الحديث الثاني والسبعون

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَجْرَى بِإِنْعَامِهِ لِلْعَامِلِينَ أَجْرًا، وَأَسْبَلَ بِكَرَمِهِ عَلَى الْعَاصِينَ سِتْرًا، وَقَسَّمَ بَنِي ءادَمَ عَبْدًا وَحُرًّا، وَدَبَّرَ أَحْوَالَهُمْ غِنًى وَفَقْرًا، وجعل الْبَسِيطَةَ عَامِرًا وَقَفْرًا، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أَحْمَدُهُ تعالى حَمْدًا يَكُونُ لِي عِنْدَهُ ذُخْرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُقَدَّمِ الأَنْبِيَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالأُخْرَى، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ الْمَالَ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى مَالَ الْكَفُّ صِفْرًا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَسَرَتْ هَيْبَتُهُ كِسْرَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ صَبْرًا، وَعَلَى عَلِيٍّ أَعْلاهُمْ فِي النَّسَبِ قَدْرًا. أما بعد: 

الحديث

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرَّابعُ: عَنْ أبي طَريفٍ عدِيِّ بْنِ حاتمٍ الطائِيِّ رضي اللَّه عنه قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: “مَنْ حَلَفَ عَلَى يمِين ثُمَّ رَأَى أتقَى للَّهِ مِنْها فَلْيَأْتِ التَّقْوَى” رواه مسلم.

ترجمة راوي الحديث

هو ‌عَدِيُّ ‌بنُ ‌حَاتِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدٍ الطَّائِيُّ بْنِ الحَشْرَجِ بنِ امْرِئِ القَيْسِ بنِ عَدِيٍّ، بن أخرم بن ربيعة وينتهي نسبه الى زيد بن كهلان بن سبأ، الأَمِيْرُ، الشَّرِيْفُ، أَبُو وَهْبٍ، وَأَبُو طَرِيْفٍ الطَّائِيُّ، صَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَدُ حَاتِمِ طَيئ الَّذِي يُضْرَبُ بِجُوْدِهِ المَثَلُ. والطائي نسبة إلى طيىء بوزن سيد، واسمه جلهمة، وسمي طيئاً لأنه أول من طوى أي بنى المناهل، وقيل: لغير ذلك وَفَدَ عَدِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي وَسْطِ سَنَةِ سَبْعٍ في شعبان،  وقيل: بل أسر المسلمون أخته سفانة بنت حاتم فأسلمت وعادت إليه، فأخبرته ودعته إلى رسول الله، فأسلم وحسن إسلامه، فقد روى البيهقي من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنه جاءتِ امرأةٌ مِنْ سبايا طَيِّئٍ لرسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا محمدُ إنْ رأيتَ أنْ تُخلِّيَ عنا ولا تشمِتَ بي أحياءَ العربِ فإني ابنةُ سيدِ قومي، وإنَّ أبي كان يَحمي الذمار، ويفكُّ العاني، ويُشبِعُ الجائعَ، ويكسُو العاريَ، ويَقري الضيفَ، ويُطعمُ الطعامَ، ويُفشي السلامَ، ولا يردُّ طالبَ حاجةٍ قطُّ، أنا ابنةُ حاتمِ طيِّئ. فقالَ النبيُّ ﷺ: ((يَاْ جَارِيَةُ لَوْ كَانَ أَبُوْكِ مُسْلِمًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيِهِ)) فهذا يدلُ على أن الرحمةَ بعد الموتِ تشملُ المؤمنينَ فقط ولا رحمةَ لكافرٍ بعد الموتِ. 

 ولعدي بن حاتم أَحَادِيْثُ، روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ستة وستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد مسلم بحديثين. رَوَى عَنْهُ: الشَّعْبِيُّ، وَمُحِلُّ بنُ خَلِيْفَةَ، وَسَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ وَآخَرُوْنَ، وَكَانَ أَحَدَ مَنْ قَطَعَ بَرِّيَّةَ السَّمَاوَةِ مَعَ خَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ وَجَّهَهُ خَالِدٌ بِالأَخْمَاسِ إِلَى الصِّدِّيْقِ، نَزَلَ الكُوْفَةَ مُدَّةً، ثُمَّ قَرْقِيْسِيَا مِنَ الجَزِيْرَةِ. روي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ حَدِيْثِ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِي لَا آتِيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ كُنْتُ بِأَرْضِ الرُّوْمِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقاً تَبِعْتُهُ. فَلَمَّا قَدِمْتُ المَدِيْنَةَ، اسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ، فَقَالَ لِي: (يَا عَدِيُّ! أَسْلِمْ تَسْلَمْ) . قُلْتُ: إِنَّ لِي دِيْناً. قَالَ: (أَنَا أَعْلَمُ بِدِيْنِكَ مِنْكَ، أَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟) . قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: (أَلَسْتَ رَكُوْسِيّاً (الركوسية: هو دين بين النصارى والصابئين) تَأْكُلُ المِرْبَاعَ (كانوا في الجاهلية إذا غزا بعضهم بعضا، وغنموا، أخذ الرئيس ربع الغنيمة خالصا دون أصحابه، ويسمى ذلك الربع المرباع) ؟)، قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: (فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِيْنِكَ) . فَتَضَعْضَعْتُ لِذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: (يَا عَدِيُّ! أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَأَظُنُّ مِمَّا يَمْنَعُكَ أَنْ تُسْلِمَ خَصَاصَةٌ تَرَاهَا بِمَنْ حَوْلِي، وَأَنَّكَ تَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا إِلْباً وَاحِداً، هَلْ أَتَيْتَ الحِيْرَةَ؟) . قُلْتُ: لَمْ آتِهَا، وَقَدْ عَلِمْتُ مَكَانَهَا. قَالَ: (تُوْشِكُ الظَّعِيْنَةُ أَنْ تَرْتَحِلَ مِنَ الحِيْرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ حَتَّى تَطُوْفَ بِالبَيْتِ، وَلَتُفْتَحَنَّ عَلَيْنَا كُنُوْزُ كِسْرَى) . قُلْتُ: كِسْرَى بنُ هُرْمُزَ! قَالَ: (كِسْرَى بنُ هُرْمُزَ، وَلَيَفِيْضَنَّ المَالُ حَتَّى يَهِمَّ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ مَالَهُ صَدَقَةً) . قَالَ عَدِيٌّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَتَيْنِ، وَأَحْلِفُ بِاللهِ لَتَجِيْئَنَّ الثَّالِثَةُ -يَعْنِي: فَيْضَ المَالِ-. 

ولا ينبغي أيضا أن يتشوش طالب العلم من الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عدي بن حاتم ألست ركوسيا، فإن روايات هذا الحديث مختلفة وكثير منها ليس فيها هذا اللفظ كما في المستدرك للحاكم والمعجم الأوسط للطبراني وعند ابن حبان والترمذي وفي رواية عند ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم أنا أعلم بدينك منك مرتين أو ثلاثة ألست ترأس قومك قال قلت بلى قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك قال فتضعضعت لها معناه هذه الرواية عندما قال له ألست ترأس قومك النبي عليه السلام ما سأله ليقول له نعم أنا أرأس قومي أو أنا ركوسي، لأنه في بعض الروايات قال له أنا أعلم بدينك منك ألست ركوسيا ألست تسير بقومك بالمرباع ليس معناه قل لي أنا كذا  لا هذا واحد يحتج عليك ويريد أن يقيم الحجة عليك ليس معناه هذا السؤال لطلب الجواب، يعني أنا أبين لك أني أعلم بدينك الذي كنت عليه ألست ركوسيا ألم تكن تسير في قومك بالمرباع، ثم عدي بن حاتم صُدِمَ فأسلم فورا، هذا هو الحديث.

فظاهر الحديث الذي ذكرناه والروايات الأخرى تدل أن المراد الثاني أنت تقيم الحجة عليه أنك تعلم حاله، ثم أليست هذه حكاية حال وحكايات الأحوال إذا تتطرق لها الاحتمال كساها ثوب الإجمال كما قال الشافعي تصير مجملة وسقط بها الاستدلال أين الدليل حتى لو فرضنا أن هذا الحديث صحيح لا يستدل به لأنه يحتمل، فسأله ليُعلِمَهُ أنه يَعرِفُ حاله وهذا يدل عليه تِتِمة الحديث أنه تضعضع وأسلم فورا لما علم أن النبي يعلم حاله. 

والرواية الأخرى التي فيها هذا السؤال لعدي بن حاتم لم ينص الحفاظ على صحتها وليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر من عدي جوابا وإنما ورد فيها أن النبي قال لعدي قبل أن يسلم أنا أعلم بدينك منك فقال عدي متعجبا أنت أعلم بديني مني فأراد النبي أن يبين له ذلك فقال ألست ركوسيا، وهذا ليعلمه أنه أعلم بدينه منه، فأراد النبي أن يبين له ذلك فقال له ألست ركوسيا وهو عليه السلام لم يرد أن يستنطقه بالكفر إنما أراد أن يبين كونه أعلم بعدي بدينه، ثم إن الحديث مروي عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عدي وأبي عبيدة لم يبلغ من الثقة بحيث يُقبَلُ انفرادُه، فإن الحافظ ابن حجر لم يقل فيه بالتقريب إلا أنه مقبول والحافظ إذا قال فلان مقبول معناه إذا تفرد في الحديث لا يقبل لا يكتفى به وقال في أبي عبيدة مقبول، فتكون روايته عند انفراده لينة فيها ضعف ولا ترتفع إلى مرتبة القوة وقد رويت قصة إسلام عدي بن حاتم بسند أقوى من رواية أبي عبيدة السابقة بسياق آخر مختلف تماما أخرجها الترمذي وحسن سندها فكيف يحتج بعد ذلك بمثل رواية أبي عبيدة المتقدمة في مسألة من مسائل العقيدة وأصل من أصولها وكيف يعتمد عليها لتجويز سؤال الكافر عن دينه استنطاقا للكلام الكفري وجرًّا له إليه على خلاف القواعد المقررة في دين الله تعالى. فقد نص الحنفية وغيرهم أنه لا يجوز استنطاق الكافر بالكفر فنحن لا نرضى بالكفر أن يصدر ولو من كافر، فإن ذلك من باب الرضا بالكفر وقد قال الرازي: وأجمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر، والعياذ بالله تعالى. 

رَوَى قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ جَاءَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: أَعْرِفُكَ، أَقَمْتَ (أي ثبت على الإسلام ولم ترتد، فقد قدم على أبي بكر الصديق في وقت الردة بصدقة قومه) إِذْ كَفَرُوا، وَوَفَّيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حُدِّثْتُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: مَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى أَشْتَاقَ إِلَيْهَا. وَعَنْهُ: مَا أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَاّ وَأَنَا عَلَى وُضُوْءٍ، وكان يفتّ للنمل الخبز ويقول: إنهن جارات. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ عَلَى طَيِّئ يَوْمَ صِفِّيْنَ مَعَ عَلِيٍّ، فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ صِفِّيْنَ، وَقِيْلَ: قُتِلَ وَلَدُهُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: رَأَيْتُ عَدِيّاً رَجُلاً جَسِيْماً، أَعْوَرَ. وخَرَجَ عَدِيٌّ، وَجَرِيْرٌ البَجَلِيُّ، وَحَنْظَلَةُ الكَاتِبُ مِنَ الكُوْفَةِ، فَنَزَلُوا قَرْقِيْسِيَاءَ، وَقَالُوا: لَا نُقِيْمُ بِبَلَدٍ يُشْتَمُ فِيْهِ عُثْمَانُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: قَالُوا: عَاشَ عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ مائَةً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً قَالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: مَاتَ عَدِيٌّ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ، وَلَهُ مائَةٌ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ. وقيل غير ذلك.

الشرح

 قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرَّابعُ (أي الرابع من باب التقوى وهو الحديث الثاني والسبعون من رياض الصالحين): عَنْ أبي طَريفٍ عدِيِّ بْنِ حاتمٍ الطائِيِّ رضي اللَّه عنه قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: “مَنْ حَلَفَ (تأتي كلمة حَالَفَ على معنى آخَى بَيْنَهُمْ وَعَاهَدَ، وأَصْلُ الحِلْف: المُعاقَدةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعاضُد والتَّساعُد وَالِاتِّفَاقِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الفِتَن وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ والغاراتِ فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْي عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ» وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نَصْر المَظْلوم وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ كَحِلْفِ المُطَيَّبين وَمَا جرى مَجْراه، فذلك الذي قَالَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْه الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً» يُرِيدُ مِنَ المُعاقدة عَلَى الْخَيْرِ ونصرة الحق، وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ، وَهَذَا هُوَ الحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيه الْإِسْلَامُ، والمَمْنُوع مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْم الْإِسْلَامِ.

 أما الحَلْفُ: هُوَ الْيَمِينُ. حَلَفَ يَحْلِفُ حَلْفًا، وَأَصْلُهَا العَقْد بالعَزْم والنِّية، فَخَالَفَ بَيْنَ اللَّفظين تَأْكِيدًا لعَقْده. وَإِعْلَامًا أَنَّ لَغْو الْيَمِينِ لَا يَنْعَقِدُ تَحْتَهُ) عَلَى يمِين (قال الفيروزأبادي: واليَمينُ: القَسَمُ لأَنَّهم كانوا يَتماسَحُون بأَيْمانهم فيتحالُفون وفى الحديث: “مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فرأَى غَيْرَها خَيْراً منها فَلْيٌكَفِّر عَنْ يَمِينه ثمَّ ليَفْعَل الَّذى هو خَيْرٌ”، والجمعُ: أَيْمُنٌ وأَيْمانٌ، قال/ الله تعالى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ}. وأَيْمُنُ الله بضَمّ المِيمِ وفَتْحها، والهمزة تُفْتَح وتكسر، وأَيْمُ الله وأَِيمُ الله بفتح الهمزة وكسرها. وإِذا كُسِرَت فالأَلفُ أَلِفُ قَطْع. وهمزة أَيْمُنُ همزة وَصْل عند سيبويه. وقال الفراءُ: جمع يَمينٍ وهمزته همزةُ قطع، ويحذفونها لكثرة الاستعمال. والمُيَمَّنُ كمُعَظَّم: الذي يأْتي باليُمْن والبَرَكة. وقوله تعالى: {لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} أَي منعناه ودَفَعْناه، فعبَّر عن ذلك بالأَخْذ باليَمِين، كقولك: أَخَذ بيمِينِ فُلان. وقوله تعالى: {وَأَصْحَابُ اليمين مَا أَصْحَابُ اليمين} أَي أَصحابُ السّعادات والمَيامن وذلك على حسب تعارُف الناس في العِبارة عن المَيامن باليَمِين، وعن الأَشائم بالشمال، وعلى ذلك قوله: {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} الآيةِ. واليَمينُ: الجارِحَةُ، وضدُّ اليَسار، واستعماله في وصف الله في قوله تعالى: {والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي بقدرته، وقال بعض المفسّرين: اليَمينُ ورد في القرآن على عشرة أَوجه: الأَوّل – بمعنى القُوَّة، قال تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} أَي بالقوة، قيل: ومنه قوله تعالى: {لأَخَذْنا مِنْهُ باليَمِين}. الثاني – بمعنى القُدْرَة، قال الله تعالى: {والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أَي بقُدْرَته. الثالث – بمعنى القَسَم: قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}، {لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ}، {واحفظوا أَيْمَانَكُمْ الرّابع – بمعنى العَهْد: قال الله تعالى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا} أَي عهود. الخامس – بمعنى الجَارِحة: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى}، {يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. السّادس – للصّلة ولزيادة توكيد: قال تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أَي ما مَلَكَتْ، السّابع – بمعنى الدِّين والمِلَّة. قال تعالى: {تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين} أَي من جهة الدّين. الثَّامن – بمعنى ناحية الشيء {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ}، {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن}. التَّاسع – بمعنى البرهان والحجّة: ومنه الحديث: “الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ الله في أَرْضِه” أَي حجّة الله. العاشر – بمعنى الجنة: {وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين} أَي الجنَّة، {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} . واسْتَيْمَنَه اسْتَحْلَفه) (وعد الفقهاء من معاصي اللسان الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لأِنَّ الْحَلِفَ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِخِلافِ الْوَاقِعِ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَقَوْلِ وَحَيَاةِ اللَّهِ أَوْ وَالْقُرْءَانِ أَوْ وَعِلْمِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ وَعَظَمَةِ اللَّهِ أَوْ وَعِزَّةِ اللَّهِ [الَّذِي يَقُولُ وَعِزَّةِ اللَّهِ يَمِينُهُ ثَبَتَ لأِنَّ عِزَّةَ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ] أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ تَهَاوُنٌ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى. ولايَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَحَيَاةِ الْقُرْءَانِ لأِنَ الْقُرْءَانَ لا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَلا بِالْمَوْتِ. رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»  فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» [هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا لا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ لَكِنْ إِنْ مَاتَ بِلا تَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ].    وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ ءَاثِمَهٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».    وَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ إِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً هَذَا إِذَا لَمْ يُعَظِّمِ الْمَحْلُوفَ بِهِ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ، فَإِنْ عَظَّمَهُ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ].) ثُمَّ رَأَى أتقَى للَّهِ مِنْها (أي: من يمينه التـي التزمها فـي ترك أمر) فَلْيَأْتِ التَّقْوَى (وحاصله أن من حلف علـى ترك فعل شيء أو فعله فرأى غيره خيراً من التمادي علـى الـيمين وأتقـى كأن حلف لـيتركنّ الصلاة أو لـيشربنّ الـمسكر وجب علـيه الـحنث والإتـيان بما هو التقوى من فعل الـمأمور به وترك الـمنهيّ عنه، فإن حلف علـى ترك مندوب أو فعل منهي عنه نهي كراهة ندب له الـحنث، ومثله حديث مسلـم أيضاً «من حلف علـى يمين فرأى غيرها خيراً منها فلـيأت الذي هو خير ولـيكفر عن يمينه» )” (وهنا أذكر تنبيها، إن بعض الناس يأتي بمفاسد الكلام بل إن بعضهم يكفر بالله والعياذ بالله تعالى، أو إن بعضهم يطلق زوجته ويذكر الآية من كتاب الله فيضعها في غير موضعها وهي قوله عز وجل: “لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ” بعضهم يكفر بالله ويقول لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وبعضهم يطلق زوجته ويقول: لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، فهذا المحل ليس محلَّها، وليس الأمر كما يظنون، بل إن من كفر بالله بأن سب الله أو دين الإسلام أو نبيا من الأنبياء أو مَلَكًا من الملائكة الكرام أو استهزأ بالله أو بشعائر الدين فهذا يخرج من الإسلام يجب عليه فورا ترك ما صدر منه والرجوع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين، وكذلك من قال لزوجته أنت طالق ولو كان غاضبا فهذا من باب الطلاق وليس من باب الأيمان، لا يجوز الخلط بين الأمرين، فلا يقول وقتها لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وتبقى هذه المرأة معه ويعاشرها بالحرام، بل ليتق الله عز وجل، ولا يخلط بين أحكام الشريعة، أما معنى الآية: لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، معنى هذه الآية أن من حلف بلا إرادة كقول «لا والله، بلى والله» بدون إرادة لا يُكتب عليه ذلك ولا يكون عليه كفَّارة. وفرقٌ بين «الأيمان» التي هي جَمعُ «يمين» كما فسَّرها القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان»، «وهو القَسَم»، وبين التلفظ بكلام الكفر فالأيمان بفتح الهمزة جمع يمين والإيمان بكسر الهمزة هو المعتقد فلم يقل بإيمانكم بكسر الهمزة بل بفتحها فالذين أباحوا الكفر حرفوا الآية مبناها ومعناها، فالآية مُفَسَّرَةٌ بقول الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ… *} [سورة المائدة] ، فلا مناسبةَ بين هذه الآية وبين مسألة من تلفظ بالكفر وهو لا يقصد الكفر. فإن من فرط الجهل المؤدي إلى الكفر احتجاجَ بعض الجهال بالآية، ظانِّينَ أن معناها أن الإنسان لا يكفرُ إذا لم يقصد بكلام الكفرِ الكفرَ، والعياذ بالله تعالى. قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان» مُبَيِّنًا الإجماع الذي نقله المروزي في هذه المسألة، ما نصه: «فقال ابن عباس: هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، دون قصدٍ لليمين. قال المروزي: لغو اليمين التي (اتفق العلماء) على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها» ثم قال: «وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله – أي بلا إرادة -» اهـ. وقال الفخر الرازي في كتابه «التفسير الكبير» ما نصه: «وعن عائشة أنها قالت «أيمان اللغو ما كان في الهزل والمِراء والخصومة التي لا يُعقَد عليها القلب»، فقولها «لا يُعقَدُ عليها القلب» أي بلا إرادة ولا قصدٍ، ولذلك قال الشافعي «ليس فيه كفارة». ويقول ما نصه: «قال الشافعي رضي الله عنه: إنه قول العرب: لا والله، بلى والله، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحدٍ منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك» اهـ. وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثٌ جِدُّهم جِدٌّ وهزلهن جِدٌّ: الطلاقُ والنِّكاح والرَّجعَةُ» فإذا كان الطلاقُ والنكاحُ والرَّجعة جِدُّهنَّ جِدٌّ وهزلهن جِدٌّ فبالأولى أن يكونَ قول الكفرِ جِدًّا إن كان في حال المزح وإن كان في حال الغضب وإن كان في حال الرضا. فلا يُغتَرَّ بقولِ بعض الجهَّالِ عن الكفر الذي يتفوهون به بلا اعتقاد إنه من لَغوِ اليمينِ ويستدلون بالآية {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} يزعمون أن الأيْمانَ المذكورة في الآية الكلامُ الذي يتكلم به الناس بلا اعتقاد، وما درَوا أن الأيْمانَ هي الحَلِفُ، وأن لَغوَ اليمين هو الحلفُ بالله الذي يجري على اللسان بلا قصدٍ ولا إرادةٍ، فإنه لا كفارة في ذلك الحلفِ الذي يجري فيه قول والله، فهؤلاء جمعوا بين كُفرينِ الكفر الذي خرج من ألسنتهم عمدًا بلا اعتقاد، والكفر الذي هو تعليل كفرهم مستدلينَ بالآية على غير وَجهِها، لأنهم بهذا نَسَبوا تحليلَ الكفرِ إلى الآية، والآية بريئةٌ من قولهم ومِنَ استدلالهم. ومَن تلفَّظ بلفظٍ صريحٍ في الكفرِ مازحًا أو لاعبًا أو غاضبًا وهو يفهم ما يقوله، يُكَفَّرُ ظاهرًا وباطنًا ولا يُسأل عن نيته وقصده ولا يُشترط انشراحَ صدره ولا أن يكون ناويًا الخروج من الإسلام كما لا يُشترط أن يكون عالمًا بحكم هذه الكلمة) رواه مسلم. 

نسأل الله العظيم أن يفقهنا في ديننا إنه على كل شيء قدير، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المتقين والحمد لله رب العالمين.