وعَنْ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ أبي حفْصٍ عُمرَ بنِ الْخَطَّابِ بْن نُفَيْل بْنِ عَبْد الْعُزَّى بن رياحِ بْن عبدِ اللَّهِ بْن قُرْطِ بْنِ رَزاحِ بْنِ عَدِيِّ بْن كَعْبِ بْن لُؤَيِّ بنِ غالبٍ القُرَشِيِّ العدويِّ رضي الله عنه، قالَ: سمعْتُ رسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: “إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى، فمنْ كانَتْ هجْرَتُهُ إِلَى الله ورَسُولِهِ فهجرتُه إلى الله ورسُولِهِ، ومنْ كاَنْت هجْرَتُه لدُنْيَا يُصيبُها، أَو امرَأَةٍ يَنْكحُها فهْجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَر إليْهِ” متَّفَقٌ عَلَى صحَّتِه. رواهُ إِماما المُحَدِّثِين: أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعيل بْن إِبْراهيمَ بْن الْمُغيرة بْن برْدزْبَهْ الْجُعْفِيُّ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الحُسَيْنِ مُسْلمُ بْن الْحَجَّاجِ بْنِ مُسلمٍ القُشَيْريُّ النَّيْسَابُوريُّ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي صَحيحيهِما اللَّذَيْنِ هما أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَة.
الشرح والتعليق على الحديث الأول
نتكلم عن شىء من ذِكرِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو راوي الحديث: إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ. هو الفاروق الذي فَرَق بين الحق والباطل هو القوي في أمر الله خافه شياطين الجن والإنس، يفر منه الشيطان كما أخبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْطَانَ فِي زُقَاقٍ مِنْ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ فَدَعَاهُ الْجِنِّيُّ إِلَى الصِّرَاعِ فَصَرَعَهُ الإِنْسِيُّ، فَقَالَ: دَعْنِي. فَفَعَلَ: فَقَالَ: هَلْ لك فِي الْمُعَاوَدَةِ فَفَعَلَ فَصَرَعَهُ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ: مَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: ءايَةُ الْكُرْسِيِّ. فَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ أَعُمَرُ هُوَ؟ قَالَ: وَمَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ إِلا عُمَرَ!.
هو المبشر بالجنة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إسلامه عزا استبشر بإسلامه المؤمنون من أهل الأرض والملائكةُ من أهل السماء، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: “عُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ”. أجرى الله الحق على لسانه وأسقطه في قلبه، هو الملهَم، قُفلُ الفتنة، فاتح الفتوح، وناشر الدين في أصقاع الأرض، ولو كان بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌ لكان عمرُ بن الخطاب، قَوِيَتْ شِدَّةُ عُمَرَ فِي الدِّينِ فَصَلُبَتْ عَزَائِمُهُ، فَلَمَّا حَانَتِ الْهِجْرَةُ تَسَلَّلُوا وَاخْتَالَ عُمَرُ فِي مِشْيَةِ الأَسَدِ، فَقَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ: هَا أَنَا أَخْرُجُ إِلَى الْهِجْرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ لِقَائِي فَلْيَلْقَنِي فِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي. لَمَا وَلِيَ الْخِلافَةَ شَمَّرَ عَنْ سَاقِ جِدِّهِ فَكَظَمَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ. نَبَذَ الدُّنْيَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَتَخَفَّفَ مِنَ الأَثْقَالِ لأَجْلِ السِّبَاقِ، كَانَ يَخْطُبُ وَفِي إزاره ثنتا عَشْرَةَ رُقْعَةً، كَفَّ كَفَّهُ عَنِ الْمَالِ زَاهِدًا فِيهِ حَتَّى أَمْلَقَ أَهْلَهُ. وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِثْلُ الشِّرَاكِ مِنَ الْبُكَاءِ. وَكَانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ حَتَّى يُعَادَ لِلْمَرَضِ. وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
سماه النبي صلى الله عليه وسلم بعد بدر أبا حفص والحفص هو الأسد. وهو رضي الله عنه أول من سمي أميرُ المؤمنين من الخلفاء وصار يسمى بأمير المؤمنين عدد من الحفاظ والفقهاء، فصاروا يطلقونها على من بلغ رتبةً في الحديث فيقال هذا أمير المؤمنين في الحديث كسفيانَ الثوري رضي الله عنه وكالإمام أحمدَ بن حنبل رضي الله عنه وكالإمام البخاري رضي الله عنه وكالحافظ ابن حجر العسقلاني اهـ.
وأحاديثه المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم خمسُمَائة وسبعةٌ وثلاثون حديثا. لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا بِأَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَمُسْلِمٌ بِواحدٍ وَعِشْرِينَ.
ومن حيث إسناد الحديث نقول: هذا الحديثُ تفرَّد بروايته يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن محمَّدِ ابن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن علقمة بن وقَّاصٍ الَّليثيِّ، عن عُمَر بن الخطَّابِ رضي الله عنه، وليس له طريق يصحُّ غيرَ هذا الطريق، كما قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه. وقال الخطابيُّ: لا أعلمُ خلافاً بين أهلِ الحديثِ في ذلك، وقد قيل: إنَّهُ قد رُوِي من طُرقٍ كثيرةٍ، لكن لم يصح من ذلك شيءٌ عندَ الحُفَّاظ. ثمَّ رواهُ عنِ الأنصاريِّ الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ، فقيل: رواهُ عنهُ أكثرُ مِن مئتي راوٍ، وقيل: رواه عنه سبعُ مِئَةِ راوٍ، ومِنْ أعيانهم: مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، وشعبةُ، وابنُ عُيينةَ، وغيرهم. قال الحافظ ابن حجر في “الفتح”: قد تواتر عن يحيى بن سعيد.
واتَّفقَ العُلماءُ على صحَّته وَتَلَقِّيهِ بالقَبولِ، وبه صدَّر البخاريُّ كتابَه “الصَّحيح”، وأقامه مقامَ الخُطبةِ له، إشارةً منه إلى أنَّ كلَّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله فهو باطلٌ، لا ثمرةَ له في الدُّنيا ولا في الآخرةِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وقدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَصِحَّتِهِ قَالَ أحمد بن حنبل وَآخَرُونَ: هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْفِقْهِ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ رُبْعُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِمَنْ صَنَّفَ كِتَابًا أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَصْحِيحِ النية.
وعن أبي داودَ أيضًا، قال: كتبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسَمائةِ ألفِ حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكتاب -يعني كتابَ “السنن”- جمعت فيه أربعةَ آلافٍ وثمَانمائَةِ حديثٍ، ويكفي الإنسانَ لدينه مِنْ ذلك أربعةُ أحاديث: أحدُها: قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمالُ بالنِّيَّات”.
وقد قال بعض الحفاظ:
عُمْدَةُ الدِّينِ عندَنا كلماتٌ … أربعٌ مِنْ كلامِ خيرِ البريَّه
اتَّق الشُّبهَاتِ وازهَدْ ودَعْ ما … لَيسَ يَعْنِيكَ واعمَلَنَّ بِنيَّه
قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرُهُمْ: لَفْظَةُ إِنَّمَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أن الطهارة وهي الوضوء والغُسل والتيمم لا تصح إلا بالنية وكذلك الصلاة الزكاة وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَأَمَّا إِزَالَةُ النجاسة فلا تفتقر إِلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ والتَّرْكُ لا يحتاج إِلَى نِيَّةٍ.
وقد اختلف في تقدير قوله: “الأعمالُ بالنياتِ”، فالبعض يقدِّرُهُ: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا فالأعمالُ إنّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة، قال ابن دقيق العيد: (الذين اشترطوا النية قدّروا صحة الأعمال بالنيات والذين لم يشترطوها قدّروا كمال الأعمال بالنيات) فالشافعية يحملونها على الأول، والحنفية على الثاني.
وقوله بعد ذلك: “وإنّما لكل امرئٍ ما نوى” إخبارٌ أنَّه لا يحصلُ له مِنْ عمله إلا ما نواه به، فإنْ نَوى خيرا حصل له خير، وإنْ نَوى به شرّا حصل له شرٌّ.
وهذا باب عظيم من أبواب الشريعة وفيه حث على تصحيح النية وفضل ذلك.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَالُوا: فَمَنِ الْمُنَاصِحُ لِلَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَبْدَأُ بِحَقِّ اللَّهِ قَبْلَ حَقِّ النَّاسِ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا لِلدُّنْيَا وَالْآخَرُ لِلْآخِرَةِ بَدَأَ بِأَمْرِ اللَّهِ قَبْلَ أَمْرِ الدُّنْيَا.
وروي عن ابْنِ مَسْعُودٍ أنه قَالَ: طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ وَدُعَاءَهُ لِلَّهِ وَلَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ مَا تَرَاهُ عَيْنَاهُ، وَلَمْ يُنْسِهِ ذِكْرُهُ مَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ، وَلَمْ يُحْزِنْ نَفْسَهُ مَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ.
وجاء عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَتَّابٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: أَيُّ الْأَعْمَالِ وَجَدْتَ أَفْضَلَ؟ قَالَ: مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. وروي عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْعُلَمَاءُ إِذَا الْتَقَوْا تَوَاصَوْا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَإِذَا غَابُوا كَتَبَ بِهَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أَنَّهُ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنِ اهْتَمَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ. وقال بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: لَا تَكُنْ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، تُظْهِرُ لِلنَّاسِ لِيَحْمَدُوكَ، وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ.
وروي عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: خَيْرُ الْعَمَلِ أَخْفَاهُ، أَمْنَعُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَبْعَدُهُ مِنَ الرِّيَاءِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” هنا نَلاحِظ أَنَّ هُناكَ شَرْط وَهُناكَ جَزاءَ الشّرْط. مَنْ أَطاعَ الله رَبِح يَعْنِى “مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” قَصْدًا وَنِيَّةً “فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” حُكْمًا وَشَرْعًا، يعنِى مَنْ نَوَى بِهِجْرَتِهِ رِضَى اللهِ تعالى وَطاعَةَ الرَّسُولِ “فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” أَيْ وَقَعَت هِجْرَتُهُ حُكْمُها حُكْمُ الهِجْرَةِ المقْبُولَة. وَلا بُدَّ مِنْ هذا التّقْدِير لِيتِمَّ المَعْنَى لأَنّنا لا نَقُول: (مَنْ أَطاعَ الله، أَطاعَ الله)، لا مَعْنَى لَها فِي اللُّغة العَرَبِيّة. وَكَلِمَة “إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” ذُكِرَ اللهَ تعالى فِي الحَدِيث تَعظِيمًا للهِ عَزَّ وَجَلّ وَتَهْيِئَةً، تَوْطِئَةً لِذِكْرِ النّبِيِّ وَتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ فِي سَبيلِ اللهِ تعالى. لماذا لَمْ يَقُلِ النّبِيِّ “فَمَنْ كانَت هِجْرَتُهُ فِي طاعَةِ الله” لماذا قالَ: “إِلَى اللهِ“؟ لماذا لَمْ يَقُل: “إِلَى حَيثُ أَمَرَ الله وَكَما أَمَرَ الله”؟ لماذا قالَ “إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ“؟ لِتَعْظِيمِ أَمْرِ الهِجْرَةِ فِي الوَقْع فِي القلب فَرق أَنْ تَقُول: “إِلَى المكانِ الذي أَمَرَ الله” مَثَلًا وَبَيْنَ أَنْ تَقُول: “إِلَى اللهِ” ولِذلِكَ قالَ اللهُ تعالى إِخْبارًا عَنْ إِبْراهِيمِ عَلَيْهِ السلام فِي القُرءانِ الكَريم: {إِنِّي ذاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين} وَذَهَبَ مِنَ العِراق إِلَى الشّام، قَصَد إِلَى الأَرض المبارَكَة عِنْدَ رَبِّي، لَكِنْ التّعبير “إِلَى رَبِّي” للتَّعْظِيم، لِبَيانِ عَظَمَتِها. أَنَّها أَرْض مُبارَكَة، لَها شَأْن. كَذلِك “فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ” لِبَيانِ تَعْظِيمِ أَمْرِ الهِجْرَةِ. شأْنُ الهِجْرَة ليس قَليلًا! شأْنُ الهِجْرَةِ عَظِيم! كانَ هُناك اثنان، هاجَرَا إِلَى النّبِيِّ. فِي الطّريق واحِد مِنْهُما مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَقَطَعَ بَراجِمَهُ فَنَزَفَ مِنْهُ الدّم حَتّى ماتَ يعنِى انْتَحَر! فِي المنام رَآهُ صاحِبُهُ عَلَى هَيئَة حَسَنَة إِلّا أَنَّ يَدَهُ مَلْفُوفَة. قال: ماذا فَعَلَ بِكَ رَبُّك؟؟ قال: غَفَر لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ. قال: ما بالُ يَدِك؟؟ قال: قيلَ لِي إِنّنا لا نُصْلِحُ مِنْكَ ما أَفْسَدْت! فَأَخْبَرَ النبيّ. فَدَعا لَهُ وَقال: “اللهمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغْفِر” يُعْرَفُ مِنْ هذا أَنَّ هذا الذَّنب العَظِيم الذي هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الكُفُر، قَتْلُ النَّفْسِ الذي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بالحَقّ، هذا الذّنبُ العَظِيم، غَفَرَهُ اللهُ تعالى لِهذا الصّحابِيّ بِسَببِ الهِجْرَة. شَأْنُ الهِجْرَة عَظِيم! لِذلِكَ عَظَّمَها النَّبيُّ فقال: “فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ” وَقَعَت هِجْرَتُهُ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ تعالى وَعَلى حَسَبِ ما أَمَرَ الرّسُولُ. ولِماذا قال: “فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ” وَلَمْ يَقُل: فَهِجْرَتُهُ إِلَيهِما؟؟ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لله ما اسْتَعْمَلَ الضّمِير، أَرادَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله واسمَ نبيه! وَلِيَتَبَرَّكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تعالى وَيُعَظِّمَهُ. الذي يُحِبُّ الشىء يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِهِ، كمَا قالَ الشّاعِر: “أَعْدِ ذِكْرَ نُعْمانٍ لَنا إِنَّ ذِكْرَهُ كما المِسكُ ما كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ“. والمراد بنعمان هنا النعمان بن ثابت وهو ابو حنيفة.
“وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا” أَنْ هجرته لأَجْلِ دُنْيا. مَنْ كانَ سَبَبُ هِجْرَتِهِ، الغايَةُ مِنْ هِجْرَتِهِ دُنيا يُصِيبُها، دُنْيا يَحُوزُها، يَحْصُلُ عَلَيْها. دُنْيا مُؤَنّثُ أَدْنَى، قَالَ الْجَوْهَرِي سميت الدُّنْيَا لدنوها من الزَّوَال وَجَمعهَا دُنًى، وَالدُّنْيَا: تَأْنِيثُ الْأَدْنَى، وَيَرْجِعُ إِلَى الدُّنُوِّ، بِمَعْنَى الْقُرْبِ. وَالْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وَلَا تُحْذَفُ مِنْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِلَّا فِي شِعْرٍ، أُطْلِقَت عَلَى هذه الدّار دِلالَةً عَلَى دَناوَتِها وَأَنَّهُ لا يَنْبِغِي أَنْ يَتْبَعَها الإِنسان! دُنْيا! اسمها دُنْيا! واطِيَة! (هذا مِنْ حَيثُ اللغَة) دِلالَةً عَلَى حَقيقَتِها عِنْدَ مَنْ يَفْهَم! انْظُر ماذا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ! الهِجْرَة مِنْ أَجْلِ دُنيا! شىء دَنِيء واطِي! لا اعْتِبارَ لَهُ! “أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا” أَوْ هاجَرَ وَكانَ قَصْدُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امرأَةً “فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ” ما ذكَرَ الرّسُول هُنا لا الدّنيا ولا المرأَة! قالَ: “فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ” ما قالَ فَهِجْرَتُهُ لِدُنيا أَوِ امْرَأَة، تَحْقِيرًا لِشَأْنِ هذا القَصْدَ. بَدَلَ أَنْ يَفْعَلَ هذه الطّاعَة لِوَجْهِ الله، فَعَلَ هذا الفِعْل لأَجْلِ دُنيا أَوْ امرَأة، لذلك النبيّ ما أعادَ ذِكْرَهُما!.
فَإِذًا النّيَّة لها شَأْنٌ عَظِيم فِإِذا قَصَدَ المسلِم بِالعَمَل الصّالِح وَجْهَ اللهِ تعالى أَثابَهُ اللهُ وَقدْ يَعْمَلُ العَمَل الذي هُوَ فِي نَظَرِ النّاس قَليل فَيُضاعِفُهُ اللهُ أَضْعافًا كَثِيرَة وَيُوصِلُهُ الجَنَّةَ بِهِ. بِحُسْنِ العَمَل وَحُسْنِ النِّيَّة.
أَبُو داود سَمِعَ شَخْصًا عَطَسَ فِي السّفِينَة، اسْتَأْجَرَ زَوْرَقًا بِدِرْهَم، ذَهَبَ إِلَيْهِ، قالَ لَهُ: “يَرْحَمُكَ الله” لأَنَّهُ كانَ حَمِدَ الله. بَعْدَ ذلِكَ رُئِيَ فِي المنام فِي تِلْكَ الليْلَة أَنَّ اللهَ تعالى غَفَرَ لأَبِي داود وَأَدْخَلَهُ الجَنَّة بِدِرْهَم. لأَنَّهُ فَعَلَ ذاكَ الفِعْل بِالنِيَّةِ الحَسَنَة الطّيِّبَة.
وَبالعَكْس، إِذا نَوَى الإِنْسان بالعَمَلِ الصّالِح مَحْمَدَةَ النّاس، نالَ مِنْ ذلِكَ الإِثْمَ والعِياذُ باللهِ تَعالى واسْتَحَقَّ عَذابَ النار، لأَنَّ هذا مِنْ كَبائِرِ الذُّنُوب.
جاءَ فِي الحَدِيث أَنَّهُ يُؤْتَى بِثَلاثَة يَوْمَ القِيامَة. يُقالُ لأَحَدِهِم: ماذا فَعَلْت؟ يَقُولُ: “يا ربّ قَرَأْتُ، وَتَعَبَّدْتُ، طَلَبًا لِمَرضاةِ التَّعْظِيمَ لَك”. فَيُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ! إِنّما صَلّيْتَ لِيُقالَ عابِدٌ مُصَلٍّ وَقَدْ قِيل، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النّار!! وَيُقالُ لِلْثّانِي ماذا فَعَلْت؟ فَيَقُولُ: يا ربِّ، أَنا كانَ عِنْدِي مالٌ عَظِيم فَوَصَلْتُ بِهِ الرَّحِم وَتَصَدَّقْتُ عَلَى المساكِين طَلَبًا لِمَرْضاتِك”، فَيُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ! إِنّما فَعَلْتَ هذا لِيُقال: سَخِيٌّ، جَواد، يصِل يَتَصَدَّق وَقدْ قِيل، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النّار!! وَيُقالُ لِلْثّالِث: أَنْتَ ماذا فَعَلْت؟؟ يَقُولُ: “يا ربّ، أَنا ذَهَبْتُ إِلَى عَدُوِّكَ فَلاقَيْتُ عَدُوَّكَ فَقاتَلْتُهُ فِي سَبيلِكَ فَقُتِلْت! فَيُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ! إِنّما قاتَلْتَ لِيُقالَ: جرِيء شُجاع وَقَدْ قِيل، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النّار!!
فَلا يَنالُ أَحَدٌ مِنْهُم ثَوابَ العَمَلِ الذي عَمِلَهُ بَلْ كُلٌّ مِنْهُم يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى نارِ جَهَنَّم أَعاذَنا اللهُ مِنْها. ما السّبب؟ السب هُوَ الرِّياءُ بالعَمَل! أَنَّه عَمِلَ العَمَل، لا يَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ الله، إِنّما يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ مَحْمَدَةِ النّاس وَلا يَنْبَغي أَنْ يَفْعَلَ الإِنسانُ هذا! حَدا عاقِل بِتَعِّب حالُو حَتّى يَكْسَب الإِثْم وَيَكُونُ واقِعًا فِي الكبائِر؟؟ مِنْ شان شو؟؟ حَتّى يُقالَ عَنْهُ فُلان كذا وَكذا؟؟ إِذا أَرْضَى الإِنْسانَ رَبَّهُ، فَعَلَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ، بَعْدَ ذلِكَ لا يُبالِي، مَدَحَهُ مَنْ مَدَحَهُ أَوْ ذَمَّهُ مَنْ ذَمَّهُ. إِذا كانَ الإِنسان، الله تعالى يُحِبُّهُ وَيَنْصُرُهُ، وَيَحْفَظُهُ، إِلَى أَيش يحْتاج بَعدَ ذلِك. لِذلِكَ لا يَنْبَغِي أَنْ يُرائِيَ بِعَمَلِهِ. وعادَةً تَجِد أَنَّ البعَض يمدَحُهُ والبَعض الآخر يَذُمُّهُ.
“اعْمَلْ لِنَفْسِكَ صالِحًا لا تَحْتَفِل … بِظُهُورِ قِيلٍ في الأنامِ وقالِ
فَالخَلْقُ لا يُرْجَى اجْتماعُ قُلُوبِهِم … لا بُدَّ مِنْ مُثْنٍ عَلَيْكَ وَقالِ”
الخَلْقُ لا يُرْجَى اجْتِماعُ قُلُوبِهِم عَلَى مَدْحِك! لا بُدَّ مِنْ مُثْنٍ عَلَيْكَ وَقالِ، فاعْمَل لِنَفْسِكَ صالِحا!
وعن زُبَيدٍ اليامي، قال: إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ، حتى في الطَّعام والشَّراب، وعن سفيانَ الثَّوريِّ، قال: ما عالجتُ شيئاً أشدَّ عليَّ من نيَّتي؛ لأنَّها تتقلَّبُ عليَّ.
وقيل لنافع بن جُبير: ألا تشهدُ الجنازةَ؟ قال: كما أنتَ حتَّى أنوي، قال: ففكَّر هُنَيَّة، ثم قال: امضِ.
وعن مطرِّف بن عبدِ الله قال: صلاحُ القلب بصلاحِ العملِ، وصلاحُ العملِ بصلاحِ النيَّةِ.
وعن بعض السَّلَف قال: مَنْ سرَّه أن يَكْمُلَ له عملُه، فليُحسِن نيَّته، فإنَّ الله – عز وجل – يأجُرُ العَبْدَ إذا حَسُنَت نيَّته حتى باللُّقمة اهـ.
وَأَنْشَدَ بَعْضُ الْمُخْلِصِينَ لِبَعْضِ الْمُخْلِطِينَ:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ … عَمَّا قَلِيلٍ سَتَثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
إِنَّ الْحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ، وَسَاعَاتِ
لَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا، وَزِينَتِهَا … قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ يَأْتِي
وَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلٍ … فَإِنَّمَا الْعَمَلُ الزَّاكِي بِنِيَّاتٍ
وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ زُبَيْدَةَ رُؤِيَتْ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهَا: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ فَقَالَتْ: غَفَرَ لِي، فَقِيلَ لَهَا: بِكَثْرَةِ عِمَارَتِكِ الْآبَارَ، وَالْبِرَكِ، وَالْمَصَانِعِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَإِنْفَاقِكِ فِيهَا؟ فَقَالَتْ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَإِنَّمَا نَفَعَنَا مِنْهُ النِّيَّاتُ فَغَفَرَ لِي بِهَا.
والراوي الأول الذي ذكره النووي لهذا الحديث هو: (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُوهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، (الْبُخَارِيُّ): نِسْبَةٌ إِلَى بُخَارَى: بَلْدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ؛ لِتَوَلُّدِهِ فِيهَا، وَصَارَت بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَهُ، وَلِكِتَابِهِ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: يُقَالُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَنَاصِرُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَاشِرُ الْمَوَارِيثِ الْمُحَمَّدِيَّةِ،
قِيلَ: لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ مِنْ جِهَةِ حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانِهِ، وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حِدَّةِ ذِهْنِهِ، وَرِقَّةِ نَظَرِهِ، وَوُفُورِ فِقْهِهِ، وَكَمَالِ زُهْدِهِ، وَغَايَةِ وَرَعِهِ، وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَعِلَلِهِ، وَقُوَّةِ اجْتِهَادِهِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ،
وَكَانَتْ أَمُّهُ مُسْتَجَابَةَ الدَّعْوَةِ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ، ثُمَّ عَمِيَ، وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُعَالَجَتِهِ فَرَأَتْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَائِلًا لَهَا: قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ لَهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَنَشَأَ مُتَرَبِّيًا فِي حِجْرِ الْعِلْمِ مُرْتَضِعًا مِنْ ثَدْيِ الْفَضْلِ، ثُمَّ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَلَمَّا بَلَغَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ بَبُخَارَى غَلَطًا وَقَعَ لَهُ فِي سَنَدٍ حَتَّى أَصْلَحَ كِتَابَهُ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ، وذلك: أَنَّ شَيْخًا مِنْ مَشَايِخِهِ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ حَدِيثِهِ قَالَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّهَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: أَبُو الزُّهَيْرِ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَهَيَّبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: ارْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَامَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَطَالَعَ فِي أَصْلِهِ، وَتَأَمَّلَ فِيهِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: فَكَيْفَ الرِّوَايَةُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ أَبُو الزُّهَيْرِ بِالْهَاءِ، إِنَّمَا هُوَ الزُّبَيْرُ بِالْبَاءِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ، وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ. وَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ، وَأَخِيهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَرَجَعَ أَخُوهُ، وَأَقَامَ هُوَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا طَعَنَ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً صَنَّفَ قَضَايَا الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَقَاوِيلَهُمْ، وَصَنَّفَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الْمُطَهَّرَةِ تَارِيخَهُ الْكَبِيرَ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَكَتَبُوا عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَلَّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ رِجَالِ التَّارِيخِ الْكَبِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ حِكَايَةٌ، وَقِصَّةٌ إِلَّا أَنِّي تَرَكْتُهَا خَوْفًا مِنَ الْإِطْنَابِ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ ارْتَحَلَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي أَكْثَرِ الْمُدُنِ، وَالْأَقَالِيمِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَحَلْتُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحَدِيثِ إِلَى مِصْرَ، وَالشَّامِ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا أُحْصِي مَا دَخَلْتُ مَعَ الْمُحَدِّثِينَ فِي بَغْدَادَ، وَالْكُوفَةِ، وَأَقَمْتُ فِي الْحِجَازِ سِتَّ سِنِينَ طَالِبًا لِعِلْمِ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالْحَامِلُ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ أَنَّنِي رَأَيْتُنِي وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ، فَعُبِّرَ لِي بِأَنِّي أَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ، وَمَا وَضَعْتُ فِيهِ حَدِيثًا إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَخْرَجْتُهُ مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَصَنَّفْتُهُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ إِلَّا صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ؛ لِئَلَّا يَطُولَ وَرُوِيَ عَنِ الْوَرَّاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا فِي مُصَنَّفَاتِكَ هَلْ تَحْفَظُهَا؟ فَقَالَ: لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهَا، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَزَرَةَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنَ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إِلَّا وَفُرِّجَتْ، وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ، وَأَنَّهُ اي البخاري كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ يُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ الْغَيْثُ، وَيُسَمَّى التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ.
قِيلَ: وَكَانَ وِرْدُ البخاري فِي رَمَضَانَ خَتْمَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَثُلُثُهَا فِي سَحَرِ كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلَسَعَهُ زُنْبُورٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ؟! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهَا.
وقَالَ: وَأَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهَا مَعَ عَدِّ الْمُكَرَّرِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا. وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا، وَيَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ نَظْرَةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ بلْخَ فَسَأَلَنِي أَهْلُهَا أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ، فَأَمْلَيَتُ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَلِبُلُوغِ نِهَايَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِ الْحَدِيثِ كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. وَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ نَادَى مُنَادٍ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ؛ فَأَجَابَهُمْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ كَذَا، وَكَذَا أَلْفًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ فَأَوَّلُ مَا جَلَسَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَنَا شَابٌّ، وَقَدْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ أَحَادِيثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ تَسْتَفِيدُونَهَا، يَعْنِي لَيْسَتْ عِنْدَكُمْ، وَأَمْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَتَّى بَهَرَهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَ ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّابِّ، وَاكْتُبُوا عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ، وَفَقْهِهِ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: (مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ)، وَوَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَالًا كَثِيرًا فَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ جِدًّا. قِيلَ: كَانَ يَقْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثِ لَوْزَاتٍ. قِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَكَانَ يَصْرِفُهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي تَحْصِيلِ الْحَدِيثِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الطَّلَبَةِ مُفْرِطًا فِي الْكَرَمِ، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بُخَارَى نُصِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَنُثِرَ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ، وَبَقِيَ مُدَّةً يُحَدِّثُهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْبَلَدِ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ، وَيُحَدِّثَهُمْ بِهِ فِي قَصْرِهِ فَامْتَنَعَ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ، وَلَا أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ، فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْ فِي مَسْجِدِي، أَوْ دَارِي، فَإِنِّي لَا أَكْتُمُ الْعِلْمَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ يُؤْتَى، وَلَا يَأْتِي، فَرَاسَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ، وَلَا يَحْضُرَ غَيْرُهُمْ فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، فَحَصَلَتْ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَرِهِمْ مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ حَتَّى وَرَدَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى الْأَمِيرِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا فَنُودِيَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَحُبِسَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إِلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بُخَارَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ يَخْطُبُونَهُ لِبَلَدِهِمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا كَانَ بِخَرْتَنْكَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ بِسَمَرْقَنْدَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ بَلَغَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ، فَقَوْمٌ يُرِيدُونَ دُخُولَهُ، وَآخَرُونَ يَكْرَهُونَهُ. وَكَانَ لَهُ أَقْرِبَاءُ بِهَا فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْأَمْرُ فَأَقَامَ أَيَّامًا فَمَرِضَ حَتَّى وُجِّهَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ يَلْتَمِسُونَ خُرُوجَهُ إِلَيْهِمْ ; فَأَجَابَ، وَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، وَتَعَمَّمَ، فَلَمَّا مَشَى قَدْرَ عِشْرِينَ خُطْوَةً إِلَى الدَّابَّةِ لِيَرْكَبَهَا قَالَ: أَرْسِلُونِي فَقَدْ ضَعُفْتُ فَأَرْسَلُوهُ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَقَضَى فَسَالَ مِنْهُ عَرَقٌ كَثِيرٌ لَا يُوصَفُ، وَمَا سَكَنَ الْعَرَقُ حَتَّى أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ. وكان قد دعا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اللَّهُمَّ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ فَمَاتَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَوُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ جَعَلَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ مُدَّةً يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَا وُقُوفُكَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَنِي مَوْتُهُ، فَنَظَرْتَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، وَبَعْدَ نَحْوِ سَنَتَيْنِ مِنْ مَوْتِهِ اسْتَسْقَى أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ مِرَارًا فَلَمْ يُسْقَوْا فَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ لِقَاضِيهَا: أَرَى أَنْ تَخَرُجَ بِالنَّاسِ إِلَى قَبْرِ الْبُخَارِيِّ، وَنَسْتَسْقِي عِنْدَهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنَا فَفَعَلَ، وَبَكَى النَّاسُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَشَفَّعُوا بِصَاحِبِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ بِمَاءٍ غَزِيرٍ أَقَامَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِهِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْوُصُولَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسْلِمٌ، وَلَا جَاءَ، أَخَذَ كِتَابَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَبْوَابَهُ. وَلِلْبُخَارِيِّ مُصَنَّفَاتٌ غَيْرُ الصَّحِيحِ: كَالْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالتَّارِيخِ الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالصَّغِيرِ، وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَكِتَابِ الضُّعَفَاءِ، وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ، وَالتَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ، وَكِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، وَكِتَابِ الْهِبَةِ، وَأَسَامِي الصَّحَابَةِ، وَكِتَابِ الْوِجْدَانِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ الْكُنَى، وَكِتَابِ الْمَبْسُوطِ، وَكِتَابِ الْفَوَائِدِ.
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَوَيْتُ الْحَدِيثَ عَنْ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ مُحَدِّثٍ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ كَمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَبِالْجُمْلَةِ، قِيلَ: رَوَى عَنْهُ مِائَةُ أَلْفِ مُحَدِّثٍ. لِذلِكَ إِذا أَرادَ إِنْسان أَنْ يَطْعَنَ فِي الدِّين، ماذا يَفْعَل؟ قَدْ يَعْمِدُ إِلَى الطَّعْنِ فِي البُخارِيّ أَوِ الطَّعْنِ فِي مُسْلِم.
البعض يقول اليوم: أَيْنَ نُسْخَة البُخارِيّ التي كَتَبَها بِخَطِّ يَدِهِ؟ مِثْل هذا الكَلام! نَعْم لَيْسَت مَوْجُودَة لَكِنْ البُخارِيّ سَمِعَ مِنْهُ كِتابَهُ وَعارَضَ نُسْخَتَهُ بِنُسْخَتِهِ أُناس كَثِيرون كَثيرون وَسَمِعُوا مِنْ طُلّابِهِ وَتلامِذَتِهِ كَثير. الفِرَبْرِي، واحِد مِنَ تَلامِيذ البُخارِيّ يَقُول: سَمِعَ مِنِّي الصحيح تِسْعُونَ أَلْف يمكن! هذا فَضْلًا عَمّن يَحْفَظُها وَيَرْوِيها حِفْظًا! فهذه سَخافَة مَنْ يَقُول مِثل هذا الكلام! لَكِنْ مُرادُهُم هَدْم الدّين. إذا شْلنا أحادِيث البُخارِيّ وَأَحادِيث مُسْلِم كَمْ حَدِيث مِنْكُون شِلْنا؟؟ إِذا هذه الأَحادِيث ما عادَ يُنْظَرُ إِلَيها، يَنْهَدِمُ الدّين. هذا مُرادُ مَنْ يَطْعَن فِي مِثْلِ هؤلاء.
رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْتُ لَأَنَّ مَوْتِي مَوْتُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَوْتُ الْبُخَارِيِّ ذَهَابُ الْعِلْمِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ: كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا زَيْدٍ إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي؟!) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا كِتَابُكَ؟! قَالَ: (جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ).
أما الراوي الثاني لهذا الحديث الذي ابتدأ به النووي كتابه هذا فهو: (أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ): بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى قُشَيْرٍ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ نَيْسَابُورِيٌّ أَحَدُ أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ، جَمَعَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَالْقَعْنِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ، وَحُفَّاظِ دَهْرِهِ كَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَأَبِي خُزَيْمَةَ، وَخَلَائِقَ. وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْجَلِيلَةُ غَيْرُ جَامِعِهِ الصَّحِيحِ كَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ صَنَّفَهُ عَلَى تَرْتِيبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لَا عَلَى تَبْوِيبِ الْفِقْهِ، وَكَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ أَوْهَامِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكِتَابِ التَّمْيِيزِ، وَكِتَابِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ، وَكِتَابِ طَبَقَاتِ التَّابِعِينَ، وَكِتَابِ الْمُخَضْرَمِينَ. قَالَ مسلم: صَنَّفْتُ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ، وَأَعْلَى أَسَانِيدِهِ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةُ وَسَائِطَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وُلِدَ عَامَ وَفَاةِ الشَّافِعِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ آخِرُ قُدُومِهِ بَغْدَادَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، مات وَسِنُّهُ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ،. قالَ مُلَّا عليٌّ القاري: قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا عَلَّامَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَبَحِّرِينَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْجَزَرِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ الْمُسَمَّى بِتَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: إِنِّي زُرْتُ قَبْرَهُ بِنَيْسَابُورَ، وَقَرَأْتُ بَعْضَ صَحِيحِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّيَمُنِ، وَالتَّبَرُّكِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ آثَارَ الْبَرَكَةِ، وَرَجَاءَ الْإِجَابَةِ فِي تُرْبَتِهِ.