنَاسِبِ، وَالجَلِيسِ المُلَائِمِ الَّذِي إِذَا رَأَى مِنكَ مُنكَرًا نَصَحَكَ وَأَنَّبَكَ، وَإِذَا رَآكَ قَصَّرتَ شَجَّعَكَ وَأَمسَكَ بِيَدِكَ لِئَلَّا تُقَصِّرَ، وَإِذَا رَآكَ تَفعَلُ طَاعَةً أَعَانَكَ وَأَيَّدَكَ، لَيسَ مَن يَترُكُكَ وَيَمتَنِعُ مِن الكَلَامِ مَعَكَ لِأَنَّكَ تُطَبِّقُ الأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ وَيَستَغرِبُها مِنكَ فَقَط لِأَنَّكَ تُطَبِّقُ شَرِيعَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنْ هِيَ فَاتَتهُ فَلَا تَفُتْكَ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ: إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ: يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي فَتحِ البَارِي: وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ يُتَأَذَّى بِمُجَالَسَتِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالتَّرْغِيبُ فِي مُجَالَسَةِ مِنْ يُنْتَفَعُ بِمُجَالَسَتِهِ فِيهِمَا.
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ: فِيهِ تَمْثِيلُهُ ﷺ الْجَلِيسَ الصَّالِحَ بِحَامِلِ الْمِسْكِ وَالْجَلِيسَ السُّوءِ بِنَافِخِ الْكِيرِ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالْمُرُوءَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الشَّرِّ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَمَنْ يَغْتَابُ النَّاسَ أَوْ يَكْثُرُ فُجْرُهُ وَبَطَالَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ.
وَقَدِيمًا قِيلَ:
عَن المَرءِ لَا تَسَلْ وَسَلْ عَن قَرِينِهِ
فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقتَدِي
عدم التطبيق للشريعة والأحكام الإسلامية
تَعَلُّمُ العِلمِ بِلَا تَطبيقٍ يُفَقِدُهُ أَثَرَهُ، لِذَلِكَ لَا بُدَّ أَن يُقَرَنَ العِلمُ بِالعَمَلِ، فَمَا تَعلَّمَهُ المُسلِمُ يَجِبُ أَن يَظَهَرَ فِي صَلَاتِهِ، وَتَعَامُلِهِ، وَفِكرِهِ.
قَد أَخبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ هَذَا الِاضطِهَادَ لِلدِّينِ سَيَعُودُ بَعدَ قُوَّةِ الإِسلَامِ وَظُهُورِهِ، فَالآنَ فِي وَقتِنَا هَذَا تَحَقَّقَت غُربَةُ الإِسلَامِ، أَلَا تَرَونَ أَنَّ المُتَكَلِّمَ بِالحَقِّ المُوَافِقِ لِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ يُضطَهَدُ وَيُشتَمُ وَيُؤذَى وَيُسَفَّهُ حَتَّى مِن أَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ فِي بَعضِ الأَحيَانِ، كَالَّذِي يُكَفِّرُ مَن سَبَّ اللهَ تَعَالَى في حَالِ الغَضَبِ أَو حَالِ المَزحِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُنكِرُونَ عَلَيهِ الحَقَّ، وَكَالَّذِي يُنكِرُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ المَرأَةَ الأَجنَبِيَّةَ مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَأَصحَابَهُ وَمَن تَبِعَهُ بِإِحسَانٍ لَم يُصافِحُوا النِّسَاءَ الأَجنَبِيَّاتِ قَطُّ، وَكَالَّذِي يُنكِرُ عَلَى مَن يُعَلِّمُ النَّاسَ العَقِيدَةَ الَّتِي هِيَ رَأسُ مَالِ المُسلِمِ وَهِيَ السَّبَبُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَمثِلَةِ الكَثِيرَةِ. فَفِي زَمَانِنَا هَذَا، أَصبَحَ الإِنسَانُ الَّذِي يَدعُو إِلَى الخَيرِ يُنعَتُ بَأَوصَافٍ وَأَسمَاءٍ سَيِّئَةٍ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا عَلَيهِ النَّاسُ فِي زَمَانِهِ، فَيُدعَى بِالمُتَشَدِّدِ وبِالرَّجعِيِّ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوصَافِ، وَأَصبَحَ أَقرَبُ النَّاسِ إِلَيهِ يُحَاوِلُ الابتِعَادَ عَنهُ، وَيُنَفِّرُ غَيرَهُ مِنهُ كَذَلِكَ، فَلَو رَأَيتَ الوَاحِدَ مِن هَؤُلَاءِ الغُرَبَاءِ فِي الخَلَوَاتِ وَهُوَ يَبكِي وَيَئِنُّ لَظَنَنتَ أَنَّهُ أُصِيبَ بِمَحبُوبٍ أَو قَرِيبٍ، وَاللهُ هُوَ العَالِمُ بِالحَالِ، فَإِنَّمَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى دِينِهِ مِن أَن يُصَابَ، لَا يُبَالِي بِأَمرِ دُنيَاهُ إِذَا سَلِمَ لَهُ أَمرُ دِينِهِ، قَد جَعَلَ رَأسَ مَالِهِ دِينَهُ يَخَافُ عَلَيهِ مِنَ الخُسرَانِ فِي ظِلِّ هَذِهِ الفِتَنِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، فَالاِبتِعَادُ عَن الدِّينِ لَيسَ أَمرًا طَبِيعِيًّا، بَل هُوَ نَتِيجَةٌ لِعِدَّةِ عَوَامِلَ، مِنهَا التَّأثِيرُ الخَارِجِيُّ وَضَعفُ المَعرِفَةِ الدِّينِيَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا مَا يَجعَلُ تَطبِيقَ الشَّرعِ غَرِيبًا فِي نَظَرِ البَعضِ.
ولكن…
الحَسَنُ هُوَ الأَمرُ الَّذِي حَسَّنَهُ الشَّرعُ وَيُثَابُ فَاعِلُهُ عَلَى فِعلِهِ وَالقَبِيحُ هُوَ الأَمرُ الَّذِي قَبَّحَهُ الشَّرعُ وَيُعَاقَبُ فَاعِلُهُ عَلَى فِعلِهِ، فَالعَقلُ لَا يَستَقِلُّ بِحُكمِ التَّحسِينِ وَالتَّقبِيحِ الشَّرعِيِّ، نَعَم يَحكُمُ العَقلُ بِحُسنِ الشَيءِ وَقُبحِهِ مِن حَيثُ مَيلُ الطَّبعِ إِلَيهِ أَو النُّفُورُ مِنهُ وَأَمَّا مِن حَيثُ تَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ عَلَى فِعلِهِ فِي الآخِرَةِ فَهَذَا لَا يُعلَمُ إِلَّا مِن طَرِيقِ الشَّرعِ، فَإِن ذُكِرَ حُكمٌ شَرعِيٌّ لَا يُقَالُ بَعدَ ذَلكَ وَلَكِن…
فَإِذَا قَالَتِ امرَأَةٌ مَثَلًا: (أَنهَيتُ عَمَلِي فِي البَيتِ، وَالأَولَادُ فِي المَدرَسَةِ، وَزَوجِي فِي العَمَلِ، وَطَبَختُ، وَغَسَلتُ الثِّيَابَ، وَلَيسَ لَدَيَّ شَيءٌ أَفعَلُهُ، دَعَتنِي جَارَتِي لِشُربِ القَهوَةِ، فَاتَّصَلتُ بِزَوجِي فَقَالَ: لَا تَذهَبِي)، هَذِهِ الصُّورَةُ مِن حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ يَستَغرِبُهَا الكَثِيرُ مِنَّا، فَقَد يَتَسَاءَلُ البَعضُ: لِمَاذَا لَم يَأذَن لَهَا؟ بَل وَقَد يَذُمُّ بَعضُ النَّاسِ هَذَا الرَّجُلَ، مَعَ أَنَّنَا نَعلَمُ جَمِيعًا أَنَّ هَذَا حَقٌّ لَهُ (أَي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمنَعَهَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ) وَأَنَّهُ لَم يَقتَرِف مَعصِيَةً بِذَلِكَ، مَعَ ذَلِكَ تَجِدُ أَنَّهُ حَتَّى بَعضُ مَن تَعَلَّمَ الحُكمَ يَستَغرِبُ، يَقُولُ: (نَعَم، هُوَ لَهُ الحَقُّ، لَكِن لِمَاذَا؟).
وفي مُقَابِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَو أَذِنَ لَهَا وَذَهَبَت إِلَى جَارَتِهَا وَأَمضَت سَاعَتَينِ فِي الغِيبَةِ (وَهِيَ حَرَامٌ) تَجِدُ بَعضَ النَّاسِ لَا يَستَغرِبُونَ ذَلِكَ أَلَيسَ اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات الآية:١٢].
كَيفَ يُمكِنُ لِمَن يَعرِفُ الصَّوَابَ وَالخَطَأَ أَن يَستَغرِبَ هَذِهِ الصُّورَةَ وَلَا يَستَغرِبَ الأُخرَى؟ هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَدَى بُعدِنَا عَنِ الدِّينِ فِي بَعضِ الأَحيَانِ، البَعضُ يَقُولُ: (نَعَم، شَرعًا لَهُ الحَقُّ، لَكِن…)، إِذَا كَانَ اللهُ قَد أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَمَن أَنتَ لِتَقُولَ (لَكِن)؟ إِذَا كَانَ اللهُ الَّذِي تُصَلِّي لَهُ وَتَصُومُ لَهُ قَد أَذِنَ لَهُ، وَهُوَ يُشَرِّعُ مَا يَشَاءُ، لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُوْنَ، مَن أَنتَ حَتَّى تَعتَرِضَ؟
لكن: الكلمة التي تعكس الخلل
هَذِهِ الكَلِمَةُ (لَكِن) تَدُلُّ عَلَى خَلَلٍ كَبِيرٍ وَبُعدٍ شَدِيدٍ عَن عِلمِ الدِّينِ وَضَعفًا فِي الالتِزَامِ لِلأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ وَقِلَّةِ وَعيٍ بِحِكمَةِ الشَّّرعِ، وَالخَطَرُ الأَكبَرُ أَنَّنَا صِرنَا نَسمَعُهَا كَثِيرًا، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ خَطَرُهَا كَبِيرٌ، كَثيرًا ما يَكونُ فِيهَا اعتِرَاضٌ عَلَى الدِّينِ وَعَلَى اللهِ.
النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي جَاءَ بِالمُعجِزَاتِ وَبَلَّغَ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَن يُبَلِّغَهُ وَحَكَمَ بِأَشيَاءَ أَنَّهَا حَلَالٌ وَأَشيَاءَ أَنَّهَا حَرَامٌ وَبَعضُهَا وَاجِبَةٌ وَبَعضُهَا سُنَّةٌ وَهَذَا كُلُّهُ بِالوَحيِ مِنَ الله تعالى، فَبَعدَ قَولِكَ “لَكن” هَلِ النَّبِيُّ ﷺ بِزَعمِكَ لَم يَكُن مُصِيبًا؟ بَل كَانَ مُصِيبًا، هَل لَدَيكَ فَهمٌ يَفُوقُ فَهمَ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؟ هَل تَمتَلِكُ حِكمَةً أَفضَلَ مِن حِكمَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ لَا، إِذَن لِمَ الِاعتِرَاضُ؟ الشَّرعُ جَاءَ بِالحِكمَةِ المُطلَقَةِ، وَلَيسَ لِأَحَدٍ أَن يَضَعَ نَفسَهُ فَوقَ هَذَا الِميزَانِ.
وَمِنَ المُخِيفِ أَنَّنَا أَصبَحنَا نَسمَعُ هَذَا حَتَّى بَينَ المُسلِمِينَ، يَقُولُ أَحَدُهُم: (أَعرِفُ أَنَّ الشَّرعَ يَقُولُ ذَلِكَ، شَرعًا هَذَا حَسَنٌ، لَكِن…)، وَيُكمِلُ كَلَامَهُ، عِندَمَا تَسمَعُ هَذَا، تَعرِفُ أَنَّ هُنَاكَ خَلَلًا كَبِيرًا، مَاذَا يَسَعُكَ أَن تَقُولَ بَعدَ قولِ اللهِ تَعَالَى وَالنَّبِيِّ ﷺ، لَا شَيءَ فَتُسَلِّمَ أَمرَكَ للهِ.
عَلَيكَ أَن تُسَلِّمَ لِحُُكمِ الشَّرعِ وَأَن تَتبَعَ مَا أَمَرَكَ الشَّرعُ بِهِ وَإِن وَجَدتَ فِي نَفسِكَ ثِقَلًا فِي فِعلِهِ فَاكسِر نَفسَكَ وَتَذَكَّر بِأَنَّ خَالِقَكَ وَمَالِكَكَ اللهُ تَعَالَى هُو مَن أَمَرَكَ بِهَذَا وَأَنَّهُ أَعلَمُ بِمَصالِحِ العِبَادِ مِنهُم بِأَنفُسِهِم.
الخاتمة
هذَا ولا أظُنُّهُ يَخفَى عليكُم كمْ مِنَ النَّاسِ في أيَّامِنَا بَعيدُونَ عَنْ هذا المَنهَج، وذلكَ لِما تَمَلَّكَ قُلوبَهُم مِنْ حُبِّ الدُّنيَا فأبعَدَهُم عَنْ خَيراتٍ كثِيرةٍ ومَنَعَهُم مِنْ واجِبَاتٍ عَظِيمَةٍ،
قُدوَتُهُم مُفَكِّرو الغَربِ ومُغَنُّوه ورَقَّاصُوهُ ولاعِبُو الرِّيَاضَةِ فِيهِ، ومَعَارِفُهُم ما يَقولُهُ أهلُ النَّظريَاتِ الفَاسِدةِ المُتَخيَّلَةِ مِنهُم بِلَا دَليلٍ، يَهَتَمُّونَ لأحوالِ الكلابِ والقِطَطِ ولأخبَارِ كُرَةِ السَّلةِ وكُرَةِ القَدَمِ والمُطربِينَ والمُطربَاتِ وبرَامجِ اللَّهوِ الفَارِغِ، والنُّزهَاتِ والتَفرُّجِ على المُرُوجِ الخَضرَاءِ والأبنِيَةِ العَاليَةِ، والمَطَاعِمِ المُزدَحِمةِ،
ويَنسَوْنَ الدِّينَ والقُرءَانَ والمَسجِدَ وحَاجَاتِ أهلِ الإيمَانِ، ويَنسَوْنَ العِلمَ والهِمَّةَ والشَجَاعَةَ والحَمِيَّةَ والعِفَّةَ والرُّقيَّ والزُّهدَ والوَرَعَ.
لا يَذكرُونَ أبا بَكرٍ ولا عُمَرَ ولا يَعرِفونَ مَنْ عُثمَانُ ومَنْ عَليّ، يَنظرُونَ إلى النَّاسِ وكأنَّهُم أرفعُ منهُم مُستَوًا وأكثرُ فَهمًا ورُقيَ عَقلٍ وهُم في حَضيضٍ لا يُدرِكونَهُ إلَّا عندَ المَوْت. لا يَزُورُونَ رَحِمًا بل لا يُحَاوِلونَ التَّعرُفَ إليهِ،
يَتكلَّمُ أحَدَهُم في الدِّينِ بِلا بَصِيرَةٍ ويَتجرَّأ ليلَ نَهارَ على الفَتوَى بغيرِ عِلمٍ، هذا إذا نَسَبَ نفسَهُ إلى الإسلامِ ولم يُعلِنِ انسلَاخَهُ عنهُ بالكُليَّةِ وأهلُهُ وأقَاربُهُ ورفَاقُهُ مع هذا عنهُ سَاكِتونَ لا مِنْ عَجزٍ عن الإنكارِ وعَدَمِ استِطَاعةٍ له ولكن خَوَرًا وجُبنًا وطَمَعًا بالعَاجِلةِ الزَّائِلةِ وعَمًى عَنِ الآجِلَةِ القَريبَةِ.
لا يُريدُ أحَدُهُم أنْ يزَورَ مُسلِمًا لنَصِيحةٍ أو إعَانَةٍ، ولا يُريدُ أنْ يُفارِقَ دِفءَ الدِّرهمِ في جَيبهِ ليُحَصِّلَ به جَنَّاتِ الآخرة، ولا يُريدُ أنَ يَترُكَ سَلامَةَ المُهجَةِ ليُخَاطِرَ في طَريقِ الحَقِّ ومُواجَهةِ البَاطِل وإنكارِ المُنكرِ حتى يُحَصِّلَ لَذَّةَ الأبدِ بدُخُولهِ في أهلِ الطَّائِفةِ الظَاهِرةِ المَنصُورَةِ.
وإنَّما يَكتَفِي برفعِ الشِّعَاراتِ فيُوَاجِهُ بغَيرهِ ويُخَاطِرُ بإخوَانِهِ وهو مُختَبِئٌ مِنْ خَلفٍ، يَكتفي عنِ السَّعيِ واللقاءِ والحَركةِ بالجُلوسِ مُرتَاحًا خَلفَ الحَاسُوبِ على مقَاعِدِ بَيتِهِ يَضغَطُ زِرًّا ويَنتَشِي برَقمِ عَدَدٍ منَ المُستَمِعِينَ يَظهرُ على شَاشةِ آلتِهِ، لا يَتميَّزُ فيهِ مَنْ يُصغِي مِمَّن لا يُصغِي، ولا يَعرِفُ مَنْ يَفَهمُ مِمَّن لا يَفهَم، لا يُرَبِّي ولا يُهَذِّب ويَظُنُّ أنَّهُ قدْ أدَّى للعُلا قِسطَهُ وفَعلَ ما عليه،
أو يَستَمِعُ بلا عُذرٍ للدُّروسِ مِنْ بعيدٍ مُرتَاحًا مِنَ التَعبِ لا يَعرِفُ مَعنَى السَّعيِ ولا بَذلِ الجُهدِ، لا يَكتُبُ ولا يُقيِّدُ ولا يَرحَلُ ولا ينُفِقُ ولا يَلزَمُ مُرَبِيًّا ولا يَكسِرُ نَفسَهُ لرَأيِ مُرشِدٍ ولا يُنَاصِرُهُ على الخَير، ولا يُعَرِّضُ نَفسهُ لمُخَاطَرةٍ في اللهِ،
وغَايةُ أمرِهِ أنْ يُعَلِّقَ بِعَلامَةِ لايك (👍) وكأنَّهُ بِذَلكَ حَمَلَ الدَّعوَةَ ورَفَعَ رَايةَ الحَقِّ ونَكَّسَ رَايةَ الضَلال.
تَصَدَّرَ قبلَ أنْ يَصِيرَ صَدرًا وَتمَشيَخَ قبلَ أنْ يَصيرَ طالِبًا وهو مِنْ حَقِيقةِ العِلمِ مُفْلِسٌ أو يَكَاد، فأنَّى تَحصُلُ النُصرَةُ بأمثالهِ وأنَّى يَنْتَشِرُ الدِّينُ بأشكالِهِ.
نعم، هُناكَ رِجَالٌ ونِسَاءٌ أبطَالٌ يَستَغِلُّون مُختَلِفَ السُبُلِ لتَعليمِ النَّاسِ مَنْ وصَلوا إليه بأنفُسِهِم عَلَّمُوهُ بأنفُسِهم، ومَنْ قَصَدَهُم للاستِرشادِ أرشدُوهُ ومَنْ لم يَقصِدْهُم قَصَدُوهُ هُم وبَذَلوا الوَقتَ والجُهدَ معَهُ، ومَنْ عَجَزُوا عَنِ الوصولِ إليه باللقاءِ وصَلوا إليهِ بواسِطةِ مَنْ دَرَسَ مِثلهُم العِلمَ وتَحلَّى بأمَانةِ التَّدريسِ،
فإنْ عَجَزُوا عن كلِّ ذلكَ دَرَّسُوهُ بواسِطةِ وسائِلِ التواصُلِ الأُخرى مِنْ مكتُوبٍ ومَسمُوعٍ ومَرئِيٍّ ولم يَترُكُوهُ فَريسَةً للذِّئَابِ حَاثِّينَ له في الوَقتِ نَفسهِ على قَصدِ أهلِ العِلمِ ليَنتَفِعَ بلقَائِهِم ويَتعَلَّمَ مِنْ هَديهِم ولا يَحجُزُونَهُ تَابعًا لهم مَقطُوعًا عَنْ غَيرِهِم.
هؤلاءِ مَصَابِيحُ الهُدَى وهُدَاةُ الطَريقِ الآمِرُونَ بالمَعروفِ النَّاهُونَ عنِ المُنكرِ إنْ ظَفِرتَ بِوَاحدٍ مِنهُم فشُدَّ عليهِ يَدَيْكَ ولا تُضَيِّعِ الاستِفَادةَ مِنهُ والمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ الله.
فِي النِّهَايَةِ أَقُولُ: عَلَينَا أَن نُدرِكَ أَنَّ الِالتِزَامَ بِتَعَالِيمِ الشَّرعِ هُوَ الصَّوَابُ المُطلَقُ، وَلَا يَنبَغِي أَن نَسمَحَ لِأَيِّ شَيءٍ بِأَن يُثنِيَنَا عَن ذَلِكَ، دَعُونَا نَسعَى دَائِمًا لِنَكُونَ مِنَ الغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصلِحُونَ مَا أَفسَدَهُ النَّاسُ، وَنَتَذَكَّرَ أَنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ، وَنَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾، [سورة آل عمران:85]، وَنَتَذَكَّرَ أَنَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ فِي المُقَابِلِ قَالَ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا﴾، [سورة الأحزاب:71].
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.