الخطبة الأولى
إنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين. عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ” (الحشر:18) .
إخوة الإيمانِ والإسلام: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في سورة الطلاق: “وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ” فالتوكلُ على الله تعالى نتيجتُهُ أن يكونَ اللهُ تعالى حسبَكَ أي كافيَك ما أهمَّكَ وما نزلَ بك، وأي نتيجةٍ عظيمةٍ هذه، ولكن حتى تحصِّلَها أخي المسلم توكّل على اللهِ تعالى، أي فوِّض أمرَكَ إلى اللهِ تعالى، فالتَّوَكُّلُ هُوَ الاعتِمَادُ فَيَجِبُ عَلَى العَبدِ أَن يَكُونَ اعتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ لأِنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ مِنَ المَنَافِعِ وَالمَضَارِّ وَسَائِرِ مَا يَدخُلُ فِي الوُجُودِ، فَلا ضَارَّ وَلا نَافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا اعتَقَدَ العَبدُ ذَلِكَ وَوَطَّنَ قَلبَهُ عَلَيهِ كَانَ اعتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ فِي أُمُورِ الرِّزقِ وَالسَّلامَةِ مِنَ المَضَارِّ، واجتنبَ اللجوءَ إلَى المعصيةِ لَا سيَّمَا عندَ الضيقِ، وكما قال الإمام الغزالي رحمه الله: “متى رضيتَ باللهِ وَكيلا، وجدتَ إلى كلِّ خيرٍ سبيلًا”.
إخوة الإسلام: التوكلُ على الله تعالى لَا يُنافي الأخذَ بالأسبابِ، ففي صحيحِ ابنِ حبانَ أنَّ رجلًا قالَ للنبيِّ ﷺ: أُرسِلُ ناقتِي وأتوكلُ؟ أي هل أتركُ ناقتِي مِن غيرِ أن أَربِطَهَا وأتَوَكَّلُ علَى اللهِ؟ فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: “اعقِلهَا وَتَوَكَّل” أيِ اربِطهَا وَتَوَكَّل. فجملةُ التوكّلِ تفويضُ الأمرِ إلَى اللهِ تعالَى والثِّقةُ بهِ معَ مَا قُدّرَ للعبدِ مِنَ التّسَبُّبِ. وقد روى الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ “لَو أَنَّكُم تَوَكَّلتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كَمَا يَرزُقُ الطَّيرَ تَغدُو خِمَاصًا“أي تخرجُ في أولِ النهارِ وليس في بطونِها أكل “وَتَرُوحُ بِطَانًا” أي وترجعُ إلى أعشاشِها وقد امتلأت بطونُها وقد روَى الحافظُ أبو نُعَيمٍ أنَّ رجلًا سألَ حاتما الأصم رضي الله عنه وكان صالحًا تقيًّا مشهورًا بشدةِ توكلِه على الله، فقال له: علَى أيِّ شيءٍ بَنَيتَ أمرَكَ فِي التوكلِ؟ فقالَ: “علَى أربعِ خصالٍ: عَلِمتُ أنَّ رِزقِي لَا يَأكُلُهُ غَيرِي فَاطمَأَنَّت بهِ نَفسِي. وعَلِمتُ أنَّ عَمَلِي لَا يَعمَلُهُ غَيرِي فَأَنَا مَشغُولٌ بِهِ. وَعَلِمتُ أَنَّ الموتَ يَأتِي بَغتَةً فَأَنَا أُبَادِرُهُ، وَعَلِمتُ أَنَّ اللهَ يَرَانِي فَأَنَا مُستَحٍ مِنهُ”.
إخوة الإسلام: أراد قومُ سيّدِنا إبراهيمَ عليه السلام أن ينتقموا منه لما كسّر أصنامَهم وحطَّمَها وأهانَها، فشَرَعُوا يجمعونَ الحطبَ من جميعِ ما يُمكنُهم من الأماكنِ، وجعلوا ذلك قُربانًا لآلهتِهِم بزعمِهم، فعَمَدوا إلى حفرةٍ عظيمةٍ فوضعوا فيها ذلك الحطبَ وأضرمُوا النارَ فيها فتأجَّجت والتهبت، وعلا لها شَرَرٌ عظيمٌ لم يُر مثلُه، وكانوا لا يستطيعون لقوةِ لهبِها أن يتقدموا منها، ثم لما كانوا لا يستطيعونَ أن يُمسكوا سيّدَنا إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بأيديهم ويرمُوه في هذه النارِ العظيمةِ لشدةِ وهجِها، صَنعوا المَنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فأخذوا يُقيِّدون سيِّدَنا إبراهيمَ عليه الصلاةُ والسلامُ، وهو متوكِّلٌ على اللهِ حقَّ توكلِهِ، فلما وضعوهُ في كَفَّةِ هذا المَنجنيقِ مقيدًا مكتوفًا وألقوه منه إلى وسطَ النارِ قال: “حَسبُنا الله ونعم الوكيل”(1) فلما أُلقيَ سيّدُنا إبراهيمُ عليه السلامُ في النارِ لم تحرقهُ النارُ ولم تصبهُ بأذى ولا ثيابَه، لأنَّ النارَ لا تُحرِقُ بذاتِها وطبعِها وإنما اللهُ يَخلُقُ الإحراقَ فيهَا، قال اللهُ تعالى: “قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلَامًا عَلَى إِبرَاهِيمَ” (الأنبياء:69) فكانت هذه النارُ الهائلةُ العظيمةُ بَردًا وسلامًا على سيّدِنا إبراهيمَ عليه السلام، فلم تحرقه ولم تحرق ثيابَه؛ بل لم تحرِق سوى الوَثاقَ الذي وثقوا وربطوا به سيّدَنا إبراهيمَ عليه السلام. فمن توكّل على اللهِ تعالى كفاهُ الله. فاستعن أخي المسلم على الظالمِ وظلمِهِ بقول: حسبي اللهُ ونعمَ الوكيل فقد كان يزيدُ بنُ حكيمٍ يقولُ: ما هِبتُ أحدًا قطُّ هيبَتي رجلا ظلمتُه، وأنا أعلمُ أنه لا ناصرَ لهُ إلا اللهُ يقولُ لي: “حسبي الله”. نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من المتوكّلين؛ إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ:
إخوةَ الإسلام: فليتوكّل كلُّ واحدٍ منا على اللهِ تعالى في كلِّ أمورِه مع الأخذ بالأسبابِ، ولنتوكّل على اللهِ تعالى في طلبِ النصرِ على الأعداءِ، ولكن لنعلم جيّدًا أن ذلك يكونُ بأن نرجعَ إلى طاعةِ اللهِ تعالى؛ فإن تقوى اللهِ أفضلُ العدةِ على العدوِّ، وقد سُئل الإمامُ شَقيقٌ البَلخيُّ رحمهُ اللهُ تعالى عن التوكلِ على اللهِ فقال: “التوكّل أن يطمئنَ قلبُكَ بموعودِ اللهِ” وقد قال اللهُ تعالى: “إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ” (غافر:51). نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا النصرَ على أعداءِ هذا الدّين، وأن يُريَنا عجائبَ قدرتِهِ باليهودِ الغاصبين الظالمين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- روى ذلك البخاريُّ في صحيحه. ↩︎