المحتويات
- ماذا أنت فاعل الآن، وأنت تودع شهر رمضان؟
- ودع رمضان بمثل ما استقبلته بالطاعة والإيمان والبر والإحسان
- حافظ على صلاتك كل العام
- حفظك الصيام من الشرور، فحافظ عليه بقية الشهور
- قمتَ رمضان إيمانًا واحتسابًا، فلا تُقَصِّر سائرَ العام
- ختمتَ القرآنَ مرةً أو بعض مرة، فاعزم على الحفاظ على ذلك
- حافظتَ على قلبِك من الشواغل في رمضان فحافظ عليه بعد رمضان
- اعلم أن ءاخر الشهر فيه من الخير العظيم، والنفع العميم
- موعظة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
إن مِن أَكبرِ الخُسران أن يعود المرء بعد الغنيمة خاسرًا، وأن يبدد المكاسب التي يسرها الله عز وجل في هذا الشهر الكريم، وأن ينقلب بعد الإقبال مُدبِرًا، وبعد المسارعة إلى الخيرات مهاجرًا، وبعد عِمَارَة المساجد بالتلاوات والطاعات معرضًا، فإن هذه الأمور لتدل على أن القلوب لم تَحيَ حياةً كاملة بالإيمان، ولم تَستَنِر نُورَها التامَّ بالقرءان، وأن النَّفُوس لم تَذُق حلاوَةَ الطَّاعَة ولا المناجاةِ، وأن الإيمان ما يزال في النفوس ضعيفاً.
قال الشاعر:
غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ مَا كَسَبَت *** وَيَحصُدُ الزَّارِعُونَ مَا زَرَعُوا
إِن أَحسَنُوا أَحسَنُوا لِأَنفُسِهِم *** وَإِن أَسَاءُوا فَبِئسَ مَا صَنَعُوا
ماذا أنت فاعل الآن، وأنت تودع شهر رمضان؟
ودع رمضان بمثل ما استقبلته بالطاعة والإيمان والبر والإحسان
لا تكن كالتي قال الله تعالى فيها:
قال الله تعالى
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
قال أهل التفسير:
المقصود بالتي نقضت غزلها في الآية الكريمة هي امرأة عاشَت فِي زمنِ ما قبل الإسلام (الجاهلية)، واسمُها رَابِطَة أو رَايِطَة أَو رَيطَةَ مِن بَنِي تَمِيم، وكانت امرأة تُلَقَّب بالجَعرَاء أو الجِعرَانَة، وإليها ينتسب الموضع المسمى بالجعرانة بين مكة المكرمة والطائف، وهو ميقات للإحرام، وإلى جانب ذلك كانت تسمى بخرقاء مكة، ويضرب بها المثل في الحمق، فما قصة حمقها؟
لقد كانت هذه المرأة تجتمع كل يوم، هي ومجموعة من الجواري والعاملات لديها، فتأمرهن بالعمل على غزل ونسج الصوف والشعر ونحوهما، ثم إذا انتصف النهار وانتهين من أداء عملهن في الغزل أمرتهن بنقضه، أي إفساد ما غزَلنَه، على أن يَقُمنَ بغزله مجدداً في اليوم التالي، وهكذا، تجهد هذه المرأة نفسها وعاملاتها بالعمل ثم تفسده بحمقها وخراقتها.
خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته:
أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما و قمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم.
حافظ على صلاتك كل العام
كما حافظتَ على الصلاة فيه فهلاّ بَقِيْتَ على هذه الحالة بقيةَ عمرك وفي سائر عملك.
فالصلاةُ عمودُ الإسلام ولا حظَّ في الإسلام لمن ضَيَّع الصلاة.
فلا تكن ممن قال فيه الشاعر :
صَلَّى وَصَامَ لِأَمرٍ كَانَ يَطلُبُهُ *** فَلَمَّا قَضَي الأَمرَ لَا صَلَّى وَلَا صَامَا
حفظك الصيام من الشرور، فحافظ عليه بقية الشهور
كان الصومُ لَكَ حِصْنًا حَصِيْنًا مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ والجِنِّ، فهل تَأْمَنُ على نفسك بقيةَ العامِ بلا حصنٍ ولا عُدة.
فالصومُ باقٍ بقاءَ العام، فَطِبْ نفساً بِمَوَاسِمِ الصِّيَام، وقَاوِم الشَّيطَان طَوالَ العامِ، فلو أخلَصتَ النِّيَّة في ذلك حَفِظَك الله منه.
حُكِيَ عن بَعضِ السلَفِ أنَّه قال لتلميذه:
ما تصنع بالشيطان إذا وسوس لك بالخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأَرُدُّه جَهدِي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم يَكُفُّه عنكَ.
العبرة من هذا، أنك إذا أردت أن تتقي شر الشيطان، فاطلب العون من الله عليه، وحاربه بالتقوى.
قمتَ رمضان إيمانًا واحتسابًا، فلا تُقَصِّر سائرَ العام
عن سهل بن سعد أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال
أَتَانِي جِبرِيلُ، فقال: يا محمد عِش مَا شِئتَ فَإِنَّك مَيِّت وأَحبِب مَن شِئتَ فَإِنَّك مُفَارِقُه، واعمَل مَا شِئتَ فَإِنَّك مَجزِيٌّ به، واعلم أن شَرفَ المؤمِنِ قِيَامُه بِاللَّيلِ عَزَّهُ استِغنَاؤُه عَنِ النَّاسِ
رواه الطبراني في المعجم الأوسط وغيرُه
قال الشاعر:
تَرَحَّلَ شَهرُ الصَّبرِ وَالَهفَاهُ وَانصَرَفَا *** وَاختَصَّ بِالفَوزِ فِي الجَنَّاتِ مَن خَدَمَا
وَأَصبَحَ الغَافِلُ المِسكِينُ مُنكَسِرًا *** مِثلِي فَيَا وَيحَهُ يَا عُظمَ مَا حُرِمَا
مَن فَاتَهُ الزَّرعُ فِي وَقتِ البَذَارِ فَمَا *** تَرَاهُ يَحصُدُ إِلَّا الهَمَّ وَ النَّدَمَا
ختمتَ القرآنَ مرةً أو بعض مرة، فاعزم على الحفاظ على ذلك
قال عمرو بن العاص
كل آية في القرآن درجَةٌ في الجنة ومصباح في بيوتكم.
قال أبو هريرة
إن البيت الذي يتلى فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين
حافظتَ على قلبِك من الشواغل في رمضان فحافظ عليه بعد رمضان
صُنْتَ سَمْعكَ وبَصَركَ وفؤادَكَ عما لا ينبغي في شهرِ الصيامِ رجاءَ كماله، ولكنْ لِتَعلَمَ أنَّ صيامَ الجوارحِ لا يَنْقَضي بغروبِ شمسِ آخرِ ليلةٍ من رمضان، فَشَرْعُ الله دائمٌ على مَرِّ العام، فاحفظ قلبك طوال العُمُر من الحَسَدِ والكِبرِ وَالحِقدِ والغِلِّ.
اعلم أن ءاخر الشهر فيه من الخير العظيم، والنفع العميم
فإن الله في ءاخره يُعتِقُ من النار كما أعتق في كل الشهر.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ للَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شهر رمضان أَلْف عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ ءاخِرُ لَيْلَةٍ أَعْتَقَ بِعَدَدِ مَنْ مَضَى
روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِذَا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أُعْتِقَ فِيهِ مِثْلُ جَمِيعِ مَا أُعْتِقَ
جاء فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
إِذَا كَانَتْ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَعْتَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَدَدِ مَا أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ
ليلة يغفل عنها الناس
كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَقُولُ: هِيَ لَيْلَةُ يَغفُل عنهَا النَّاس
روى الشافعي في كتاب الأم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ
مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ
وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
قَالَ الشَّافِعِيُّ
أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْت مَشْيَخَةً مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَظْهَرُونَ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعِيدِ فَيَدْعُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى تَمْضِيَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ
دعاء جعفر الصادق آخر رمضان
كَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ يَدْعُو فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ رَبَّ رَمَضَانَ مُنَزِّلَ الْقُرْآنِ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قَدْ انقَضَى، أَيْ رَبِّ فَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَتِي هَذِهِ أَوْ يَخْرُجُ رَمَضَانُ وَعَلَيَّ ذَنْبٌ تُعَذِّبَنِي بِهِ يَوْمَ أَلْقَاكَ.
موعظة
عباد الله، تَدَبَّرُوا القُرءان المَجِيد، فقَد دلَّكم على الأمرِ الرَّشِيد، وأَحضِرُوا قُلُوبَكم لِفَهم الوَعدِ وَالوَعِيد، ولازِمُوا طاعَةَ ربِّكُم فهذَا شأنُ العَبِيد، واحذَرُوا غَضَبَه فَلَكَم قَصَمَ مِن جَبَّارٍ عنِيد، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
أينَ مَن بَنَى وشَادَ وطَوَّل، وتأمَّر على النَّاس وسَادَ فِي الأَوَّل، وظنَّ جَهلًا منهُ أنَّه لا يَتَحوَّل، هيهَات، عادَ الزمَانُ علَيهِم سَالِبًا مَا خَوَّل، فسُقُوا كأسًا مِن المَوتِ على إِهلَاكِهِم عَوَّل، ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
إنَّ شهرَ رَمضَان قَد انصَرَمَ وانمَحَق (أي مضت أيامه)، وتَشَتَّت نِظَامُه بَعدَ أن كانَ اتَّسَق، فَكَأَنَّكُم بِهِ قَد رَحَلَ وانطَلَق، يَشهَدُ لِمَن أَطَاع وعَلَى مَن فَسَق، فَأَينَ الحُزنُ لِفِرَاقِه وَأَينَ القَلَق.
مَا كَانَ أَشرَفَ زَمَانَه بَينَ صَومٍ وَسَهَر، وَمَا كَانَ أَصفَى أَحوَالَهُ مِن ءافَات الكَدَر، وَمَا كَانَ أَطيَبَ المُنَاجَاةَ فِيهِ بَينَ وَسَطِ اللَّيلِ والسَّحَر، ومَا كَانَ أَرَقَّ القُلُوبَ عِندَ اشتِغَالِهَا بالآيَاتِ والسُّوَر، ومَا كَانَ أَضوَأَ لَآلِئَهُ فِي لَيَالِيهِ جَوفِ الغَسَق.
فَيَا أَيُّها المَقبُول هَنِيئًا لَكَ بِثَوَابِه تَثوِي بِه، وبُشرَاكَ إذَا أَمَّنَكَ الرَّبُّ مِن عِقَابِه، وطُوبَى لَكَ حيثُ استَخلَصَك لِبَابِه، وفَخرًا لَك حَيثُ شَغَلَك بِكِتَابِه، فاجتَهَدْ في بَقِيَّة شَهرِك هَذَا قَبلَ ذَهَابِه، فَرُبَّ مُؤَمِّلٍ لِقاءَ مِثلِهِ ما قُدِّرَ لَه وَلَا اتَّفَق.
وَيَا أَيُّها المَطرُودُ في شَهرِ السَّعَادَة، خَيبَةً لكَ إذَا سَبَقَك السَّادَة، ونَجَا المُجتَهِدُون وأنتَ أَسِيرُ الوِسَادَة، وانسَلَخَ هذَا الشَّهرُ عَنكَ ومَا انسَلَخْتَ عَن قَبِيحِ العَادَة، فَأَينَ تلَهُّفُكَ عَلى الفَوَاتِ وَأينَ الحُرَق.
فَيَا إِخوَانِي، قَد دَنا رَحِيلُ هَذَا الشَّهرِ وحَانَ، فَرُبَّ مُؤَمِّلٍ لِقَاءَ مِثلِه خَانَهُ الإِمكَان، فَوَدِّعُوهُ بِالأَسَف والأَحزَان، واندُبُوا عَليهِ بِأَلسُنِ الأَسَى والأشجَان، السَّلَامُ عَلَيكَ یَا شَهرَ رَمَضَان، سَلامَ مُحِبٍّ أوْدَى بِهِ القَلَق.
السَّلَام علَيكَ يا شَهرَ ضِيَاء المَسَاجِد، السَّلامُ عَلَيك يَا شَهرَ الذِّكرِ والمَحَامِد، السَّلامُ عَلَيك يَا شَهرَ زَرْع الحَاصِد، السلَامُ عَلَيك يَا شَهرَ المُتَعَبِّدِ الزَّاهِد، السَّلَامُ علَيكَ مِن قَلبٍ لِفِرَاقِك فَاقِد، السَّلامُ عَلَيك مِن عَينٍ لِفِرَاقِكَ فِي أَرَق.
السَّلامُ علَيكَ يا شَهرَ المَصَابِيح، السلامُ علَيكَ يا شَهرَ التَّراوِيح، السَّلَامُ علَيكَ يَا شَهر المَتجَرِ الرَّبِيح، السَّلامُ علَيكَ يا شَهرَ الغُفران الصَّرِيح، السَّلامُ عليكَ يا شَهرَ التَبَرِّي مِن كُل فِعلٍ قَبِيح، ويَا أسَفًا عَلى ما اجتمَعَ فِيك مِن الخَيرَات واتَّسَق.
فَيَا لَيتَ شِعرِي هَل تَعُود أيَّامُك عَلَينَا أَم لَا تَعُود، ويَا لَيتَنا عَلِمنا مَنِ المَقبُولُ مِنَّا ومَن المَطرُود، ويَا لَيتَنا تَحقَّقْنا مَا تَشهَدُ بهِ علَينَا يَومَ الوُرُود، ويَا أسَفًا لِتَصَرُّمِك يَا شَهرَ السُّعُود، ويا حَزَنَا على صَفَاءِ القُلُوب وإِخلَاص السُّجُود، السَّلَام عَلَيك مِنْ مُوَدِّعٍ بِتَودِيعِك نَطَق.
أَينَ مَنْ كَانَ مَعَكُم فِي العَامِ المَاضِي، أَمَا قصَدَتْه سِهامُ المَنُونِ القَواضِي، فَخَلَا فِي لَحدِهِ بأَعمَالِه المَواضِي، وكانَ زَادُه مِن جَميع مَالِه الحَنُوطُ والخِرَق.
رَحَلَ وَاللهِ عَن أَوطَانِه وظَعَن، وأُزعِجَ عَن أَهلِه وَالوَطَن، وَبَقِي فِي لَحدِهِ أَسِيرَ الحَزَن، ومَا نفَعَه ما جَمع ومَا خَزَن، وتَمَنَّى أَنْ يُعادَ لِيَزدَادَ مِنَ الزَّادِ ولَنْ، وَلَقَد هَتَفَ بِه هَاتِفُ الإِنذَارِ فَمَا فَطِن، وأصَمَّه الهَوَى عَن نَاصِحٍ قَد نَطَق.
فَتَيَقَّظ أيُّها الغَافِل وانظُر بَينَ يَدَيك، واحذَرْ أن يَشهَد شَهرُ رمضَانَ بِالمَعَاصِي عَلَيك، وتزَوَّد لِرَحِيلِك وانصِبِ الأُخرَى بَينَ عَينَيك، واستَعِدَّ لِلمَنَايَا قَبلَ أنْ تَمُدَّ أَيدِيَهَا إِلَيك، قَبل أنْ يُوثَق الأسِيرُ ويَشتَدَّ الزفِيرُ ويَجْرِيَ العَرَق.