بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
صَحَّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «لَتَتبَعُنَّ سَنَنَ مَن كَانَ قَبلَكُم شِبرًا شِبرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو دَخَلُوا جُحرَ ضَبٍّ تَبِعتُمُوهُم»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
انتَشَرَت عَادَاتٌ غَرِيبَةٌ فِي مُجتَمَعَاتِ المُسلِمِينَ ابتُلِيَ بِهَا مُجتَمَعُنَا وَكَثِيرٌ مِن أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَمَا هَذَا إِلَّا بِسَبَبِ البُعدِ عَنِ الدِّينِ وَتَركِ تَعلِيمِ الأَولَادِ التَّعَالِيمَ الإِسلَامِيَّةَ وَالأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ، فَقَدِ انعَدَمَت غَالِبًا رَقَابَةُ كَثِيرٍ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَغَفَلُوا عَنِ النَّصِيحَةِ لِأَبنَائِهِم، فَتَوَجَّهَ الأَبنَاءُ إِلَى تَعَلُّمِ عَادَاتِ غَيرِ المُسلِمِينَ مِن مُمَثِّلِينَ وَمُغَنِّينَ وَغَيرِ ذَلِكَ، فَأُعجِبُوا بِهِم وَاقتَدَوا بِأَفعَالِهِم.
وَمِن أَخطَرِ هَذِهِ العَادَاتِ الوَشمُ، وَقَد صَارَت تَملَأُ أَجسَادَ بَعضِ الشَّبَابِ وَحَتَّى الشَّابَّاتِ، فَمَا هُوَ حُكمُ الوَشمِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ.
معنى الوشم
هُوَ غَرزُ الجِلدِ بِالإِبرَةِ حَتَّى يَخرُجَ الدَّمُ، ثُمَّ يُذَرُّ عَلَى المَحَلِّ لَونٌ فَيَصِيرُ أَزرَقَ أَو أَسوَدَ أَو غَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَلوَانِ كَمَا عَرَّفَهُ الخَطِيبُ الشِّربِينِيُّ فِي الإِقنَاعِ.
حكم الوشم
عَن عَونِ بنِ أَبِي جُحَيفَةَ عَن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ وَالوَاشِمَةَ وَالمُستَوشِمَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالمُتَنَمِّصَةَ»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.
فَمِن مَعَاصِي البَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الكَبَائِرِ الوَشمُ بِنَصِّ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَحُكمُ مَوضِعِ الوَشمِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّ الدَّمَ ظَهَرَ وَاختَلَطَ بِأَجنَبِيٍّ، فَإِن فَعَلَهُ لِغَيرِ حَاجَةٍ، أَو فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ يَصلُحُ لَهَا غَيرُهُ وَهُوَ مُكَلَّفٌ مُختَارٌ عَالِمٌ بِالتَّحرِيمِ وَجَبَ عَلَيهِ إِزَالَتُهُ إِن قَدَرَ عَلَيهَا مِن غَيرِ ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَأَن خَافَ تَلَفَ العُضوِ أَوِ النَّفسِ أَو زِيَادَةَ المَرَضِ أَو طُولَ مُدَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ وُضُوءٌ وَلَا غُسلٌ وَلَا صَلاةٌ مَا دَامَ ذَلِكَ مَوجُودًا بِهِ، وَإِذَا مَسَّ بِهِ شَيئًا مَعَ الرُّطُوبَةِ نَجَّسَهُ، كَمَا فِي كِفَايَةِ النَّبِيهِ وَفَتَاوَى الرَّملِيِّ وَالإِقنَاعِ.
حالة العفو عن محل الوشم
يُعفَى عَن مَحَلِّ الوَشمِ فِي حَالَاتٍ:
إِذَا فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ لَا يَصلُحُ لَهَا غَيرُهُ
أَو كَانَ وَقتَ الفِعلِ صَغِيرًا أَو مَجنُونًا أَو مُكرَهًا أَو جَاهِلًا بِالتَّحرِيمِ مَعذُورًا، أَي إِن كَانَ قَرِيبَ عَهدٍ بِالإِسلامِ أَو نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ العُلَمَاءِ، كَمَا قَالَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي تُحفَةِ المُحتَاجِ.
أَو لَم يَقدِر عَلَى إِزَالَتِهِ مِن غَيرِ ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَأَن خَافَ تَلَفَ العُضوِ أَوِ النَّفسِ أَو زِيَادَةَ المَرَضِ أَو طُولَ مُدَّتِهِ.
وَقَد جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الجَمَلِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ: حَيثُ عُذِرَ فِي الوَشمِ فَلَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيرِهَا وُجُودُ النَّجَاسَةِ مَعَ حُصُولِهَا بِفِعلِهِ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيرِهِ مَعَ أَنَّ أَثَرَ الوَشمِ يَدُومُ أَو تَطُولُ مُدَّتُهُ. اهـ
وَهُنَاكَ قَولٌ ضَعِيفٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُعتَمَدٌ عِندَ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَحَلَّ الوَشمِ يَطهُرُ بِالغَسلِ وَإِن لَم يَزُلِ اللَّونُ، فَتَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَصَلاتُهُ حِينَئِذٍ.
فائدة
يَجُوزُ وَشمُ البَهِيمَةِ لِتَميِيزِهَا عَن غَيرِهَا فِي غَيرِ الوَجهِ لِحَدِيثِ: «وَلا يَسِم أَحَدٌ الوَجهَ»، رَوَاهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعَانِيُّ.
الخاتمة
أَخِي المُسلِمَ: يَنبَغِي أَن يَكُونَ هَمُّ الوَاحِدِ مِنَّا تَطبِيقَ أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَأَن يَكُونَ اقتِدَاؤُنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ أُمُورِ الحَيَاةِ، فَهُوَ الَّذِي بَلَغَ الغَايَةَ فِي الأَدَبِ وَحُسنِ الخُلُقِ وَطِيبِ العِشرَةِ، هُوَ الَّذِي جَمَعَ الخِصَالَ الحَمِيدَةَ وَالصِّفَاتِ العَالِيَةَ، فَهُوَ القُدوَةُ فِي الخُلُقِ الحَسَنِ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحمَةِ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي الشَّجَاعَةِ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي الكَرَمِ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي الصَّفحِ وَالعَفوِ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي التَّوَاضُعِ، وَمَاذَا جَمَعَ غَيرُهُ مِن أَرَاذِلِ النَّاسِ اليَومَ لِنَقتَدِيَ بِهِم فِي صِفَاتِهِم وَأَفعَالِهِم، وَهَل أَفعَالُهُم هِيَ الَّتِي سَتَهدِينَا إِلَى الجَنَّةِ وَتَكُونُ سَبَبًا فِي نَيلِ الثَّوَابِ، فَعَلَينَا أَن نَتَمَسَّكَ بِنَهجِهِ ﷺ فَهُوَ النُّورُ الَّذِي أَخرَجَنَا مِن ظُلمَةِ الكُفرِ، وَهُوَ ﷺ الهَادِي إِلَى الجَنَّةِ الدَّاعِي إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- مُصَنَّفِ عَبدِ الرَّزَّاقِ الصَّنعَانِيِّ.
- كِفَايَةِ النَّبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.
- الإِقنَاعِ لِلخَطِيبِ الشِّربِينِيِّ.
- فَتَاوَى الرَّملِيِّ.
- حَاشِيَةِ الجَمَلِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ.
- تُحفَةِ المُحتَاجِ لِابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ.