خطبة الوداع: متن الخطبة وشرح ألفاظها وبيان وصايا النبي ﷺ الأخيرة

خطبة الوداع | متن الخطبة وشرح ألفاظها وبيان وصايا النبي ﷺ الأخيرة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

خَطَبَ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الحُجَّاجِ فِي التَّاسِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ، فِي يَومِ عَرَفَةَ، فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ لِلهِجرَةِ فِي أَرضِ عَرَفَةَ خُطبَتَهُ المَشهُورَةَ الَّتِي تُسَمَّى بِخُطبَةِ حَجَّةِ الوَدَاعِ. وَكَانَ فِي هَذِهِ الخُطبَةِ الكَثِيرُ مِن تَعَالِيمِ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

متن خطبة الوداع

رُوِيَ عَنِ الحَبرِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَن سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:

«الحَمدُ للهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. أُوصِيكُم عِبَادَ اللَّهِ بِتَقوَى اللهِ، وَأَحُثُكُم عَلَى العَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَأَستَفتِحُ بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ.

أَمَّا بَعدُ، أَيُّهَا النَّاسُ اسمَعُوا مِنِّي أُبَيِّنْ لَكُم، فَإِنِّي لَا أَدرِي لَعَلِّي لَا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذَا فِي مَوقِفِي هَذَا».

قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَومٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَومٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأَيُّ شَهرٍ هَذَا؟» قَالُوا: شَهرٌ حَرَامٌ، قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ إِلَى أَن تَلقَوا رَبَّكُم كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا فِي شَهرِكُم هَذَا فِي بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا هَل بَلَّغتُ، أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

فَمَن كَانَت عِندَهُ أَمَانَةٌ فَليُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائتَمَنَهُ عَلَيهَا. أَلا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةً، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دِمَاؤُنَا، دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ؛ كَانَ مُستَرضَعًا فِي بَنِي سَعدٍ فَقَتَلَتهُ هُذَيلٌ، وَإِنَّ رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَبدَأُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَإِنَّ مَآثِرَ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ غَيرَ السِّدَانَةِ وَالسِّقَايَةِ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيطَانَ قَد أَيِسَ أَن يُعبَدَ بِأَرضِكُم هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَد رَضِيَ بِأَن يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِيمَا تَحقِرُونَ مِن أَعمَالِكُم.

أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، وَ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَوَاحِدٌ فَردٌ: ذُو القَعدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ، أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِنِسَائِكُم عَلَيكُم حَقًّا وَلَكُم عَلَيهِنَّ حَقًّا، حَقُّكُم عَلَيهِنَّ أَن لَا يُوطِئنَ فُرُشَكُم وَلَا يُدخِلنَ أَحَدًا تَكرَهُونَهُ بُيُوتَكُم إِلَّا بِإِذنِكُم، وَأَن لَا يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ، فَإِن فَعَلنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَد أَذِنَ لَكُم أَن تَعضُلُوهُنَّ وَتَهجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَتَضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبرِحٍ، فَإِذَا انتَهَينَ وَأَطَعنَكُم فَعَلَيكُم رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ، أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ وَاستَوصُوا بِهِنَّ خَيرًا أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُؤمِنٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا مِن طِيبِ نَفسٍ مِنهُ، أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

فَلَا تَرجِعُنَّ بَعدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ، فَإِنِّي قَد تَرَكتُ فِيكُم مَا إِن أَخَذتُم بِهِ لَن تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَعِترَتِي أَهلَ بَيتِي، أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، كُلُّكُم لِآدَمَ وَءَادَمُ مِن تُرَابٍ، ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم، وَلَيسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضلٌ إِلَّا بِالتَّقوَى، أَلَا هَل بَلَّغتُ؟»، قَالُوا: نَعَم، قَالَ: «فَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَد قَسَمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيرَاثِ، وَلَا يَجُوزُ لِمُورِثٍ وَصِيَّةُ أَكثَرَ مِنَ الثُلُثِ، وَالوَلَدُ لِلفِرَاشِ، وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ. مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وَمَن تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ صَرفًا وَلَا عَدلًا، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

حل ألفاظ خطبة الوداع

الحَمدُ للهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ – أَي نَطلُبُ مِنَ اللهِ العَونَ فِي حَمدِنَا لَهُ وَفِي غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنيَوِيَّةِ.

وَنَستَغفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا – وَهَذَا مِنهُ فِي مَعرِضِ التَّذَلُّلِ للهِ وَالتَّعلِيمِ لِلأُمَّةِ.

 مَن يَهدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. أُوصِيكُم عِبَادَ اللَّهِ بِتَقوَى اللهِ، وَأَحُثُّكُم عَلَى العَمَلِ بِطَاعَتِهِ – أَي أُحَرِّضُكُم وَأَحُضُّكُم وَأَحمِلُكُم عَلَى ذَلِكَ بِتَأكِيدٍ وَاستِعجَالٍ وَإِسرَاعٍ.

 وَأَستَفتِحُ بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ – أَي أَفتَتِحُ الكَلَامَ بِالأَمرِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ فِي ذَاتِهِ أَو بِالأَمرِ الَّذِي فِيهِ خَيرٌ لَكُم أَوِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِن غَيرِهِ مِنَ الكَلَامِ.

أَمَّا بَعدُ، أَيُّهَا النَّاسُ – هُوَ خِطَابُ الصَّحَابَةِ المُجتَمِعِينَ مَعَهُ لَهُ يَومَئِذٍ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ.

اسمَعُوا مِنِّي أُبَيِّن لَكُمأَيِ اسمَعُوا مِنِّي مَقَالَاتِي الآتِيَةَ أُبَيِّن لَكُم بَيَانًا شَافِيًا.

 فَإِنِّي لَا أَدرِي – أَي لَا أَعلَمُ مَتَى يَحِينُ أَجَلِي فَأَمُوتُ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ خِلَافًا لِمَا ادَّعَاهُ بَعضُ الغُلَاةِ، إِنَّمَا أَطلَعَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى بَعضِ الغَيبِيَّاتِ، فَإِنَّ المُقَرَّرَ عِندَ المُسلِمِينَ إِجمَاعًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ المُتَّصِفُ بِالعِلمِ بِكُلِّ شَيءٍ.

لَعَلِّي لَا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذَا فِي مَوقِفِي هَذَا – أَي يَحتَمِلُ أَن أَمُوتَ هَذَا العَامَ فَلَا أَلقَاكُم فِي الدُّنيَا بَعدَ عَامِي هَذَا غَيرَ تِلكَ المَرَّةِ فِي مَوقِفِي هَذَا الَّذِي أَقِفُهُ خَاطِبًا فِيكُم بِمِنًى يَومَ النَّحرِ، لِأَنِّي قَد أَمُوتُ قَبلَ مَجِيءِ المَوسِمِ القَابِلِ فَلَا أَلقَاكُم فِي الحَيَاةِ بَعدَ ذَلِكَ.

قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَومٍ هَذَا؟» – أَيِ اليَومُ الَّذِي نَحنُ فِيهِ مُجتَمِعُونَ. وَسَأَلَهُم لِيُقَرِّرَ فِي نُفُوسِهِم حُرمَةَ مَا يَأتِي ذِكرُهُ، وَذَلِكَ أَبلَغُ فِي التَّقرِيرِ.

 قَالُوا: يَومٌ حَرَامٌ – وَصفُ اليَومِ بِالحَرَامِ مَجَازٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الحَرَامَ لَيسَ هُوَ عَينَ اليَومِ، بَل مَعنَاهُ: هُوَ يَومٌ يَحرُمُ فِيهِ القِتَالُ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ.

 قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ – أَي بَلَدٌ حَرُمَ القِتَالُ فِيهِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ. 

 قَالَ: «فَأَيُّ شَهرٍ هَذَا؟»، قَالُوا: شَهرٌ حَرَامٌ – أَي شَهرٌ حَرُمَ القِتَالُ فِيهِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّ ثَمَّةَ قِتَالًا مَأذُونًا فِيهِ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ.

 قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ – أَي سَفكَ دَمِ وَاحِدٍ مِنكُم بِغَيرِ حَقٍّ حَرَامٌ، وَأَكلَ بَعضِكُم مَالَ بَعضٍ بِغَيرِ حَقٍّ حَرَامٌ، وَانتِهَاكَ بَعضِكُم أَعرَاضَ بَعضٍ بِالبَاطِلِ حَرَامٌ، وَالعِرضُ هُوَ مَحَلُّ الذَّمِّ وَالمَدحِ مِنَ الإِنسَانِ.

إِلَى أَن تَلقَوا رَبَّكُم – أَي حَتَّى تَمُوتُوا فَتَصِيرُوا إِلَى حِسَابِ اللهِ وَجَزَائِهِ.

كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا فِي شَهرِكُم هَذَا فِي بَلَدِكُم هَذَا – أَي تَعَرُّضُ بَعضِكُم لِدِمَاءِ بَعضٍ وَأَعرَاضِهِ وَأَموَالِهِ بِغَيرِ حَقٍّ فِي غَيرِ يَومِ عَرَفَةَ مِن شَهرِ ذِي الحِجَّةِ بِعَرَفَاتٍ حَرَامٌ كَمَا أَنَّهُ حَرَامٌ فِي غَيرِهِ مِنَ الأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالأَمَاكِنِ. وَقَد كَانَ النَّاسُ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَستَبِيحُونَ دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم فِي غَيرِ الأَشهُرِ الحُرُمِ بِغَيرِ مَكَّةَ وَيُحَرِّمُونَهَا فِيهَا.

أَلَا هَل بَلَّغتُ، أَلَا هَل بَلَّغتُ – فَأَجَابُوهُ بِقَولِهِم: «نَعَم» أَي بَلَّغتَ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ.

اللَّهُمَّ فَاشهَد – أَي يَا رَبِّ أَنتَ شَاهِدٌ عَلَى عِبَادِكَ، فَإِنَّهُم أَقَرُّوا بِأَنِّي قَد بَلَّغتُهُم رِسَالَتَكَ.

فَمَن كَانَت عِندَهُ أَمَانَةٌ فَليُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائتَمَنَهُ عَلَيهَا – أَي مَن كَانَ مُؤتَمنًا عَلَى أَمَانَةٍ لِغَيرِهِ وُضِعَت عِندَهُ فَليُؤَدِّ تِلكَ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهَا الَّذِي ائتَمَنَهُ عَلَيهَا وَلَا يَأكُلْهَا بِغَيرِ حَقٍّ.

 أَلا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ – أَي كُلُّ أَمرٍ بَاطِلٍ فَعَلَهُ أَحَدُكُم فِي الجَاهِلِيَّةِ أَيُّهَا المُسلِمُونَ قَبلَ بِعثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالإِسلَامِ.

تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ – أَي كَالشَّيءِ المَوضُوعِ تَحتَ القَدَمِ، مَعنَاهُ قَد عَفَوتُ عَن كُلِّ شَيءٍ فَعَلَهُ رَجُلٌ مُسلِمٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبلَ إِسلَامِهِ وَتَجَافَيتُ عَنهُ حَتَّى إِنَّ هَذَا الشَّيءَ صَارَ كَالمَوضُوعِ تَحتَ القَدَمِ.

ودمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ – أَي مَترُوكَةٌ مَحطُوطَةٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا اليَومَ عَلَى مَن أَسلَمَ بَعدَمَا قَتَلَ فِي المَاضِي أَحَدًا حِينَ كَانَ كَافِرًا أَصلِيًّا.

وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ – أَي ءَامُرُ بِتَركِ القِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالكَفَّارَةِ فِيهِ.

دِمَاؤُنَا – أَرَادَ دَمَ مَن قُتِلَ مِنَ المُسلِمِينَ مِن أَقَارِبِهِ. وَابتَدَأَ فِي وَضعِ القَتلِ وَالدِّمَاءِ بِأَهلِ بَيتِهِ وَأَقَارِبِهِ لِيَكُونَ أَمكَنَ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ.

دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ – أَي أَضَعُهُ فَلَا أَقتَصُّ بِهِ. وَرَبِيعَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ هُوَ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ، كَانَ أَسَنَّ مِنَ العَبَّاسِ بِسَنَتَينِ، أَمَّا ابنُهُ المَقتُولُ الَّذِي وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَمَهُ فَاسمُهُ إِيَاسٌ عِندَ الجُمهُورِ.

كَانَ مُستَرضَعًا فِي بَنِي سَعدٍ فَقَتَلَتهُ هُذَيلٌ – أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ إِيَاسَ بنَ رَبِيعَةَ كَانَ طِفلًا مُستَرضَعًا أَي لَهُ مُرضِعَةٌ مِن نِسَاءِ بَنِي سَعدِ بنِ بَكرٍ تُرضِعُهُ بِأُجرَةٍ، فَلَمَّا كَانَ الطِّفلُ يَحبُو أَمَامَ البُيُوتِ رَمَتهُ قَبِيلَةُ هُذَيلِ بنِ مُدرِكَةَ بِحَجَرٍ فِي حَربٍ بَينَهَا وَبَينَ بَنِي سَعدٍ فَرُضِخَ رَأسُهُ فَمَاتَ.

وَإِنَّ رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ – أَيِ الرِّبَا الَّذِي كَانَ مَعرُوفًا فِيمَا بَينَ أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَالزَّائِدُ عَلَى رَأسِ المَالِ مِنَ الرِّبَا مَوضُوعٌ أَي سَاقِطٌ، أَو مَعنَاهُ أَنَّ العَمَلَ بِرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ أَي مَترُوكٌ بَاطِلٌ وَيُقتَصَرُ عَلَى رَأسِ المَالِ فَقَط، فَكُلُّ قَرضٍ أَعطَاهُ الرَّجُلُ غَيرَهُ لِيَأخُذَهُ مِنهُ أَكثَرَ مِمَّا أَعطَاهُ فَقَد سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ وَلَغَت، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَن يَأخُذَ إِلَّا قَدرَ مَا أَعطَاهُ وَتَحرُمُ عَلَيهِ الزِّيَادَةُ رِبًا.

وَإِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَبدَأُ بِهِ – أَي أَضَعُهُ وَأُبطِلُهُ.

رِبَا العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ – بَدَأَ ﷺ بِرِبَا العَبَّاسِ لخُصُوصِيَّتِهِ بِهِ ﷺ لِيَقتَدِيَ النَّاسُ بِهِ قَولًا وَفِعلًا فَيَضَعُونَ مَا كَانَ مِن ذَلِكَ عَنِ المُقتَرِضِينَ مِنهُم.

وَإِنَّ مَآثِرَ الجَاهِلِيَّةِ – جَمعُ مَأثُرَةٍ أَي مَا يُؤثَرُ عَنهُم وَيُروَى مِمَّا كَانُوا يَفعَلُونَهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَيَعُدُّونَ فِعلَهُ مَكرُمَةً وَمَفخَرَةً وَلَم يَستَحسِنهُ الشَّرعُ.

مَوضُوعَةٌ – أَي سَاقِطَةٌ بَاطِلَةٌ.

غَيرَ السِّدَانَةِ وَالسِّقَايَةِ – استَثنَى مِن ذَلِكَ السِّدَانَةَ وَالسِّقَايَةَ؛ أَمَّا السِّدَانَةُ فَسِدَانَةُ الكَعبَةِ أَي خِدمَتُهَا وَالقِيَامُ بِأَمرِهَا مِن تَوَلِّي حِفظِهَا وَقَبضِ مِفتَاحِهَا، وَكَانَت أَوَّلًا في بَنِي عَبدِ الدَّارِ ثُمَّ صَارَت بَعدَ ذَلِكَ فِي بَنِي شَيبَةَ. وَأَمَّا السِّقَايَةُ فَهِيَ سَقيُ النَّاسِ الشَّرَابَ، مَاءً كَانَ أَو غَيرَهُ، فَكَانَ عَبدُ مَنَافٍ يَستَقِي المَاءَ مِن بِئرِ رُمٍّ وَبِئرِ خُمٍّ عَلَى الإِبِلِ فِي المَزَاوِدِ وَالقِرَبِ ثُمَّ يَسكُبُ المَاءَ فِي حِيَاضٍ مِن أَدَمٍ بِفِنَاءِ الكَعبَةِ فَيَرِدُهُ النَّاسُ الزَّائِرُونَ البُيُوتَ لِفِعلِ حَجِّهِم فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ وَلِيَ السِّقَايَةَ مِن بَعدِهِ ابنُهُ هَاشِمُ بنُ عَبدِ مَنَافٍ وَلَم يَزَل يَسقِي حُجَّاجَهُم حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقَامَ بَعدَهُ بِأَمرِ السِّقَايَةِ ابنُهُ عَبدُ المُطَّلِبِ وَلَم يَزَل كَذَلِكَ حَتَّى جَهَّزَ بِئرَ زَمزَمَ فَغَلَبَت عَلَى بَاقِي الآبَارِ. وَكَانَ لِعَبدِ المُطَّلِبِ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا كَانَ المَوسِمُ جَمَعَهَا ثُمَّ وَضَعَ مِن لَبَنِهَا بِالعَسَلِ فِي حَوضٍ مِن أَدَمٍ عِندَ زَمزَمَ وَأَحضَرَ الزَّبِيبَ فَنَبَذَهُ بِمَاءِ زَمزَمَ، لِأَنَّ زَمزَمَ كَانَت إِذ ذَاكَ غَلِيظَةً جِدًّا، فَيَكسِرُ بِالزَّبِيبِ وَالتَّمرِ غِلَظَ المَاءِ. وَكَانَ المَاءُ العَذبُ بِمِكَّةَ عَزِيزًا لَا يُوجَدُ إِلَّا لِإِنسَانٍ يُستَعذَبُ لَهُ مِن بِئرِ مَيمُونٍ وَمِن خَارِجِ مَكَّةَ. وَلَبِثَ عَبدُ المُطَّلِبِ يَسقِي النَّاسَ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقَامَ بِأَمرِ السِّقَايَةِ بَعدَهُ ابنُهُ العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ لِلعَبَّاسِ كَرمٌ بِالطَّائِفِ، فَكَانَ يَحمِلُ زَبِيبَهُ مِنهَا لِيَعمَلَ عَمَلَ وَالِدِهِ، فَلَمَّا مَضَتِ الجَاهِلِيَّةُ وَصَدرٌ مِنَ الإِسلَامِ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ السِّقَايَةَ فِي يَدِ العَبَّاسِ يَومَ الفَتحِ ، ثُمَّ لَم تَزَل فِي يَدِ العَبَّاسِ حَتَّى تُوُفِّيَ فَوَلِيَهَا بَعدَهُ ابنُهُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، فَكَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ كَفِعلِهِ وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهَا مُنَازِعٌ، حَتَّى تُوُفِّيَ فَكَانَت فِي يَدِ ابنِهِ عَلِيِّ بنِ عَبدِ اللهِ يَفعَلُ كَفِعلِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، يَأتِيهِ الزَّبِيبُ مِنَ الطَّائِفِ فَيَنبُذُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ فَكَانَت بِيَدِ وَلَدِهِ بَعدَهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيطَانَ قَد أَيِسَ أَن يُعبَدَ بِأَرضِكُم هَذِهِ – أَي أَيِسَ إِبلِيسُ وَقَطَعَ الأَمَلَ مِن أَن يَعُودَ مِنَ المُؤمِنِينَ أَحَدٌ إِلَى طَاعَةِ الشَّيطَانِ فِي عِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ.

وَلَكِنَّهُ قَد رَضِيَ بِأَن يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِيمَا تَحقِرُونَ مِن أَعمَالِكُم – أَي لَكِنَّ الشَّيطَانَ رَضِيَ أَن يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ العِصيَانِ الَّذِي هُوَ دُونَ الكُفرِ كَالقَتلِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحوِهِمَا مِنَ الكَبَائِرِ، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحصُلُ كُفرٌ مِن بَعضِ النَّاسِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ بِإِشرَاكٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، لَا، بَل ذَلِكَ مُشَاهَدٌ مِن بَعضِ النَّاسِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الكَلَامَ عَلَى مَا أَيِسَ الشَّيطَانُ مِن حُصُولِهِ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ الوَقتِ مِن تَمَسُّكِ المُسلِمِينَ بِدِينِهِم وَنَبذِهِم لِلكُفرِ.

أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُكَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ أَصحَابَ حُرُوبٍ وَغَارَاتٍ يَتَعَيَّشُونَ مِنهَا مِن أَجلِ المَالِ وَالمَاءِ وَالأَرضِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا، فَإِذَا جَاءَ الشَّهرُ الحَرَامُ وَهُم مُحَارِبُونَ – وَقَد عَهِدُوا تَركَ العُدوَانِ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ بِمَا بَقِيَ عِندَهُم مِن مِلَّةِ إِبرَاهِيمَ – شَقَّ عَلَيهِم تَركُ المُحَارَبَةِ ثَلَاثَةَ أَشهُرٍ عَلَى التَّوَالِي – ذِي القَعدَةِ وَذِي الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمِ – وَرُبَّمَا وَقَعَت لَهُم حَربٌ فِي بَعضِ الأَشهُرِ الحُرُمِ فَيَكرَهُونَ تَأخِيرَهَا، فَنَسَؤُوا أَي أَخَّرُوا تَحرِيمَ ذَلِكَ الشَّهرِ إِلَى شَهرٍ آخَرَ؛ فَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحرِيمَ المُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ شَهرٌ حَرَامٌ إِلَى صَفَرَ الَّذِي هُوَ شَهرٌ حَلَالٌ، فَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ وَيَستَحِلُّونَ المُحَرَّمَ، فَإِذَا احتَاجُوا إِلَى تَأخِيرِ تَحرِيمِهِم صَفَرَ أَيضًا أَخَّرُوهُ إِلَى رَبِيعٍ الأَوَّلِ فَعَلُوا رَبِيعًا حَرَامًا، وَهَكَذَا شَهرًا بَعدَ شَهرٍ حَتَّى استَدَارَ التَّحرِيمُ بِهِم عَلَى السَّنَةِ كُلِّهَا، وَكَانُوا إِذَا أَحَلُّوا شَهرًا مِنَ الأَشهُرِ الحُرُمِ عَامًا رَجَعُوا فَحَرَّمُوهُ فِي العَامِ القَابِلِ لِيُوَافِقُوا العَدَدَ وَهُوَ أَن تَكُونَ الأَشهُرُ المُحَرَّمَةُ عِندَهُم أَربَعَةً فِي كُلِّ عَامٍ غَيرَ نَاقِصَةٍ وَلَو غَيَّرُوا مَوَاضِعَ التَّحرِيمِ، فَجَاءَتِ البِعثَةُ بَعدَ الجَاهِلِيَّةِ وَقَد رَجَعَ كُلُّ مُحَرَّمٍ مِنَ الأَشهُرِ إِلَى مَوضِعِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعدَ دَهرٍ طَوِيلٍ.

وَإِنَّ الزَّمَانَأَيِ السَّنَةَ.

قَدِ استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ – وَمَعنَى الِاستِدَارَةِ عَودُ كُلِّ مُحَرَّمٍ مِنَ الأَشهُرِ إِلَى مَوضِعِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، أَو مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَد دَارَ العَامُ عَلَى التَّرتِيبِ الَّذِي اختَارَهُ اللهُ تَعَالَى وَجَعَلَهُ يَومَ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرَضُونَ؛ وَهُوَ أَن يَكُونَ كُلَّ عَامٍ اثنَي عَشَرَ شَهرًا، وَكُلُّ شَهرٍ قَمَرِيٍّ مَا بَينَ تِسعَةٍ وَعِشرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ يَومًا، وَكَانَتِ العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَد غَيَّرَت ذَلِكَ أَيضًا فَجَعَلَت عَامًا اثنَي عَشَرَ شَهرًا وَعَامًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ مَوسِمَ حَجِّ المُشرِكِينَ إِلَى البَيتِ فِي كُلِّ عَامَينِ مِن شَهرٍ إِلَى شَهرٍ آخَرَ بَعدَهُ وَيَجعَلُونَ الشَّهرَ الَّذِي أَخَّرُوهُ مُلغًى فَتَصِيرُ تِلكَ السَّنَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى هَذَا الحِسَابِ وَتَتَبَدَّلُ أَشهُرُهَا، فَيُحِلُّونَ بِذَلِكَ الأَشهُرَ الحُرُمَ وَيُحَرِّمُونَ غَيرَهَا، فَأَبطَلَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَأَبقَى العَامَ وَشُهُورَهُ عَلَى مَدَارِهَا الأَصلِيِّ، فَقَالَ ﷺ: «وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيئَتِهِ» إِلَخ، أَي حَكَمَ اللهُ تَعَالَى أَن يَكُونَ ذُو الحِجَّةِ فِي هَذَا الوَقتِ فَاحفَظُوا وَقتَهُ وَاجعَلُوا الحَجَّ فِي هَذَا الوَقتِ وَلَا تَتَبَدَّلُوا شَهرًا بِشَهرٍ كَعَادَةِ أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ.

 وَ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌالمُرَادُ بَيَانُ أَنَّ أَحكَامَ الشَّرعِ تَنبَنِي عَلَى الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ دُونَ الشَّمسِيَّةِ، وَعِدَّةُ الشُّهُورِ: عَدَدُهَا فِي العَامِ الوَاحِدِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي حُكمِ اللهِ وَفِي اللَّوحِ المَحفُوظِ.

ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَوَاحِدٌ فَردٌ – ثَلَاثَةٌ سُردٌ هِيَ ذُو القَعدَةِ سُمِّيَ بِهِ لِلقُعُودِ فِيهِ عَنِ القِتَالِ ابتِدَاءً، وَذُو الحِجَّةِ سُمِّيَ بِهِ لِلحَجِّ، وَالمُحَرَّمُ سُمِّيَ بِهِ لِتَحرِيمِ القِتَالِ فِيهِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ، وَوَاحِدٌ فَردٌ أَي غَيرُ مُتَّصِلٍ بِهَا وَهُوَ رَجَبٌ سُمِّيَ بِهِ لِتَرجِيبِهِ أَي تَعظِيمِهِ. وَيَجُوزُ عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ ذُو القِعدَةِ بِكَسرِ القَافِ وَذُو الحَجَّةِ بِفَتحِ الحَاءِ.

ذُو القَعدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ – قِيلَ: كَانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي رَجَبًا وَشَعبَانَ الرَّجَبَينِ، وَقِيلَ: كَانَت تُسَمِّي جُمَادَى وَرَجَبًا جُمَادَينِ وَتُسَمِّي شَعبَانَ رَجَبًا، فَبَيَّنَ رَجَبًا المُعتَدَّ بِهِ فِي التَّسمِيَةِ.

أَلَا هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِنِسَائِكُم عَلَيكُم حَقًّا وَلَكُم عَلَيهِنَّ حَقًّا، حَقَّكُم عَلَيهِنَّ أَن لَا يُوطِئنَ فُرُشَكُم وَلَا يُدخِلنَ أَحَدًا تَكرَهُونَهُ بُيُوتَكُم إِلَّا بِإِذنِكُم، – مَعنَاهُ أَن لَا يَأذَنَّ لِأَحَدٍ تَكرَهُونَ دُخُولَ بُيُوتِكُم فِي الدُّخُولِ وَالجُلُوسِ فِي مَنَازِلِكُم، سَوَاءٌ كَانَ المَأذُونُ لَهُ رَجُلًا أَجنَبِيًّا أَوِ امرَأَةً أَو أَحَدًا مِن مَحَارِمِ الزَّوجَةِ.

وَأَن لَا يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ – قَالَ الفُقَهَاءُ: هُوَ عَامٌّ فِي نُشُوزِ المَرأَةِ وَزِنَاهَا.

فَإِن فَعَلنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَد أَذِنَ لَكُم أَن تَعضُلُوهُنَّ وَتَهجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَتَضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبرِحٍ – ذَكَرَ أَنوَاعًا مِنَ التَّأدِيبِ لَهَا عَلَى مَا اقتَرَفَت، وَذَلِكَ عَلَى التَّدرِيجِ عَلَى حَسَبِ مَا يُرجَى لِتَرجِعَ عَن نُشُوزِهَا؛ فَإِن أَثَّرَ فِيهَا الوَعظُ وَالتَّذكِيرُ اختَارَهُ، وَإِلَّا فَإِن أَثَّرَ فِيهَا العَضلُ فِي البَيتِ وَمَنعُهَا مِنَ الخُرُوجِ فَترَةً فَعَلَهُ، فَإِن كَانَ هَجرُهَا فِي المَضجَعِ مُؤَثِّرًا فِيهَا فَعَلَهُ، فَإِن كَانَ الضَّربُ مُفِيدًا فِي رُجُوعِهَا عَن نُشُوزِهَا وَتَعَيَّن طَرِيقًا فَعَلَهُ بِشَكلٍ غَيرِ مُبرِحٍ.

فَإِذَا انتَهَينَ وَأَطَعنَكُم فَعَلَيكُم رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ – أَي نَفَقَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ.

أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ – أَي بِإِبَاحَةِ اللهِ لَكُم ذَلِكَ عَلَى وَجهٍ يُشبِهُ الوَدِيعَةَ الَّتِي مِن شَأنِهَا أَن تُحفَظَ؛ فَقَد جَعَلَكُمُ اللهُ قَوَّامِينَ عَلَيهِنَّ فَكُنَّ كَالوَدِيعَةِ عِندَكُم تَحفَظُونَهُنَّ.

وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ – أَيِ استَمتَعتُم بِهِنَّ عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَحَلَّ اللهُ لَكُم بِحُكمِهِ تَعَالَى بِحِلِّ النِّكَاحِ، فَكَلِمَتُهُ هُنَا حُكمُهُ الَّذِي أَنزَلَهُ فِي إِبَاحَةِ النِّكَاحِ عَلَى الوَجهِ المُقَرَّرِ فِي الشَّرِيعَةِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ وَاستَوصُوا بِهِنَّ خَيرًا – أَي قَد أَوصَاكُم بِهِنَّ خَيرًا فَاقبَلُوا وَصِيَّتَهُ وَاعمَلُوا بِهَا.

أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌفِي الإِسلَامِ.

وَلَا يَحِلُّ لِمُؤمِنٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا مِن طِيبِ نَفسٍ مِنهُ أَلَا هَل بَلَّغتُ، اللَّهُمَّ فَاشهَد.

فَلَا تَرجِعُنَّ بَعدِي كُفَّارًا – أَي بَعدَ فِرَاقِي مِن هَذَا المَجلِسِ أَو بَعدَ وَفَاتِي.

يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ – أَي إِيَّاكُم أَن تَصِيرُوا شَبِيهِينَ بِالكُفَّارِ وَتَعمَلُوا بَعضَ أَعمَالِهِم مِن إِرَاقَةِ دِمَائِكُم وَسَلبِ أَموَالِكُم وَالطَّعنِ فِي أَعرَاضِكُم بِغَيرِ حَقٍّ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الجُملَةِ مِنَ الحَدِيثِ سِتَّةَ أَقوَالٍ أُخرَى وَاستَظهَرَ القَولَ الَّذِي ذَكَرنَاهُ.

فَإِنِّي قَد تَرَكتُ فِيكُم مَا إِن أَخَذتُم بِهِ لَن تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وسُنَّةَ نَبِيِّهِ – أَي طَرِيقَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ، وَلَيسَ ذَلِكَ مَخصُوصًا بِالنَّوَافِلِ.

وَعِترَتِي – عِترَةُ الرَّجُلِ نَسلُهُ وَقَومُهُ الأَدنَونَ.

أَهلَ بَيتِي، أَلَا هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ فَاشهَد.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ – يَعنِي سَيِّدَنَا آدَمَ.

كُلُّكُم لِآدَمَ – أَي مِن ذُرِّيَّتِهِ وَتَرجِعُونَ إِلَيهِ انتِسَابًا.

وَءَادَمُ مِن تُرَابٍ – أَي خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى مِن تُرَابِ الأَرضِ وَلَم يَجعَلهُ مِن أَبَوَينِ.

﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم، وَلَيسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضلٌ إِلَّا بِالتَّقوَى، أَلَا هَل بَلَّغتُ؟»، قَالُوا: نَعَم، قَالَ: «فَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ».

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَد قَسَمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيرَاثِ، وَلَا يَجُوزُ لِمُورِثٍ وَصِيَّةُ أَكثَرَ مِنَ الثُلُثِ، وَالوَلَدُ لِلفِرَاشِ – أَي مَنسُوبٌ إِلَى مَالِكِ الفِرَاشِ وَهُوَ الزَّوجُ أَوِ السَّيِّدُ.

وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ – أَي لِلزَّانِي الخَيبَةُ وَالحِرمَانُ، وَالعَهَرُ بِفَتحَتَينِ الزِّنَى، وَمَعنَى الخَيبَةِ هُنَا حِرمَانُ الوَلَدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ. وَجَرَت عَادَةُ العَرَبِ أَن تَقُولَ لِمَن خَابَ: لَهُ الحَجَرُ، وَبِفِيهِ الحَجَرُ وَالتُّرَابُ، وَنَحوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: المُرَادُ بِالحَجَرِ هُنَا أَنَّهُ يُرجَمُ، لَكِن قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الرَّجمَ مُختَصٌّ بِالمُحصَنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلزَمُ مِن رَجمِهِ نَفيُ الوَلَدِ، وَالخَبَرُ إِنَّمَا سِيقَ لِنَفيِ الوَلَدِ. وَقَالَ السُّبكِيُّ: الأَوَّلُ أَشبَهُ بِمَسَاقِ الحَدِيثِ لِتَعُمَّ الخَيبَةُ كُلَّ زَانٍ، وَأَمَّا دَلِيلُ الرَّجمِ مَأخُوذٌ مِن مَوضِعٍ آخَرَ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّخصِيصِ مِن غَيرِ دَلِيلٍ.

مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ أَي قَالَ هَذَا أَبِي وَالحَالُ أَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ.

وَمَن تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ أَي مَالِكِيهِ أَي عَبْدٌ قَالَ هَذَا مَالِكِي وَهُوَ لَيسَ كَذَلِكَ.

فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ صَرفًا وَلَا عَدلًا – الصَّرفُ التَّوبَةُ وَالعَدلُ الفِديَةُ، مَعنَاهُ لَا يُعفِيهِ شَيءٌ مِنَ العُقُوبَةِ فِي الآخِرَةِ إِن مَاتَ مُؤمِنًا غَيرَ تَائِبٍ مَا لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ.

وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ.

الخاتمة

هَكَذَا بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَالِيمَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَنَزَلَ بَعدَ هَذِهِ الخُطبَةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾، رَضِيَهُ اللهُ لَنَا دِينًا، فَنَحنُ لَا نَرضَى سِوَاهُ، هُوَ الإِسلَامُ دِينُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ، مِن آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، مُرُورًا بِإِبرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، هُوَ الإِسلَامُ المُبَارَكُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾، فَلَم يَرضَ اللهُ لَنَا دِينًا غَيرَ الإِسلَامِ.

وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ أَيِ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم قَوَاعِدَ الدِّينِ، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَن يَنزِلَ حُكمٌ وَلَا آيَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ تِلكَ الآيَةِ، بَل نَزَلَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  • عُمدَةِ القَارِي لِبَدرِ الدِّينِ العَينِيِّ.
  • مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي.
  • المِنهَاجِ بِشَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
الأضحية في المذاهب الأربعة | أحكامها وشروطها وآراء الفقهاء

الأضحية في المذاهب الأربعة: أحكامها وشروطها وآراء الفقهاء

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share