الخوارج ومناظرة ابن عبّاس لهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الَّذِي لا رافعَ لما وَضَعَ، ولا واضِعَ لما رفع، ولا مانِع لما أعْطَى ولا مُعْطِي لما منَع، ولا قاطعَ لما وَصَل ولا وَاصِل لما قَطَعَ، بِحكْمتِه وقعَ الضّررُ وبرحمته نَفَع. 

وأشْهد أنْ لا إِله إلا الله وحْدَه لا شريكَ له أحْكَمَ ما شَرَعَ وأبْدَعَ ما صَنَع، وأشهد أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه أرْسلَه والْكُفْرُ قد عَلَا وارتفع، وصالَ واجْتمع، ففَرَّقَ مِن شَرِّه ما اجْتَمع، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ الَّذِي نَجمَ نَجْمُ شجاعَتِه يومَ الرِّدَّةِ وطَلَع، وعلى عُمَرَ الَّذِي عَزَّ به الإِسلامُ وامتنَع، وعلى عثمانَ المقتولِ ظلْمًا وما ابْتَدَعَ، وعلى عليٍّ الَّذِي دحضَ الْكُفْرَ بجهادِهِ وقَمعَ، وعلى آلِهِ وأصحابِه ما سَجَد مُصَلٍّ وركع، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، 

أمّا بعد:

وأخبر صلى الله عليه وسلم بظهور الخوارج في أمّته وأخبر بصفتهم على التحديد وبعلامتهم وبوقت خروجهم

وروى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيخرج)) وفي لفظ: ((يخرج)) وفي لفظ: ((يأتي في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام)) وقولُه عليه السلام: حُدَثاءُ الأسنانِ معناه صغارُ السِّنِّ، والمراد أنَّ هذه الطائفةَ يغلِب فيهم الفتيان. وقولُه صلى الله عليه وسلم: سفهاءُ الأحلام معناه: يغلِب عليهم الطَّـيْـشُ وضَعْفُ العقول، وفي لفظ: ((يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم)) تَراقيَهم: جَمعُ تَرقُوةٍ، وهي عَظمٌ يَصِل ما بين ثَغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، أي: أنَّهُم لا يَفقهونه، ولا يَنتفِعون بتلاوتِهِ، فلا يتَدبَّرونَ آياتِه ولا يتفَكَّرونَ في مَعانيه، فلا تَصِلُ إلى قُلوبِهم بالتَّدبُّرِ والخُشوعِ، ولا تَصعَدُ إلى السَّماءِ، فلا يَكونُ لهم بها أجرٌ ولا ثوابٌ.((يقولون: من قول خير البرية)) وفي لفظ: ((لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا رأيتموهم، فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) وفي لفظ: ((فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عظيم عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)).

وروى مسلم وأبو داود وأبو عوانة عن علي، قال: سمعت رسول الله  يقول: ((يخرج قوم من أمّتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا ولا صيامكم إلى صيامهم شيئًا، يقرأون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليست له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض)). 

وروى ابن ماجه عن أنس أن رسول الله  قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم سيماهم التحليق إذا لقيتموهم فاقتلوهم)). وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والنسائي عن أبي برزة أنّ رسول الله  قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية سيماهم التّحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدّجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شرّ الخلق والخليقة)) وهؤلاء المذكورون في حديث النبي ﷺ هم الخوارج الذين يتشددون في غير موضع التشدد فيؤدي بهم حالهم إلى تكفير المسلمين وإراقة دمائهم بغير حقّ، وهم من أشد المفاسد على عقائد المسلمين، وعلى بلاد المسلمين أينما حلّوا حلّ الخراب، والوقاية منهم ومجابهتهم تكون بالعلم ونشر العقيدة السليمة البعيدة كل البعد عن الغلو والتطرف والمفاسد.

قال ابن عباس رضِي الله عنه: لَمَّا خرجت الحَرُوريَّة، اعتَزلُوا ‌دَارٍ ‌عَلَى ‌حِدَتِهِمْ، وكانوا ستَّة آلاف، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين، أبرِد بالصّلاة، لعلِّي أكلِّم هؤلاء القوم.

قال: إني أخافهم عليك.

قلت: كلّا إن شاء الله، فلَبِستُ أحسنَ ما يكون من حُلَل اليمن، وترجَّلتُ، ودخلت عليهم في دارٍ نصف النهار وهم يأكُلون – هكذا في مُعظَم الروايات، وفيه رواية: وهم قائلون – في نحر الظهيرة.

فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، فما هذه الحُلَّة؟

قلت: ما تَعِيبون عليَّ؟ لقد رأيت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحسنَ ما يكون من الحُلَل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾[سورة الأعراف/ الآية 32] 

قالوا: فما جاء بك؟

قلت لهم: أتيتُكم من عند أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمِّ النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحدٌ؛ لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.

فقال بعضهم: لا تُخاصِموا قريشًا؛ فإنّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 58]

قال ابن عباس: وما أتيت قومًا قطُّ أشد اجتهادًا منهم، مُسهِمة وجوههم من السّهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم، 

فقال بعضهم: لنُكَلِّمنَّه ولننظرنَّ ما يقول.

قلت: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وابن عمِّه.

قالوا: ثلاث.

قلت: ما هن؟

قال: أمَّا إحداهن، فإنّه حكَّم الرّجال في أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 57]، ما شأن الرجال والحكم؟

قلت: هذه واحدة.

قالوا: وأمَّا الثانية، فإنّه قاتَل ولم يَسْبِ ولم يغنم، إن كانوا كفَّارًا لقد حلَّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ سبيهم ولا قتالهم.

قلت: هذه ثِنتان، فما الثالثة؟

قالوا: ومَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فهو أمير الكافرين!

قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟

قالوا: حسبنا هذا.

قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جلَّ ثناؤه وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ما يردُّ قولكم، أترجعون؟

قالوا: نعم.

قلت: أمَّا قولكم: حكَّم الرّجال في أمر الله، فإنّي أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة المائدة/ الآية 95].

وكان من حُكْمِ الله أنَّه صيَّره إلى الرّجال يَحكُمون فيه، ولو شاء حكَم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله: أحكم الرّجال في صَلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟

قالوا: بلى؛ بل هذا أفضل.

وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [سورة النساء/ الآية 35]، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟

قالوا: اللهم بل في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم.

 خرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

قلت: وأمَّا قولكم: قاتَل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، أفتَسْبُون أمَّكم عائشة؟! تستحِلُّون منها ما تستَحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟ فإن قلتم: إنَّا نستَحِلُّ منها ما نستَحِلُّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمِّنا فقد كفرتم؛ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 6]. 

فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج؟ فنظر بعضهم إلى بعض.

أفخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

وأمَّا قولكم: محا نفسَه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، قد سمعتم أن نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الحديبية صالَح المشركين، فقال لعليّ: ((اكتب يا علي: هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله))، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتَلناك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((امحُ يا علي، اللهمَّ إنك تعلم أني رسول الله، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله))، فوالله لَرَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرٌ من عليّ، وما أخرَجَه من النبوَّة حين محا نفسه، أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

فرجع منهم ألفان، وخرج سائِرُهم فقُتِلُوا على ضلالتهم، قتَلَهم المهاجرون والأنصار.

أخرجه النسائي في الكبرى، والبيهقي في الكبرى، وعبد الرزاق في “مصنفه، والطبراني في “الكبير، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافَقَه الذهبي، وصحَّحه الهيثمي فيمجمع الزوائد.

وهذه المُناظَرة فيها فوائدُ كثيرةٌ جدًّا لِمَن يَتَدبَّرها، فوائد تَنفَع الدُّعاةَ والعاملين لدين الله عزَّ وجلَّ في واقِعنا المُعاصِر، لا سيَّما وأنَّ صاحبها حبر الأمَّة وعالمها عبد الله بن عباس رضِي الله عنهما الذي دعا له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالفقه في الدّين.

الفائدة الأولى: حرْص أهل الحقِّ على هداية مَن ضلَّ الطّريق، كما حرَص ابن عباس على هداية الخوارج؛ بل وأرجع معه ألفين منهم إلى الحقِّ.

الفائدة الثانية: مُشاوَرة أهل الحقِّ من الحكَّام الشرعيين والعُلَماء الربَّانيين، كما فعل ابن عباس مع علي رضي الله عنهم جميعًا قبل أن يأتي الخوارج.

الفائدة الثالثة: جَواز مُناظَرة أهل الباطل، من المُبتَدِعة والكفَرَة؛ بل واستِحباب إذا كان ثَمَّ مصلحة مُتَحقِّقة.

الفائدة الرابعة: نصحُ الدُّعَاة بعضهم بعضًا، وحرصُهم على إخوانهم، كما قال علي لابن عباس رضِي الله عنهم: إنّي أخافُهم عليك، وكان قد اشتَهَر عن الخوارج استِحلال دماء المسلمين، كما وصَفَهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: ((يَقتُلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان)) متفق عليه، وقد قتلوا عبد الله بن خباب وبقروا بطن أمِّ ولده.

الفائدة الخامسة: حسن توكُّل الداعِيَة إلى الله، واستِحضار مشيئة الله القاضية على كلِّ شيء، كما قال ابن عباس لعليّ رضِي الله عنهم لما قال له عليّ: أخافُهم عليك، قال ابن عباس: كلّا إن شاء الله.

والداعية إلى الله لا يزال يتعرَّض في دعوته للمَخاطِر والمَتاعِب، فإن لم يُحسِن التوكُّل على الله وتَفوِيض الأمور له، ويحسن الظنَّ بخالقه، فربما عاقَتْه نفسه الأمَّارة بالسوء عن الخير.

الفائدة السادسة: أهميَّة التخطيط والتنظيم والتفكير في الدعوة إلى الله، فابن عباس رضِي الله عنهما تعمَّد لبس أحسن الحُلَل وأجملها قبل أن يأتي الخوارج، لحكمة تصبُّ في مصلحة دعوته، كما سيأتي.

الفائدة السابعة: خلخلة موقف أهل الباطل وتشكيكهم في مُعتَقداتهم وتصوُّراتهم، حتى يَسهُل اقتيادهم للحقِّ، كما تعمَّد ابن عباس قبل مناظرة الخوارج لبس أحسن الحُلَل وهو يعلم أنهم سيَستَنكِرونه، فيبيِّن لهم أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فعَلَه، وأنَّ القرآن أنكر على مَن حرَّمه، وبهذا تَضعُف ثقتهم بمَواقِفهم، والمرء قد تحرِّكه كثرةُ الصّدمات من موقفه أحيانًا، ولهذا لبس ابن عباس الفَطِنُ أحسنَ الثياب وترجَّل.

الفائدة الثامنة: تَرسِيخ الداعِيَة أصول الحقِّ الذي يَحمِله لِمُخالِفه، كما قال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمِّ النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وصهره، وعليهم نزَل القرآن، فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحد.

فالذين صَحِبُوا النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أَوْلَى بفَهْمِ الحقِّ ومعرفته من غيرهم، وهم الذين مدَحَهم الله في القرآن الذي تتلونه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر/ الآية 8-9].

فوصَف المهاجرين بالصدق، والأنصار بالفلاح، فأنَّى لكم كيف تُخالِفونهم؟ ثم مَن تُناصِبُونه العداء هو عليّ ابن عمِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وزوج ابنته فاطمة التي هي بَضْعة منه! وهؤلاء جميعًا هم مَن نزل عليهم القرآن، فهم أَوْلَى منكم بمعرفة تفسيره وأحكامه، ولم ينحز واحدٌ منهم إليكم، ولا فهم الذي فهمتم من القرآن.

وبهذا يُرَسِّخ الداعية للحقِّ الذي يحمله مع مُخالِفه، فيجعله أكثر قابليَّة للحق.

الفائدة التاسعة: استِعمال عامَّة أهل البِدَع والضَّلال نصوص الوحيَيْن في غير موضعها، كما استدلَّت الخوارج على ترك السّماع من ابن عباس لأنّه قرشيٌّ؛ والله يقول عن قريش: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 58]!!

فالآية نزلت في مُشرِكي قريش الذين يُخاصِمون بالباطل، وابن عباس إنَّما جاءهم ليَرُدَّهم إلى الحقِّ، ويُكلِّمهم بكتاب الله وسُنَّة النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فكيف يجعَلونه من أهل هذه الآية؟

وفي هذه المُناظَرة الكثير من جهل الخوارج بنصوص كتاب الله تعالى وتنزيلها غير موضعها، أو عدم فهمها ابتِداءً.

الفائدة العاشرة: عدم الاغتِرار بالظّاهر لأنَّ الدّين مَبناه على العلم والعمل جميعًا، لا العمل على جهل كحال الخوارج هنا، ولا العلم دون عمل كحال كثيرٍ من النّاس، فابن عباس رضِي الله عنه يقول عن الخوارج: وما أتيتُ قومًا قطُّ أشدَّ اجتِهادًا منهم، مُسهِمَةٌ وجوههم من السّهر! تغيَّرَ لونُه عن حالِه لعارِضٍ ومع هذا ((يقرؤون القرآن لا يُجاوِز حَناجِرَهم))؛ كما قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث المتَّفَق عليه، فكيف تُؤثِّر فيهم القراءة، وكيف يَفقَهُون ما يقرؤون؟!

وكثيرٌ من أهل الزّيغ والضّلال يَغتَرُّون بطاعتهم أو بأعمالهم ويغترُّ بهم الناس، ويُطاعُون بلا أهليَّة، فتقع الفِتَن والمِحَن.

الفائدة الحادية عشرة: حُسْنُ سياسة الدّاعية للمُناقَشات والمُناظَرات، ويَظهَر هذا جليًّا من أسئلة ابن عباس رضِي الله عنه للخوارج، فهو يقول لهم أولًا: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وابن عمِّه؟

وهذا لكي يضبط ابن عباس الحوار معهم فلا يَتَشعَّب، وقال لهم: هل عندكم شيء غير هذا؟

ثم قال لهم ابن عباس كذلك مُشتَرِطًا: أرأيتُكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جلَّ ثناؤه وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ما يردُّ قولكم، أترجعون؟ وهذا أيضًا من حُسْنِ سياسة ابن عباس في حوارِه، فهو سأَلَهم بدايةً ما يُنكِرونه على أصحاب النبي، ثم اشتَرَط عليهم الرُّجوع إلى الجماعة إذا ما ردَّ عليهم قولهم من كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم.

وبعد كلِّ تفنيد شبهة يسألهم: أخرجت من هذه؟

الفائدة الثالثة عشرة: إيضاح ومناقشة الدّاعية لشُبَه المُخالِفين، مهما رآها ضعيفة، وإن كانوا من أهل البِدَع أو الكفر، وعدم الاكتِفاء بالاستِخفاف بها وازدِراء أصحابها؛ لأنّ تَوضِيحها بالحكمة واللين مَظِنَّة رُجُوع أصحابها عنها، وترْك ذلك مَظِنَّة تَمَسُّك أصحابها بها.

وابن عباس لم يَتعالَ عن مُناقَشة عقولٍ بهذه البَلادَة، وشبهات بهذه السَّذاجَة، وهذا هو حال الدُّعاة إلى الله في كلِّ زمان.

الفائدة الخامسة عشرة: تذكير الداعِيَة لِمُخالِفِيه بالله، حتى يَلِين قلبُهم للحقِّ ولا يُكابِرون، كما كان يقول ابن عباس للخوارج: أنشدكم بالله، أحكم الرجال في صَلاحِ ذات البَيْنِ وحَقْنِ دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل.

فالعبد يحتاج للتذكير بالله في خصوماته دومًا، ليُصَحِّح نيَّته، ويرضى بالحقِّ ويقبله.

الفائدة السادسة عشرة: الحاجة إلى العُلَماء الرّبانيِّين وطلاب العلم النابِغين، الذين يَرُدُّون النّاس إلى الحقِّ، ويَأخُذون بأيديهم إلى السّنَّة، فابن عباس جعَلَه الله سببًا في هِدايَة ألفَيْن من رجال الخوارج، الله أعلم بمصيرهم إذا لم يرجعوا معه.

وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي الْخَوَارِجِ: إِنَّهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 103-105] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةَ الضُّلَّالَ، وَالْأَشْقِيَاءَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، وعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَطَعُوا السَّبِيلَ، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَتَلُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسَرُوهُ وَامْرَأَتَهُ مَعَهُ وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَنْتُمْ قَدْ رَوَّعْتُمُونِي. فَقَالُوا: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي)) فَقَادُوهُ بِيَدِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَهُمْ إِذْ لَقِيَ بَعْضُهُمْ خِنْزِيرًا لِبَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ بِسَيْفِهِ فَشَقَّ جِلْدَهُ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا وَهُوَ لِذِمِّيٍّ؟ فَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الذِّمِّيِّ يعتذر منه وَأَرْضَاهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ مَعَهُمْ إِذْ سَقَطَتْ تَمْرَةٌ مِنْ نَخْلَةٍ فَأَخَذَهَا أَحَدُهُمْ فَأَلْقَاهَا فِي فَمِهِ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَا ثَمَنٍ؟ فَأَلْقَاهَا ذَاكَ مِنْ فَمِهِ، وَمَعَ هَذَا قَدَّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ فَذَبَحُوهُ، وَجَاءُوا إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ حُبْلَى أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ! فَذَبَحُوهَا وَبَقَرُوا بَطْنَهَا عَنْ وَلَدِهَا، فلمّا علم علي بذلك قاتلهم وقال لجيشه لا يموت منّا عشرة ولا يبقى منهم عشرة.

وَأَقْبَلَتِ الْخَوَارِجُ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، الرَّوَاحَ الرَّوَاحَ إِلَى الْجَنَّةِ! وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: وَطَعَنْتُ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ بِالرُّمْحِ، فَأَنْفَذْتُهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِالنَّارِ، فَقَالَ: سَتَعْلَمُ أَيُّنَا أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. قَالُوا: وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ إِلَّا سَبْعَةُ نَفَرٍ. وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَمْشِي بَيْنَ الْقَتْلَى مِنْهُمْ وَيَقُولُ: بُؤْسًا لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ غَرَّهُمْ؟ قَالَ: الشَّيْطَانُ، وَأَنْفُسٌ بِالسُّوءِ أَمَّارَةٌ، غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَزَيَّنَتْ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ، وَنَبَّأَتْهُمْ أَنَّهُمْ ظَاهِرُونَ.

وَرَوَى الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ فِي الْخَوَارِجِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: كَانَ ذُو الثُّدَيَّةِ رَجُلًا مِنْ عُرَيْنَةَ مِنْ بَجِيلَةَ، وَكَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، لَهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مَعْرُوفٌ فِي الْعَسْكَرِ. ورُوِي عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ صِبْرَةَ الْحَنَفِيِّ قَالَ: شَهِدْنَا النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيٍّ فَلَمَّا وَجَدَ الْمُخْدَجَ سَجَدَ سَجْدَةً طَوِيلَةً شُكْرًا لِلَّهِ. وجاء عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي قَطَعَ دَابِرَهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَفِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ قَدْ قَحِلَتْ مَوَاضِعُ السُّجُودِ مِنْهُ مِنْ شِدَّةِ اجْتِهَادِهِ وَكَثْرَةِ سُجُودِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْمَنْقَبَاتِ. 

فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ))، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. 

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: قَالَ عَلِيٌّ حِينَ فَرَغْنَا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ: إِنَّ فِيهِمْ رَجُلًا مُخْدَجًا لَيْسَ فِي عَضُدِهِ عَظْمٌ ثُمَّ عَضُدُهُ كَحَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ طِوَالٌ عُقْفٌ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ عَلِيًّا جَزِعَ جَزَعًا أَشَدَّ مِنْ جَزَعِهِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالُوا: مَا نَجِدُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَيْلَكُمُ، مَا اسْمُ هَذَا الْمَكَانِ؟ قَالُوا: النَهْرَوَانُ. قَالَ: كَذَبْتُمْ إِنَّهُ لَفِيهِمْ. فَثَوَّرْنَا الْقَتْلَى فَلَمْ نَجِدْهُ، فَعُدْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا وَجَدْنَاهُ. قَالَ: مَا اسْمُ هَذَا الْمَكَانِ؟ قُلْنَا: النَّهْرَوَانُ. قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكَذَبْتُمْ، إِنَّهُ لَفِيهِمْ، فَالْتَمِسُوهُ. فَالْتَمَسْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ فِي سَاقِيَةٍ، فَجِئْنَا بِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى عَضُدِهِ، لَيْسَ فِيهَا عَظْمٌ، وَعَلَيْهَا كَحَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ طِوَالٌ عُقْفٌ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَدْحِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ: 

روي أنّ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بُيُوتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا مَعَهُ، فَانْقَطَعَتْ نَعْلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ يَخْصِفُهَا، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَضَيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ يَنْتَظِرُهُ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ)). فَاسْتَشْرَفْنَا لَهَا وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَقَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ)). قَالَ: فَجِئْنَا نُبَشِّرُهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ.اهـ 

وروى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى مِنْبَرِكُمْ هَذَا يَقُولُ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاكِثِينَ، يَعْنِي أَهْلَ الْجَمَلِ. وَبِالْقَاسِطِينَ أَهْلُ الشَّامِ وَالْقَاسِطُ هُوَ الْجَائِرُ الظَّالِمُ. وَبِالْمَارِقِينَ الْخَوَارِجُ لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ. وَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَهُمْ أَصْحَابُ الْجَمَلِ الَّذِينَ عَقَدُوا الْبَيْعَةَ لَهُ ثُمَّ نَكَثُوا.اهـ 

 وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أنّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِعَمَّارٍ: ((يَا عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنْتَ إِذْ ذَاكَ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَكَ، يَا عَمَّارُ بْنَ يَاسِرٍ، إِنْ رَأَيْتَ عَلِيًّا قَدْ سَلَكَ وَادِيًا وَسَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا غَيْرَهُ فَاسْلُكْ مَعَ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْلِيَكَ فِي رَدًى، وَلَنْ يُخْرِجَكَ مَنْ هُدًى)).

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ