انظر إلى من هو دونك في المال

المؤمن الصالح - انظر إلى من هو دونك في المال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد سيد الأولين والآخرين، أما بعد:

فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة ءال عمران]. 

فالمؤمن الصالح لا يطمع إلى ما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا ينظر إلى من فوقه في المال، بل ينظر إلى من فوقه في الدين والعبادة والعلم، وينظر إلى من دونه في المال، وهذا ما أوصانا به الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ: “أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلاَ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ” أخرجه أحمد والنَّسائي وابن حِبان. 

فازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس، وقال الشاعر:

مَنْ شَاءَ عَيْشًا هَنِيئًا يَسْتَفيدُ بِهِ           فَلْيَنْظُرَنَّ إلى مَنْ فَوْقَهُ أَدَبًا

في دِينِهِ ثُمَّ في دُنْيَاهُ إقْبَـــالا           وَلْيَنْظُرَنَّ إلى مَنْ دُونَهُ مَـالا

وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه:

قَنَعْتُ بِالقُوْتِ مِنْ زَمَانِـــي        وَصُنْتُ نَفْسِي عَنْ الهَوانِ

خَوْفًا مِنَ النَّاسِ أَنّ يَــقُــوْلُوْا        فَضْــلُ فُلَانٍ عَلَى فُــلَانِ

مَنْ كُنْتُ عَنْ مَالِهِ غَنِيًــا        فَلَا أُبَالِي إِذَا جَفَــانِي

وَمَنْ رَءانِي بِعَيْنِ نَقْــصٍ        رَأَيْتُهُ بِالَتِي رَءانِــــي

وَمَنْ رَءانِي بِعَيْـنِ تَـمٍّ            رَأيْتُهُ كَامِــلَ المَعَـانِيْ

النظر في حال الخلق

تدبّر أيها العاقل حال الخلق، سترى ما بينهم من التفاوت في العقول والأخلاق والأرزاق، وَرَبُّكَ حكيم عليم، تَرى من هو دونك في العقل، ومن هو دونك نسبًا ومالًا، ومن هو دونك في أصناف النعم، فإذا نظرت إلى ذلك ثم تفكرت في حالك، ورأيت من هو دونك مراتب عديدة، دعاك إلى شكر نعمة الله عليك، فكم من أقوام أثقلتهم الديون وحقوق الخلق، كلٌّ يطلب حقه، وهو يستدين اليوم بعد اليوم، قد أثقلت الديون كاهِلَه، وأصبح مُرتَهَنًا بحقوق الناس، إن أصبح اهتمَّ بطلباتهم، وإن جاء الليل اهتم كيف يقضيها، إنه في حسرة، وأنت قد عافاك الله من حقوق الخلق، ورزقك من العيش ما هو كافٍ لك، فاحمد الله على هذه النعمة، واشكره على فضله.