الحديث السابع والسبعون

الْحَمْدُ للَّهِ جَعَلَ الْعِلْمَ لِلْعُلَمَاءِ نَسَبًا، وَأَغْنَاهُمْ بِهِ وَإِنْ عَدِمُوا فضةً وذهبًا، وَلأَجْلِهِ سَجَدَتِ الْمَلائِكَةُ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى، وَبِالْعِلْمِ اتَّكَأَ إِدْرِيسُ فِي الْجَنَّةِ وَاحْتَبَى، وَلِطَلَبِهِ قَامَ الْكَلِيمُ وَيُوشَعُ وَانْتَصَبَا، فَسَارَا إِلَى أَنْ لَقِيَا مِنْ سَفَرِهِمَا نَصَبًا. أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَدُومُ مَا هَبَّتْ جَنُوبٌ وَصَبَا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ أَشْرَفِ الْخَلائِقِ عَجَمًا وَعَرَبًا، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ الْمَالَ وَمَا قَلَّلَ حَتَّى تَخَلَّلَ بَالْعَبَا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي مِنْ هَيْبَتِهِ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَهَرَبَا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي لمـَّا جَاءَتْهُ الشَّهَادَةُ قَالَ مَرْحَبًا، وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي مَا فُلَّ سَيْفُ شَجَاعَتِهِ قَطُّ وَلا نَبَا. وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: 

الحديث

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرَّابعُ: عَن أبي هُرَيْرةَ رضي اللَّه عنه عن النَّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ” رواه مسلم. قيل معْنَاهُ مُتوَكِّلُون، وقِيلَ قُلُوبُهُمْ رقِيقةٌ.

الشرح

الرَّابِعُ (وهو الحديث الرابع من كتاب اليقين والتوكل والحديث السابع والسبعون من كتاب رياض الصالحين): عَن أبي هُرَيْرةَ رضي اللَّه عنه عن النَّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ” (قال الفيروزأبادي: ترد أصل كلمة الجنة وما يتعلق بها في القرآن الكريم على وجوه: بمعنى التوحيد {والله يدعو إِلَى الجنة والمغفرة} قال المفسّرون: أَي إِلى الإِيمان. بمعنى بستان كان باليمن {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجنة}. بمعنى البساتين المحفوفة بالأَشجار والمياه الجاريات {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}. بمعنى رياض الرَّوح والرّضوان. وبساتين الأَحباب والإِخوان {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض} وهي أَربع جنان. ثنتان للخواصِّ {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وثنتان لعامّة المؤمنين {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} وإِحدى هذه الأَربع جنَّة النَّعيم {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم} {أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} والأُخرى جنَّة الْمَأْوَى {عِندَهَا جَنَّةُ المأوى}. جنَّة عَدْن {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}. جنَّة الفِرْدَوْسِ {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلًا} ومن جملة الجنان دار السلام، ودار الخلد، وعِلِّيُّون تكملة السبع. الجِنَّة – بكسر الجيم – بمعنى الجنّ {مِنَ الجنة والناس} {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس}. الجِنَّة بمعنى الجنون {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ}. الجَنَّ بمعنى السَّتر عن الحاسّة. يقال: جَنَّه اللَّيل وأَجَنَّه، وجَنّ عليه فَجُنَّ: ستره وأَجَنَّه: جعل له ما يَجنه وجَنَّ عليه كذا، ستره. والجَنَانُ: القلبُ لكونه مستورًا عن الحاسّة، والمِجنّ والجُنَّة: التُّرْسُ الَّذى يَجُنّ صاحبه. الجنين بمعنى الطَّفل في بطن أُمّه {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ} والجَنِين أَيضًا: القبر. الجُنَّة التُرْس العريض الوسيع الَّذى يختفى الرّاجل وراءَه {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ) (والجنةُ فهيَ دارُ السلامةِ مِنَ الأوجاعِ والآلامِ ودارُ السلامةِ مِنَ المشقةِ والنكدِ والهمِّ والغمِّ وَقَدْ أَعَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَجَعَلَها لَهُم دَارَ القَرَارِ الأَبَدِيِّ بَعْدَ الحَيَاةِ الفَانِيَةِ، وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا بِمَسَافَةٍ بَعِيْدَةٍ وَلَها أَرْضُهَا الْمُسْتَقِلَّةُ وَسَقْفُهَا العَرْشُ العَظِيْمُ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي الحَدِيْثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ: “إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوْهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْـمـَنِ” وقوله صلى الله عليه وسلم “عرش الرحمن” ليس معناه أن الله يجلس عليه، لا بل الله عز وجل لا يحتاج إلى العرش ولا غيره من المخلوقات، وليس معنى قوله تعالى في سورة طه: “الرحمن على العرش استوى” أن الله جالس عليه، لا بل معناه أن الله حافظ للعرش وما دون العرش، وهذا من معاني الاستواء اللائقة بالله عز وجل. ومِنْ صفةِ أهلِهَا كمَا أخبرَ بذلكَ النبيُّ ﷺ مَا رواهُ ابنُ حبانَ عنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ». قالَ اللهُ تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))، ويقولُ تعالى: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أمَّا صفةُ أهلِهَا: فهُمْ عَلَى صُوْرَةِ أَبِيْهِم ءَادَمَ سِتُّوْنَ ذِرَاعًا طُوْلًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ فِي عُمُرِ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِيْنَ عَامًا، لَا تَنْبُتُ لَهُم لِحْيَةٌ وَلَيْسَ عَلَى أَذْرِعَتِهِم وَلَا عَلَى بُطُونِهِم وَلَا عَلَى سِيْقَانِهِم شَعَرٌ إِلَّا شَعَرَ الرَّأْسِ وَالحَاجِبِ وَالأَهْدَابُ. فَهُم حِسَانُ الوُجُوْهِ، وَأَقَلُّهُم جَمَالًا كَجَمَالِ يُوْسُفَ الصِّدِّيْقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُعْطِيْهِ اللهُ شَبَهًا بِيُوْسُفَ فِي الجَمَالِ. وَيَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم عَلَامَةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ هَذَا هُوَ فُلَانٌ حَتَّى إِنْ زَارَهُ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا يَعْرِفُهُ تِلْكَ السَّاعَةَ، وإنَّ أهلَ الجنَّةِ يتزاورونَ وتزاورُهُمْ يحصلُ إمَّا بأنْ يطيرَ بالشخصِ سريرُهُ حتى ينزلَ بهِ أمامَ سريرِ الذي يريدُ زيارَتَهُ فيجلسانِ متقابِلَيْنِ لأنَّهُ مِنْ سهولةِ السيرِ هناكَ السريرُ الذي عليهِ الشخصُ بمجردِ اشتياقِهِ لصاحِبِهِ الذي يريدُ رؤيَتَهُ يطيرُ بِهِ بقدرةِ اللهِ تعالى حتى ينزلَ بهِ أمامَ سريرِ ذلكَ الشخصِ فيتجالسانِ ويتحدثانِ، ثمَّ يطيرُ بهِ إذا أرادَ الرجوعَ إلى منزلِهِ وهذا هوَ معنى الآيةِ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾، قالَ ابنُ عباسٍ: ألواحُهَا مِنْ ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بالزبرجدِ والدرِّ والياقوتِ مرتفعةٌ ما لمْ يجئْ أهلُهَا، فإذا أرادَ أنْ يجلسَ عليها أصحابُهَا تواضعتْ لهمْ حتى يجلسُوا عليها، ثمَّ ترتفعُ إلى موضِعِهَا، وأحيانًا يركبونَ خيولًا مِنْ ياقوتٍ لها أجنحةٌ مِنْ ذهبٍ تطيرُ بهمْ. وقدْ روى مسلمٌ عنِ النبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا)) ومعناهُ لَا يدخلُ الجنةَ إلَّا مؤمنٌ وفي الترمذيِّ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ((وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ))، والرحمة بعد الموت ومغفرة الذنوب تجوز للمؤمن فقط وليس للكافر لكن بعض المؤمنين ثبت أنهم يعذَّبوا في نار جهنم ثم يخرجون منها، يُفهم مما ذكرت أنه لا يجوز الترحم على كافر بعد الموت فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة والكافر لا تناله رحمة الله بعد الموت مهما عمل من صور الأعمال الصالحة ومهما أكثر من صور الحسنات، قال تعالى: ((وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا))، وقال تعالى: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، فالرحمة بعد الموت خاصة بالمؤمنين ليس بغيرهم ممن ينسب إلى الله الولد أو الشبيه أو المكان أو الجسم. فَيُعْلَمُ مِنْ هذا أَنَّ الذي ماتَ كافرًا أصليًا أوْ مرتَدًا بأنِ ارتَدَّ عنِ الإسلامِ لَا يدخلُ الجنةَ والعياذُ باللهِ تعالى: والكافرُ الذي لا يدخلُ الجنةَ هوَ الذي وقعَ في أيِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ الكفرِ والعياذُ باللهِ تعالى: وقدْ ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الكفرَ يُقسَمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ فَمِنْهُ مَا هوَ قوليٌ كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ والعياذُ باللهِ أو يَسُبُّ دينَ الإسلامِ أو نبيًّا مِنَ الأنبياءِ أو مَلَكًا مِنَ الملائكةِ الكرامِ أو يستهزئُ بشرعِ اللهِ وبشريعتِهِ وبمعالمِ دينِهِ أو يستخفُّ بعذابِ جهنمَ فإنَّهُ أشدُّ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى، والقسمُ الثاني مِنْ أقسامِ الكفرِ هوَ الفعليُّ كالذي يُلْقِيْ المصحفَ في القاذوراتِ أو يسجدُ للشمسِ والقمرِ والقسمُ الثالثُ هوَ الكفرُ الاعتقاديُّ كالذي يعتقدُ خلافَ عقيدةِ المسلمينَ كالذي يعتقدُ أنَّ للهِ ولدًا أو زوجةً أو شريكًا أو يعتقدُ عقيدةَ اليهودِ أنَّ اللهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثمَّ تعبَ في اليومِ السابعِ واستراحَ جالسًا على العرشِ فنزلَ فيهمْ قولُهُ تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ)) فاللهُ تعالى لا يوصفُ بالتعبِ ولا بالجلوسِ ولا بالجسميةِ ولا بالحدِّ ولا بالمكانِ ولا بالزمانِ فهوَ خالقُ المكانِ والزمانِ كانَ موجودًا قبلَهُمَا بدونِهِمَا وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ، مهمَا تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وقعَ في أيِّ قسمٍ مِنَ الكفرِ فيجبُ عليهِ فورًا الرجوعُ للإسلامِ بالنطقِ بالشهادتينِ وتركِ ما صدرَ منهُ. نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُجَنِّبَنَا الكفرَ وما يُقَرِّبُ إليهِ مِنْ قولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ. وقدْ روى مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُنَادِيْ مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوْتُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوْا فَلَا تَسْقَمُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوْا فَلَا تَهْرَمُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوْا فَلَا تَبْأَسُوْا أَبَدًا))، وَءاخرُ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ مِنَ المؤمنينَ لهُ مثلُ الدنيا وعشرةِ أمثالِها. وقدْ وردَ ذلكَ في حديثٍ صحيحٍ رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ. والواحدُ مِنْ أهلِ الجنَّةِ أقلُّ ما يكونُ عندَهُ مِنَ الولدانِ المخلدينَ عشرةُ ءالافٍ، بإحدَى يديْ كلٍّ منهم صحيفةٌ مِنْ ذهبٍ وبالأخرى صحيفةٌ مِنْ فضةٍ قالَ تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهوَ إناءٌ مستديرٌ لا عروةَ لهُ أيْ لا أذنَ لهُ. وقالَ تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾، أيْ يطوفُ للخدمةِ غلمانٌ كأنَّهم مِنَ الحُسْنِ والبياضِ لؤلؤٌ مكنونٌ أيْ لم تَمَسَّهُ الأيديْ. وجاءَ في وصفِهَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَصْفِهَا: ((هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُوْرٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مُقَامٍ أَبَدِيٍّ فِي حُبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ)) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. في بدايةِ هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ ﷺ لأصحابِهِ: ((هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطرَ لَهَا))، أيْ لا مثلَ لها، وقولُه ﷺ: ((هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ)) أيْ أقسمُ بربِّ الكعبةِ بأنَّها نورٌ يتلألأُ أيْ فلا تحتاجُ إلى شمسٍ ولا قمرٍ، لا ظلامَ فيها هناكَ كمَا في الدنيا، لكنْ مقدارُ الليلِ والنهارِ يُعرفُ بعلامةٍ جعلَهَا اللهُ فيها. وَوَصَفَهَا ﷺ بأنَّها: ((رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ))، أيْ ذاتُ خضرةٍ كثيرةٍ يانعةٍ، وليسَ هناكَ مواسمُ للثِّمارِ بلْ في أيِّ وقتٍ مَا تشتهيهِ تجدُهُ فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَاْ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقدْ جاءَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ وَلَا يَقْطَعُهَا. وفي الحديثِ أيضًا وصفُ الجنةِ بأنَّها: ((قَصْرٌ مَشِيْدٌ)) أيْ فيها قصورٌ عاليةٌ مرتفعةٌ في الهواءِ، فقُصُوْرُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَمِنْ فِضَّةٍ وَمِنْ لُؤْلُؤٍ، وَبِنَاؤُهَا لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، مِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ. وقولُهُ ﷺ: ((نَهْرٌ مُطَّرِدٌ)) أيْ أنهارٌ جاريةٌ لا تكلِّفُ تعبًا بالتناولِ منها، لأنَّها ليستْ في وِهَادٍ عميقةٍ بلْ هيَ جاريةٌ على وجهِهَا علَى وجهِ أرضِ الجنةِ، فنَهَرٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَلَمْ يُحْلَبْ، وَنَهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ، وَنَهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ، يَصِلُ إِلَى بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَرْعٌ مِنْ هَذِهِ الأَنْهَارِ، قالَ تعالى: ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّنْ مَّاءٍ غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ)). وقولُهُ ﷺ: ((وَفَاكِهَةٌ نَضِيْجَةٌ)) أيْ أنَّ فيها مِنَ الفواكهِ كلَّ مَا تشتهيهِ النفسُ، وكلَّ ما فيها مِنَ الفواكهِ نضيجٌ، وقدْ وردَ أنَّ المؤمنَ يَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَيَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَشْوِيًّا. وَفِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيْرَةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الجَنَّةِ قِيَامًا وَقُعُودًا وَمُضَّطَجِعِينَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءُوا، حَجْمُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ، كُلَّمَا نُزِعَتْ مِنْ شَجَرِهَا ثَمَرَةٌ أُعِيْدُ مَكَانَهَا أُخْرَى فَيَأْكُلُوْنَ وَيَعْرَقُونَ وَيَرْشَحُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُوْنَ وَلَا يَبُوْلُوْنَ. وأمَّا قولُه ﷺ: ((وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيْلَةٌ)) فتفسيرُهُ ما وردَ في الحديثِ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ: ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ)) وهذا الحديثُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ، والحورُ العينُ نساءُ أهلِ الجنةِ مِنْ غيرِ الإنسِ خُلِقْنَ خلقًا مِنْ غيرِ توالدٍ إكرامًا للمؤمنينَ، والحورُ جمعُ حوْراءَ والعِينُ جمعُ عَيناءَ، والحورُ مِنَ الحورِ وهوَ شدَّةُ بياضِ العينِ وشدَّةُ سوادِهَا، وأما العِينُ فمعناهُ واسعاتُ العيونِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى في وَصْفِهِنَّ: ((كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوْتُ وَالْمُرْجَان)) وَهُنَّ خَيراتٌ حِسانٌ أزواجُ قومٍ كرامٍ. والواحدةُ منهنَّ مِنْ شدةِ صفاءِ عظمِهَا يُرى مخُّ ساقِهَا مِنْ خلالِ الجلدِ وذلكَ مِنْ شدةِ جمالِها. وقولُهُ ﷺ في الحديثِ المذكورِ: ((فِيْ مَقَامٍ أَبَدِيٍّ)) أيْ في حياةٍ دائمةٍ لا نهايةَ لَها. وقوله ﷺ: ((فِيْ حُبْرَةٍ))، أيْ سرورٍ دائمٍ، معناهُ أنَّهم في بحبوحَةِ عيشٍ أيْ أنَّ عيشَهُم واسعٌ لا يصيبُهُم فيها ضيقٌ وكذلكَ لا ينامونَ لأنَّهم لا يشعرونَ بتعبٍ جسمانيٍّ، ملأَ اللهُ نفوسَهُم سرورًا فلا يجدُ النومُ مجالًا إليهم. وأمَّا قولُهُ ﷺ: ((نَضْرَةٍ)) فمعناهُ أنَّ وجوهَ أهلِها ناضرةٌ أيْ جميلةٌ لأنَّهم ليسَ عليهم فيها كآبةٌ. وفي نهايةِ هذا الحديثِ قالَ الصحابةُ لرسولِ اللهِ ﷺ: “نَحْنُ الْمُشَمِّرُوْنَ يَاْ رَسُوْلَ اللهِ”، فَقَالَ: “قُوْلُوْا إِنْ شَاْءَ اللهُ“، لِيُعَلِّمَهُمُ التفويضَ إلى اللهِ في أمورِهِمْ كلِّها، وَأنَّ الإنسانَ لا ينبغي أنْ يَرْكَنَ إلى نفسِهِ بلِ اعتمادُهُ على رَبِّهِ، فَمَنْ أرادَ ذلكَ النعيمَ المقيمَ فَلْيَتَّقِ اللهَ بتأديتِهِ الواجباتِ واجتنابِ المحرماتِ. فهنيئًا لِمَنْ عملَ لآخرتِهِ فإنَّ نعيمَ الدنيا بالنسبةِ لنعيمِ الآخرةِ كَلاَ شىءٍ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “مَاْ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّاْ مِثْلُ مَاْ يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ” رواهُ مسلمٌ، ومعناهُ هذا البللُ الذي يعلقُ بالإصبعِ ماذا يكونُ بالنّسبةِ لِعِظَمِ البحرِ؟ كَلَا شىءٍ. وقدْ جاءَ في الحديثِ: “مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكِمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا” رواهُ البخاريُّ. والسوطُ هوَ الآلةُ التي تُسْتَعْمَلُ للضربِ وَتكونُ غالبًا مِنَ الجلدِ، أيْ أنَّ المساحةَ التي يأخذُهَا السوطُ إذا وُضِعَ على الأرضِ مِنَ الجنةِ خيرٌ مِنَ الدنيا ومَا فيها. وَجَعَلَ اللهُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ فِيْهَا أَنْوَاعًا كَثِيْرَةً مِنَ النَّعِيْمِ الْمُقِيْمِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ وَلَا يَنْقَطِعُ، مِنْ غيرِ الذي ذكرتُ: فأمَّا أبوابُهَا ومصاريعُهَا: فَأَبْوَابُهَا ثَمَانِيَةٌ، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، وَلِأَهْلِ الصِّيَامِ بَابٌ يُدْعَوْنَ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، وَشَهِيْدُ الْمَعْركَةِ يُخَيَّرُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ. وَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ أَبْوَابِهَا مَسِيرَةُ سَبْعِ سِنِينَ. وأمَّا رِيْحُها: فيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كمَا ثبتَ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ. وأمَّا أفضلُ النعيمِ في الجنَّةِ: فهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِيْنَ يَرَوْنَ اللهَ وَهُم فِي الجَنَّةِ وَلَا يَحُدُّوْنَهُ بِحَدٍّ وَلَا يُمَثِّلُوْنَهُ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا وَلَا حَالًّا فِي شَىْءٍ وَلَا مُشْبِهًا لشَىْءٍ، فَيَرَوْنَهُ لَا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوْقُ. يرونَهُ بلَا كيفيةٍ ولَا تشبيهٍ ولَا جهةٍ كمَا قالَ الإمامُ أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ في الفقهِ الأكبرِ: ((وَاللهُ تَعَالَى يُرَىْ فِي الآخِرَةِ وَيَرَاهُ المؤْمِنُوْنَ وَهُمْ فِي الجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُؤُوْسِهِمْ بِلَاْ تَشْبِيْهٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا كَمِّيَّةٍ وَلَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ)). وَمَا هَذَا إِلَّا قَلِيْلٌ مِنْ قَلِيْلٍ مِمَّا ذُكِرَ عَنِ الجَنَّةِ وَنَعِيْمِهَا. رَزَقَنَا اللهُ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَسْأَلُهُ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، ءَامِيْنَ. إخواني: إِنَّ سبيلَ النجاةِ يومَ القيامةِ هوَ تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ بأداءِ مَا أمرَ بهِ واجتنابِ مَا نهى عنهُ، لأنَّ مَنْ كانَ يحبُّ الجنةَ ويريدُهَا عليهِ أنْ يعملَ لِمَا يُقَرِّبُهُ للحصولِ عليهَا، ومَنْ خافَ النَّارَ وأرادَ البعدَ عنهَا عليهِ أنْ يعملَ لِمَا يُقَرِّبُهُ للحصولِ عليهَا، ومَنْ خافَ النَّارَ وأرادَ البعدَ عنهَا عليهِ أنْ يعملَ لِمَا يُجَنِّبُهُ دخولَهَا وذلكَ يكونُ بالتقوى، قالَ اللهُ تعالَى: ((وَتَزَوَّدُوْا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّاْدِ التَّقْوَىْ)). يُروى عنْ أحدِ الفقهاءِ وهوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ فِى مَجْلِسِنَا هَذَا نَتَهَيَّأُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ وَقَدْ أَمَرْتُ أَصْحَابِى أَنْ يَتَهَيَّئُوا لِقِرَاءَةِ ءَايَتَيْنِ فَقَرَأَ رَجُلٌ فِى مَجْلِسِنَا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فَقَامَ غُلامٌ فِى مِقْدَارِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَوَرَّثَهُ مَالًا كَثِيرًا فَقَالَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ بنَ زَيْدٍ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا حَبِيبِى فَقَالَ إِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ بِعْتُ نَفْسِى وَمَالِى بِأَنَّ لِىَ الْجَنَّةَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ حَدَّ السَّيْفِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ صَبِىٌّ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ لا تَصْبِرَ وَتَعْجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ أُبَايِعُ اللَّهَ تَعَالَى بِالْجَنَّةِ ثُمَّ أَعْجَزُ أَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى أَنِّى قَدْ بَايَعْتُهُ. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا وَقُلْنَا صَبِىٌّ يَعْقِلُ وَنَحْنُ لا نَعْقِلُ فَخَرَجَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ وَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ وَنَفَقَتَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَيْنَا فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ فَقُلْتُ وَعَلَيْكَ السَّلامُ رَبِحَ الْبَيْعُ ثُمَّ سِرْنَا وَهُوَ مَعَنَا يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَخْدِمُنَا وَيَخْدِمُ دَوَابَّنَا وَيَحْرُسُنَا إِذَا نِمْنَا حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يُنَادِى وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقَالَ أَصْحَابِى لَعَلَّهُ وُسْوِسَ لِهَذَا الصَّبِىِّ وَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فَقُلْتُ حَبِيبِى وَمَا هَذِهِ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقَالَ إِنِّى غَفَوْتُ غَفْوَةً فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ أَتَانِى ءَاتٍ فَقَالَ لِىَ اذْهَبْ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَهَجَمَ بِى عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا نَهْرٌ مِنْ مَاءٍ وَإِذَا عَلَى قُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَيْنَنِى اسْتَبْشَرْنَ بِى وَقُلْنَ هَذَا زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقُلْنَ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ أَمَامِى فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فِى رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ فِيهَا جَوَارٍ لَمَّا رَأَيْتُهُنَّ افْتُتِنْتُ بِحُسْنِ جَمَالِهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَنِى اسْتَبْشَرْنَ بِى وَقُلْنَ هَذَا وَاللَّهِ زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقُلْنَ وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا وَلِىَّ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ خَمْرٍ غَيْرِ خَمْرِ الدُّنْيَا لا يُسْكِرُ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَبِقُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ قُلْنَ لا نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ ءَاخَرَ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَجَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا أَنْسَانِى مَا خَلَّفْتُ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ قُلْنَ يَا وَلِىَ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَامْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَوَصَلْتُ إِلَى خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَعَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَتْنِى اسْتَبْشَرَتْ وَنَادَتْ مَنْ فِى الْخَيْمَةِ أَيَّتُهَا الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ هَذَا بَعْلُكِ قَدْ قَدِمَ. قَالَ فَدَنَوْتُ مِنَ الْخَيْمَةِ وَدَخَلْتُ فَإِذَا هِىَ قَاعِدَةٌ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَلَمَّا رَأَيْتُهَا افْتُتِنْتُ بِهَا وَهِىَ تَقُولُ مَرْحَبًا بِكَ يَا وَلِىَ الرَّحْمٰنِ قَدْ دَنَا لَكَ الْقُدُومُ عَلَيْنَا فَذَهَبْتُ لِأُعَانِقَهَا فَقَالَتْ مَهْلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تُعَانِقَنِى لِأَنَّ فِيكَ رُوحَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فَانْتَبَهْتُ (اسْتَيْقَظْتُ) يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ وَلا صَبْرَ لِى عَنْهَا قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَمَا انْقَطَعَ كَلامُنَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ لَنَا سَرِيَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَهَجَمَ الْغُلامُ عَلَيْهِمْ فَعَدَدْتُ تِسْعَةً مِنَ الْعَدُوِّ قَتَلَهُمْ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِى دَمِهِ وَهُوَ يَضْحَكُ مِلْءَ فِيهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

يَا مَنْ يُعَانِقُ دُنْيَا لا بَقَاءَ لَهَا
يُمْسِى وَيُصْبِحُ مَغْرُورًا وَغَرَّارًا

هَلَّا تَرَكْتَ مِنَ الدُّنْيَا مُعَانَقَةً
حَتَّى تُعَانِقَ فِى الْفِرْدَوْسِ أَبْكَارًا

إِنْ كُنْتَ تَبْغِى جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا
فَيَنْبَغِى لَكَ أَنْ لا تَأْمَنَ النَّارَا 

ونكمل في شرح هذا الحديث الشريف بإذن الله الدرس القادم.

اللهم ارزقنا الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل أو اعتقاد، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن واختم لنا على كامل الإيمان بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم إنَّك على كلِّ شىءٍ قديرٌ وإنك نِعم المولى ونِعمَ النَّصيرِ، سبحانَ ربِّكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفونَ وسلامٌ على المرسلينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي إِذَا لَطَفَ أَعَانَ، أَكَرْمَ مَنْ شَاءَ كَمَا شَاءَ وَأَهَانَ، أَخْرَجَ الْخَلِيلَ مِنْ آزَرَ وَمِنْ نُوحٍ كَنْعَانَ، يُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُغْنِي وَيُشْقِي كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، أَحْمَدُهُ فِي السِّرِّ وَالإِعْلانِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي انْشَقَّ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ الإِيوَانُ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَعَلَى الْفَارُوقِ الْمَوْصُوفِ بِالْعَدْلِ وَكَذَلِكَ كَانَ، وَعَلَى التَّقِيِّ الْحَيِيِّ عُثْمَانَ، وَعَلَى عَلِيٍّ سَيِّدِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّجْعَانِ. وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرَّابعُ: عَن أبي هُرَيْرةَ رضي اللَّه عنه عن النَّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ” رواه مسلم. قيل معْنَاهُ مُتوَكِّلُون، وقِيلَ قُلُوبُهُمْ رقِيقةٌ.

كنا قد بدأنا بشرح هذا الحديث الشريف الدرس الماضي ونكمل في حديثنا عنه إن شاء الله تعالى: 

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ” يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ (قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قِيلَ مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَضْعَفُ أَفْئِدَةً وَقِيلَ فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماء وَكَأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ فِي شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ مُتَوَكِّلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) (وقال المناوي: قوله صلى الله عليه وسلم: (‌مثل ‌أفئدة ‌الطير) أي في رقتها ولينها كما في خبر أهل اليمن أرق أفئدة أي أنها لا تحمل أشغال الدنيا فلا يسعها الشيء وضده كالدنيا والآخرة أو في التوكل كقلوب الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وفي الهيبة والرهبة لأن الطير أفزع شيء وأشد الحيوان خوفا لا يُطيق حبسا وهكذا أفئدة هؤلاء مما حل بها من هيبة الحق وخوف جلال الله وسلطانه وسمي علي بن الفضيل قتيل القرآن وعليه فمعنى يدخل الجنة إلخ أي الذين هم لله خائفون وله مجلون ولهيبته خاضعون ومن عذابه مشفقون) (قال الدميري في حياة الحيوان: الطائر: واحد الطيور والأنثى طائرة، وهي قليلة، وجمع الطير أطيار وطيور. والطيران حركة ذي الجناحين في الهواء بجناحيه قال الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ. أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، والحشر والاقتصاص من بعضها لبعض. وقوله بجناحيه تأكيد وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال طائر للنحس والسعد. وقيل: الغرض من ذكر ذلك، الدلالة على عظيم قدرة الله ولطف علمه، وسَعة سلطانه وتدبيره، تلك الخلائقَ المتفاوتة والأجناسَ المتكاثرةِ الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، ومهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن. 

روى أحمد، بإسناد صحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة». قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطيرٌ ناعمةٌ قال صلى الله عليه وسلم «أكلتُها أنعمُ منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها».

 وروى البزار عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا». وطائر الإنسان عمله، الذي قُلِدَه، وقيل: رزقه، والطائر الحظ من الخير والشر، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِه. قيل: حظه، وقال المفسرون: ما عمل من خير أو شر ألزمناه عنقه، فلكل امرىء حظ من الخير والشر، قد قضاه الله تعالى، فهو ملازمٌ عنقَه. وإنما قيل: للحظ من الخير والشر طائر، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل)” 

(قال النووي بعد ذكر هذا الحديث) قيل معْنَاهُ مُتوَكِّلُون، وقِيلَ قُلُوبُهُمْ رقِيقةٌ (والتوكل مأمور به في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو حال عباد الله الصالحين ودأبُهم، قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وقال تعالى: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود من دعاني أجبته، ومن استغاثني أغثته، ومن استنصرني نصرته، ومن توكل عليّ كفيته، فأنا كافي المتوكلين وناصر المستنصرين، ومجيب الداعين.اهـ 

وحكي أنه كان في زمن هارون الرشيد قد حصل للناس غلاء سعر، وضيق حال حتى اشتد الكرب على الناس اشتدادا عظيما، فأمر الخليفة هارون الرشيد الناس بكثرة الدعاء والبكاء، وأمر بكسر آلات الطرب، ففي بعض الأيام رؤي عبد يصفق ويرقص ويغني، فحمل إلى الخليفة هارون الرشيد، فسأله عن فعله ذلك من دون الناس، فقال: إن سيدي عنده خزانةُ بُر، وأنا متوكل عليه أن يطعمني منها، فلهذا أنا إذًا لا أبالي فأنا أرقص وأفرح، فعند ذلك قال الخليفة: إذا كان هذا قد توكل على مخلوق مثله، فالتوكل على الله أولى، فسلّم للناس أحوالهم، وأمرهم بالتوكل على الله تعالى.اهـ 

وحكي أن حاتما الأصمَّ كان رجلا كثيرَ العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمُه التوكلَ فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده، فجلس معهم يحدثهم، ثم قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئا ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مُنَاوِلٌ للرزق، وليس برزَّاق، فذكّرتهم ذلك، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت، فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافرا، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكتّ ما تكلمنا، فرفعت الصغيرة عينها إلى السماء إلى قبلة الدعاء وليس لأن الله يسكنها، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عوَّدْتَ القوم بفضلك وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم، فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة للصيد، فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم، فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم، فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم إنها أخذت كوزا جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يُعرف بحاتم الأصم فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا، فقال الأمير: ونحن أيضا قد اثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم، ثم حل الأمير مِنطقته من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني، فَلْيُلْقِ منطقتَه، فحل جميع أصحابه مَناطقهم ورموا بها إليهم، ثم انصرفوا، فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدا، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟ إنما ينبغي أن تفرحي، فإن الله قد وسّع علينا، فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا (أي احفظه)، ودبره بأحسن التدبير، هذا ما كان من أمرهم.

 وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم، فإنه لما خرج محرما ولحق بالقوم توجع أمير الركب، فطلبوا له طبيبا، فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح، فدل على حاتم، فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما يشرب، فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقته أولاده، فعانق الصبية الصغيرة وبكى، ثم قال: صغارُ قومٍ كبارُ قوم آخرين. إن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من توكل على الله فهو حسبه.اهـ 

ومن كلام الحكماء من أيقن أن الرزق الذي قسم له لا يفوته تعجل الراحة، ومن علم أن الذي قُضي عليه لم يكن ليخطئه فقد استراح من الجزع، ومن علم أن مولاه خير له من العباد، فقصده كفاه همه وجمع شمله.

ورفع إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم المال والجاه كثير الخيل والجند، يخشى على المملكة منه، وكان الرشيد يومئذ بالكوفة. قال منارة خادم الرشيد فاستدعاني الرشيد وقال: اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائة غلام وائتني بفلان الأموي، وهذا كتابي إلى العامل لا توصله له إلا إذا امتنع عليك، فإذا أجاب فقيّده بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به، واذكر لي حاله ومآله، وقد أجلتك لذهابك ستا، ولمجيئك ستا، ولإقامتك يوما، أفهمت؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله، فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة أو لقضاء حاجة حتى وصلت ليلة السابع باب دمشق، فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي، فإذا هي دار عظيمة هائلة، ونعمة طائلة، وخدم وحشم، وهيبة ظاهرة، وحشمة وافرة، ومصاطب متسعة، وغلمان فيها جلوس، فهجمت على الدار بغير إذن، فبهتوا وسألوا عني، فقيل لهم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين، فظننت أن المطلوب فيهم، فسألت عنه، فقيل لي: هو في الحمام، فأكرموني، وأجلسوني، وأمروا بمن معي ومن صحبني إلى مكان آخر، وأنا أنتقد الدار، وأتأمل الأحوال، حتى أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وحفدة وغلمان، فسلم عليّ وسألني عن أمير المؤمنين، فأخبرته وأنه بعافية، فحمد الله تعالى، ثم أُحْضِرَتْ له أطباق الفاكهة فقال: تقدم يا منارة كل معنا، فتأملت تأملا كثيرا إذ لم يُكَنِّنِي، فقلت: ما آكل، فلم يعاودني ورأيت ما لم أره إلا في دار الخلافة، ثم قدم الطعام، فو الله ما رأيت أحسن ترتيبا، ولا أعطر رائحة، ولا أكثر آنية منه، فقال: تقدم يا منارة، فكل. قلت: ليس لي به حاجة، فلم يعاودني ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي، فحرت لكثرة حفدته، فلما غسل يديه أُحضر له البخور فتبخر، ثم قام فصلى الظهر، فأتم الركوع والسجود، فلما فرغ استقبلني وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فناولته كتاب أمير المؤمنين، فقبله ووضعه على رأسه، ثم فضّه وقرأه، فلما فرغ من قراءته استدعى جميع بنيه وخواص أصحابه وغلمانه وسائر عياله، فضاقت الدار بهم على سَعتها، فطار عقلي، وما شككت أنه يريد القبض عليّ، فحلف عليهم أن لا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره، ثم أوصاهم على الحريم ثم استقبلني وقدم رجليه وقال: هات يا منارة قيودك، فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المَحمِل وركبت معه في المحمل، وسرنا، فلما صرنا في ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول: هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا، وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الثمار كذا وكذا، وهذه المزارع يحصل لي منها كل سنة كذا وكذا، فقلت: يا هذا ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمّه أمرُك حتى أنفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك، وأنت ذاهب إليه ما تدري ما تقدَم عليه، وقد أخرجتك من منزلك ومن بين أهلك ونعمتك وحيدا فريدا، وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه، وكان شغلك بنفسك أولى بك فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أخطأتُ فراستي فيك يا منارة ما ظننت أنك عند الخليفة بهذه المكانة إلا لوفور عقلك، فإذا أنت جاهل عامي لا تصلح لمخاطبة الخلفاء، أما خروجي على ما ذكرت فإني على ثقة من ربي الذي بيده ناصيتي وناصية أمير المؤمنين، فهو أي امير المؤمنين لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى، فإن كان قد قضى علي بأمر فلا حيلة لي بدفعه ولا قدرة لي على منعه، وإن لم يكن قد قدر علي بشيء فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر من على وجه الأرض على أن يضروني لم يستطيعوا ذلك إلا بإذن الله تعالى، وما لي ذنب فأخاف، وإنما هذا واش وشى عند أمير المؤمنين ببهتان، وأمير المؤمنين كامل العقل، فإذا اطّلع على براءتي فهو لا يستحل مَضرتي، وعلي عهد الله لا كلمتك بعدها إلا جوابا ثم أعرض عني وأقبل على التلاوة وما زال كذلك حتى وافينا الكوفة بُكرة اليوم الثالث عشر، وإذا النجب قد استقبلتنا من عند أمير المؤمنين تكشف عن أخبارنا، فلما دخلت على الرشيد قال: هات يا منارة أخبرني من يوم خروجك عني إلى يوم قدومك عليّ، فابتدأت أحدثه بأموري كلها مفصلة والغضب يظهر في وجهه، فلما انتهيت إلى جمعه لأولاده وغلمانه، وخواصه وضيق الدار بهم، وتفقدي لأصحابي، فلم أجد منهم أحدا أسودّ وجهه، فلما ذكرت يمينه عليهم تلك الأيمان المغلظة تهلّل وجهه، فلما قلت إنه قدم رجليه أسفر وجهه واستبشر، فلما أخبرته بحديثي معه في ضياعه وبساتينه وما قلت له، وما قال لي فقال: هذا رجل محسود على نعمته، ومكذوب عليه، وقد أزعجناه وأرعبناه وشوشنا عليه وعلى أولاده وأهله، أخرج إليه، وانزع قيوده، وفكه وأدخله عليّ مكرما، ففعلت، فلما دخل رحب به أمير المؤمنين وأجلسه، واعتذر إليه، فتكلم بكلام صحيح، فقال له أمير المؤمنين: سل حوائجك، فقال سرعةَ رجوعي إلى بلدي وجمعَ شملي بأهلي وولدي قال: هذا كائن، فسل غيره؟ قال: عدل أمير المؤمنين في عماله ما أحوجني إلى سؤال. قال: فخلع عليه أمير المؤمنين، ثم قال: يا منارة اركب الساعة معه حتى ترده إلى المكان الذي أخذته منه. قم في حفظ الله ورعايته ولا تقطع أخبارك عنا وحوائجك، فانظر حسن توكله على خالقه، فإنه من توكل عليه كفاه ومن دعاه لبّاه، ومن سأله أعطاه ما تمناه.اهـ 

وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا، وسلطاني لا ينفد أبدا، يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا، يا ابن آدم لا تأنس بغيري، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيري فاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودا، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموما، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع، ولم أَعْيَ بخلقهن أيُعيُنني رغيفٌ أسوقه لك من غير تعب، ، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، وقد قال الشاعر:

وما ثَمَّ إلّا الله في كلّ حالة
فلا تتكل يوما على غير لطفه

فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى
وخيرته فيها على رغم أنفه

وقيل أيضا:

توكّل على الرحمن في الأمر كلّه
فما خاب حقا من عليه توكّلا

وكن واثقا بالله واصبر لحكمه
تفز بالذي ترجوه منه تفضّلا 

فقوله صلى الله عليه وسلم: ” يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ” يبين أهمية أن يكون المؤمن سليم القلب، لا يخالط قلبه قساوةً بسبب الذنوب، فإن الذنوب سبب لقساوة القلوب، وممن ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم برقة الفؤاد ومدحهم على ذلك الأشعريون وهم قوم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ ‌أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، »، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشعريين، وقد روى الحاكم في المستدرك عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيَاضًا الْأَشْعَرِيَّ، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ {‌فَسَوْفَ ‌يَأْتِي ‌اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ قَوْمُكَ يَا أَبَا مُوسَى، وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ» قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ “. وفي رواية عند ابن عساكر: وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري.اهـ ثم نقل ابن عساكر عن الإمام البيهقي ما نصه: “وذلك لما وجد من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة”.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار في مدحه للأشعريين أنه يخرج من أصلابهم قوم يدافعون عن الدين ويحمون حياضه ويدافعون عنه، فظهر الإمام أبو الحسن الأشعري ونصر الله به الدين وقمع به البدعة ورد رضي الله عنه على المعتزلة والمشبهة والمجسمة وسائر الفِرَق والطوائف وأثبت عقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل العقلي والنقلي، فأبو الحسن الأشعري رضي الله عنه جاء لتقرير مذهب أهل السنة والجماعة حتى إن العلماء بعده إذا أرادوا الرد على المخالفين يجدون عنده ما يشفي الغليل ويقمع المخالفين، فصار أهل السنة والجماعة بعد على منهجه الذي هو نهج الأئمة الأربعة والصحابة رضي الله عنهم، فصار أهل السنة بعده يطلَق عليهم أشاعرة، كما نقول في المنتسبين للإمام الشافعي في المذهب الفقهي شافعية، قال الزبيدي: إذا أطلق أهل السنة والجماعة يراد بهم الأشاعرة.اهـ والأشاعرة هم جمهور أهل السنة والجماعة منهم أئمة الدين وفقهاؤهم كالإمام البيهقي والغزالي والحافظ النووي وابن حجر والسيوطي والرازي وغيرهم الألوف من العلماء العاملين ومنهم الإمام القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه فاتح القدس الشريف الذي نسأل الله أن يرزقنا فيها صلاة قبل الممات، ومن الأشاعرة السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني والحاكم بسند صحيح: “لَتُفْتَحَنَّ القُسطنطينيةُ فَلَنِعْمَ الأميرُ أميرُها ولنِعمَ الجيشُ ذلكَ الجيشُ“، ولقد فتحت القسطنطينية بعد تسعمائة عام، فتحها السلطان المجاهد محمّد الفاتح الماتريدي رحمه الله، وكان سنيًّا أشعريا ماتريديًا والجيش الذي كان معه كانوا ماتريدية أشعرية وقد شهد لهم الرسول ﷺ بأنهم على حال حسن. وقد بنى السلطان محمد الفاتح مدرسة ضخمة في اسطنبول تَسَعُ لثلاثين ألف طالب لتمكينهم وتقويتهم في العقيدة الماتريدية الأشعرية، ثم يوزعهم في البلاد لنشر وتعليم عقيدة أهل السنة والجماعة، وبنى مدرسة أخرى لنفس الغرض خارج إسطنبول. فالأشاعرة يعتقدون تعظيم الله عز وجل وأنه موجود لا كالموجودات موجود أزلا وأبدا بلا كيف ولا مكان، لا يحتاج إلى العرش ولا إلى السماء ولا إلى المكان ولا إلى الزمان، ليس جسما ولا يشبه الأجسام، ولا يوصف بصفات الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة نصرهم الله.

نسأل الله أن يثبتنا على عقيدة أهل السنة ويدخلنا الجنة بسلام بجاه نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.