مولد النبي ﷺ: فرحٌ بنورٍ عمّ الوجود

مولد النبي ﷺ: فرحٌ بنورٍ عمّ الوجود

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَسبَغَ عَلَينَا عَظِيمَ الإِنعَامِ، وَأَفَاضَ عَلَينَا الجُودَ بِالمِنَّةِ وَالإِكرَامِ، وَأَولَانَا بِسِلسِلَةٍ عَطِرَةٍ مِنَ النَّبِيِّينَ الكِرَامِ، وَكَانَتِ النِّعمَةُ الكُبرَى وَالرَّحمَةُ الفُضلَى بِإِظهَارِ الحَبِيبِ مُحَمَّدٍ الَّذِي فَاقَ الكُلَّ دَرَجَاتٍ وَعَلَا بِالمَقَامِ، وَكَانَ مِسكَ ءَاخِرِهِم وَالخِتَامَ، وَعَمَّ نُورُ الهِدَايَةِ بِبِعثَتِهِ وَانمَحَى الظَّلَامُ، وَأَضَاءَتِ الدُّنيَا بِوِلَادَتِهِ وَحَلَّ فِيهَا الأُنسُ وَالوِئَامُ وَعَلَت هَامَاتٌ وَاستَبصَرَت أَفهَامٌ، وَنُكِّسَت ءَايَاتُ الشِّركِ وَكُسِرَت أَصنَامٌ، وَصَدَعَ صَوتُ الحَقِّ يُدَوِّي: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ فَمَزَّقَ أَشلَاءَ الشَّرِّ وَهَوت لَهُ الأَعلَامُ، وَسَطَعَت شَمسُ هَديِ المُصطَفَى، وَأَشرَقَت شَمسُ دِينِ الإِسلَامِ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ المُظَلَّلِ بِالغَمَامِ، خَيرِ الأَنَامِ وَبَدرِ التَّمَامِ وَمِفتَاحِ دَارِ السَّلَامِ، وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ أَعظَمَ صَلَاةٍ وَأَتَمَّ سَلَامٍ. أَمَّا بَعدُ:

إِنَّ شَهرَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ قَد تَحَلَّى بِحُلَى السَّعَادَةِ وَجَمَالِ الشَّرَفِ وَتَجَلَّى بِعُلَى السِّيَادَةِ وَكَمَالِ التُّحَفِ، وَتَبَدَّت مَحَاسِنُ طَلعَتِهِ بِالأَنوَارِ تُحَفُّ، حَيثُ وُلِدَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ الحَبِيبِ المُطَهَّرِ، وَأُرسِلَ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، فَكَانَ ﷺ أَفضَلَ مَنْ بَشَّرَ وَأَنذَرَ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ((لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِمْ))، ءال عمران 164 .

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ **** وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ

الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ **** لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ

يـَا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً **** مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت **** وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ

يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا مَن تَجتَمِعُونَ حُبًّا بِرَسُولِ اللهِ وَسَيِّدِ النَّاسِ وَأَفضَلِ الخَلقِ ﷺ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِحَبِيبِكُم عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا))، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ))، وَإِنَّ اللهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا وَاختَصَّهُ بِأَعلَى المَقَامَاتِ بَينَ المَخلُوقَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأْفَضَلُ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَأَعْلاهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبُهُمْ زُلْفَى. الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قالوا في وصف النبي ﷺ أَنَّهُ كَانَ أَجمَلَ الخَلقِ خَلقًا وَخُلُقًا، قَالَ البَرَاءُ مَا رَأَيتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ.

 وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلأْلأُ فِي الْجُدُرِ.

وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ فَقَالَ لَا بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَانَ مُسْتَدِيرًا.

وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ: أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَحْلَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأحْسَنُهُ وابهاه مِنْ قَرِيبٍ.

وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي آخِرِ وَصْفِهِ لَهُ: مَنْ رَآهُ بِدِيهَةً هَابَهُ ومَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ. 

وَرُويَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَإِنِّي لِأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى أجئ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَإِن دَخَلتُهَا لَا أَرَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) فَدَعَا بِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ.

وَفِي حَدِيث أَنَسٍ رضي الله عنه (مَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ). 

 وَمُحَيًّا كَالشَّمسِ مِنكَ مُضِيءٌ     أَسفَرَت عَنهُ لَيلَةٌ غَرَّاءُ 

لَيلَةُ المَولِدِ الَّتِي كَانَت لِلدِّي     نِ سُرُورٌ بِيَومِهِ وَازدِهَاءُ

يَومَ نَالَت بِوَضعِهِ ابنَةُ وَهْ     بٍ مِنْ فَخَارٍ مَا لَم تَنَلْهُ النِّسَاءُ 

وَأَتَت قَومَهَا بِأَفضَلَ مِمَّا     حَمَلَت قَبلُ مَريَمُ العَذرَاءُ

وَتَوَالَت بُشرَى الهَوَاتِفِ أَنْ قَد     وُلِدَ المُصطَفَى وَحُقَّ الهَنَاءُ

لِلنَّبِيِّ خَمسَةُ أَسمَاءٍ سَمَّى بِهَا ﷺ نَفسَهُ، مُحَمَّدٌ وَأَحمَدُ وَالمَاحِي وَالحَاشِرُ وَالعَاقِبُ.

أَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ أَشهَرُ أَسمَائِهِ ﷺ، اسمُ مُحَمَّدٍ هَذَا اسمُ حَبِيبِ اللهِ، وَخَيرِ خَلقِ اللهِ، هَذَا اسمُ حَبِيبِ قُلُوبِ المُؤمِنِينَ، هَذَا اسمُ النَّبِيِّ الأَعظَمِ ﷺ، هَذِهِ الكَلِمَةُ.

كَلِمَةُ مُحَمَّدٍ، فِي اللُّغَةِ مَعنَاهَا الإِنسَانُ الَّذِي كَثُرَت خِصَالُهُ الحَمِيدَةُ حَتَّى حَمِدَهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَمُحَمَّدٌ هَذَا الِاسمُ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ بِهِ فِي القُرءَانِ، يَعنِي فِي القُرءَانِ اللهُ تَعَالَى سَمَّى النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا الِاسمِ فِي أَكثَرَ مِن آيَةٍ، اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾، فَاللهُ سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسمِ، وَكَذَلِكَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُم وَلَكِن رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

وَهُوَ لَم يَكُن أَوَّلَ مَن سُمِّيَ بِهَذَا الِاسمِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَد عُرِفَ بَينَ أَهلِ مَكَّةَ أَنَّ نَبِيَّ آخِرِ الزَّمَانِ اسمُهُ مُحَمَّدٌ، فَصَارَ أَهلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ أَبنَاءَهُم بِهَذَا الِاسمِ رَجَاءَ أَن يَكُونَ ابنُهُم هُوَ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ، وَقَد تَسَمَّى بِهِ -عَلَى مَا قَالَهُ بَعضُ العُلَمَاءِ- سَبعَةٌ قَبلَ نَبِيِّنَا ﷺ، ثُمَّ عَبدُ المُطَّلِبِ جَدُّ الرَّسُولِ ﷺ هُوَ سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسمِ.

وَمُحَمَّدٌ هَذَا يُقَالُ لَهُ فِي اللُّغَةِ اسمُ مَفعُولٍ مِنَ الفِعلِ المُضَعَّفِ لِفِعلِ حَمِدَ، فِعلُ حَمِدَ إِذَا ضَعَّفتَ عَينَهُ يَعنِي شَدَّدتَ عَينَهُ تَقُولُ حَمَّدَ، حَمَّدَ أَي أَكثَرَ مِنَ الحَمدِ، ثُمَّ اسمُ المَفعُولِ مِن هَذَا الفِعلِ هُوَ مُحَمَّدٌ، فَيَكُونُ المَعنَى أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ قَد كَثُرَ حَمدُهُ مِن أَهلِ السَّمَاءِ وَهُمُ المَلَائِكَةُ وَمِن أَهلِ الأَرضِ وَهُمُ المُؤمِنُونَ.

فَجَدُّهُ سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسمِ، رَجَاءَ أَن يَحمَدَهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، وَهَكَذَا كَانَ، فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ.

وَأَمَّا أَحمَدُ فَمَعنَاهُ أَحمَدُ الحَامِدِينَ لِرَبِّهِ، وَهَذَا الِاسمُ حَفِظَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَم يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبلَهُ، وَهُوَ مَذكُورٌ فِي القُرءَانِ فِي قَولِ سَيِّدِنَا عِيسَى المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ﴾.

وَأَمَّا المَاحِي فَمَعنَاهُ كَمَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ: الَّذِي يَمحُو اللهُ بِهِ الكُفرَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد مَحَى بِالنَّبِيِّ الكُفرَ مِن كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ وَالعِبَادِ، يَعنِي أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ وَدَعوَتِهِ قَد زَالَ عَنهُمُ الكُفرُ.

وَأَمَّا الحَاشِرُ فَمَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُحشَرُ النَّاسُ بَعدَ نُبُوَّتِهِ، لِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ آخِرُ النَّبِيِّينَ، مَعنَى الحَاشِرِ أَنَّهُ ﷺ آخِرُ الأَنبِيَاءِ، فَيَأتِي الحَشرُ، يَحصُلُ الحَشرُ بَعدَ نُبُوَّتِهِ ﷺ.

وَكَذَلِكَ العَاقِبُ مَعنَاهُ الَّذِي جَاءَ عَقِبَ الأَنبِيَاءِ، فَهُوَ ﷺ لَا يُنَبَّأُ بَعدَهُ أَحَدٌ.

وَلَهُ ﷺ أَسمَاءٌ غَيرُ هَذِهِ الأَسمَاءِ الخَمسَةِ، وَرَدَ بَعضُهَا فِي القُرءَانِ، هِيَ أَوصَافٌ لَهُ ﷺ، كَالبَشِيرِ وَالنَّذِيرِ وَالمُدَّثِّرِ وَالمُزَّمِّلِ، وَكُلُّهَا أَسمَاءٌ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ شَرَفِهِ ﷺ، وَنَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَنفَعَنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ.

سَيِّدُنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

مَا مَعنَى كَلِمَةِ سَيِّدُنَا؟ هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي نُرَدِّدُهَا كَثِيرًا، مَا مَعنَى أَن نَقُولَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ؟

السَّيِّدُ فِي اللُّغَةِ مَعنَاهُ: مَن سَادَ قَومَهُ، مَن لَهُ السِّيَادَةُ، مَن لَهُ التَّقَدُّمُ وَالشَّرَفُ وَالعَظَمَةُ، فَإِذَا قُلنَا: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ، مَعنَاهُ أَنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي لَهُ الشَّرَفُ وَالعَظَمَةُ وَالَّذِي هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيرِهِ ﷺ.

وَالرَّسُولُ -هُوَ نَفسُهُ- قَالَ عَن نَفسِهِ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَفِي حَدِيثٍ عِندَ التِّرمِذِيِّ يَقُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا فَخرَ»، مَا مَعنَى وَلَا فَخرَ؟ يَعنِي أَنَا لَا أَقُولُ ذَلِكَ افتِخَارًا، تَكَبُّرًا، إِنَّمَا أَقُولُ ذَلِكَ تَحَدُّثًا بِنِعمَةِ اللهِ.

بَعضُ النَّاسِ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ، لَكِن هَؤُلَاءِ يَحتَجُّونَ بِحَدِيثٍ، يَقُولُونَ: جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ»، يَقُولُونَ: فَكَيفَ تَقُولُونَ عَن مُحَمَّدٍ سَيِّدٌ؟ نَقُولُ: هَذَا الحَدِيثُ صَحِيحٌ، لَكِن لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُقَالُ عَنهُ سَيِّدٌ، إِنَّمَا هَذَا الحَدِيثُ مَعنَاهُ أَنَّ مَن لَهُ السِّيَادَةُ المُطلَقَةُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، هُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، هُوَ الَّذِي لَا يَحصُلُ شَيءٌ فِي هَذَا العَالَمِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، اللهُ لَهُ السِّيَادَةُ المُطلَقَةُ، أَمَّا سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ سَيِّدٌ بِمَعنَى مَا ذَكَرنَا، يَعنِي هُوَ المُقَدَّمُ، هُوَ لَهُ الشَّرَفُ، هُوَ خَيرُ خَلقِ اللهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِذًا هَذَا الحَدِيثُ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ، وَالحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرنَاهُ أَوَّلًا، الرَّسُولُ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا فَخرَ»، فَلَو كَانَ هَذَا مُعَارِضًا لِحَدِيثِ: «السَّيِّدُ اللهُ»، لَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَهُنَا تَنبِيهٌ: لَا يُقَالُ: سِيْدْنَا النَّبِيْ، كَمَا يَحصُلُ مِن بَعضِ النَّاسِ أَنَّهُم يَقُولُونَ: سِيْدْنَا، لِأَنَّ السِّيدَ فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهُ مَعنًى آخَرُ غَيرُ السَّيِّدِ، لُغَةُ العَرَبِ يُفَرَّقُ فِيهَا بَينَ الكَلِمَةِ إِن كَانَت مُشَدَّدَةً أَو غَيرَ مُشَدَّدَةٍ، هَذِهِ كَلِمَةٌ وَهَذِهِ كَلِمَةٌ أُخرَى، لِذَلِكَ نَقُولُ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ، ﷺ.

وَرَحِمَ اللهُ البُوصِيرِيَّ إِذ يَقُولُ:

مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَونَينِ وَالثَّقَلَينِ *** وَالفَرِيقَينِ مِن عُرُبٍ وَمِن عَجَمِ

هُوَ الحَبيبُ الَّذِي تُرجَى شَفَاعَتُهُ *** لِكُلِّ هَولٍ مِنَ الأَهوَالِ مُقتَحِمِ

فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلقٍ وَفِي خُلُقٍ *** وَلَم يُدَانُوهُ فِي عِلمٍ وَلَا كَرَمِ

مُنَزَّهُ عَن شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ *** فَجَوهَرُ الحُسنِ فِيهِ غَيرُ مُنقَسِمِ

دَع مَا ادَّعَتهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمُ *** وَاحكُم بِمَا شِئتَ مَدحًا فِيهِ وَاحتَكِمِ

وَانسُب إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئتَ مِن شَرَفٍ *** وَانسُب إِلَى قَدرِهِ مَا شِئتَ مِن عِظَمِ

فَإِنَّ فَضلَ رَسُولِ اللهِ لَيسَ لَهُ *** حَدٌّ فَيُعرِبَ عَنهُ نَاطِقٌ بِفَمِ

كَأَنَّهُ وَهْوَ فَردٌ مِن جَلَالَتِهِ *** في عَسكَرٍ حِينَ تَلقَاهُ وَفِي حَشَمِ

لَا طِيبَ يَعدِلُ تُربًا ضَمَّ أَعظُمَهُ *** طُوبَى لِمُنتَشِقٍ مِنهُ وَمُلتَثِمِ

إِنَّ عَمَلَ الْمَوْلِدِ خَيْرٌ وبَرَكَةٌ، وقدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ إِلى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى اسْتِحْسَانِهِ إِنْ خَلا عَنِ الْمُنْكَرَاتِ كَتَحْرِيفِ اسْمِ اللهِ أَوِ الْكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ.

وَالْمَوْلِدُ فيهِ اجْتِمَاعٌ على طاعَةِ اللهِ، اجْتِمَاعٌ على حُبِّ اللهِ وحُبِّ رسُولِ اللهِ ﷺ، اجْتِمَاعٌ على ذِكْرِ اللهِ وَذِكْرِ شَىْءٍ مِنْ سيرَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ونَسَبِهِ الشَّريفِ، وشَىْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ الْخَلْقِيَّةِ والْخُلُقِيَّةِ، وَفيهِ إِطْعامُ الطَّعامِ لِوجْهِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى واللهُ تعالى يَقول ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان، 8]، بَعْدَ هذا لا يجوزُ أنْ يُحَرِّمَ شَخْصٌ عَمَلَ الْمَوْلِدِ فَرَحًا بِوِلادَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

  • فَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ عَنْهُ لوْ كانَ خَيْرًا لَدَلَّ الرَّسُولُ أُمَّتَهُ عليهِ فَجَمْعُ الْمُصْحَفِ وَنَقْطُهُ وتَشْكيلُهُ عَمَلُ خَيرٍ مَعَ أنَّهُ ﷺ ما نَصَّ عليهِ ولا عَمِلَهُ. 
  • وَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ الرَّسُولُ لَمْ يأتِ بِه فَلا نَعْمَلُهُ احْتِجَاجًا بِقولِهِ تعالى “وَما ءاتَاكُمُ الرَّسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنْهُ فانْتَهوا” فَلَيْسَ كُلُّ أمْرٍ لَمْ يأمُرْنا بِهِ الرَّسُولُ ولا نَهانا عَنْهُ فَهُوَ حَرامٌ، فالرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِنَقْطِ الْمُصْحَفِ ولا بجمع الناس على قارئ واحد في التراويح ولا نَهانا عَنْهُ فلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنَا عَمَلُهُ لأنَّهُ مُوافِقٌ لِدينِهِ ﷺ، كَذَلِكَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ الرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِهِ ولا نَهانا عَنْهُ فَلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنا عَمَلُهُ لأَنَّهُ مُوافِقٌ لِدِينِهِ ﷺ.
  • وَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ نَهْيٍ مِنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: “مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ” لأنَّهُ ﷺ أَفْهَمَنَا بِقَوْلِهِ “ما لَيْسَ مِنْهُ” أَنَّ الْمُحْدَثَ إِنَّما يَكُونُ ردًّا أيْ مَرْدُودًا إِذا كانَ على خِلافِ الشَّريعَةِ، وأَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُوافِقَ لِلشَّريعَةِ لَيْسَ مَرْدُودًا. فالرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَقُلْ مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا فَهُوَ رَدٌّ بَلْ قَيَّدَهَا بِقَولِهِ “ما لَيْسَ مِنْهُ” لِيُبَيِّنَ لَنَا أنَّ الْمُحْدَثَ إِنْ كانَ مِنْهُ (أي مُوافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَشْرُوعٌ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ (أي لَمْ يَكُنْ موافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَمْنوعٌ. وَلَمَّا كانَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ أمْرًا مَشروعًا بِالدَّليلِ النَّقْلِيِّ مِنْ قُرْءانٍ وَسُنَّةٍ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَرْدُودٍ.
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ لَمْ يَكْتَمِلْ وَلا تَكذيبًا لِقَولِهِ تعالى في سورةِ المائدةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، لأنَّ مَعْناها أنَّ قواعِدَ الدِّينِ تَمَّت، وقَد نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرءانٌ كثيرٌ، ونَزَلَتْ ءايةُ الرِّبا وَنَزَلَت ءايةُ الكَلالَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. فآخِرُ ءايَةٍ نَزَلَتْ هِيَ قولُهُ تعالى في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾، ذَكَرَ ذَلِكَ القُرطُبِيُّ في تَفْسيرِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اتَّهامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخِيانَةِ بِدَعْوى أنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْ أُمَّتَهُ بِهِ، فإِنْ كانَ كُلُّ فِعْلٍ أُحْدِثَ بَعْدَ الرَّسُولِ لَمْ يُعَرِّفِ النَّبِيُّ أُمَّتَهُ بِهِ مِمَّا هُوَ موافِقٌ لِلقُرءانِ والسُّنةِ يَكونُ فيه اتَّهامٌ لِلرَّسولِ بِالْخِيانَةِ فَعلى هذَا الكلامِ الفاسدِ فإنَّ أبا بَكرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وَعَلِيًّا وعُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ وصَفوةً مِنْ عُلَماءِ الأُمَّةِ اتَّهَمُوا الرَّسُولَ بِالْخِيانَةِ لأنَّهُم أَحْدَثُوا أشياءَ موافِقَةً للقُرءانِ والسُّنةِ مِمَّا لَمْ يُعَرِّفِ الرَّسولُ أُمَّتَهُ بِها. 
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ كَمَا أنَّ نَقْطَ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ لأنَّ هَذَينِ الشَّرْطَيْنِ لا أصْلَ لَهُمَا في دينِ اللهِ تعالى والرَّسُولُ ﷺ يقُولُ “كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تعالى فَهُوَ باطِلٌ وإِنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ“، رَواهُ البخاري
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ داخِلًا في البِدَعِ الَّتي نَهَى عَنْها رَسولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ “وكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ” وَقالَ النَّوَوَيُّ في شَرحِ صَحيحِ مُسْلِمٍ ما نَصُّهُ “قَوْلُهُ ﷺ: “وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ” هَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ (أي لَفْظُهُ عامٌّ وَمَعناهُ مَخْصوصٌ)، وَالمُرَادُ بِهِ غالِبُ البِدَعِ”. وَمِنَ الأَمْثِلَةِ على العامِّ المَخصُوصِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ “كُلُّ عَيْنٍ زانيةٌ” وَمْعلومٌ شَرْعًا أنَّ هذا الْحديثَ لا يَشْمَلُ أَعْيُنَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّ اللهَ تعالى عَصَمَهُم مِنْ ذَلِكَ.
  • وَمِنَ الأَمثِلَةِ عَلَى البِدَعِ المَنهِيِّ عَنهَا فِي الشَّرعِ كَبِدعَةِ المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللهَ جِسمٌ وَجَالِسٌ عَلَى العَرشِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ وَكَالمُعتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ وَبِأَنَّ اللهَ مَا قَدَّرَ جَمِيعَ الأَشيَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اخْتِزَالٌ لِمَحَبَّتِهِ ﷺ في يَوْمٍ واحِدٍ ألَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ قال لِليهُودِ “نَحْنُ أوْلى بِمُوسَى مِنْكُم” وَأَمَرَ بِصَوْمِ عاشُورَاءَ، فَهَلْ يَكُونُ الرَّسولُ بِذَلِكَ اخْتَزَلَ مَحَبَّةَ مُوسَى عليه السلام في يومٍ واحِدٍ فَقَط؟!
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وإِظْهارُنَا لِلفَرَحِ والسُّرورِ في مِثْلِ هَذا اليوم بِوِلادَتِهِ وَبِعْثَتِهِ لَيْسَ قَدْحًا في مَحَبَّتِنا لَهُ لِمُجَرَّدِ أنَّ يَوْمَ وَفاتِهِ كانَ في نَظيرِ يَوْمِ وِلادَتِهِ لأنَّ أيامَ الأُسبوعِ على مَرِّ العُصُورِ لا يَخْلُو مِنها يَوْمٌ إِلا وَحَصَلَ فيهِ حادِثٌ أو مُصيبَةٌ ألَمَّتْ بِالْمُسلمينَ وأحْزَنَتْهُم، فَعَلَى قَوْلِكُم الْمُسْلِمونَ لا يَحْتَفِلُونَ بِعُرْسٍ ولا بِعيدٍ لأنَّهُ قَد يَكُونُ في مِثْلِ اليوْمِ الَّذي ماتَ فيهِ الرَّسُولُ أو في مِثْلِ اليَومِ الَّذي كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُقَّتْ شَفَتُهُ الشَّريفَةُ كَمَا حَصَلَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. 
  • ثُمَّ ألَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ قال “خَيرُ يوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فيهِ خُلِقَ ءادَمُ وفيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وفيه أُخْرِجَ مِنْهَا” رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحيحِ، فَتَفْضيلُ الرَّسُولِ لِيوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَفْضيلُنا لِهَذا اليوْمِ لَيْسَ فيهِ قَدْحٌ في مَحَبَّتِنا لآدَمَ مَعَ أنَّهُ نَظيرُ اليَومِ الَّذي أُخْرِجَ فيهِ مِنَ الْجَنَّةِ، كَذَلِكَ إِظْهارُنا لِلْفَرَحِ في مِثْلِ يَوْمِ مَولِدِهِ ما فيهِ قَدْحٌ لِمَحَبَّتِنا لَهُ مَعَ أنَّ وَفاتَهُ كَانَت في مِثْلِ هَذا اليومِ.
  • الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلا نُحَرِّمُهُ بِسَبَبِ ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فيهِ فَمَعْلومٌ أنَّ الحَجَّ في أيَّامِنا هذِهِ وَمِنْ قَبْلُ يَحْصُلُ فيهِ مُنْكَراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ حَتَّى إِنَّهُ ومُنْذُ زَمَنٍ قال بَعْضُ العُلماءِ “ما أكْثَرَ الضَّجيجَ وأقَلَّ الْحَجيجَ”، كُلُّ هَذا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الْحَجِّ أوْ مَنْعِ النَّاسِ مِنْهُ، كَذَلِكَ سائِرُ العِبادَاتِ، كَذَلِكَ الْمولِدُ إنْ حَصَلَ فيهِ مُنكراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ فلا نُحَرِّمُهُ على الإطْلاقِ بَلْ نُحَرِّمُ ما يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ فيهِ مِمَّا يُخالِفُ دينَ الله. ثُمَّ إِنْ حَصَلَ فَسادٌ في مَسْجِدٍ أيُغْلَقُ الْمَسْجِدُ أمْ يُنْهَى عَنِ الفَسَادِ الّذي فُعِلَ فيهِ؟

وَمَعَ كُلِّ هَذَا أَقُولُ: إِنَّ عَمَلَ المَولِدِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَبَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاسمَعُوا مَعِي شَيئًا مِن بَرَكَاتِ المَولِدِ وَوَصفِ الخَيرَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ مِن كُتُبِ الفُقَهَاءِ، فَقَد جَاءَ فِي كِتَابِ «النِّعمَةِ الكُبرَى عَلَى العَالَمِ فِي مَولِدِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ» لِابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ: فَصلٌ فِي بَيَانِ فَضلِ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ:

قَالَ الحَسَنُ البِصرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (وَهُوَ مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ): وَدِدتُ لَو كَانَ لِي مِثلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقتُهُ عَلَى قِرَاءَةِ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَالَ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (تُوُفِّيَ سَنَةَ 298هـ): مَن حَضَرَ مَولِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَظَّمَ قَدرَهُ فَقَد فَازَ بِالإِيمَانِ.

وَقَالَ سُلطَانُ العَارِفِينَ الإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ (تُوُفِّيَ سَنَةَ 911هـ) رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى بِـ«ـالوَسَائِلِ فِي شَرحِ الشَّمَائِلِ»: مَا مِن بَيتٍ أَو مَسجِدٍ أَو مَحَلَّةٍ قُرِئَ فِيهِ مَولِدُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا حَفَّتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ البَيتَ أَوِ المَسجِدَ أَوِ المَحَلَّةَ، وَصَلَّتِ المَلَائِكَةُ عَلَى أَهلِ ذَلِكَ المَكَانِ، وَعَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالرَّحمَةِ وَالرِّضوَانِ، وَإِنَّ جِبرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ عَلَيهِمُ السَّلَامُ يُصَلُّونَ عَلَى مَن كَانَ سَبَبًا لِقِرَاءَةِ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

يَقُولُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ بَعدَ هَذِهِ النُّقُولِ: فَمَن أَرَادَ تَعظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ يَكفِيهِ هَذَا القَدرُ، وَمَن لَم يَكُن عِندَهُ تَعظِيمُ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ لَو مَلَأتَ لَهُ الدُّنيَا فِي مَدحِهِ ﷺ لَم يَتَحَرَّك قَلبُهُ فِي المَحَبَّةِ لَهُ ﷺ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِمَّن يُعَظِّمُهُ وَيَعرِفُ قَدرَهُ وَمِن أَخَصِّ خَاصِّ مُحِبِّيهِ وَأَتبَاعِهِ، 

وَنَقَلَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الشَّامِيُّ فِي السِّيرَةِ عَنِ الشَّيخِ أَبِي عَبدِ اللهِ بنِ النُّعمَانِ يَقُولُ: سَمِعتُ الشَّيخَ أَبَا مُوسَى الزَّرهُونِيُّ يَقُولُ: “رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّومِ فَذَكَرتُ لَهُ مَا يُقَالُ فِي عَمَلِ الوَلَائِمِ فِي المَولِدِ فَقَالَ ﷺ: مَن فَرِحَ بِنَا فَرِحنَا بِهِ“.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: لَو لَم يَكُن فِي ذَلِكَ إِلَّا إِرغَامُ الشَّيطَانِ وَسُرُورِ أَهلِ الإِيمَانِ.

قَالَ أَحمَدُ بنُ زَينِي دَحلَانَ فِي كِتَابِهِ مَا نَصُّهُ: وَلَازَالَ أَهلُ الإِسلَامِ يَحتَفِلُونَ بِشَهرِ مَولِدِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَيَعمَلُونَ الوَلَائِمَ، وَيَتَصَدَّقُونَ فِي لَيَالِيهِ بِأَنوَاعِ الصَّدَقَاتِ، وَيُظهِرُونَ السُّرُورَ، وَيَزِيدُونَ فِي المَبَرَّاتِ وَيَعتَنُونَ بِقِرَاءَةِ مَولِدِهِ الكَرِيمِ، وَيَظهَرُ عَلَيهِم مِن بَرَكَاتِهِ كُلُّ فَضلٍ عَمِيمٍ.

ثُمَّ قَالَ: فَرَحِمَ اللهُ امرَءًا اتَّخَذَ لَيَالِيَ شَهرِ مَولِدِهِ المُبَارَكِ أَعيَادًا، لِيَكُونَ أَشَدَّ عِلَّةً عَلَى مَن فِي قَلبِهِ مَرَضٌ وَإِعيَاءُ دَاءٍ.اهـ

الدُّعَاءُ بِآخِرِ قِرَاءَةِ المَولِدِ الشَّرِيفِ:

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي جَاءَ بِالحَقِّ المُبِينِ، مَن أَرسَلَهُ اللهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَعَلَى إِخوَانِهِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، اللهم إِنَّا قَد حَضَرنَا قِرَاءَةَ مَولِدِ نَبِيِّكَ الكَرِيمِ، فَأَفِض عَلَينَا بِبَرَكَتِهِ خِلَعَ القَبُولِ وَالتَّكرِيمِ، وَأَسكِنَّا بِجِوارِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ يَومَ العَطَشِ الأَكبَرِ، وَالهَولِ العَظِيمِ، نَسأَلُكَ إِلَهَنَا أَن تُكَفِّرَ عَنَّا الذُّنُوبَ وَالأَوزَارَ، وَتَحرُسَنَا مِن سَيِّئِ المَخَاوِفِ وَالأَخطَارِ، وَتَقَبَّل مِنَّا مَا قَدَّمنَاهُ مِن صَالِحِ الأَعمَالِ فِي السِّرِّ وَالإِجهَارِ، اللهم اجعَل جَمعَنَا هَذَا جَمعًا مَرحُومًا، وَتَفَرُّقَنَا مِن بَعدِهِ تَفَرُّقًا مُبَارَكًا مَعصُومًا، وَهَب مُسِيئَنَا لِمُحسِنِنَا، وَمُقَصِّرَنَا لِعَامِلِنَا، وَلَا تَحرِمنَا خَيرَ مَا عِندَكَ بِشَرِّ مَا عِندَنَا، اللهم اجزِ مَنِ اجتَمَعنَا بِسَبَبِهِ مَزِيدَ بِرِّكَ وَإِحسَانِكَ، وَاجمَع لَهُ بَينَ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

اللهم اجعَل صَلَاتَنَا عَلَى رَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَاحتِفَالَنَا بِمَولِدِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ رَحمَةً عَلَى إِخوَانِنَا فِي غَزَّةَ، 

اللهم اجعَل ذَلِكَ رَحمَةً عَلَى جِنِينَ وَطُول كَرِم وَنَابُلُسَ وَالضِّفَّةِ وَالقُدسِ وَالأَقصَى، اللهم اجعَل ذَلِكَ رَحمَةً وَفَرَجًا عَلَى كُلِّ فِلَسطِينَ، رُدَّهَا إِلَينَا، رُدَّ إِلَينَا فِلَسطِينَ كُلَّهَا مِن بَحرِهَا إِلَى نَهرِهَا، وَمِن سَهلِهَا إِلَى حَزنِهَا، وَمِن يَابِسِهَا وَرَطبِهَا، وَمِن سُهُولِهَا وَجِبَالِهَا، وَمِن عَذبِ أَنهَارِهَا، وَمِن أَشجَارِهَا وَزَيتُونِهَا وَرَيحَانِهَا وَكُلِّ تُرَابِهَا، رُدَّهُ إِلَينَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، يَا مَولَانَا أَعِنَّا فِي شَهرِ مَولِدِ رَسُولِ اللهِ عَلَى أَن يَكُونَ مِنَّا شَهرَ إِكثَارٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ، عَلَى إِحيَاءِ هَذِهِ اللَّيَالِي وَإِقَامَةِ المَجَالِسِ حُبًّا فِي اللهِ وَطَاعَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يَا رَبِّ وَاجعَل بَرَكَةَ ذَلِكَ عَلَينَا أَمنًا وَأَمَانًا عَلَينَا وَعَلَى أَهلِنَا وَعَلَى أَبنَائِنَا وَعَلَى ذُرِّيَّتِنَا وَعَلَى إِخوَانِنَا وَعَلَى كُلِّ مَن أَوصَانَا بِالدُّعَاءِ، اجعَل عَامَنَا القَابِلَ عَلَى أَهلِنَا فِي غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ وَفِلَسطِينَ عَامَ أَمنٍ وَأَمَانٍ، رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُب عَلَينَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرسَلِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، سُبحَانَكَ اللهم وَبِحَمدِكَ نَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ نَستَغفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيكَ، 

يَا مَولَانَا استَجِب لَنَا وَتَقَبَّل مِنَّا بِأَسرَارِ سُورَةِ الفَاتِحَةِ.