زيارة قبر النبي ﷺ بعد الحج والعمرة: أدلة، فضل وآداب الزيارة

زيارة النبي ﷺ بعد الحج والعمرة

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، أَمَّا بَعدُ:

قال الله تعالى

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

حكم زيارة قبر النبي ﷺ بعد الحج والعمرة

إنَّ مِمَّا يُستَحَبُّ فِعلُهُ لِلحَاجِّ وَالمُعتَمِرِ بَعدَ أَدَاءِ المَنَاسِكِ أَن يَتَوَجَّهُوا إِلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِزِيَارَتِهِ ﷺ فَإِنَّ زِيَارَةَ قَبرِ النَّبِيِّ الأَعظَمِ ﷺ تُسَنُّ لِلحَاجِّ ولِغَيرِ الحَاجِّ، فَإِنَّ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ أَجمَعَتْ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ قَبرِهِ ﷺ، وَاعتَبَرُوهَا قُربَةً إِلَى اللهِ وَفَضِيلَةً مُرَغَّبًا فِيهَا وَهِيَ مِن أَنجَحِ المَسَاعِي وَأَهَمِّ القُرُبَاتِ إلى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

الأدلة الشرعية على جواز زيارة قبر النبي ﷺ

رَوَى البَزَّارُ وَالدَّارَقُطنِيُّ بِإِسنَادِهِمَا عَن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَن زَارَ قَبرِي وَجَبَت لَهُ شَفَاعَتِي

 قَوَّاهُ السُّبكِيُّ وَوَافَقَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ.

وَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهقِيُّ وَغَيرُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبرِي بَعدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي

وَهَذَا الإِمَامُ المُجتَهِدُ المُطْلَقُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ يَنقُلُ الإِجمَاعَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ (شِفَاءِ السَّقَامِ).

من ءاداب زيارة قبر النبي ﷺ

قبل الوصول إلى المدينة المنورة

وَيُستَحَبُّ لِمَن أَرَادَ زِيَارَةَ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يَنوِيَ مَعَ زِيَارَتِهِ ﷺ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالمُسَافَرَةِ إِلَى مَسجِدِهِ ﷺ وَالصَّلَاةِ فِيهِ. وَيُستَحَبُّ لَهُ أَن يُكثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسلِيمِ عَلَيهِ فِي طَرِيقِهِ فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشجَارِ المَدِينَةِ وَحَرَمِهَا وَمَا يُعرَفُ بِهَا زَادَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسلِيمِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَنفَعَهُ بِزِيَارَتِهِ ﷺ وَأن يَتَقَبَّلَهَا مِنهُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَذكَارُ. وَيُستَحَبُّ أَيضًا أَن يَغتَسِلَ قَبلَ دُخُولِهِ المَدِينَةَ وَهُوَ مِنَ الأَغسَالِ المَسنُونَةِ فِي كُتُبِ الفُقَهَاءِ وَيَلبَسُ أنظَفَ ثِيَابِهِ. وَأَن يَستَحضِرَ فِي قَلبِهِ حِينَئِذٍ شَرَفَ المَدِينَةِ وَأَنَّهَا أَفضَلُ بِقَاعِ الدُّنيَا بَعدَ مَكَةَ عِندَ بَعضِ العُلَمَاءِ، وَعِندَ بَعضِهِم هِيَ أَفضَلُهَا عَلَى الإِطلَاقِ كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الحُجَجُ المُبِينَةُ فِي التَّفضِيلِ بَينَ مَكَةَ وَالمَدِينَة، وَأَنَّ الذِي شَرُفَت بِهِ ﷺ خَيرُ الخَلَائِقِ أَجمَعِينَ. وَليَكُن مِن أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى أَن يَرجِعَ مُستَشعِرًا تَعظِيمَهُ مُمتَلِئَ القَلبِ مِن هَيبَتِهِ كَأَنَّه يَرَاهُ ﷺ.

عند الوصول إلى المدينة المنورة

يبدأ بالروضة الشريفة

فَإِذَا وَصَلَ إِلَى بَابِ مَسجِدِهِ ﷺ فَليَقُل دُعَاءَ دُخُولِ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ وَيُقُدِّمُ رِجلَهُ اليُمنَى فِي الدخُولِ وَاليُسرَى فِي الخُروجِ وَكذا يَفعَل فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ، وَيَدخُل فَيَقصِد الروضَة الكريمَةَ وَهِي مَا بَينَ المِنبَر وَالقبر كما جاء في البخاري فيُصَلي تَحيةَ المسجد بجنبِ المِنبَر، وفي كتابِ إِحياءِ علومِ الدينِ للغَزَالِي أَنهُ يجعَلُ عمُودَ المنبَرِ حِذاءَ منكِبِه الأيمَنِ. ويَستَقبِل السارِيَةَ التي إلى جَانِبِهَا الصندوقُ وتَكُونُ الدائرةُ التِي في قِبلةِ المسجِدِ بينَ عينَيهِ فذلِك موقفُ رسولِ اللهِ ﷺ وَقَد وُسِّعَ المَسجدُ بَعدَه ﷺ، ففي كتابِ وفاءِ الوَفَا بأخبارِ دارِ المصطفى ﷺ  للسمهُودِيّ: أَنّ ذَرْعَ ما بين المنبر ومقامِ النبيِّ ﷺ الذِي كانَ يصلِي فيهِ حتى تُوُفِّي أربعةَ عشرَ ذِرَاعًا وشبرًا وأنَّ ذَرعَ مَا بَينَ المِنبَر والقَبرِ ثَلاثَة وخَمسُون ذِرَاعًا وشِبرًا.

ثُمَّ إِذَا صَلَّى التَّحِيَّةَ فِي الرَّوضَةِ أَو غَيرِهَا مِن المَسجِدِ شَكَر اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعمَةِ وَيَسأَلُهُ إِتمَامَ مَا قَصَدَهُ وَقَبُولَ زِيَارَتِهِ.

يقصد القبر الشريف

ثُمَّ يَأتِي القَبرَ الكَرِيمَ فَيَستَدبِرُ القِبلَةَ وَيَستَقبِلُ جِدَارَ القَبرِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ مَالِكٌ كَمَا نَقَلَهُ عَنهُ القَاضِي عِيَاضٌ اليَحصُبِيُّ المَالِكِي فِي كِتَابِهِ الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى.

وَيَبعُدُ مِن رَأسِ القَبرِ نَحوًا مِن أَربَعَةِ أَذرُعٍ، وَذَكَر بَعضُهُم أَنَّه يَستَقبِلُ جِدَارَ القَبرِ عَلى نَحوِ أَربَعَةِ أَذرُعٍ مِن السَّارِيَةِ التِي عِندَ رَأسِ القَبرِ فِي زَاوِيَةِ جِدَارِهِ وَيَجعَلُ القِندِيلَ الذِي فِي القِبلَةِ عِندَ القَبرِ عَلَى رَأسِهِ وَيَقِفُ نَاظرًا إِلى أسفَلِ مَا يستَقبِلهُ مِن جِدارِ القبرِ غَاضَّ الطَّرفِ في مَقامِ الهَيبةِ والإِجلالِ فَارِغَ القلبِ مِن علائِقِ الدُّنيَا مستَحضرًِا في قلبِهِ جلالَةَ موقِفهِ ومنزِلَةَ مَن هُوَ بِحضرَتِهِ، ثُمَّ يسلِّم ولا يرفَعُ صوتَهُ بل يَقتَصِدُ فيقولُ: “السلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، السلامُ عليك يا نبيَّ اللهِ، السلامُ عليك يا خِيرَةَ اللهِ، السلامُ عليك يا خَيْرَ خلقِ اللهِ، السلامُ عليكَ يا حَبيبَ اللهِ، السلامُ عليكَ يا نَذِيرُ، السلامُ عَليكَ يا بَشيرُ، السلامُ عليكَ يا طَاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرَّحمَةِ، السلامُ عليك يا نبيَّ الأمةِ، السلامُ عليكَ يا أبَا القاسِمِ، السلامُ عليكَ يَا رسولَ ربِّ العَالمَينَ، السلامُ عليكَ يا سيدَ المرسلينَ وخاتمَ النبيين، السلامُ عليك يا خَيْرَ الخلائِقِ أجمعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُرّ المحَجَّلِينَ، السلامُ عليك وعلى ءَالِك وأهلِ بيتِكَ وأزواجِك وذريتِك وأصحابِك أجمعينَ، السلامُ عليك وعلى سائِرِ الأنبياءِ وجميعِ عبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، جزاكَ اللهُ يا رسولَ اللهِ عَنَّا أفضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا وَرَسُولًا عَن أُمَّتِهِ وَصَلَّى اللهُ علَيكَ كُلَّما ذَكَرَكَ ذَاكِرٌ وغَفَلَ عَن ذِكرِكَ غَافلٌ أفضَلَ وأكملَ وأطيبَ مَا صلَّى عَلَى أحدٍ مِن الخَلقِ أجمَعينَ، أشهدُ أَن لا إله إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ وأشهَدُ أنكَ عبدُهُ ورسولُهُ وخِيرتُهُ مِن خلقهِ، وأشهدُ أنكَ قد بلَّغتَ الرسالةَ وأدّيتَ الأمانةَ ونصحتَ الأمةَ وجاهدتَ في الله حقَّ جِهادِهِ، اللهم وءَاتِهِ الوَسيلَةَ والفَضيلَةَ وابعثْهُ مَقامًا محمُودًا الذِي وعدتَهُ، وءَاتِهِ نِهايةَ مَا يَنبَغِي أَن يَسأَلَهُ السَّائِلُون، اللهم صلِّ عَلى محمَّدٍ عبدِكَ ورسولِكَ النبيِّ الأُمِّي وعلَى ءالِ محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَتِهِ كَمَا صَلَّيتَ عَلى إبراهِيمَ وعلَى ءالِ إبراهِيمَ، وبَارِكْ على مُحمَّد النبيِّ الأُمِّي وعلَى ءالِ محمدٍ وأزواجِهِ وذُريتِهِ كمَا بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى ءال إبراهيمَ في العالمين إنكَ حميدٌ مجيد”، ومن عجز عَن حِفظِ هذَا أو ضَاقَ وقتُه عنهُ اقتصر على بعضِهِ، وأقلُّه السلامُ عليكَ يَا رسُولَ اللهِ ﷺ.

وَقَد قَالَ الإمَامُ النَّووِيُّ فِي كتابِهِ الأذكارِ عندَ ذكرِ الأذكارِ التي تستحب عند زيارته ﷺ: وعندَ وقُوفِهِ فِي وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ يتوسلُ بهِ فِـي حقِّ نفسهِ، ويتشَفَّعُ بِهِ إلى رَبِّه سبحانَه وتَعَالى، وَيَدعو لنفسِهِ وَلِوَالِدَيهِ وأصحَابِهِ وأحبَابِهِ ومَن أحسَنَ إليهِ وسَائِرِ المُسلِمِينَ، وأَن يجتَهِدَ في إِكثَارِ الدُّعَاءِ، ويَغتَنِمَ هَذَا المَوقِفَ الشريفَ، ويحمَدَ اللهَ تَعَالَى ويُسبِّحَهَ ويُكبِّرَهُ ويُهَلِّلَهُ، ويُصَلِّيَ على رسولِ اللهِ ويُكثِرُ مِنَ كل ذلِكَ، ثُم يَأتِي الرَّوضَةَ بَينَ القَبرِ والمِنبَر، فيُكثِر مِن الدعاءِ فِيهَا .اهـ

 ومِن أَحسَنِ مَا يقُولُ مَا رَواهُ كثيرٌ مِن العلماءِ ومنهم النَّووِيُّ والقاضِي عياضٌ والسمهُودِي وابنُ الجَوزِيِّ وغَيرِهِم عَن العُتبِيِّ مُستَحسِنِينَ لهُ قال: كُنتُ جَالسًا عِندَ قَبرِ النبيِّ ﷺ فجاءَ أعرابيٌّ فقَالَ: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ سمعتُ اللهَ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء] وقَد جِئتُكَ مُستَغفِرًا مِن ذَنبِي مُستَشفِعًا بِكَ إلى رَبِّي ثُم أَنشَأَ يَقُولُ:

يَا خَيرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالقَاعِ أعظُمُهُ *** فَطَابَ مِن طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأَكَمُ

نَفسِي الفِدَاءُ لِقَبرٍ أَنتَ سَاكِنُهُ *** فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الجُودُ والكَرَمُ

أَنتَ الشَّفِيعُ الذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ *** عِندَ الصِّرَاطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ

وصَاحِبَاكَ فَلَا أَنسَاهُمَا أَبَدًا *** مِنِّي السَّلامُ عَلَيكُمُ مَا جَرَى القَلَمُ

قَالَ: ثُمَّ انصَرَفَ، فَغَلَبَتنِي عَينَايَ فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّومِ فَقَالَ: يَا عُتبِيُّ اِلْحَقِ الأَعرَابِيَّ وَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد غَفَرَ لَهُ.

السلام على صاحبي رسول الله ﷺ

ثُمَّ يَتَأَخَّر إِلى صَوبِ يَمِينِهِ قَدرَ ذِرَاعٍ فيسلِّمُ عَلَى أبِي بكرٍ رضي الله عنهُ لأَنَّ رأسَهُ عندَ مَنكِبِ رَسولِ اللهِ ﷺ فيقُولُ: “السلامُ عليكَ يا أبَا بَكرٍ صَفِيَّ رسولِ اللهِ وثانِيهِ فِي الغارِ جزاكَ اللهُ عَن أُمَّةِ نبيِّهِ ﷺ خَيرًا”، ثُم يَتَأخَّر إلى صوبِ يمينِهِ قَدرَ ذِرَاعٍ لِلسَّلامِ عَلى عُمَرَ رضي الله عنه فيقول: “السَّلامُ عليكَ يَا عُمرَ أعزَّ اللهِ بكَ الإسلامَ جَزَاكَ اللهُ عَن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خَيرًا”.

الذهاب إلى البقيع

وَيُستَحَبُّ لِلزَّائِرِ أن يَخرُجَ كُلَّ يَومٍ إِلى البَقِيعِ خُصُوصًا يَومَ الجُمُعَةِ وَيَكُونُ ذَلِك بَعدَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا انتَهَى إِلَيهِ قَالَ: “السَّلامُ عليكُم دَارَ قَومٍ مُؤمِنِينَ وَإِنَّا إن شَاءَ اللهُ بِكُم لَاحِقُونَ، اللهم اغفِر لِأَهلِ بَقِيعِ الغَرقَدِ، اللهم اغفِر لَنَا وَلَهُم”. ويَزُورُ القُبُورَ الظَّاهِرَةَ فِيهِ كَقَبرِ إبرَاهِيمَ ابنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعُثمَانَ، وَالعَبَّاسِ، وأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ رضِي اللهُ عَنهُن أَجمَعِينَ وغَيرِهِم، وَيختِمُ بِقَبرِ صَفِيَّةَ رَضِي اللهُ عَنهَا عَمَّةِ رسُولِ اللهِ ﷺ وَقبرُهَا قَرِيبٌ مِن بَابِ المَقبَرَةِ، وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي فَضلِ قُبُورِ البَقِيعِ وَزِيَارَتِها أحاديثُ كثِيرَة. فقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضيَ اللهُ عَنهُ أنَّهُ قَالَ : خَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيبرَ أَخدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ رَاجِعًا وبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: “هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ“.

وَمِمَّا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحُثُّ عَلَى زِيَارَةِ قُبُورِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَزِيَارَةِ الجَبَلِ مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَارَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ يَشْهَدُ أَنَّ هؤُلاءِ شُهداءُ وَأَنَّهُ مَنْ زَارَهُمْ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ رَدّوا عَلَيْهِ“.

وَرَوَى الطبَرَانِيُّ فِي الأوسَطِ عنِ ابنِ عمرَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُصعَب بنِ عمير حِينَ رَجَعَ مِن أَحَدٍ فَوَقَفَ عَلَيهِ وَعَلَى أصحَابِهِ فَقَالَ: “أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ الله فَزُورُوهُمْ وسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَوَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ“. قَالَ ابنُ عَابِدِين: يُستَحَبُّ أَن يَزُورَ شُهَدَاءَ جَبَلِ أُحُدٍ، لِمَا رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَأْتِي قُبُوْرَ الْشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ عَلَى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُوْلُ: “السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ” والأَفْضَلُ أَن يَكُونَ ذَلِكَ يَومَ الخَمِيس مُتَطَهِرًا مُبَكِّرًا لِئَلَّا تَفُوتَهُ الظُّهرُ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اهـ. وَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَغَيرُهُ أَنَّ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ رَضِي اللهُ عَنهَا كَانَت تَزُورُ قَبرَ حَمزَةَ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ فِي أُحُدٍ.

قال الإمام النووي في الأذكار: فصل في زيارة قبر رسول الله وأذكارها

بَعدَ أن يُسلِّمَ عَلَى أبِي بكر وعمرَ يَرجِعُ إلى مَوقِـفِه الأوَّلِ قُبَالَةَ وَجهِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَيَتَوسَّل بِهِ فِي حقِّ نفسِهِ، ويَتَشَفَّع بِه إلى رَبِّه سبحانَهُ وتَعَالَى، ويدعُو لِنَفسِهِ وَلِوَالَدَيهِ وَأصحَابِهِ وَأَحِبَابِه وَمَن أحسَنَ إليهِ وَسائِرِ المُسلِمِينَ وَأن يَجتَهِد فِي إكثَارِ الدُّعاءِ ويغتَنِمَ هذَا المَوقِفَ الشَّريفَ، ويحمَدُ اللهُ تَعَالَى وَيُسبِّحَه ويُكبِّرَه وَيُهَلِّلَه، وَيُصلِّي عَلَى رسُول اللهِ ﷺ وَيُكثِر مِن كُلِّ ذَلِكَ، ثُم يَأتِي الرَّوضَةَ بَينَ القَبرِ وَالمِنبَر، فَيُكثِر مِن الدُّعاءِ فِيهَا.

مفهوم حديث لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

أمَّا حَدِيثُ: “ لَا تُشَدُّ الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسجِدِي هَذَا، وَالمَسجِدِ الحَرامِ، وَالمَسجِدِ الأَقصَى“، فَمَعنَاهُ الذِي فَهِمَهُ السَّلَفُ والخَلَفُ أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ زَائِدَةٌ فِي السَّفَرِ لِأَجلِ الصَّلَاةِ فِي مَسجِدٍ إِلا السَّفَرَ إِلى هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُضَاعَفُ فِيهَا إِلَى مِائَةِ أَلفٍ وَذَلِكَ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ وَإِلَى أَلفٍ وَذَلِكَ فِي مَسجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَإِلى خَمسِمِائَةٍ وَذَلِكَ فِي المَسجِدِ الأقصَى. فَالحَدِيثُ المُرادُ بِهِ السَّفَر لَأجلِ الصَّلاةِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أحمَدُ ابنُ حَنبَلَ فِي مُسنَدِهِ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرفُوعًا: “لَا يَنبَغِي لِلمَطِيِّ أَن تُشَدَّ رِحَالَهُ إِلى مَسجِدٍ يَبتَغِى فِيهِ الصَّلَاةَ غَيرِ المَسجِدِ الحَرَامِ وَالمَسجِدِ الأَقصَى وَمَسجِدِي هَذَا” وَهَذَا الحَدِيثُ حَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ، وَهُوَ مُبَيِّن لِمَعنَى الحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ الحَدِيثَ.

خاتمة: الدعاء والتوسل عند قبر النبي ﷺ

تَوَجَّه فِي شَوقِكَ إِلَى الضَّرِيحِ الشَّرِيفِ مُستَعِينًا بِاللهِ فِي رِعَايَةِ الأَدَبِ، فَأَنتَ سَتَقِفُ أَمَامَ أَعظَمِ الخَلقِ ﷺ، قِف بِخُضُوعٍ وَوَقَارٍ وَذُلٍّ وَانكِسَارٍ، كُن غَاضَّ الطَّرفِ، مَكفُوفَ الجَوَارِحِ، وَاضِعًا يَمِينَكَ عَلَى شِمَالِكَ، مُستَقبِلًا لِلمُوَاجَهَةِ الشَّرِيفَةِ، اجعَل وَجهَكَ إِلَى وَجهِ النَّبِيِّ ﷺ، أَخفِض رَأسَكَ، أَخلِ قَلبَكَ مِنَ الشَّوَاغِلِ، يُمنَاكَ عَلَى يُسرَاكَ، لَا تُكثِرِ الِالتِفَاتَ إِلَى زَخرَفَةٍ أَو بَهرَجَةٍ، لَا تَصرِف فِكرَكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ.

سَلِّم، ارفَع صَوتَكَ قَلِيلًا وَبِأَدَبٍ، تَذَكَّر قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وَاقرَأ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، وَقُل: قَد ظَلَمتُ نَفسِي ظُلمًا كَثِيرًا، وَأَتَيتُ بِجَهلِي وَغَفلَتِي أَمرًا كَبِيرًا، يَا رَسُولَ اللهِ قَد وَفَدتُ عَلَيكَ زَائِرًا وَبِكَ مُستَجِيرًا، وَجِئتُكَ مُستَغفِرًا مِن ذَنبِي، سَائِلًا مِنكَ أَن تَشفَعَ لِي إِلَى رَبِّي، وَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ شَفِيعُ المُذنِبِينَ، المَقبُولُ الوَجِيهُ عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ، وَهَا أَنَا مُعتَرِفٌ بِذَنبِي مُتَوَسِّلٌ بِكَ إِلَى اللهِ، مُستَشفِعٌ بِكَ إِلَيهِ، وَأَسأَلُ اللهَ البَرَّ الرَّحِيمَ بِكَ أَن يَغفِرَ لِي وَيُمِيتَنِي عَلَى سُنَّتِكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَيَحشُرَنِي فِي زُمرَتِكَ، وَيُورِدَنِي وَأَحِبَّائِيَ حَوضَكَ غَيرَ خَزَايَا وَلَا نَادِمِينَ، فَاشفَع لِي يَا رَسُولَ رَبِّ العَالَمِينَ، يَا شَفِيعَ المُذنِبِينَ فَهَا أَنَا فِي حَضرَتِكَ وَجِوَارِكَ، وَنَزِيلٌ بِبَابِكَ، سَأَلتُ رَبَّ المَغفِرَةِ وَالرَّجَاءِ، لَعَلَّهُ يَرحَمُ عَبدَهُ وَإِن أَسَاءَ، وَيَعفُوَ عَمَّا جَنَى، وَيَعصِمَهُ مَا بَقِيَ فِي الدُّنيَا، وَسَأَلتُ اللهَ أَن يُعطِيَنِي شَفَاعَتَكَ يَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، يَا شَفِيعَ المُذنِبِينَ، أَنتَ الشَّفِيعُ وَآمَالِي مُعَلَّقَةٌ، وَقَد رَجَوتُكَ يَا ذَا الفَضلِ أَن تَشفَعَ لِي.

هَذَا نَزِيلُكَ أَضحَى لَا مَلَاذَ لَهُ
إِلَّا مَقَامَكَ يَا سُؤلِي وَيَا أَمَلِي

ضَعِيفٌ غَرِيبٌ قَد أَنَاخَ بِكُم
مُجِيرَ الفَقِيرِ وَمَرمَى القَصدِ وَالطَّلَبِ

هَذَا مَقَامُ الَّذِي ضَاقَت مَذَاهِبُهُ
وَأَنتُم فِي الرَّجَا مِن أَعظَمِ السَّبَبِ

صَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، رَزَقَنَا اللهُ تَعَالَى زِيَارَتَهُ، جَعَلَنَا اللهُ مِن أَهلِ مَحَبَّتِهِ وَمِن أَهلِ الشَّوقِ إِلَيهِ.