بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
الصَّلَاةُ أَعظَمُ أُمُورِ الإِسلَامِ بَعدَ الشَّهَادَتَينِ، وَقَد شُرِعَ لَهَا مِنَ الآدَابِ وَالأَحكَامِ مَا يَحفَظُ خُشُوعَهَا وَيَصُونُ هَيبَتَهَا، وَمِن تِلكَ الأَحكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالمُرُورِ أَمَامَ المُصَلِّي، وَهُوَ أَمرٌ يَكثُرُ وُقُوعُهُ فِي المَسَاجِدِ وَالأَمَاكِنِ العَامَّةِ، مِمَّا يَستَدعِي مَعرِفَةَ حُكمِهِ وَضَوَابِطِهِ الشَّرعِيَّةِ. فَالشَّرعُ الحَنِيفُ جَعَلَ لِلمُصَلِّي سُترَةً تَحمِيهِ مِنَ المُرُورِ بَينَ يَدَيهِ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحكَامًا تَحفَظُ لِلصَّلَاةِ جَلَالَهَا وَلِلمَسَاجِدِ حُرمَتَهَا.
حكم المرور أمام المصلي
المُرُورُ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي وَكَانَت لِلمُصَلِّي سُترَةٌ مُعتَبَرَةٌ فَهِيَ مِن مَعَاصِي الرِّجلِ.
معنى السترة
المُرَادُ بِالسُّترَةِ: مَا كَانَ على بُعدِ ثَلَاثَةِ أَذرُعٍ فَأَقَلَّ مِنَ المُصَلِّي، بِالذِّرَاعِ المُعتَدِلِ، مُرتَفِعًا ثُلُثَي ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ مِن رُؤُوسِ الأَصَابِعِ إِلَى المِرفَق. رَوَى مُسلِمٌ أَنَّه ﷺ سُئِلَ عَن سُترَةِ المُصَلِّي فَقَالَ: «كَمُؤخِّرَةِ الرَّحلِ» وَمُؤَخِّرَةُ الرَّحلِ، بِفَتحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الحَاءِ، وَهِيَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الآدَمِيّ.
مراتب السترة
- السُّترَةُ القَائِمَةُ: كَجِدَارٍ أَو عَمُودٍ.
- المُصَلَّى المَفرُوشُ: كَسَجَّادَةِ الصَّلَاةِ وَنَحوِهَا.
- الخَطُّ المَرسُومُ: إِن لَم يَجِد شَيئًا مِن ذَلِكَ خَطَّ خطًّا إِلى جِهَةِ القِبلَةِ، وَيَكُونُ الخَطُّ عَن يَمِينِهِ أَو شِمَالِهِ، لَا أَمَامَهُ، وَقَالَ بَعضُهُم لَو كَانَ أَمَامَهُ أَجزَأَ.
فَإِذَا لَم تُوجَد سُترَةٌ، لَم يَحرُمِ المُرُورُ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي.
الأعذار المسقطة للتحريم
- مَن قَصَّرَ فِي اختِيَارِ مَكَانِهِ، كَأَن صَلَّى فِي مَوضِعٍ يَغلِبُ فِيهِ المُرُورُ كَالمَطَافِ.
- إِذا تَرَكَ فُرجَةً فِي الصَّفِ فَاحتِيجَ لِلمُرُورِ أَمَامَهُ لِسَدِّهَا.
- إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سُتْرَةٌ أَوْ كَانَتْ بَعُدَتْ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ ارْتِفَاعِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَمَرَّ شَخْصٌ أَمَامَ هَذَا الْمُصَلِّي فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَة وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَوْ بِلا حَاجَة.
فَفِي هَذِهِ الحَالَاتِ لَا يَأثَمُ المَارُّ.
الدليل على التحريم
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَو يَعلَمُ المَارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي (أَي مَعَ وُجُودِ السُّترَةِ) مَاذَا عَلَيهِ مِنَ الإِثمِ لَكَانَ أَن يَقِفَ أَربَعِينَ خَرِيفًا (أَي سَنَةً) خَيرًا لَهُ مِن أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ»، مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ كَبِيرِة. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ بِدُونِ لَفظِ: «خَرِيفًا».
دفع المار
- يُسَنُّ لِلمُصَلِّي أَن يَدفَعَ المَارَّ بَينَهُ وَبَينَ سُترَتِهِ.
- إِذَا لَم تَكُن هُنَاكَ سُترَةٌ، فَلَيسَ لَهُ أَن يُزعِجَ المَارَّ، وَلَو اقتَرَبَ مِنهُ بِذِرَاعٍ أَو أَكثَرَ.
قال النووي في الرّوضَة: «وللمُصَلّي أن يَدفعَه ويَضرِبَه على المرُورِ وإن أدَّى إلى قَتلِه، ولو لم يكن سُترَةٌ أو كانَت وتَباعَد منها فالأصَحُّ أنّه ليسَ لهُ الدَّفعُ لتَقصِيرِه، قُلتُ ولا يَحرُم حِينَئِذٍ المرورُ بَين يدَيه لَكن الأَولَى تَركُه».
هل يؤثر على صحة الصلاة المرور بين يدي المصلي
مُرُورُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدِي الْمُصَلِّي لا يُؤَثِّرُ عَلَى صِحَّةِ صَلاتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ هُنَاكَ سُتْرَةٌ أَمْ لا.
المرور بين الصفوف
• إِذَا كَانَ الفَاصِلُ بَينَ الصَّفَّينِ أَكثَرَ مِن ثَلَاثَةِ أَذرُعٍ جَازَ المُرُورُ.
• إِذَا كَانَ أَقَلَّ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِعُذرٍ.
• الجَالِسُ أَمَامَ المُصَلِّي لَا يُعَدُّ سُترَةً لَهُ.
حكم الصلاة بلا سترة
• الصَّلَاةُ بِلَا سُترَةٍ مَكرُوهَةٌ.
• يُستَحَبُّ أَن يَكُونَ المُصَلِّي قَرِيبًا مِن جِدَارٍ، أَو يَغرِزَ شَيئًا، أَو يَرسُمَ خَطًّا.
• تَكفِي سَجَّادَةُ الصَّلَاةِ بِشَرطِ أَلَّا يَزِيدَ طُولُهَا على ثَلَاثَةِ أَذرُعٍ، أَمَّا إِذَا كَانَت أَطوَلَ بِأَن كَانَ بَينَ المُصَلِّي وَطَرَفِهَا خَمسَةُ أَو سِتَّةُ أَذرُعٍ مَثَلًا، فَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ وَيُنقِصُ الثَّوَابَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم فَليُصَلِّ إِلى سُترَةٍ، وَليَدنُ مِن سُترَتِهِ لَا يَقطَعِ الشَّيطَانُ عَلَيهِ صَلاتَه»، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ.
قَالَ المُنَاوِيُّ: سُمِّيَ المارُّ شَيطانًا لِأَنَّ فِعلَهُ فِعلُ الشَّيطَانِ، لِإِتيَانِهِ بِمَا يُشَوِّشُ عَلى المُصَلِّي، أَو لِأَنَّ الحَامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ الشَّيطَانُ، وَالمُرَادُ بِقَطعِهَا إِنقَاصُهَا بِشَغلِ قَلبِهِ بِالمُرُورِ بَينَ يَدَيهِ وَتَشوِيشِهِ، وَلَيسَ المُرَادُ بِالقَطعِ البُطلَانَ.
حكم المرور من وراء السترة
أَمَّا المُرُورُ مِن وَرَاءِ السُترَةِ مِن جِدَارٍ أَو سَارِيَةٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرنَا فَلَا يُكرَهُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «إذَا صَلَّى أحَدُكُم فَليَجعَل تِلقَاءَ وَجهِهِ شَيئًا فَإِن لَم يَجِد فَليَنصِب عَصًا فَإِن لَم يَكُن مَعَهُ عَصًا فَليَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُه وَلَهُ شَوَاهِدُ.
خاتمة
يَتَبَيَّنُ مِن ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ شَدَّدَت فِي أَمرِ المُرُورِ أَمَامَ المُصَلِّي حِفظًا لِخُشُوعِ الصَّلَاةِ وَمَنعًا لِلانشِغَالِ فِيهَا. فَجَعَلَت لِلمُصَلِّي سُترَةً تَقِيهِ، وَحَرَّمَت عَلى المَارِّ أَن يَتَجَاوَزَهَا إِلَّا لِعُذرٍ مُعتَبَرٍ. كَمَا أَرشَدَت إِلى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِلَا سُترَةٍ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِن نَقصِ الأَجرِ وَذَهَابِ الهَيبَةِ.
فَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَحرِصَ عَلَى اتِّخَاذِ سُترَتِهِ، وَأَن يَتَجَنَّبَ المُرَورَ أَمَامَ إِخوَانِهِ فِي صَلَاتِهِم، تَعظِيمًا لِشَعِيرَةِ الصَّلَاةِ وَحِفَاظًا عَلى خُشُوعِهَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنُ النَّسَائِي.
- مُسنَدُ أَحمَدَ.
- المُستَدرَكُ لِلحَاكِمِ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.