من فضائل القرءان
إنَّ لدراسةِ كتابِ اللهِ وفَهمِ معانِيه فوائدَ عظيمةً ومزايا جليلةً فهوَ أعظمُ الكتبِ السماويةِ وأجلُّها قدرًا ومنزلةً عندَ اللهِ تعالى.
قال الله تعالى
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
قال الله تعالى
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾
قال الله تعالى
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾
كتابُ اللهِ فيهِ نبأُ مَن قبلَكم، وفَصْلُ ما بينَكم، وخَبرُ ما بعدَكم، فهوَ الفصلُ ليسَ بالهَزْلِ، ومَنِ ابتغَى الهُدَى في غيرِه أَضلَّه اللهُ، وهوَ حبلُ اللهِ المتينُ، وهوَ الذكرُ الحكيمُ، وهوَ الصِّراطُ المستقيمُ، وهو الذي لا يشبعُ منهُ العلماءُ، ولا تنقضِي عجائبُه.
هوَ الَّذي لمْ يلبثِ الجِنُّ إِذْ سمعَتْه أَنْ قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، مَنْ قالَ به صَدَقَ، ومَنْ حكَمَ بهِ عدَلَ، ومَنِ اعتصَمَ به هُدِيَ إِلى صراطٍ مستقيمٍ.
هوَ أَفضلُ معجزاتِ نبيِّنا الصادقِ المصدوقِ ﷺ وأَكملُها وأَجلُّها وأَعظمُها، وهوَ الذي نزلَ بأَفصحِ اللُّغاتِ وأَصحِّها وأَبلغِها وأَوضحِها وأَثبتِها وأَمتنِها على محمدٍ ﷺ بعدَ أَن لم يكنْ كاتبًا ولا شاعرًا ولا قارئًا، وتحدَّى به خطباءَ العربِ وبلغاءَهم وفصحاءَهم أَنْ يأْتوا بسورةٍ مِن مثلِه، فأَعرضُوا عنْ معارضَتِه، عجزًا عنِ الإِتيانِ بمثلِه.
فضل تعلم القرءان وتعليمه
قال الله تعالى
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
روَى الشيخانِ عن ذي النورينِ عثمانَ بنِ عفانَ رضيَ الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ“.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رضيَ الله عنه
مَنْ تَعْلَّمَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْفِقْهِ نَبُلَ مِقْدَارُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْحِسَابِ جَزَلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ ينْفَعْهُ عِلْمُهُ
رواهُ البيهقيُّ
رجل سادَ قومه بعلمه بالقرءان
وروى مسلمٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ قَد وَلَّاهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ وَلَّيتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى؟ قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ: “إِنَّ الله يَرْفَعُ بِهذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ“.
عن أبي أمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه أنَّه قال سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول
اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ
رواه مسلم
عَنْ أَبِي ذَرٍّ أنَّه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
يَا أَبَا ذَرٍّ، لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ ءايَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ
رواه ابنُ ماجه
قال رسول الله ﷺ
وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ
رواهُ مسلم
فصاحة القرءان العظيم وبلاغته
القرآنُ العظيمُ لا تنقضِي عجائبُه وأسرارُه وأوجُه إعجازِه ولا يختلفُ في هذا عاقلانِ.
حُكِيَ أنَّ أعرابيًا سمعَ رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ فَضَحِكَ وقالَ: سجدْتُ لفصاحَةِ هذا الكلامِ.
جارية فصيحة
حَكَى الأصمعيُّ: أنَّه سمعَ كلامَ جاريةٍ، وهيَ تتكلَّمُ بكلامٍ فصيحٍ، فقالَ لَهَا: ما أفصَحَكِ، فقالَتْ: أوَيُعَدُّ هذَا فصاحةً، بعدَ قولِه تعالَى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فجمعَ فِي آيةٍ واحدةٍ بينَ أمرينِ ونهيينِ وخبرينِ وبشارتينِ.
أمَّا الْأَمْرَانِ: فَقَولُه: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وَقَولُه: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ، وَأما النهيانِ: فَقَولُه: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، وَأما الخبرانِ: فَقَولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، وَأما البشارتانِ: فَقَولُه تَعَالَى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ذهول الوليد من فصاحة القرءان
لَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بنُ الْمُغيرَةِ مِنَ النبيِّ ﷺ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قَالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وإن عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ مَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ.
القرءان كان سببا في إسلامه
حُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَابِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِرجلٍ قَائِم عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقّ فاسْتخْبَرَهُ فَأَعْلَمَهُ أنَّهُ من بَطَارِقَةِ الرُّوم مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً من القرءان فَتَأَمَّلَهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ الله على عيسى ابنِ مَرْيَمَ مِن أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
ما ورد في هيبة القرءان
هَذِهِ الرَوْعَةُ التي في القرءان قَد اعْتَرَتْ جَمَاعَةً قَبْلَ الْإِسْلَام وَبَعْدَهُ فَمِنْهُمْ من أَسْلَمَ لَهَا لَأوّل وَهْلَةٍ وَآمَنَ بِهِ.
قال كاد قلبي يطير للإسلام
حُكِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِم قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ كَادَ قَلْبِي أنْ يطِيرَ لِلِإسْلَامِ.
عظيم هيبة القرءان
حُكِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ أراد مُعَارَضتَهُ أنَّهُ اعْتَرتْهُ رَوْعَةٌ وَهَيْبَةٌ كَفَّ بِهَا عَنْ ذَلِكَ فَحُكِيَ أَنَّ بعض الفصحاءِ حاولَ أنْ يكتبَ مثلَ القرآنِ بزعمِه فَمَرَّ بِصَبِيٍّ يَقْرَأُ قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فرجَع فمحَى مَا عَمِلَ وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارَضُ وَمَا هُوَ من كَلَامِ الْبَشَرِ وَكَانَ من أَفصْحِ أَهْلِ وَقْتِهِ، بل إن بعض العلماء قد ألَّف كُتُبًا في بيان فصاحة وبلاغة هذه الآية فقط لعظيم ما فيها من البلاغة والفصاحة.
سورة الإخلاص
كَانَ يَحْيَى بنُ حَكَمٍ الْغَزَالُ بَلِيغَ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَنِهِ، وقد فكَّر في هَذَا فَنَظَرَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ليَحْذُوَ عَلَى مِثَالِهَا وَيَنْسُجَ بِزَعْمِهِ عَلَى مِنْوَالِهَا قَالَ فَاعْتَرَتْنِي مِنْهُ خَشْيَةٌ حَمَلَتْنِي عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَة.
نسألُ اللهَ العظيمَ أنْ ينفعَنا بالقرآنِ الكريمِ ويجعلَه شافعًا لنا وحُجَّةً لنَا لا حُجَّةً علينَا.