الحَمدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِاتِّبَاعِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، المُوَافِقِ لِأَهلِ السُّنَّةِ البَعِيدِ عَن أَصحَابِ الطَّرِيقِ الغَوِّيِّ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن قَولِ المُشَبِّهِ وَقَولِ المُجَسِّمِ وَقَولِ القَدَرِيِّ وَالمُعتَزِلِيِّ، أَحمَدُهُ عَلَى الفَهمِ القَوِيِّ، وَأَستَعِيذُهُ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ الغَوِيِّ، وَأَشهَدُ لَهُ بِالتَّوحِيدِ شَهَادَةً زَادَ صَفَاؤُهَا عَلَى الوَصفِ العُرفِيِّ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ استَخرَجَهُ مِنَ العُنصُرِ الزَّكِيِّ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ القُرَشِيِّ الهَاشِمِيِّ المَكِّيِّ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ المَخصُوصِ بِفَضِيلَةِ ﴿ثَانِيَ اثنَينِ﴾ الصِّدِّيقِ الوَفِيِّ، وَعَلَى عُمَرَ الشَّدِيدِ القَوِيِّ النَّقِيِّ التَّقِيِّ، وَعَلَى الَّذِي يَستَحِي مِنهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ، سَلامُ اللهِ عَلَى ذَاكَ الحَيِيِّ، وَعَلَى الَّذِي مُلِئَ عِلمًا وَخَوفًا، وَعَاهَدَ عَلَى تَركِ الدُّنيَا فَأَوفَى، وَنَحنُ وَاللهِ نُحِبُّهُ أَوفَى مِن حُبِّ الرَّافِضِيِّ، ابنِ عَمِّهِ، وَكَاشِفِ غَمِّهِ، التَّقِيِّ لِرَبِّهِ عَلِيٍّ، وَعَلَى أَصحَابِهِ وَآلِهِ وَأَزوَاجِهِ وَأَتبَاعِهِ عَلَى مِنهَاجِهِ السَّوِيِّ، أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الثَّالِثِ وَالسَّبعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى خَيرٍ وَالدُّعَاءِ إِلَى هُدًى أَو ضَلَالَةٍ.اهـ نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ.
مَتنُ الحَدِيثِ الَّذِي سَنَشرَحُهُ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
173- وَعَن أَبِي مَسعُودٍ عُقبَةَ بنِ عَمرٍو الأَنصَارِيِّ البَدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:
173- وَعَن أَبِي مَسعُودٍ عُقبَةَ بنِ عَمرٍو الأَنصَارِيِّ البَدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ
(سَبَبُ الحَدِيثِ وَتَمَامُ رِوَايَتِهِ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُبدِعَ بِي -أَي هَلَكَت رَاحِلَتِي وَانقَطَعَ بِي- فَاحمِلنِي، فَقَالَ: «مَا عِندِي»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَن يَحمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ».اهـ).
قَالَ (أَي أَبُو مَسعُودٍ رَاوِي الحَدِيثِ): قَالَ رسولُ الله ﷺ: «مَن دَلَّ (أَي: بِالقَولِ أَوِ الفِعلِ أَوِ الإِشَارَةِ أَوِ الكِتَابَةِ) عَلَى خَيرٍ (وَيَدخُلُ فِيهِ كُلُّ أَصنَافِ الخَيرِ، أَي لَو كَانَ عِلمًا أَو عَمَلًا مِمَّا فِيهِ أَجرٌ وَثَوَابٌ)
(قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الدِّلَالَةِ عَلَى الخَيرِ وَالتَّنبِيهِ عَلَيهِ وَالمُسَاعَدَةِ لِفَاعِلِهِ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ تَعلِيمِ العِلمِ وَوَظَائِفِ العِبَادَاتِ لَا سِيَّمَا لِمَن يَعمَلُ بِهَا مِنَ المُتَعَبِّدِينَ وَغَيرِهِم.اهـ
فَإِنَّ العِلمَ نُورٌ عَظِيمٌ وَخَيرٌ كَبِيرٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ،
صبر السلف على طلب العلم وارتحالهم لأجله
وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحرِصُونَ عَلَى أَخذِ العِلمِ وَعَلَى الرِّحلَةِ لِأَجلِهِ وَاستَدَلُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ لِمَا جَاءَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَهُوَ نَبِيٌّ وَأَفضَلُ مِنَ الخَضِرِ رَحَلَ مَعَ فَتَاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ لِأَخذِ العِلمِ مِنَ الخَضِرِ وَهُوَ مُختَلَفٌ فِي كَونِهِ نَبِيًّا أَو وَلِيًّا، وَكَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ يَحرِصُونَ عَلَى نَقلِ العِلمِ لِمَا لَهُ مِن أَهَمِّيَّةٍ،
فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ عَن أَبِي هَارُونَ العَبدِيِّ قَالَ: كُنَّا نَدخُلُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَيَقُولُ: مَرحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَنَا: «إِنَّهُ سَيَأتِيكُم قَومٌ مِنَ الآفَاقِ يَتَفَقَّهُونَ، فَاستَوصُوا بِهِم خَيرًا».
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الصَّحِيحِ: وَرَحَلَ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهرٍ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُنَيسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَن رَجُلٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَم أَسمَعهُ مِنهُ، فَابتَعتُ بَعِيرًا، فَشَدَدتُ عَلَيهِ رَحلِي، ثُمَّ سِرتُ إِلَيهِ شَهرًا حَتَّى قَدِمتُ الشَّامَ، فَإِذَا هُوَ عَبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ الأَنصَارِيُّ، فَأَتَيتُ مَنزِلَهُ فَقُلتُ: إِنَّ جَابِرًا عَلَى البَابِ، فَقَالَ: جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَاعتَنَقَنِي وَاعتَنَقتُهُ، فَقُلتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنكَ أَنَّكَ سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَظَالِمِ لَم أَسمَعهُ، فَخَشِيتُ أَن تَمُوتَ أَو أَمُوتَ قَبلَ أَن أَسمَعَهُ، فَحَدَّثَهُ الحَدِيثَ. اهـ وَهَذَا إِذَا دَلَّ عَلَى شَيءٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حِرصِهِم عَلَى أَخذِ الحَدِيثِ وَإِعطَائِهِ،
وَقَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، أَخبَرَنَا أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلدَةَ، عَن أَبِي العَالِيَةِ قَالَ: كُنَّا نَسمَعُ الرِّوَايَةَ عَن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالبَصرَةِ، فَلَم نَرضَ حَتَّى رَكِبنَا إِلَى المَدِينَةِ فَسَمِعنَاهَا مِن أَفوَاهِهِم.
وَرُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ كان يَقُولُ: «إِن كُنتُ لَأَسِيرُ اللَّيَالِيَ وَالأَيَّامَ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ»،
وَرُوِيَ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ يَبلُغُنِي الحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَو أَشَاءُ أَن أُرسِلَ إِلَيهِ حَتَّى يَجِيءَ فَيُحَدِّثَنِي فَعَلتُ، وَلَكِنِّي كُنتُ أَذهَبُ إِلَيهِ فَأَقِيلُ عَلَى بَابِهِ حَتَّى يَخرُجَ إِلَيَّ فَيُحَدِّثَنِي»،
وَرُوِيَ أَنَّ مَسرُوقًا، وَهُوَ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ، رَحَلَ فِي حَرفٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَحَلَ فِي حَرفٍ.اهـ
فَهُم يَعلَمُونَ أَنَّ العِلمَ نُورٌ يَستَضِيءُ بِهِ السَّالِكُ لِطَرِيقِ الآخِرَةِ وَيَستَرشِدُ، وَلِأَنَّ العِلمَ يَستَضِيءُ بِهِ مَن يَسلُكُ طَرِيقَ الآخِرَةِ وَيَطلُبُ الرُّشدَ وَالصَّلَاحَ فِي آخِرَتِهِ، فَكَانُوا يَصبِرُونَ فِي طَلَبِهِ وَإِنفَاقِ الأَموَالِ وَالأَوقَاتِ بُغيَةَ الوُصُولِ إِلَيهِ، وَكَانَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ يَقُولُ: «لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ يَكُونُ عِندَهُ العِلمُ أَن يَترُكَ التَّعَلُّمَ»،
وَجَاء عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنُهُومَانِ لَا تَنقَضِي نَهمَتُهُمَا: طَالِبُ عِلمٍ، وَطَالِبُ دُنيَا».اهـ
وَرُوِيَ عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ جَمِيعًا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ المَوتُ طَالِبَ العِلمِ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ مَاتَ شَهِيدًا»، وَرُوِيَ أَنَّ المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلَامُ قِيلَ لَهُ: إِلَى مَتَى يَحسُنُ التَّعَلُّمُ (يَعنِي إِلَى أَيِّ وَقتٍ يَنبَغِي أَن نَطلُبَ العِلمَ)؟ قَالَ: «مَا حَسُنَتِ الحَيَاةُ».اهـ
وقِيلَ لِابنِ المُبَارَكِ: إِلَى مَتَى تَطلُبُ العِلمَ؟ قَالَ: «حَتَّى المَمَاتِ إِن شَاءَ اللَّهُ»، وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً أُخرَى مِثلَ ذَلِكَ فَقَالَ: «لَعَلَّ الكَلِمَةَ الَّتِي تَنفَعُنِي لَم أَكتُبهَا بَعدُ».اهـ
وسُئِلَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ: مَن أَحوَجُ النَّاسِ إِلَى طَلَبِ العِلمِ؟ قَالَ: أَعلَمُهُم، لِأَنَّ الخَطَأَ مِنهُ أَقبَحُ.اهـ
وَقَالَ بَعضُ السَّلَفِ:
آخِرُ العِلمِ لَذِيذٌ طَعمُهُ … وَبَدءُ الذَّوقِ مِنهُ كَالصَّبرِ
وكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الأَمرَ لَن يُنَالَ حَتَّى يُذَاقَ فِيهِ طَعمُ الفَقرِ، وَذَكَرَ مَا نَزَلَ بِشَيخِهِ رَبِيعَةَ مِنَ الفَقرِ فِي طَلَبِ العِلمِ حَتَّى بَاعَ خَشَبَ سَقفِ بَيتِهِ فِي طَلَبِ العِلمِ، وَحَتَّى كَانَ يَأكُلُ مَا يُلقَى عَلَى مَزَابِلِ المَدِينَةِ مِنَ الزَّبِيبِ وَعُصَارَةِ التَّمرِ». اهـ
وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِدرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «كُنتُ يَتِيمًا فِي حِجرِ أُمِّي، فَدَفَعَتنِي فِي الكُتَّابِ وَلَم يَكُن عِندَهَا مَا تُعطِي المُعَلِّمَ، فَكَانَ المُعَلِّمُ قَد رَضِيَ مِنِّي أَن أَخلُفَهُ إِذَا قَامَ، فَلَمَّا خَتَمتُ القُرآنَ دَخَلتُ المَسجِدَ فَكُنتُ أُجَالِسُ العُلَمَاءَ، وَكُنتُ أَسمَعُ الحَدِيثَ أَوِ المَسأَلَةَ فَأَحفَظُهَا، وَلَم يَكُن عِندَ أُمِّي مَا تُعطِينِي أَن أَشتَرِيَ بِهِ قَرَاطِيسَ قَطُّ، فَكُنتُ إِذَا رَأَيتُ عَظمًا يَلُوحُ آخُذُهُ فَأَكتُبُ فِيهِ، فَإِذَا امتَلَأَ طَرَحتُهُ فِي جَرَّةٍ كَانَت لَنَا قَدِيمًا،
وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: عَلَيكَ بِمُجَالَسَةِ مَن يَزِيدُ فِي عِلمِكَ قَولُهُ، وَيَدعُوكَ إِلَى الآخِرَةِ فِعلُهُ. اهـ
وَإِنَّ الجَهلَ تِيهٌ وَضَيَاعٌ، قَالَ الدِّميَاطِيُّ: مَن لَم يَعرِفِ الشَّرَّ يَقَع فِيهِ وَهُوَ لَا يَدرِي، وَكُلُّ شَرٍّ سَبَبُهُ الجَهلُ، وَكُلُّ خَيرٍ سَبَبُهُ العِلمُ، فَهُوَ النُّورُ المُبِينُ، وَالجَهلُ بِئسَ القَرِينُ.اهـ
وَقَالُوا: «مَن لَم يَحتَمِل ذُلَّ التَّعلِيمِ سَاعَةً بَقِيَ فِي ذُلِّ الجَهلِ أَبَدًا»،
وَقَد رُوِيَ عَنِ ابنِ الزُّبَيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِن عَبدٍ يَغدُو فِي طَلَبِ عِلمٍ مَخَافَةَ أَن يَمُوتَ جَاهِلًا أَو فِي إِحيَاءِ سُنَّةٍ مَخَافَةَ أَن تُدرَسَ –أَي تَذهَبَ– إِلَّا كَانَ كَالغَازِي الرَّابِحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُ».اهـ وَلِكُلِّ هَذَا كَانُوا يَحتَمِلُونَ الشِّدَّةَ وَالمَشَقَّةَ فِي طَلَبِ العِلمِ، لَيسَ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ،
صفات طالب العلم
العِلمُ لَا يُنَالُ بِدُونِ سَهَرٍ وَتَعَبٍ وَحِفظٍ وَمُدَارَسَةٍ وَمُذَاكَرَةٍ وَبَذلِ جُهدٍ، لِذَلِكَ بَعضُ الشُّعَرَاءِ لَخَّصَ الشُّرُوطَ الَّتِي يُحتَاجُ إِلَيهَا حَتَّى يَحُوزَ الإِنسَانُ العِلمَ فَقَالَ:
أَخِي لَن تَنَالَ العِلمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ *** سَأُنبِيكَ عَن مَجمُوعِهَا بِبَيَانِ
لَن تَصِيرَ مِن أَهلِ العِلمِ إِلَّا إِذَا تَوَفَّرَت فِيكَ هَذِهِ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ.
ذَكَاءٌ وَحِرصٌ وَاجتِهَادٌ وَبُلغَةٌ *** وَصُحبَةُ أُستَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ
ذَكَاءٌ، لَا بُدَّ أَن يَكُونَ عِندَكَ مَقدِرَةٌ عَلَى الحِفظِ وَعَلَى الفَهمِ.
وَحِرصٌ، أَن تَكُونَ حَرِيصًا عَلَى أَن لَا يَفُوتَكَ وَلَو مَسأَلَةٌ،
ثَلَاثَةٌ مِن أَهلِ العِلمِ المَشهُورِينَ مِنهُم أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ وَيَحيَى بنُ مَعِينٍ، وَثَالِثٌ، هَؤُلَاءِ كَانُوا قُرَنَاءَ فِي طَلَبِ العِلمِ، كَانُوا أَتَوا عَالِمًا يُصَلِّي بِهِم إِمَامًا فِي مَسجِدٍ، فَإِذَا جَلَسَ إِلَى الأُسطُوَانَةِ عَرَفُوا أَنَّهُ يُرِيدُ أَن يُحَدِّثَ، إِذَا استَنَدَ إِلَى الأُسطُوَانَةِ مَعنَاهُ الآنَ سَيُعطِينَا دَرسًا، فَيَجتَمِعُ النَّاسُ عَلَيهِ بِالمِئَاتِ، فَرُبَّمَا انكَسَرَ قَلَمُ أَحَدِهِم، قَلَمُ يَحيَى بنِ مَعِينٍ أَو قَلَمُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، فَيَقُولُ: مَن يَبِيعُنِي قَلَمًا بِدِينَارٍ، يَعنِي يَدفَعُ كَذَا وَكَذَا ذَهَبًا حَتَّى يُحَصِّلَ قَلَمًا مِن رَصَاصٍ، حَتَّى لَا يَفُوتَهُ الحَدِيثُ، حَتَّى لَا تَفُوتَهُ الفَائِدَةُ الَّتِي قَد يَقُولُهَا إِذَا انكَسَرَ قَلَمُهُ، مِن شِدَّةِ حِرصِهِم أَن لَا يَفُوتَهُم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَلَو حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَو مَسأَلَةً وَاحِدَةً، أَحيَانًا نَذكُرُ فِي المَجلِسِ الوَاحِدِ خَمسَةَ أَحَادِيثَ، سِتَّةَ أَحَادِيثَ، وَبَعضُهُم لَا يَكتُبُ شَيئًا، يَعنِي هُنَاكَ فَرقٌ بَينَ الحِرصِ وَالحِرصِ.
وَيُذكَرُ أَنَّهُ فِي مَجلِسِ الحَدِيثِ لِأَحَدِ الحُفَّاظِ كَانَ أَحَدُ الحَاضِرِينَ أَحَسَّ بِشَيءٍ عَلَى ظَهرِهِ وَلَم يَلتَفِت وَبَقِيَ مُرَكِّزًا فِي الدَّرسِ ثُمَّ بَعدَ الدَّرسِ جَاءَهُ الشَّخصُ فَقَالَ لَهُ أَعِرنِي ثَوبَكَ قَالَ لِمَ؟ قَالَ نَسِيتُ قِرطَاسِي فَكَتَبتُ عَلَى ظَهرِكَ الدَّرسَ فَأُرِيدُ أَن أَنقُلَهُ. انظُرُوا كَيفَ كَانَ تَركِيزُهُم فِي الدَّرسِ لَا يَلتَفِتُ لِشَيءٍ يَحصُلُ حَتَّى الوَاحِدُ كُتِبَ عَلَى ظَهرِهِ وَلَم يَنتَبِه. وَاليَومَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجلِسُ فِي مَجلِسِ العِلمِ فَيَلتَهِي حَتَّى بِالخَيطِ عَلَى مَلَابِسِهِ. فَيَا عَجَبًا.
قَالَ: وَاجتِهَادٌ، يَعنِي أَن يَبذُلَ غَايَةَ جُهدِهِ.
وَبُلغَةٌ، يَعنِي أَن يَكُونَ مَعَكَ شَيءٌ مِنَ المَالِ حَتَّى إِذَا أَرَدتَ أَن تُسَافِرَ فَتَقدِر أَن تَسَافِرَ، خَرَجتَ مَاشِيًا إِلَى بَلَدِ كَذَا فَأَرَدتَ أَن تَأكُلَ وَتَشرَبَ عَلَى الطَّرِيقِ، أَرَدتَ شَيئًا تَتَبَلَّغُ بِهِ، تَحتَاجُهُ لِيُعِينَكَ، لِيَكُونَ آلَةً فِي تَيسِيرِ انتِقَالِكَ مِن بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، أَرَدتَ دَفَاتِرَ وَأَقلَامًا لِتَكتُبَ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ بَدَلَ (وَاجتِهَادٌ): (وَاصطِبَارٌ)، أَي فَلَا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ عَلَى طَلَبِ العِلمِ وَتَحَمُّلِ المَشَقَّاتِ وَفَظَاظَةِ بَعضِ المُعَلِّمِينَ وَضَنَكِ العَيشِ وَالفَقرِ بِسَبَبِ تَركِ طَلَبِ المَعِيشَةِ لِأَجلِ العِلمِ وَالصَّبرِ عَلَى الغُربَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَنَالُ العِلمَ كَمَا يَنبَغِي. وَقَالَ بَعضُهُم:
اصبِر عَلَى مُرِّ الجَفَا مِن مُعَلِّمٍ فَإِنَّ رُسُوخَ العِلمِ فِي نَبَرَاتِهِ
وَصُحبَةُ أُستَاذٍ، هَذِهِ جِدًّا مُهِمَّةٌ، الَّذِي لَا يَصحَبُ إِنسَانًا عَالِمًا أَو مُتَعَلِّمًا مَوثُوقًا لَا يَبقَى مُلَازِمًا لَهُ يَفُوتُهُ الكَثِيرُ.
وَطُولُ زَمَانِ، يَعنِي لَيسَ بِيَومٍ وَيَومَينِ وَسَنَةٍ وَسَنَتَينِ يَصِيرُ الإِنسَانُ عَالِمًا، أَحيَانًا يَحتَاجُ الإِنسَانُ إِلَى عَشَرَةِ سِنِينَ، إِلَى عِشرِينَ سَنَةً، مَعَ المُلَازَمَةِ وَالمُذَاكَرَةِ وَالحِرصِ وَالِاجتِهَادِ وَبَذلِ الوَقتِ وَالمُذَاكَرَةِ لَيلَ نَهَارٍ حَتَّى يَحُوزَ أَوَّلَ مَرَاتِبِ العَالِمِيَّةِ، أَوَّلَ أَعتَابِ العَالِمِيَّةِ، وَبَعضُ النَّاسِ الآنَ مِن شِدَّةِ غُرُورِهِ وَاعتِدَادِهِ بِنَفسِهِ، وَهُوَ لَم يَنَل عُشرَ مِعشَارِ مَا ذَكَرتُ، يَحسَبُ نَفسَهُ صَارَ يُوَازِي الشَّافِعِيَّ فِي الرُّتبَةِ، أَو يُقَارِنُ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الدَّرَجَةِ، أَو يَجعَلُ رَأسَهُ قَرِينَ رَأسِ الإِمَامِ مَالِكٍ، أَو قَرِينَ رَأسِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ أَو سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ وَأَمثَالِ هَؤُلَاءِ الجِبَالِ، هَذَا مَخدُوعٌ مَغرُورٌ مُعتَدٌّ بِفَهمِهِ السَّقِيمِ، مَتَى مَا وَجَدَ الإِنسَانُ مِن نَفسِهِ أَنَّهُ استَغنَى عَن حُضُورِ مَجَالِسِ العِلمِ بِمَا حَصَّلَهُ وَبِمَا حَازَهُ فَليَعلَم أَنَّهُ فِي بِدَايَةِ انحِدَارِهِ وَانحِطَاطِهِ المَعنَوِيِّ)
(هَذَا لَا أَظُنُّهُ يَخفَى عَلَيكُم، كَم مِنَ النَّاسِ فِي أَيَّامِنَا بَعِيدُونَ عَن هَذَا المَنهَجِ، وَذَلِكَ لِمَا تَمَلَّكَ قُلُوبُهُم مِن حُبِّ الدُّنيَا، فَأَبعَدَهُم عَن خَيرَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنَعَهُم مِن وَاجِبَاتٍ عَظِيمَةٍ، قُدوَتُهُم مُفَكِّرُو الغَربِ وَمُغَنُّوهُ وَرَقَّاصُوهُ وَلَاعِبُو الرِّيَاضَةِ فِيهِ، وَمَعَارِفُهُم مَا يَقُولُهُ أَهلُ النَّظَرِيَّاتِ الفَاسِدَةِ المُتَخَيَّلَةِ مِنهُم بِلَا دَلِيلٍ، يَهتَمُّونَ لِأَحوَالِ الكِلَابِ وَالقِطَطِ، وَلِأَخبَارِ كُرَةِ السَّلَّةِ وَكُرَةِ القَدَمِ، وَالمُطرِبِينَ وَالمُطرِبَاتِ، وَبَرَامِجِ اللَّهوِ الفَارِغِ، وَالنُّزُهَاتِ، وَالتَّفَرُّجِ عَلَى المُرُوجِ الخَضرَاءِ وَالأَبنِيَةِ العَالِيَةِ وَالمَطَاعِمِ المُزدَحِمَةِ، وَيَنسَونُ الدِّينَ وَالقُرءَانَ وَالمَسجِدَ وَحَاجَاتِ أَهلِ الإِيمَانِ، وَيَنسَونَ العِلمَ وَالهِمَّةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالحَمِيَّةَ وَالعِفَّةَ وَالرُّقِيَّ وَالزُّهدَ وَالوَرَعَ. لَا يَذكُرُونَ أَبَا بَكرٍ وَلَا عُمَرَ، وَلَا يَعرِفُونَ مَن عُثمَانُ وَمَن عَلِيٌّ، يَنظُرُونَ إِلَى النَّاسِ وَكَأَنَّهُم أَرفَعُ مِنهُم مُستَوًى وَأَكثَرُ فَهمًا وَرُقِيَّ عَقلٍ، وَهُم فِي حَضِيضٍ لَا يُدرِكُونَهُ إِلَّا عِندَ المَوتِ، لَا يَزُورُونَ رَحِمًا، بَل لَا يُحَاوِلُونَ التَّعَرُّفَ إِلَيهِ، يَتَكَلَّمُ أَحَدُهُم فِي الدِّينِ بِلَا بَصِيرَةٍ، وَيَتَجَرَّأُ لَيلَ نَهَارَ عَلَى الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، هَذَا إِذَا نَسَبَ نَفسَهُ إِلَى الإِسلَامِ وَلَم يُعلِنِ انسِلَاخَهُ عَنهُ بِالكُلِّيَّةِ، وَأَهلُهُ وَأَقَارِبُهُ وَرِفَاقُهُ مَعَ هَذَا عَنهُ سَاكِتُونَ، لَا مِن عَجزٍ عَنِ الإِنكَارِ وَعَدَمِ استِطَاعَةٍ لَهُ، وَلَكِن خَوَرًا وَجُبنًا، وَطَمَعًا بِالعَاجِلَةِ الزَّائِلَةِ، وَعَمًى عَن آجِلَةٍ قَرِيبَةٍ، لَا يُرِيدُ أَحَدُهُم أَن يَزُورَ مُسلِمًا لِنَصِيحَةٍ أَو إِعَانَةٍ، وَلَا يُرِيدُ أَن يُفَارِقَ دِفءَ الدِّرهَمِ فِي جَيبِهِ لِيُحَصِّلَ بِهِ جَنَّاتِ الآخِرَةِ، وَلَا يُرِيدُ أَن يَترُكَ سَلَامَةَ المُهجَةِ لِيُخَاطِرَ فِي طَرِيقِ الحَقِّ وَمُوَاجَهَةِ البَاطِلِ وَإِنكَارِ المُنكَرِ حَتَّى يُحَصِّلَ لَذَّةَ الأَبَدِ بِدُخُولِهِ فِي أَهلِ الطَّائِفَةِ الظَّاهِرَةِ المَنصُورَةِ، وَإِنَّمَا يَكتَفِي بِرَفعِ الشِّعَارَاتِ فَيُوَاجِهُ بِغَيرِهِ وَيُخَاطِرُ بِإِخوَانِهِ وَهُوَ مُختَبِئٌ مِن خَلفٍ، يَكتَفِي عَنِ السَّعيِ وَاللِّقَاءِ وَالحَرَكَةِ بِالجُلُوسِ مُرتَاحًا خَلفَ الحَاسُوبِ عَلَى مَقَاعِدِ بَيتِهِ، يَضغَطُ زِرًّا وَيَنتَشِي بِرَقمِ عَدَدٍ مِنَ المُستَمِعِينَ يَظهَرُ عَلَى شَاشَةِ آلَتِهِ، لَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ مَن يُصغِي مِمَّن لَا يُصغِي، وَلَا يَعرِفُ مَن يَفهَمُ مِمَّن لَا يَفهَمُ، لَا يُرَبِّي وَلَا يُهَذِّبُ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَد أَدَّى لِلعُلَا قِسطَهُ وَفَعَلَ مَا عَلَيهِ، أَو يَستَمِعُ بِلَا عُذرٍ لِلدُّرُوسِ مِن بَعِيدٍ مُرتَاحًا مِنَ التَّعَبِ، لَا يَعرِفُ مَعنَى السَّعيِ وَلَا بَذلِ الجُهدِ، لَا يَكتُبُ وَلَا يُقَيِّدُ وَلَا يَرحَلُ وَلَا يُنفِقُ، وَلَا يَلزَمُ مُرَبِّيًا، وَلَا يَكسِرُ نَفسَهُ لِرَأيِ مُرشِدٍ، وَلَا يُنَاصِرُهُ عَلَى الخَيرِ، وَلَا يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِمُخَاطَرَةٍ فِي اللهِ، وَغَايَةُ أَمرِهِ أَن يُعَلِّقَ بِعَلَامَةِ «لَايك»، وَكَأَنَّهُ بِذَلِكَ حَمَلَ الدَّعوَةَ وَرَفَعَ رَايَةَ الحَقِّ وَنَكَّسَ رَايَةَ الضَّلَالِ، تَصَدَّرَ قَبلَ أَن يَصِيرَ صَدرًا، وَتَمَشيَخَ قَبلَ أَن يَصِيرَ طَالِبًا، كَمَا قَالُوا: تَزَبَّبَ قَبلَ أَن يُحَصرِمَ، وَهُوَ مِن حَقِيقَةِ العِلمِ مُفلِسٌ أَو يَكَادُ، فَأَنَّى تَحصُلُ النُّصرَةُ بِأَمثَالِهِ، وَأَنَّى يَنتَشِرُ الدِّينُ بِأَشكَالِهِ. نَعَم، هُنَاكَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ أَبطَالٌ يَستَغِلُّونَ مُختَلِفَ السُّبُلِ لِتَعلِيمِ النَّاسِ، مَن وَصَلُوا إِلَيهِ بِأَنفُسِهِم عَلَّمُوهُ بِأَنفُسِهِم، وَمَن قَصَدَهُم لِلِاستِرشَادِ أَرشَدُوهُ، وَمَن لَم يَقصِدهُم قَصَدُوهُ هُم وَبَذَلُوا الوَقتَ وَالجُهدَ مَعَهُ، فَإِن عَجَزُوا عَن كُلِّ ذَلِكَ دَرَّسُوهُ بِوَاسِطَةِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الأُخرَى مِن مَكتُوبٍ وَمَسمُوعٍ وَمَرئِيٍّ وَلَم يَترُكُوهُ فَرِيسَةً لِلذِّئَابِ، حَاثِّينَ لَهُ فِي الوَقتِ نَفسِهِ عَلَى قَصدِ أَهلِ العِلمِ لِيَنتَفِعَ بِلِقَائِهِم وَيَتَعَلَّمَ مِن هَديِهِم، وَلَا يَحجُزُونَهُ تَابِعًا لَهُم مَقطُوعًا عَن غَيرِهِم، هَؤُلَاءِ مَصَابِيحُ الهُدَى وَهُدَاةُ الطَّرِيقِ، الآمِرُونَ بِالمَعرُوفِ النَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ، إِن ظَفِرتَ بِوَاحِدٍ مِنهُم فَشُدَّ عَلَيهِ يَدَيكَ وَلَا تُضَيِّعِ الِاستِفَادَةَ مِنهُ، وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ).
معنى المشاركة في الأجر وبيان عظم أجر تعليم الناس التوحيد
فَلَهُ (أَي فَلِلدَّالِّ) مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.
(أَي: مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَجرِهِ شَيءٌ) (قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: وَالمُرَادُ بِمِثلِ أَجرِ فَاعِلِهِ أَنَّ لَهُ ثَوَابًا بِذَلِكَ الفِعلِ كَمَا أَنَّ لِفَاعِلِهِ ثَوَابًا وَلَا يَلزَمُ أَن يَكُونَ قَدرُ ثَوَابِهِمَا سَوَاءً)
(وَهَذَا يَا أَحبَابِي يُبَيِّنُ كَم لَكَ مِنَ الأَجرِ عِندَمَا تُعَلِّمُ النَّاسَ التَّوحِيدَ وَتَنزِيهَ اللِه وَتَعظِيمَ اللهِ وَأَنَّ اللهَ لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وَلَا سِيَّمَا وَأَنَّ دُعَاةَ الضَّلَالِ هَذِهِ الأَيَّامَ يَنشُرُونَ بَينَ النَّاسِ التَّجسِيمَ بِاسمِ الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ وَيَذكُرُونَ الآيَاتِ المُتَشَابِهَةَ وَالأَحَادِيثَ المُتَشَابِهَةَ بَينَ النَّاسِ دُونَ بَيَانٍ صَحِيحٍ لِمَعنَاهَا، فَبَعضُ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ لَهُ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَبَعضُهُم يَنسُبُ الرِّجلَ الحَقِيقِيَّةَ للهِ، وَبَعضُهُم يَنسُبُ الأَصَابِعَ، وَبَعضُهُم يَنسُبُ الحَوَاسَّ للهِ، وَبَعضُهُم يَتَجَرَّأُ وَيَنسُبُ الصُّورَةَ للهِ.
وَقَد قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ قَبلَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ فِي الرَّدِّ عَلَى بَعضِ المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ ادَّعَوا أَنَّهُم حَنَابِلَةٌ فَقَالَ: فَصَنَّفُوا كُتُبًا شَانُوا بِهَا المَذهَبَ، فَحَمَلُوا الصِّفَاتِ عَلَى مُقتَضَى الحِسِّ، فَسَمِعُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَأَثبَتُوا لَهُ صُورَةً وَوَجهًا زَائِدًا عَلَى الذَّاتِ، وَعَينَينِ وَفَمًا وَلَهَوَاتٍ وَأَضرَاسًا وَأَضوَاءً لِوَجهِهِ هِيَ السُّبُحَاتُ وَيَدَينِ وَأَصَابِعَ وَكَفًّا وَخِنصَرًا وَإِبهَامًا وَصَدرًا وَفَخِذًا وَسَاقَينِ وَرِجلَينِ، وَقَالُوا: مَا سَمِعنَا بِذِكرِ الرَّأسِ، وَقَالُوا: يَجُوزُ أَن يَمَسَّ وَيُمَسَّ، وَيُدنِي العَبدَ مِن ذَاتِهِ، وَقَالَ بَعضُهُم: وَيَتَنَفَّسُ، ثُمَّ يُرضُونَ العَوَامَّ بِقَولِهِم: لَا كَمَا يُعقَلُ،
وَقَد أَخَذُوا بِالظَّاهِرِ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَسَمَّوهَا بِالصِّفَاتِ تَسمِيَةً مُبتَدَعَةً لَا دَلِيلَ لَهُم فِي ذَلِكَ مِنَ النَّقلِ وَلَا مِنَ العَقلِ، وَلَم يَلتَفِتُوا إِلَى النُّصُوصِ الصَّارِفَةِ عَنِ الظَّوَاهِرِ إِلَى المَعَانِي الوَاجِبَةِ للهِ تَعَالَى وَلَا إِلَى إِلغَاءِ مَا يُوجِبُهُ الظَّاهِرُ مِن سِمَاتِ الحُدُوثِ، ثُمَّ قَالُوا: لَا نَحمِلُهَا عَلَى تَوجِيهِ اللُّغَةِ مِثلِ يَدٍ عَلَى مَعنَى نِعمَةٍ، وَقُدرَةٍ وَمَجِيءٍ وَإِتيَانٍ عَلَى مَعنَى بِرٍّ وَلُطفٍ، وَسَاقٍ عَلَى شِدَّةٍ، بَل قَالُوا: نَحمِلُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا المُتَعَارَفَةِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ المَعهُودُ مِن نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، ثُمَّ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ التَّشبِيهِ وَيَأنَفُونَ مِن إِضَافَتِهِ إِلَيهِم، وَيَقُولُونَ: نَحنُ أَهلُ السُّنَّةِ، وَكَلَامُهُم صَرِيحٌ فِي التَّشبِيهِ، وَقَد تَبِعَهُم خَلقٌ مِنَ العَوَامِّ، فَقَد نَصَحتُ التَّابِعَ وَالمَتبُوعَ فَقُلتُ لَهُم: إِمَامُكُمُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ -أَي مَن تَنتَسِبُونَ إِلَيهِ زُورًا- يَقُولُ وَهُوَ تَحتَ السِّيَاطِ: «كَيفَ أَقُولُ مَا لَم يُقَل؟»، فَإِيَّاكُم أَن تَبتَدِعُوا فِي مَذهَبِهِ مَا لَيسَ مِنهُ، ثُمَّ قُلتُم فِي الأَحَادِيثِ: تُحمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَظَاهِرُ القَدَمِ الجَارِحَةُ، وَمَن قَالَ: استَوَى بِذَاتِهِ، فَقَد أَجرَاهُ مَجرَى الحِسِّيَّاتِ، وَيَنبَغِى أََن لَا يُهمِلَ مَا يَثبُتُ بِهِ الأَصلُ وَهُوَ العَقلُ، فَإِنَّا بِهِ عَرَفنَا اللهَ تَعَالَى، وَحَكَمنَا لَهُ بِالقَدَمِ، فَلَو أَنَّكُم قُلتُم: نَقرَأُ الأَحَادِيثَ وَنَسكُتُ، مَا أَنكَرَ عَلَيكُم أَحَدٌ، إِنَّمَا حَملُكُم إِيَّاهَا عَلَى الظَّاهِرِ قَبِيحٌ، فَلَا تُدخِلُوا فِي مَذهَبِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ السَّلَفِيِّ مَا لَيسَ مِنهُ، وَلَقَد كَسَيتُم هَذَا المَذهَبَ شَينًا قَبِيحًا حَتَّى صَارَ لَا يُقَالُ حَنبَلِيٌّ إِلَّا مُجَسِّمٌ، وَقَد كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ يَقُولُ فِي بَعضِ أَئِمَّتِكُم: لَقَد شَانَ المَذهَبَ شَينًا قَبِيحًا لَا يُغسَلُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ).
الحَدِيثُ الآخَرُ الَّذِي سَنَشرَحُهُ:
174- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن دَعَا إِلَى هُدَىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا، وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا». رَوَاهُ مُسلِمٌ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:
174- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن دَعَا إِلَى هُدَىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا،
(هَذَا الحَدِيثُ يُعطِي مَعنَى مَا قَبلَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ فِي الحَثِّ عَلَى الدَّعوَةِ إِلَى الخَيرِ وَالدَّعوَةِ إِلَى هِدَايَةِ النَّاسِ وَإِرشَادِهِم، وَأَعظَمُ الهُدَاةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى الخَيرِ مِن خَلقِ اللهِ هُمُ الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا فِي الحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِهِم: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وَأَوَّلُ الأَنبِيَاءِ وَأَوَّلُ الجِنسِ الإِنسَانِيِّ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَهُوَ أَوَّلُ الأَنبِيَاءِ كَمَا ذَكَرنَا وَشَرَحنَا فِي حَدِيثٍ سَابِقٍ، وَهُوَ أَسَاسُ الخَيرِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَد عَلَّمَ أَولَادَهُ أُصُولَ المَعِيشَةِ، كَيفَ يَطبُخُونَ الطَّعَامَ، وَكَيفَ يُنضِجُونَهُ، وَكَيفَ يَخِيطُونَ الثِّيَابَ، وَكَيفَ يَصُكُّونَ النُّقُودَ مِن ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَلَم يَكُن عَارِيَ الثِّيَابِ أَمَامَ غَيرِهِ مِن بَنِيهِ، وَلَم يَكُن هَائِمًا عَلَى وَجهِهِ بِلَا بَصِيرَةٍ كَمَا يُصَوِّرُونَ فِي بَعضِ الأَفلَامِ وَيَقُولُونَ هَكَذَا كَانَ الإِنسَانُ الأَوَّلُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، يُصَوِّرُونَهُ يُشبِهُ القُرُودَ وَرَبُّنَا يَقُولُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وَبَعدَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَرسَلَ اللهُ وَلَدَهُ شِيثًا بِدِينِ الإِسلَامِ كَذَلِكَ ثُمَّ إِدرِيسَ ثُمَّ نُوحًا، وَبَينَ نُوحٍ وَإِدرِيسَ كَانَ ظُهُورُ الكُفرِ، فَكَانَ نُوحٌ أَوَّلَ نَبِيٍّ أُرسِلَ إِلَى الكُفَّارِ، يَدعُو النَّاسَ كَسَائِرِ أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِدِينِ الإِسلَامِ يُرِيدُونَ هِدَايَتَهُم، فَكَفَرَ بِهِم مَن كَفَرَ مِن أَقوَامِهِم، كُلُّ هَؤُلَاءِ وَغَيرُهُم جَعَلَ اللهُ لَهُم أَعدَاءً مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، فَكَم مِن نَبِيٍّ دَعَا قَومَهُ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى وَهُم قَابَلُوهُ بِالصَّدِ وَالعَدَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
ذكر بعض أحوال الصحابة رضي الله عنهم قبل الإسلام وبعده
وَأَذكُرُ بَعضَ الأَمثِلَةِ مِن هِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الهُدَى وَالحَقِّ، فَهَذَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَرسَلَهُ اللهُ لِقَومٍ يَعبُدُونَ الأَصنَامَ وَبَعضُهُم يَعبُدُونَ بَعضَهُمُ البَعضَ وَبَعضُهُم يَعبُدُونَ المَلَائِكَةَ وَيَستَضعِفُونَ الضُّعَفَاءَ وَيَستَقوِي بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، وَيَئِدُونَ البَنَاتِ، وَكَانَ الزِّنَا قَدِ انتَشَرَ بَينَهُم، وَهُوَ مَا يُعرَفُ بِزِنَا الجَاهِلِيَّةِ، كَانَت بَعضُ النِّسَاءِ يَدخُلُ عَلَيهَا الرَّجُلُ فَيَزنِي بِهَا ثُمَّ يَدخُلُ آخَرُ فَيَزنِي بِهَا ثُمَّ غَيرُهُ، وَإِذَا حَمَلَت تَنسُبُ مَا فِي بَطنِهَا لِوَاحِدٍ مِنهُم هِيَ تَنتَقِيهِ، وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِسِفَاحِ الجَاهِلِيَّةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَبَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَرَفَعَ مَن آمَنَ بِهِ وَاتَّقَى اللهَ إِلَى أَعَالِي الدَّرَجَاتِ وَالمَقَامَاتِ، فَصَارُوا دُعَاةً وَمُجَاهِدِينَ إِلَى الهُدَى وَالحَقِّ وَالهِدَايَةِ.
فَهَذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَجلِدُ المُسلِمِينَ وَيُعَادِيهِم وَيُعَذِّبُهُم لِأَجلِ إِسلَامِهِم، فَهَدَاهُ اللهُ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرَفَعَ اللهُ مَقَامَهُ وَأَعَزَّهُ وَأَعَزَّ بِهِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَهُوَ مَن قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «نَحنُ قَومٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَإِنِ ابتَغَينَا العِزَّةَ بِغَيرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ»،
وَرَوَى ابنُ الجَوزِيِّ عَنِ الزُّهرِيِّ قَالَ: «لَمَّا أَسلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَزَلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ استَبشَرَ أَهلُ السَّمَاءِ بِإِسلَامِ عُمَرَ».
وَعَنِ الحَسَنِ البِصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «لَقَد فَرِحَ أَهلُ السَّمَاءِ بِإِسلَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ».
وَقَد عَزَّ الإِسلَامُ بِإِسلَامِهِ وَظُهُورِهِ، فَقَد قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: «كَانَ إِسلَامُهُ عِزًّا ظَهَرَ بِهِ الإِسلَامُ بِدَعوَةِ النَّبِيِّ ﷺ».
وَرَوَى البُخَارِيُّ فَقَالَ: قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ: «مَا زِلنَا أَعِزَّةً مُنذُ أَسلَمَ عُمَرُ».
وَفِي طَبَقَاتِ ابنِ سَعدٍ: عَن صُهَيبِ بنِ سِنَانٍ قَالَ: لَمَّا أَسلَمَ عُمَرُ ظَهَرَ الإِسلَامُ وَدُعِيَ إِلَيهِ عَلَانِيَةً، وَجَلَسنَا حَولَ البَيتِ حِلَقًا، وَطُفنَا بِالبَيتِ، وَانتَصَفنَا مِمَّن غَلُظَ عَلَينَا وَرَدَدنَا عَلَيهِ بَعضَ مَا يَأتِي بِهِ.اهـ
فَكَم مِن أُنَاسٍ قَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ حَالَهُم بِهِدَايَتِهِم إِلَى هَذَا الحَقِّ دِينِ الإِسلَامِ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم عَلِمُوا عَظِيمَ فَضلِ هَذِهِ الهِدَايَةِ وَعَظَمَةَ هَذَا الحَقِّ، فَانقَلَبَ الحَالُ إِلَى أَحسَنِ حَالٍ، فَلَم يَنظُرُوا إِلَى زِينَةِ دُنيَا وَلَا إِلَى زُخرُفٍ زَائِلٍ، وَبَعدَ ذَلِكَ: الصَّحَابَةُ قَدَّمُوا أَنفُسَهُم لِلآخِرَةِ، قَدَّمُوا أَموَالَهُم، قَدَّمُوا أَولَادَهُم فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَن دَعوَتِهِ وَفِي سَبِيلِ حِمَايَةِ هَذَا الدِّينِ،
مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَيفَ كَانَ حَالُهُ قَبلَ إِسلَامِهِ وَكَيفَ صَارَ بَعدَ ذَلِكَ، كَانَ مُصعَبُ فَتَى مَكَّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ يُحِبَّانِهِ، وَكَانَت أُمُّهُ كَثِيرَةَ المَالِ تَكسُوهُ أَحسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ وَأَرَقَّهُ، وَكَانَ أَعطَرَ أَهلِ مَكَّةَ، يَلبَسُ الحَضرَمِيَّ مِنَ النِّعَالِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذكُرُهُ وَيَقُولُ: «مَا رَأَيتُ بِمَكَّةَ أَحسَنَ لِمَّةً وَلا أَرَقَّ حُلَّةً وَلَا أَنعَمَ نِعمَةً مِن مُصعَبِ بنِ عُمَيرِ».
و أَقبَلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ ذَاتَ يَومٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصحَابِهِ عَلَيهِ قِطعَةُ نَمِرَةٍ قَد وَصَلَهَا بِقِطعَةِ جِلدٍ، فَلَمَّا رَءَاهُ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ نَكَسُوا رُؤُوسَهُم رَحمَةً لَهُ لِمَا رَأَوهُ مِن حَالِهِ بَعدَ أَن كَانَ يَلبَسُ فَاخِرَ الثِّيَابِ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَحسَنَ عَلَيهِ الثَّنَاءَ، وَقَالَ: «لَقَد رَأَيتُ هَذَا» يَعنِي مُصعَبًا «وَمَا بِمَكَّةَ فَتًى مِن قُرَيشٍ أَنعَمَ عِندَ أَبَوَيهِ نَعِيمًا مِنهُ، ثُمَّ أَخرَجَهُ مِن ذَلِكَ الرَّغبَةُ فِي الخَيرِ فِي حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ». صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَخرَجَهُ مِن ذَلِكَ أَي مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ الزَّائِلِ الرَّغبَةُ فِي الخَيرِ، حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «انظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَد نَوَّرَ اللهُ قَلبَهُ، لَقَد رَأَيتُهُ بَينَ أَبَوَيهِ يَغذُوَانِهِ بِأَطيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَدَعَاهُ حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَونَ».
وَجَاءَ عَن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ وَهُوَ مُنجَعِفٌ عَلَى وَجهِهِ [أَي مَصرُوعٌ] يَومَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَفدُونَ هَذَا النَّبِيَّ ﷺ بِأَموَالِهِم وَبِأَروَاحِهِم، فَلنَسأَل أَنفُسَنَا مَاذَا قَدَّمنَا بِالمُقَابِلِ لِمَا قَدَّمُوهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم؟ هَل شَغَلنَا أَوقَاتَنَا فِي تَعلِيمِ النَّاسِ وَنَشرِ هَذِهِ العَقِيدَةِ وَهَذَا العِلمِ؟ هَذَا العَمَلُ هُوَ الَّذِي يَنفَعُنِي بَعدَ المَوتِ.اهـ)
(هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم هَذَا الَّذِي عَلَّمَهُم إِيَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكَانُوا هُدَاةً مَهدِيِّينَ، جَزَاهُمُ اللهُ خَيرًا، وَهَذَا هُوَ نَهجُ الأَنبِيَاءِ قَبلَهُم، فَهَذَا المَنهَجُ هُوَ المَنهَجُ الحَقُّ الَّذِي سَلَكَهُ الأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ عَبرَ الزَّمَنِ.
بيان صبر نبيّ الله نوح عليه السلام في الدعوة إلى الله تعالى
وَأَذكُرُ مِثَالًا فِي الثَّبَاتِ عَلَى هَذَا النَّهجِ المُبَارَكِ لِأَجلِ هِدَايَةِ النَّاسِ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهَذَا نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَرسَلَهُ اللهُ إِلَى قَومٍ يَعبُدُونَ الأَوثَانَ، قَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَنهُم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، وَهَذِهِ أَسمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَومِ إِدرِيسَ، وَكَانَ لَهُم رِجَالٌ يَقتَدُونَ بِهِم، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ أَي بَثَّ إِلَى قَومِهِم أَنِ انصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجلِسُونَ فِيهَا أَنصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسمَائِهِم، فَفَعَلُوا فَلَم تُعبَد، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَانتَسَخَ العِلمُ عُبِدَت، فَبَعَثَ اللهُ نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ لِيَدعُوَهُم إِلَى الدِّينِ الحَقِّ وَهُوَ الإِسلَامُ وَالعِبَادَةِ الحَقَّةِ وَهِيَ عِبَادَةُ اللهِ وَحدَهُ وَتَركُ عِبَادَةِ غَيرِهِ، وَقَالَ لَهُم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وَقَالَ: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وَقَالَ: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، وَدَعَاهُم إِلَى اللهِ بِأَنوَاعِ الدَّعوَةِ، فِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَالسِّرِّ وَالإِجهَارِ، وَبِالتَّرغِيبِ تَارَةً وَبِالتَّرهِيبِ أُخرَى، لَكِنَّ أَكثَرَهُم لَم يُؤمِن، بَلِ استَمَرُّوا عَلَى الضَّلَالَةِ وَالطُّغيَانِ وَعِبَادَةِ الأَوثَانِ، وَنَصَبُوا لَهُ العَدَاوَةَ وَلِمَن ءَامَنَ بِهِ وَتَوَعَّدُوهُم بِالرَّجمِ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فَأَجَابَهُم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا بَعدَ أَن تَعَجَّبُوا أَن يَكُونَ بَشَرٌ رَسُولًا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
لَبِثَ سَيِّدُنَا نُوحٌ فِي قَومِهِ يَدعُوهُم إِلَى الإِسلَامِ أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَامًا، يَدعُوهُم لِلإِسلَامِ، لِهِدَايَتِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وَكَانَ قَومُهُ يَبطُشُونَ بِهِ فَيَخنُقُونَهُ حَتَّى يُغشَى عَلَيهِ، حَتَّى تَمَادَوا فِي مَعصِيَتِهِم وَعَظُمَت مِنهُمُ الخَطِيئَةُ، فَلَا يَأتِي قَرنٌ إِلَّا كَانَ أَخبَثَ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبلَهُ، حَتَّى إِن كَانَ الآخَرُ لَيَقُولُ: قَد كَانَ هَذَا مَعَ ءَابَائِنَا وَأَجدَادِنَا مَجنُونًا لَا يَقبَلُونَ مِنهُ شَيئًا.
وَمِن جُملَةِ مَا قَالَ لَهُم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، أَي أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَهدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ، وَلَكِنَّ اليَأسَ لَم يَدخُل قَلبَ نُوحٍ، بَل أَخَذَ يُجَاهِدُ فِي إِبلَاغِ الرِّسَالَةِ وَيَبسُطُ لَهُمُ البَرَاهِينَ، وَلَم يُؤمِن بِهِ إِلَّا جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ استَجَابُوا لِدَعوَتِهِ وَصَدَّقُوا بِرِسَالَتِهِ. قِيلَ: ان سَيِّدَنَا نُوحا قَد عَاشَ أَلفَ سَنَةٍ وَسَبعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَاللهُ أَعلَمُ.
وَيُروَى أَنَّ نُوحًا لَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيفَ رَأَيتَ الدُّنيَا؟ قَالَ: «كَبَيتٍ لَهُ بَابَانِ، دَخَلتُ مِن أَحَدِهِمَا وَخَرَجتُ مِنَ الآخَرِ».
أَمَّا وَصِيَّتُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِمَّا يُؤَكِّدُ المَعَانِيَ السَّابِقَةَ الَّتِي ذَكَرتُهَا: رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا لَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ قَالَ لِابنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيكَ الوَصِيَّةَ، ءَامُرُكَ بِاثنَتَينِ وَأَنهَاكَ عَنِ اثنَتَينِ، ءَامُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ لَو وُضِعَت فِي كَفَّةٍ وَوُضِعَت لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ رَجَحَت بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَو أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ كُنَّ حَلَقَةً مُبهَمَةً قَصَمَتهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَىءٍ، وَبِهَا يُرزَقُ الخَلقُ، وَأَنهَاكَ عَنِ الشِّركِ وَالكِبرِ».اهـ)
وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
(وَهَذِهِ الصُّورَةُ المُقَابِلَةُ الَّتِي يَذكُرُهَا لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ، فَالهُدَاةُ هُمُ الأَنبِيَاءُ وَمَن مَشَى عَلَى طَرِيقِهِم، وَبِالمُقَابِلِ أَوَّلُ الدُّعَاةِ إِلَى الكُفرِ وَالضَّلَالِ هُوَ إِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ وَمَن مَشَى عَلَى دَربِهِ وَطَرِيقِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِبلِيسُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالكُفرِ وَالمَعصِيَةِ وَمُخَالَفَةِ طَرِيقِ الأَنبِيَاءِ، وَأَذكُرُ فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ بَعضَ الدُّعَاةِ إِلَى الفَسَادِ وَالضَّلَالِ، كَوَاحِدٍ اسمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ سَبَأٍ وَهُوَ يَهُودِيٌّ ادَّعَى الإِسلَامَ فِي عَصرِ الصَّحَابَةِ، وَأَتبَاعُهُ هُمُ السَّبَائِيَّةُ أَوِ السَّبَئِيَّةُ، هُوَ الَّذِي قَالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: أَنتَ أَنتَ، يَعنِي: أَنتَ الإِلَهُ، فَنَفَاهُ إِلَى المَدَائِنِ. وَكَانَ فِي اليَهُودِيَّةِ يَقُولُ فِي يُوشَعَ بنِ نُونٍ فَتَى مُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ مِثلَ مَا قَالَ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَابنُ سَبَأٍ هُوَ أَوَّلُ مَن أَظهَرَ القَولَ بِالنَّصِّ بِإِمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمِنهُ انشَعَبَت أَصنَافُ الغُلَاةِ مِنَ الرَّوَافِضِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا حَيٌّ لَم يَمُت، بِزَعمِهِ لِأَنَّ فِيهِ الجُزءَ الإِلَهِيَّ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُستَولَى عَلَيهِ وَهُوَ الَّذِي يَجِيءُ فِي السَّحَابِ، وَالرَّعدُ صَوتُهُ، وَالبَرقُ تَبَسُّمُهُ. وَأَنَّهُ سَيَنزِلُ إِلَى الأَرضِ بَعدَ ذَلِكَ فَيَملَأُ الأَرضَ عَدلًا كَمَا مُلِئَت جُورًا. وَإِنَّمَا أَظهَرَ ابنُ سَبَإٍ هَذِهِ المَقَالَةَ بَعدَ مَوتِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَاجتَمَعَت عَلَيهِ جَمَاعَةٌ.
وَالغَيبَةُ وَهِيَ مَا يُسَمَّى عِندَ بَعضِ الطَّوَائِفِ هَذِهِ الأَيَّامَ بِالغَيبَةِ الكُبرَى الَّتِي غَابَهَا بَعضُ أَئِمَّتِهِم بِزَعمِهِم وَيَعُودُ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ، وَبَعضُهُم زَادَ فِي شَنِيعِ القَولِ فَقَالَ إِنَّهُ الإِمَامُ الغَائِبُ يَرجِعُ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ فَيَذهَبُ إِلَى المَدِينَةِ وَيُخرِجُ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ مِن قُبُورِهِمَا وَيَصلِبُهُمَا عَلَى نَخلَةٍ مِن نَخلِ المَدِينَةِ فَيُحرِقُ جَسَدَيهِمَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَيَقُولُ بَعضُهُم إِنَّ أَئِمَّتَهُم يَتَصَرَّفُونَ فِي الكَونِ خَلقًا وَتَدبِيرًا وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَقَالَ ابنُ سَبَأٍ أَيضًا بِالرَّجعَةِ، أَي بِرُجُوعِ عَلٍيّ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ كَمَا عِيسَى يَرجِعُ كَذَلِكَ عَلِيٌّ يَرجِعُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهَذَا القَولُ هُوَ عِندَ بَعضِ اليَهُودِ، فَيَستَدِلُّونَ بِزَعمِهِم بِقِصَّةِ عُزَيرٍ أَنَّهُ ذَهَبَ زَمَنًا وَعَادَ وَرَجَعَ.
وَقَالَ ابنُ سَبَأٍ بِتَنَاسُخِ الجُزءِ الإِلَهِيِّ فِي الأَئِمَّةِ بَعدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَقِيلَ عَنهُ إِنَّ مِنهُ كَانَت أُصُولُ المَفَاسِدِ، مِنَ التَّجسِيمِ، وَهُوَ الَّذِي بَثَّهَا فِي الأُمَّةِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَلَى صُورَةِ الإِنسَانِ، وَقَالَ أَتبَاعُهُ: إِنَّهُ عَلَى صُورَةِ شَابٍّ أَمرَدَ، وَبَعضُهُم قَالَ: عَلَى صُورَةِ شَيخٍ أَشمَطَ، وَقَالَ ابنُ سَبَأٍ بِالإِرجَاءِ بِأَنَّ المُؤمِنَ لَا يُعَذَّبُ أَبَدًا بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَقَالَ بِنَفيِ تَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى لِكُلِّ شَيءٍ وَالعِيَاذُ بِاللهِ)…