بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله.
نسبه وقرابته من رسول الله ﷺ
هُو حمزَةُ بنُ عبدِ المُطَّلب بنِ هاشِم بنِ عبدِ مَنَاف بنِ قُصَيِّ، عمِّ رسُولِ الله ﷺ المُكَنى بأَبِي عُمَارة وقِيل أبُو يَعلَى، وأُمُّه هالَةُ بنتُ أُهَيب بنِ عبدِ منَاف بن زُهرَة بنِ كِلاب بنِ مُرَّة. وهُو شقِيقُ صَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِب عمَّة الرسول ﷺ وأمُّ الزُّبَير لأُمِّها وأَبِيهَا، وكان أَسَنَّ مِن رسُولِ الله ﷺ بِسَنَتَين وقِيل بِأَربِع سِنِين والأَوَّل أَصَح، وهُو أَخُو الرسول ﷺ مِن الرَّضاعة.
قصة إسلامه
قِيل فِي قِصةِ إسلَامِه أنَّ أبَا جهلٍ اعتَرضَ رسولَ اللهِ ﷺ فَآذَاه وَشَتَمه وقَال فِيهِ مَا يَكرَه، فَلَم يُكَلِّمهُ رسولُ الله ﷺ، وَمَولاةٌ لِعَبدِ الله بنِ جَدعَانَ التَّيمِيِّ في مَسكَنٍ لها فَوقَ الصَّفَا تَسمَع ذلِك، ثُمَّ انصَرَف عَنهُ فَعَمَد إِلَى نَادٍ أي اجتِمَاعٍ لِقُرَيش عِندَ الكَعبَة فَجلَس مَعَهُم.
وَلَم يَلبَث حَمزَة بنُ عبدِ المطلب أَنْ أقبَلَ راجِعًا مِن قَنصٍ لهُ أي صَيدٍ، وكان إذَا رَجَع مِن قَنصِه لَم يَرجِع إلى أَهلِه حَتَّى يَطُوف بِالكَعبَة، وَكان إِذَا فَعل ذَلك لَم يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِن قُرَيشٍ إِلَّا وَقَف وسَلَّم وَتَحَدَّث مَعَهُم، وكَانَ أَعزَّ قُرَيشٍ وأَشَدَّها.
ثُمَّ إِنَّ مَولاةَ ابنِ جَدعَان كَلَّمَته بِمَا جَرَى. فَاحتَمَل حَمزَةَ الغَضَبُ لِما أَرَاد اللهُ تَعَالى مِن كَرَامَتِه فَخَرج سَرِيعًا لَا يَقِف عَلى أَحَد كَمَا كَان يَصنَع يُرِيدُ الطَّوَاف بِالبَيتِ مَعِدًّا لِأَبِي جَهلٍ أن يَقَع بِه يعني يُريدُ أن يَرَى أَبا جَهلٍ، فَلَمَّا دخَل المَسجِد نَظَر إِليهِ جَالِسًا في القَومِ فأَقبَل نحوَه حتَّى إذَا قَام على رَأسِه رفَعَ القَوس فَضَربَه بِهَا ضَربَةً شَجَّتهُ شَجَّةً مُنكَرَة، وقَامَت رِجَالٌ مِن قُريشٍ مِن بَنِي مَخزُومٍ إلى حَمزَة لِيَنصُروا أَبا جَهلٍ فَقَالُوا: مَا نَرَاك يَا حَمزَةُ إِلا قَد صَبَأت [أَي أَسلَمتَ]، قَال حَمزَةُ: أنَا أشهَدُ أنَّه رَسُول الله، فَقَال أبُو جَهلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارة فَإِنِّي واللهِ لقَد سَبَبْتُ ابنَ أَخِيه سَبًّا قَبِيحًا.
مَعَ هَذِه الحَادِثَة أعلَنَها حَمزَةُ غيرَ هَيَّابٍ وَلَا مُتَرَدِّدٍ “أَشهَد أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ”.
وَعُزَّ المُسلِمُون بِحَمزَةَ عِزًّا عَظِيمًا لِمَا كانَ لَه مِن السَّطوَة والمَكَانَة وَعَظِيم الجُرأَةِ والبَأسِ، وكَانَت هَذِه الحَادِثَةُ فِي السَّنَة السَّادِسَةِ لِلبِعثَة.
ثُم إنَّ حَمزَة هَاجر إِلى المَدِينة وَشَهد بَدرًا وَأَبلَى فِيها بَلاءً عَظِيمًا مَشهُودًا.
جهاده في سبيل الله
فِي “صِفَة الصَّفوَة” لِابنِ الجَوزِيِّ عَن سَيِّدِنا عَليٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أنَّه قَالَ: لَمَّا كَان يَومُ بَدرٍ وَدَنَا القَومُ مِنَّا، إِذ جَاءَ رَجُل مِنهُم عَلَى جَمَل لَه أَحمَر، يَسِيرُ فِي القَومِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: “يَا عَلِي نَادِ لِي حَمزَةَ“، فَجَاء حَمزَةُ فَقَالَ: هُوَ عُتبَةُ بنُ رَبِيعَة وَهُو يَنهَى عَن القِتَال، فَبَرزَ عُتبَة وَشَيبَة وَالوَلِيد فَقَالُوا: مَن يُبَارِز؟ فَخَرَجَ فِتيَةٌ مِن الأَنصَارِ، فَقَال عُتبَةُ: لَا نُرِيدُ هَؤُلَاء وَلَكن مَن يُبَارِزُنَا مِن وَلَد عَمِّنَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: “قُم يَا عَلِيُّ، قُم يَا حَمزَةُ، قُم يَا عُبَيدَة بن الحَارِث“.
ثُمَّ إِنَّ حَمزَةَ بَارَز شَيبَةَ فَقَتَله، وبَارَزُ عَلِيٌّ الوَلِيدَ فَقتَلَه، وبَارَز عُبَيدَةُ عُتبَةَ فَأثبَتَ كلٌّ صَاحِبَه وَكَرَّ عَلِيٌّ وَحَمزَةُ على عُتبَةَ بِأَسيَافِهِما فَأجهَزُوا عَليه.
وَجِيء بِعُبَيدةَ إلى الرُّسولِ ﷺ لَكِنه مَا لَبِث أَن تُوُفي شَهِيدًا سَعِيدًا رَضِي اللهُ عَنه.
وَقَد ذُكِر أَنَّ حمزَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ كَانَ عَليه فِي الحَربِ رِيشَةُ نَعَامَةٍ وَقاتَل يَوم بَدرٍ بينَ يَدَي رَسُولِ الله ﷺ بِسَيفَين، وقَال بَعضُ أُسارَى الكُفَّار: مَن الرَّجُل المُعَلَّم بِرِيشَة نَعَامَة؟ قَالُوا: حَمزَةُ رضي الله عنه، قَالُوا: ذَاكَ فَعَل بِنَا الأَفَاعِيل.
هَذا وَليُعلَم أَنَّ حَمزَة رضي الله عنه هُو صَاحِب أَوَّل لِوَاء عَقَدَهُ الرسُولُ ﷺ.
وفاته رضي الله عنه
لَقَد أَكرَم اللهُ سَيِّدَنا حَمزَةَ بِأَن تَوَفَّاه شَهِيدًا حَمِيدًا قَد تَزَوَّد بِصَالِح العَمل مَع حُسنِ السِّيرَة وسَلَامَة السَّرِيرَة، فَفِي السَّنَة الثَّالِثة مِن الهِجرَة بَينَما كانَ القِتَال يدُورُ فِي أُحُدٍ وَقَد حَمِيَ الوَطِيسُ وَاحمَرَّت الحَدَقُ وثَبَتَ الأَبطَال كَاللُّيُوث تُنَاضِل وتُنَاصِر رسُول اللهِ ﷺ حيثُ وَلَّى كثِيرٌ مِن القَومِ وتَزَلزَلَت الأَقدَام تَحتَ وطأَةِ السَّيف، فَالأَلسُنُ صَامِتَة وَالأَسِنَّةُ تَحكِي قِصَص الالتِحَام، والسُّيُوف تَخطُبُ علَى مَنَابِر الرِّقَاب، وكَانَ حَمزَةُ يَصُول وَيَجُول ويُقَاتِل قِتَال الأَبطَال وكانَ يُقَاتل بِسَيفَين، فَقَال قَائِلٌ: أَيُّ أَسَدٍ هُو حَمزَةُ، وبَينَمَا هُو كَذِلك إذَا عَثَر عَثرَةً فَوقَع على ظَهرِه وانكَشَفَ الدِّرعُ وإِذَا بِوَحشِيٍّ الحَبَشِيِّ يَرمِيه بالحَربَة فَيَمضِي حَمزَةُ شَهِيدًا سَعِيدًا.
وَجَاءَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَاتِ فِي سَبَب قَتلِ وَحشِيٍّ لِحَمزَة أَنَّ وَحشِيًّا كَان عَبدًا مَملُوكًا عِندَ “جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ” فَقَال لَهُ جُبَير: إِنْ قَتَلت حَمزَةَ فأَنتَ حُرٌّ، وكَان حَمزَةُ قَد قَتَل “طُعَيمَة بنَ عَدِيٍّ” عَمِّ جُبَيرٍ يَومَ بَدرٍ.
رَوَى الإِمَام ابنُ الجَوزِيِّ فِي “صِفَة الصَّفوَةِ” يَروِي عَن وَحشِيٍّ بَعدَمَا كَان قَد أَسلَم قَال: وكَمَنتُ لِحَمزَة تَحتَ صَخرَةٍ حَتَّى مَرَّ عَلَيّ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ.
قَالَ وَحشِيٌّ: فَلَمَّا رَجَع النَّاسُ رَجَعتُ مَعَهُم فَأَقمتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسلَامُ.
وَقَد مَثَّلَ بِهِ كُفَّارُ قُرَيشٍ وَمُثِّل بِجَمِيع القَتلَى يَومَئِذٍ، إِلَّا حَنظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ فَإِنَّ أَبَاه كَانَ مَع قُرَيشٍ يَومَهَا فَتَرَكُوه.
وَجَعَل النِّسَاء يُمَثِّلنَ بِالقَتلَى فَيَقطَعنَ الأُنُوفَ والآذَان ويَفتَحنَ البُطُون، وَفَتَحَت “هِندٌ بِنتُ عُتبَةَ” بَطنَ حَمزَة فَأَخرَجَت كَبِدَه فَلاكَتهُ أي مَضَغَتهُ وَلَم تَستَسِغْهُ فَلَفَظَتهُ.
حزن رسول الله ﷺ على موت حمزة
عَن أَبي هُرَيرَة رَضِي اللهُ عنهُ أنَّه قَالَ: وَقَف رَسُول الله ﷺ وَقَد مُثِّل بِه “أَي بِحَمزَة” فَلَم يَرَ مَنظَرًا كانَ أَوجَع لِقَلبِه مِنه فَقَال: “رَحِمَك اللهُ أَيْ عَمِّ فَلَقَد كُنتَ وَصُولًا لِلرَّحِم فَعُولًا لِلخَيرَات“.
هَذَا وَقُد ذُكِر أنَّه قَد كَشَفَ السَّيلُ مَرَّةً عن عِدَّةِ قُبُورٍ لِشُهَداءِ أُحُد بَينَهَا قَبرُ حَمزَة فَكَانَ كَمَا هُوَ.
وَأَعقَب مَقتَلُ حَمزَة رضِيَ الله عنه الحُزنَ العَظِيمَ مِن كَافَّةِ المُسلِمِين، فَبَكى علَيهِ النَّاسُ وَحَزِن عَلِيه الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَكَانت وَفَاتُه مُصِيبَةً كَبِيرَةً وَفَاجِعَةً فُجِع بِهَا النَّاسُ يَومَئِذٍ.
رَحِمَ اللهُ سَيِّدَنَا حَمزَةَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَجَمَعَنَا بِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ الأَبرَارِ