رياض الصالحين | (175 – ج2)| انفذ على رسلك منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله

الحَمدُ للهِ العَالِمِ بِعَبدِهِ وَمَا أَخفَتهُ نَفسُهُ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدًا كَمَا يَنبَغِي لِكَرَمِ وَجهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ مَن لَا حَولَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَنَستَهدِيهِ بِهُدَاهُ الَّذِي لَا يَضِلُّ مَن أَنعَمَ بِهِ عَلَيهِ، وَنَستَغفِرُهُ لِمَا أَزلَفنَا وأَخَّرنَا استِغفَارَ مَن يُقِرُّ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ عَلَى حِينِ فَترةٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَكَانَ خِيرَتَهُ المُصطَفَى لِوَحيِهِ، المُنتَخَبَ لِرِسَالَتِهِ، المُفَضَّلَ عَلَى جَمِيعِ خَلقِهِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَن ذِكرِهِ الغَافِلُونَ، وَصَلَّى عَلَيهِ فِي الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، أَفضَلَ وَأَكثَرَ وَأَزكَى مَا صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِن خَلقِهِ، وَزَكَّانَا وَإِيَّاكُم بِالصَّلَاةِ عَلَيهِ أَفضَلَ مَا زَكَّى أَحَدًا مِن أُمَّتِهِ بِصَلَاتِهِ عَلَيهِ، وَجَزَاهُ اللهُ عَنَّا أَفضَلَ مَا جَزَى مُرسَلًا عَمَّن أُرسِلَ إِلَيهِ، فَلَم تُمسِ بِنَا نِعمَةٌ ظَهَرَت وَلَا بَطَنَت، نِلنَا بِهَا حَظًّا فِي دِينٍ وَدُنيَا، أَو دُفِعَ بِهَا عَنَّا مَكرُوهٌ فِيهِمَا أَو فِي وَاحِدٍ مِنهُمَا إِلَّا وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ سَبَبُهَا، القَائِدُ إِلَى خَيرِهَا، وَالهَادِي إِلَى رُشدِهَا، فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَبَعدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الخَامِسِ وَالسَّبعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى خَيرٍ وَالدُّعَاءِ إِلَى هُدًى أَو ضَلَالَةٍ.اهـ وَكُنَّا شَرَحنَا جُزءً مِنهُ الدَّرسَ السَّابِقَ، نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُ بَقِيَّتَهُ هَذَا الدَّرسَ إِن شَاءَ اللهُ.

مَتنُ الحَدِيثِ الَّذِي سَنَشرَحُهُ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

وَعَن أَبِي العَبَّاسِ سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَومَ خَيبَرٍ: «لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُم أَيُّهُم يُعطَاهَا. فَلَمَّا أَصبَحَ النَّاسُ غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُم يَرجُو أَن يُعطَاهَا. فَقَالَ: «أَينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ يَشتَكِي عَينَيهِ. قَالَ: «فَأَرسِلُوا إِلَيهِ» فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عَينَيهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ حَتَّى كَأَن لَم يَكُن بِهِ وَجَعٌ، فَأَعطَاهُ الرَّايَةَ. فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُم حَتَّى يَكُونُوا مِثلَنَا؟ فَقَالَ: «انفُذ عَلَى رِسلِكَ حَتَّى تَنزِلَ بِسَاحَتِهِم، ثُمَّ ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ، وَأَخبِرهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِن حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللهِ لَأَن يَهدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِن حُمرِ النَّعَمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. قَولُهُ: «يَدُوكُونَ»: أَي يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وَقَولُهُ: «رِسلِكَ» بِكَسرِ الرَّاءِ وَبِفَتحِهَا لُغَتَانِ، وَالكَسرُ أَفصَحُ.

وَصَلنَا إِلَى قَولِهِ:

فَقَالَ: «أَينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ يَشتَكِي عَينَيه (وَالمَعنَى أَنَّهُ حَصَلَ عُذرٌ لَدَيهِ، أَي: أَينَ عَلِيٌّ؟ مَا لِي لَا أَرَاهُ حَاضِرًا؟ فَيَستَقِيمَ جَوَابُهُم: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشتَكِي عَينَيهِ، كَأَنَّهُ ﷺ استَبعَدَ غَيبَتَهُ عَن حَضرَتِهِ فِي مِثلِ تِلكَ المَوَاطِنِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَد قَالَ: «لَأُعطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ» إِلَى آخِرِهِ، وَقَد حَضَرَ النَّاسُ كُلُّهُم طَمَعًا بِأَن يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَفُوزُ بِذَلِكَ الوَعدِ)

قَالَ: «فَأَرسِلُوا إِلَيهِ»، (أَي أَرسَلُوا مَن يَستَدعِيهِ أَو يَأتِي بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: فَأَرسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، قَالَ: فَجِئتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرمَدَ، فَبَزَقَ فِي عَينِهِ فَبَرأَ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَلَعَلَّ عَلِيًّا حَضَرَ إِلَيهِم بِخَيبَرَ وَلَم يَقدِر عَلَى مُبَاشَرَةِ القِتَالِ لِرَمَدِهِ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَحَضَرَ مِنَ المَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، أَو بَعَثَ إِلَيهِ إِلَى المَدِينَةِ فَصَادَفَ حُضُورَهُ)

التبركُ بالآثارِ النبويةِ في حياةِ الصحابة

فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عَينَيهِ، (رِيقُهُ ﷺ مُبَارَكٌ، فَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنهُ فَهُوَ بَرَكَةٌ)

وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ حَتَّى كَأَن لَم يَكُن بِهِ وَجَعٌ، (قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مُعجِزَاتٌ ظَاهِرَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَولِيَّةٌ وَفِعلِيَّةٌ، فَالقَولِيَّةُ إِعلَامُهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفتَحُ عَلَى يَدَيهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَالفِعلِيَّةُ بُصَاقُهُ فِي عَينِهِ وَكَانَ أَرمَدَ فَبَرَأَ مِن سَاعَتِهِ، وَفِيهِ فَضَائِلُ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ وَبَيَانُ شَجَاعَتِهِ وَحُسنِ مُرَاعَاتِهِ لِأَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُبِّهِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَحُبِّهِمَا إِيَّاهُ) 

(وَهَذَا بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ وَمَا كَانَ مِنهُ ﷺ مِن نَشرِ بَرَكَتِهِ بَينَ النَّاسِ، وَإِنَّ جَوَازَ هَذَا الأَمرِ يُعرَفُ مِن فِعلِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ شَعَرَهُ حِينَ حَلَقَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بَينَ الصَّحَابَةِ وَقَسَمَ أَظفَارَهُ بَينَهُم أَيضًا. فعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَمَى ﷺ الجَمرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الحَالِقَ شِقَّهُ الأَيمَنَ فَحَلَقَ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلحَةَ الأَنصَارِيَّ فَأَعطَاهُ الشَّعَرَ ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيسَرَ فَقَالَ: «احلِق»، فَحَلَقَ فَأَعطَى الشَّعَرَ لِأَبِي طَلحَةَ وَقَالَ ﷺ: «اقسِمهُ بَينَ النَّاسِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. فَنَعلَمُ مِن هَذَا وَغَيرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرشَدَ أُمَّتَهُ إِلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ كُلِّهَا، دَرَجَ الصَّحَابَةُ عَلَى مَا عَلَّمَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاقِفِ الوَارِدَةِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ وَفَاتِهِ ﷺ فَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِشَعَرِهِ وَأَظفَارِهِ وَرِيقِهِ وَدَمِهِ وَعَرَقِهِ وَمَلَابِسِهِ وَغَيرِ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ بَعضَ الصَّحَابَةِ أَوصَى بِأَن يُدفَنَ مَعَهُ بَعضُ ءَاثَارِ النَّبِيِّ ﷺ،  وَلَمَّا حَضَرت عَائِشَةَ الوفاةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا دَعَت بِخِرقَةٍ مِن قَمِيصِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَت: ضَعُوا هَذِهِ عَلَى صَدرِي وَادفِنُوهَا مَعِي، رَوَاهُ الحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِ الإِحيَاءِ. وَعَن دَاوُدَ بنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: أَقبَلَ مَروَانُ (يَعنِي مَروَانَ بنَ الحَكَمِ) يَومًا (وَكَانَ حَاكِمًا عَلَى المَدِينَةِ مِن قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَلَم يَرَ رَسُولَ اللهِ كَمَا قَالَ البُخَارِيُّ) فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجهَهُ عَلَى القَبرِ فَقَالَ: أَتَدرِي مَا تَصنَعُ، فَأَقبَلَ عَلَيهِ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبٍ (وَاسمُهُ خَالِدُ بنُ زَيدٍ) فَقَالَ: نَعَم جِئتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَم ءَاتِ الحَجَرَ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَبكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهلُهُ وَلَكِنِ ابكُوا عَلَيهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيرُ أَهلِهِ»، رَوَاهُ أَحمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ.

فَلا التِفَاتَ بَعدَ هَذَا إِلَى دَعوَى مُنكِرِي التَّوَسُّلِ وَالتَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ وَالغَرِيبُ أَنَّ مَن يُنكِرُ ذَلِكَ يَنتَسِبُ إِلَى المَذهَبِ الحَنبَلِيِّ مَعَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الإِمَامِ أَحمَدَ فِي كِتَابِ العِلَلِ وَمَعرِفَةِ الرِّجَالِ قَالَ سَأَلتُهُ يَعنِى أَبَاهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ مِنبَرَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِمَسِهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيَفعَلُ بِالقَبرِ مِثلَ ذَلِكَ أَو نَحوَ هَذَا يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ لا بَأسَ بِذَلِكَ.اﻫ وَرَوَى الحَافِظُ الحَنبَلِيُّ الضِّيَاءُ المَقدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الحِكَايَاتُ المَنثُورَةُ المَحفُوظِ بِظَاهِرِيَّةِ دِمَشقَ أَنَّ الحَافِظَ عَبدَ الغَنِيِّ بنَ سَعِيدٍ الحَنبَلِيَّ كَانَت خَرَجَت لَهُ دُمَّلَةٌ فَأَعيَاهُ عِلاجُهَا فَذَهَبَ إِلَى قَبرِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ فَمَسَحَهَا فَتَعَافَى.اﻫ وَرَوَى الحَافِظُ الحَنبَلِيُّ عَبدُ الرَّحمٰنِ ابنُ الجَوزِيِّ فِي مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحمَدَ تَبَرُّكَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِقَمِيصِ الإِمَامِ أَحمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.اﻫ) (فالأمة الإسلامية سلفا وخلفا يرون جواز التبرك بآثار النبي ﷺ حبا به عليه الصلاة والسلام وشوقا إليه وطلبا لبركته الباقية في هذه الأمة بإذن الله، وليس هذا شركا ولا وثنية ولا دعوة لمعارضة التوحيد، بل هذا الذي علمه رسول الله لأصحابه الكرام رضي الله عنهم وللأمة بعده ﷺ وَقَدْ نَظَمَ بَعضُ الشُّعَرَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ قَصِيدَةً جَمَعَ فِيهَا الكَثِيرَ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِالآثَارِ النَّبِوِيَّةِ قَالَ فِيهَا:

أَبْدَأُهَـا بِقَوْلِ بِسْمِ اللهِ **** تَنَـزَّهَ الرَّحْمٰنُ عَنْ أَشْبَاهِ

وَأَحْمَـدُ الإِلَهَ ذَا الْجَلالِ **** لِفَضْلِهِ بِالْهَدْيِ وَالنَّوَالِ

ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّـلامُ مِنَّا **** عَلَى نَبِيٍّ لِلْفَلاحِ سَنَّا

طَرِيقَـةَ التَّبَـرُّكِ الْمَيْمُونَهْ **** فِى ذَاكَ أَهْـلُ الْعِلْمِ يَتْبَعُـونَهْ

فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَنْ أَتَاكُمْ يَدَّعِى **** بِأَنَّهُ غَـْيرَ الْهُدَى لَمْ يَتْبَـعِ

وَقَدْ أَحَـلَّ حُرْمَةً ضَلَالَا **** مِنْ جَهلِهِ أَوْ حَـرَّمَ الْحَلَالَا

قُولُوا لَهُ إِذْ حَرَّمَ التَّبَرُّكَا **** بِأَثَـرِ النَّبِيِّ زَادَ شَرُّكَا

إِنَّ اقْتِسَامَ الشَّعْرِ يَا مُمَـارِي **** رَوَاهُ مُسْـِلمٌ كَذَا الْبُخَارِي

وَقِسْمَةُ الأَظْفَــارِ أَيْضًا تُسْنَدُ **** صَحِيحَةً كَمَـا رَوَاهَا أَحْمَــدُ

وَجُبَّةُ النَّبِيِّ سَـلْ أَسْـمَـاءَ **** أَمَـا رَأَتْ فِي مَائِهَا الشِّـفَــاءَ

هَـاكَ دَلِيلًا مِنْ أَبِى أَيُّـوبِ **** يَمَسُّ بِالْخـَدِّ ثَرَى الْمَحْبُـوبِ

أَنْعِمْ بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَـرَا **** جِئْتُ رَسُولَ اللهِ لَيْسَ الْحَجَرَا

فَمُسْـلِمٌ أُولاهُـمَا رَوَاهَـا **** صَحِيحَةَ الإِسْـنَادِ عَنْ مَوْلاهَا

وَأَحْمَدٌ رَوَى الْحَدِيثَ الثَّـانِي **** رَدَّ الصَّحَـابِيِّ عَلَى مَرْوَانِ

وَخَالِدٌ لِلْجَيْشِ فِي قَلَنْسُوَةْ **** قَالَ اطْلُبُوا سَبَبُ ذاكَ ما هُوَهْ

لِأَنَّ فِي الطَّيَّاتِ شَعْرَاتِ النَّبِيّ **** وَذَاكَ فِي الْيَرْمُوكِ يَرْوِى الْبَيْهَقِيّ

وَمَسْحُ أَحْمَدٍ لِرَأْسِ حَنْظَلَـهْ **** بِكَفِّـهِ وَدَاعِيًــا بِالْخَـيْرِ لَـهْ

مَنْ جَاءَهُ وَالْوَجْهُ مِنْـهُ وَارِمُ **** بِمَسْـحَةٍ يَعُـودُ وَهُوَ سَالِمُ

بَرَكَـةُ النَّبِيِّ طَـابَ عَرْفُهُ **** مَوْضِـعُ كَفِّهِ فَكَيْفَ كَفُّهُ

وَثَابِتٌ قَدْ كَرَّرَ التَّقْبِيلا **** يـَدًا وَعَيْنًا رَأَتِ الرَّسُولَا

وَأَنَسٌ عَنْ مِثْلِ ذَاكَ مَا زَجَرْ **** مُجَوِّزًا رَوَى أَبُو يَعْلَى الأَثَرْ

يَا إِخْوَتِي مِنْ فَضْلِهِ تَبَرَّكُوا **** تَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِ لا تَتْرُكُوا

أَجَازَهُ نَبِيُّنَـا الْمُعَظَّمُ **** فَفَتِّشُوا عَنْ ذَيْلِ مَنْ يُحَرِّمُ

فَإِنَّهُ أَخُو الْجَهُولِ فِي الغَبَا **** وَمِثْلَهُ يَأبَى الْكَرِيمُ يَصْحَبَا

نَظَمْتُهـا مُرْشِـدَةً عَزِيزَهْ **** أَكْرِمْ بِهَا فِي الْخَيْرِ مِنْ أُرْجُوزَهْ)

بيان بطلان القول بحرية الاعتقاد والتدين

فَأَعطَاهُ الرَّايَةَ. فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُم حَتَّى يَكُونُوا مِثلَنَا؟

(أَي يَدخُلُوا دِينَ الإِسلَامِ وَيَلتَزِمُوا أَحكَامَهُ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَن يَقُولُ بِحُرِّيَّةِ الِاعتِقَادِ وَالتَّدَيُّنِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاهَدَ أَعدَاءَ الدِّينِ لِإِدخَالِهِم فِي دِينِ الإِسلَامِ وَإِنقَاذِهِم مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذَا فِيهِ رَحمَةٌ بِهِم حَتَّى لَا يَمُوتُوا عَلَى الكُفرِ فَيَخلُدُوا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَأَمَرَنَا بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، وَقَد أَمَرَ الحَقُّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالإِيمَانِ بِقَولِهِ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾، وَتَوَعَّدَ المُخَالِفِينَ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُم فَمَن شَاء فَليُؤمِن وَمَن شَاء فَليَكفُر إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءت مُرتَفَقًا﴾، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ وَالتَّهدِيدُ لِمَن تَرَكَ الإِيمَانَ وَوَقَعَ فِي الكُفرِ كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالنَّسَفِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ وَغَيرُهُم مِنَ المُفَسِّرِينَ. وَلَا يَنبَغِي أَن نَنسَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنا أَن نَدعُوَ غَيرَنا لِهَذِهِ الوَاجِبَاتِ بِالرِّفقِ وَاللِّينِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، مَعَ اعتِقَادِنَا أَنَّنَا لَا نَخلُقُ الهِدَايَةَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَلِ اللهُ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾، أَي لَا أَحَدَ يَستَطِيعُ خَلقَ الِاهتِدَاءِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَإِنَّمَا خَالِقُ الهِدَايَةِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.اهـ

فَدِينُ الإِسلَامِ لَم يَأتِ بِحُريَّةِ الرَّأيِ وَالفِكرِ وَالمُعتَقَدِ، وَهَذَا القَولُ، أَي قَولُ مَن جَعَلَ الإِسلَامَ قَد أَعطَى حُرِّيَّةً لِلنَّاسِ فِي اعتِقَادِهِم، قَولٌ يُخَالِفُ القُرآنَ وَيُخَالِفُ شَرعَ اللهِ، فَقَد قَالَ رَبُّنَا عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، مَعنَاهُ فُرِضَ عَلَيكُم أيُّهَا المُسلِمُونَ أَن تُقَاتِلُوا الكُفَّارَ لِضَمَانِ سَلَامَةِ دِينِكُم وَلِإِدخَالِ النَّاسِ فِي دِينِ الإِسلَامِ دِينِ اللهِ، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ فَإِن هُم قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَائَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّ الإِسلَامِ وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ»، فَبِقَولِ الرَّسُولِ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الإِسلَامَ لَم يَأتِ بِحُرِّيَّةِ الِاعتِقَادِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾، أَي إِلَّا لِآمُرَهُم بِعِبَادَتِي، فَاللهُ لَم يُخَيِّرِ الجِنَّ وَالإِنسَ بَينَ الكُفرِ وَالإِيمَانِ. وَقَد تَوَعَّدَ اللهُ المُخَالِفِينَ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُم فَمَن شَاء فَليُؤمِن وَمَن شَاء فَليَكفُر إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءت مُرتَفَقًا﴾، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ وَالتَّهدِيدُ لِمَن تَرَكَ الإِيمَانَ وَوَقَعَ فِي الكُفرِ كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالنَّسَفِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ وَغَيرُهُم مِنَ المُفَسِّرِينَ)

فَقَالَ: «انفُذ عَلَى رِسلِكَ

(أَيِ امضِ، برِفقِكَ وَلِينِكَ، قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: وَالرِّسلُ بِالكَسرِ: الهِينَةُ وَالتَّأَنِّي. قَالَ الجَوهَرِيُّ: يُقَالُ افعَل كَذَا وَكَذَا عَلَى ‌رِسلِكَ بِالكَسرِ: أَيِ اتَّئد فِيهِ، كَمَا يُقَالُ عَلَى هِينَتِك)

حَتَّى تَنزِلَ بِسَاحَتِهِم،

(هِيَ النَّاحِيَةُ وَالفَضَاءُ بَينَ دُورِ الحَيِّ)

ثُمَّ

(أَي: بَعدَ وُصُولِكَ لَهَا)

ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ،

(أَيِ ادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ التَّوحِيدِ وَإِلَى أَن يَدخُلُوا فِي الإِسلَامِ وَيَترُكُوا كُفرَهُمُ الَّذِي هُم فِيهِ، بِأَن يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَمَعنَى أَن تَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَي أَن تَعتَرِفَ بِلِسانِكَ مَعَ التَّصدِيقِ بِقَلبِك أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. لَا خَالِقَ لِشَىءٍ مِنَ الأَشيَاءِ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ المَوجُودُ الَّذِي لَا يُشبِهُ المَوجُودَاتِ وَأَنَّهُ سُبحانَهُ لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا هَيئَةٍ وَلا كَمِّيَّةٍ أَي حَجمٍ وَمِقدَارٍ وَلَا كَيفِيَّةٍ. قَالَ الإِمَامُ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطّابِيُّ: «إِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَينا وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَعلَمَه أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيئَةِ»، لِأَنَّ الصُّورَةَ تَحتَاجُ إِلَى جِسمٍ فَيُصَوَّرُ هَذَا الجِسمُ بِالصُّورَةِ. وَاللهُ لَا يَحتَاجُ إِلَى شَىءٍ مِن مَخلُوقاتِهِ ولا إِلَى أَرضِهِ وَلا إِلَى كُرسِيِّهِ وَلا إِلَى عَرشِهِ. خَلَقَ الخَلائِقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنهُم أَزَلًا وَأَبَدًا وَكُلُّ الخَلائِقِ مُحتاجُونَ إِلَى اللهِ فِى دَقِيقِ الأُمُورِ وَعَظِيمِها. وَاللهُ لَا يَنتَفِعُ بِطَاعَاتِنَا، لَا بِصَلاتِنا وَلا بِصِيَامِنَا وَلَا يَنضَرُّ بِمَعَاصِينَا. لَا يَزدَادُ كَمَالُهُ بِطَاعَةِ عِبادِهِ وَلا يَنقُصُ كَمالُهُ بِمَعصِيَتِهِم لأَنَّ الزِّيادَةَ والنُّقصَانَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ وَلَيسَت مِن صِفَاتِ الخَالِقِ. فَكَمَالُ اللهِ لا يَزِيد وَلا يَنقُص. كُلُّ مُغَيَّرٍ مُحتَاجٌ إِلَى مَن يُغَيِّرُهُ، وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.

وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: هذَهِ ِالشَّهادَةُ الثّانِيَةُ ويَدخُلُ فِى مَعنَى “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ” التَّصدِيقُ بِأَنَّهُ   مُرسَلٌ مِن عِندِ الله وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِى كلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللهِ. هَذَا أَصلُ مَعنَى الشَّهادَةِ الثّانِيَة. التَّصدِيقُ بِأَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا مُرسَلٌ مِن عِندِ الله، اللهُ اختَارَهُ وَاصطَفاهُ وَأَرسَلَهُ داعِيًا وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا. ولَا يَجُوزُ عَلَى رَسُولِ اللهِ الكَذِبُ فِى قَولٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يُوحَى﴾ مَعنَاهُ نَبِيُّنُا لَا يَكذِبُ، لَا يُخطِئُ فِى الشَّرعِ، وَقالَ عَن نَفسِهِ: «كُلٌّ يُؤخَذُ مِن قَولِهِ وَيُدَع غَيرَ رَسُولِ الله» يُدَع أَي يُترَك. وَكُلُّ الرُّسُل يَشتَرِكُون فِى صِفَةِ الصِّدق فَلا يَجُوزُ عَلَى واحِدٍ مِنهُم الكَذِبُ وَلَا الخَطَأُ فِى حُكمٍ شَرعِيٍّ أَوحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَيهِم، فَكُلُّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْفَطَانَةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَالرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالْبَلادَةُ، وَالْجُبْنُ وَكُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ وَتَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي لَكِنْ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ)

الاعتقادُ الصحيحُ في صفاتِ الله


وَأَخبِرهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِن حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ للهِ عَلَى العَبِيدِ هُوَ تَوحِيدُهُ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَى البُخَارِيُّ عَن مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنتُ رِدفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيرٌ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَل تَدرِي ‌حَقَّ ‌اللهِ ‌عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ. قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ قَالَ: فَإِنَّ ‌حَقَّ ‌اللهِ ‌عَلَى العِبَادِ أَن يَعبُدُوهُ وَلَا يُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَن لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا».اهـ وَالتَّوحِيدُ هُوَ مَعرِفَةُ اللهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَمَعرِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَالمَقصُودُ بِمَعرِفَةِ اللهِ أَي مَعرِفَةُ صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ الثَّابِتَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجمَاعِ الأُمَّةِ، وَلَيسَت مَعرِفَةَ إِحَاطَةٍ كَمَعرِفَتِي لَكُم مَثَلًا، أَو مَعرِفَتِي لِلطَّرِيقِ الفُلَانِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ المَعرِفَةَ مَعرِفَةُ إِحَاطَةٍ، وَمَعرِفَتِي للهِ لَيسَت مَعرِفَةَ إِحَاطَةٍ بَل هِيَ اعتِقَادُ إِثبَاتِ وُجُودِهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الِاستِوَاءِ (ءَامَنتُ بِلَا تَشبِيهٍ وَصَدَّقتُ بِلَا تَمثِيلٍ وَاتَّهَمتُ نَفسِي فِي الإِدرَاكِ وَأَمسَكتُ عَنِ الخَوضِ فِيهِ كُلَّ الإِمسَاكِ). ذَكَرَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ فِي البُرهَانِ المُؤَيَّدِ وَالعِزُّ بنُ عَبدِ السَّلَامِ فِي حَلِّ الرُّمُوزِ وَالشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ الحِصنِيُّ فِي دَفعِ شُبَهِ مَن شَبَّهَ وَتَمَرَّدَ.اهـ

وَقَالَ أَيضًا (ءَامَنتُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ وَبِمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ) ذَكَرَهُ الشَّيخُ الحِصنِيُّ فِي دَفعِ شُبَهِ مَن شَبَّهَ وَتَمَرَّدَ وَغَيرُهُمَا كَثِيرٌ، وَمَعنَاهُ لَا عَلَى مَا قَد تَذهَبُ إِلَيهِ الأَوهَامُ وَالظُّنُونُ مِنَ المَعَانِي الحِسِّيَّةِ وَالجِسمِيَّةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.

وَلَمَّا سُئِلَ عَن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى قَالَ (حَرَامٌ عَلَى العُقُولِ أَن تُمَثِّلَ اللهَ تَعَالَى وَعَلَى الأَوهَامِ أَن تَحُدَّ وَعَلَى الظُّنُونِ أَن تَقطَعَ وَعَلَى النُّفُوسِ أَن تُفَكِّرَ وَعَلَى الضَّمَائِرِ أَن تُعَمِّقَ وَعَلَى الخَوَاطِرِ أَن تُحِيطَ إِلَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفسَهُ [أَيِ اللهُ] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ) ذَكَرَهُ الشَّيخُ ابنُ جَهبَلٍ فِي رِسَالَتِهِ فِي نَفيِ الجِهَةِ عَنِ اللهِ الَّتِي رَدَّ فِيهَا عَلَى بَعضِ المُجَسِّمَةِ وَقَد نَقَلَهَا السُّبكِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ.

وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيضًا جَامِعًا جمِيعَ مَا قِيلَ فِي التَّوحِيدِ: (مَنِ انتَهَضَ لِمَعرِفَةِ مُدَبِّرِهِ فَانتَهَى إِلَى مَوجُودٍ يَنتَهِي إِلَيهِ فِكرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ، وَإِنِ اطمَأَنَّ إِلَى العَدَمِ الصِّرفِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ، وَإِنِ اطمَأَنَّ لِمَوجُودٍ وَاعتَرَفَ بِالعَجزِ عَن إِدرَاكِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ).اهـ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنهُ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ فِي البُرهَانِ المُؤَيَّدِ، وَالإِمَامُ بَدرُ الدِّينِ الزَّركَشِيُّ [794هـ] فِي تَشنِيفِ المَسَامِعِ، وَالحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ أَبُو زُرعَةَ العِرَاقِيُّ فِي الغَيثِ الهَامِعِ، وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي فِي شَرحِ الفِقهِ الأَكبَرِ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ المَالِكِيُّ الشَّهِيرُ بِمَيَّارَةَ [1072هـ]، فِي الدُّرِّ الثَّمِينِ وَغَيرُهُمُ. 

فَمَا أَدَقَّهَا مِن عِبَارَةٍ وَمَا أَوسَعَ مَعنَاهَا شَفَى فِيهَا صُدُورَ قَومٍ مُؤمِنِينَ، فَرَضِيَ اللهُ عَنهُ وَجَزَاهُ عَنَّا وَعَنِ الإِسلَامِ خَيرًا، وَقَد أَخَذَهَا مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾، [سورة الشورى:11]، وَمِن قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالَ﴾ [سورة النحل] وَمِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [سورة مريم]، وَمِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [سورة إبراهيم].

وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ عَمَّا يَخطُرُ فِي الأَذهَانِ مِن مَعَانِي الجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِهَا كَالجُلُوسِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَفِي مَكَانٍ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَنَحوِ ذَلِكَ. إِذًا: مَعرِفَتُنَا للهِ لَيسَت مَعرِفَةَ إِحَاطَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَعرِفَةُ مَا ثَبَتَ للهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ.

وَلَيسَ المَطلُوبُ مِنَّا عِندَ دِرَاسَةِ التَّوحِيدِ وَصِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن نَتَصَوَّرَ، فَإِنَّنَا مَخلُوقُونَ للهِ، جَعَلَ اللهُ لِعُقُولِنَا وَقُلُوبِنَا حَدًّا لَا نَستَطِيعُ تَصَوُّرَ بَعضِ المَخلُوقَاتِ، فَكَيفَ يَتَجَرَّأُ البَعضُ بِأَن يُحَاوِلُوا أَن يَتَصَوَّرُوا الخَالِقَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَن يَقدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، بَل إِنَّهُم سَيَقَعُونَ فِي التَّشبِيهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

وَنَضرِبُ أَمثِلَةً لِذَلِكَ أَي أَنَّنَا لَا نَستَطِيعُ تَصَوُّرَ المَخلُوقَاتِ فَكَيفَ نَتَصَوَّرُ الخَالِقَ عَزَّ وَجَلَّ؟ كَلَّا وَحَاشَا: وَرَدَ أَنَّ المَسَافَةَ بَينَ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ هِيَ مَسِيرَةُ خَمسِمِائَةِ عَامٍ، وَسَمكَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ، وَبَينَ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى السَّابِعَةِ، وَفَوقَ السَّمَاوَاتِ السَّبعِ يُوجَدُ بَحرٌ ثُمَّ مَسَافَةٌ كَبِيرَةٌ، ثُمَّ بَحرٌ آخَرُ، ثُمَّ الجَنَّةُ وَالعَرشُ، وَوَرَدَ عَن بَعضِ المَلَائِكَةِ أَنَّ رَأسَهُ تَحتَ العَرشِ وَقَدَمَهُ تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ، فَهَل لَنَا أَن نَتَصَوَّرَ هَذَا الحَجمَ العَظِيمَ؟ لَا. فَهُنَا يَنهَارُ الوَهمُ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ النُّورَ وَالظَّلَامَ، وَكَانَ يُوجَدُ فَترَةٌ لَا ظَلَامَ وَلَا نُورَ فِيهَا، فَهَل لَنَا أَن نَتَصَوَّرَ هَذِهِ الفَترَةَ؟ لَا. هَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يُوجَدُ خَلقٌ مِن خَلقِ اللهِ لَا نَستَطِيعُ تَصَوُّرَهُ، فَكَيفَ نَتَصَوَّرُ الخَالِقَ؟! لَا نَقدِرُ.

قَالَ المُنَاوِيُّ: سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ اللهِ تَعَالَى: هَل يُمكِنُ لِبَشَرٍ أَن يُدرِكَهُ؟ فَقَالَ:

العَجزُ عَن دَرَكِ الإِدرَاكِ إِدرَاكٌ

وَسُئِلَ مِصبَاحُ التَّوحِيدِ وَصَبَاحُ التَّفرِيدِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى فَقَالَ: لَا يُدرَكُ بِالحَوَاسِّ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ.اهـ وَمَعنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُدرِكُهُ العُقُولُ، وَلَا يَتَخَيَّلُهُ القَلبُ، وَلَا تُطلَبُ مَعرِفَتُهُ بِالتَّصَوُّرِ. وَقَالَ الجُنَيدُ: أَشرَفُ كَلِمَةٍ فِي التَّوحِيدِ قَولُ الصِّدِّيقِ: الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَجعَل لِلخَلقِ سَبِيلًا إِلَى مَعرِفَتِهِ إِلَّا بِالعَجزِ عَن مَعرِفَتِهِ.اهـ

فَيَنبَغِي أَن يُعلَمَ أَنَّ مِحوَرَ الِاعتِقَادِ لَيسَ عَلَى الوَهمِ، أَي أَنَّ الِاعتِقَادَ لَا يُبنَى عَلَى الوَهمِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَم يَرَهُ عَلَى مَا رَآهُ مِن غَيرِ حُجَّةٍ، وَقَد يَكُونُ تَخَيُّلًا كَمَا قَد يَكُونُ غَيرَ ذَلِكَ. بَل يُبنَى الِاعتِقَادُ عَلَى مَا يَقتَضِيهِ العَقلُ الصَّحِيحُ السَّلِيمُ الَّذِى هُوَ شَاهِدٌ لِلشَّرعِ أَي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرعِ، فَالوَهمُ وَالتَّخَيُّلُ قَد يَجتَمِعَانِ مِن حَيثُ المَعنَى.

فَمِحوَرُ اعتِقَادِ المُسلِمِ لَيسَ عَلَى الوَهمِ، لِأَنَّ الوَهمَ يَحكُمُ عَلَى مَا لَم يُشَاهِدهُ بِحُكمِ مَا شَاهَدَهُ، فَيَحكُمُ بِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِمَكَانٍ، أَمَّا العَقلُ السَّلِيمُ فَيَقضِي بِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ. وَقَد يَغلِبُ وَهمُ الشَّخصِ عَقلَهَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا بِأَمرِ العَقِيدَةِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَهلِكُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، الوَهمُ إِذَا كَانَ بِبَعضِ الأُمُورِ فِي الدُّنيَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ، وَقَد يَغلِبُ الوَهمُ عَلَى العَقلِ السَّلِيمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي العَقِيدَةِ أَهلَكَ صَاحِبَهُ.

فَمَثَلًا: لَو قُلتُ لِشَخصٍ: تَنَامُ اللَّيلَةَ فِي هَذِهِ الغُرفَةِ وَنَضَعُ مَعَكَ جُثَّةَ إِنسَانٍ مَيِّتٍ، هُوَ فِي جِهَةٍ وَأَنتَ فِي جِهَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُوَافِقُ عَادَةً، يَقُولُ لَكَ: أَخَافُ، هَذَا وَهمُهُ قَادَهُ لِذَلِكَ، لَكِن لَو فَكَّرَ بِالعَقلِ لَقَالَ: هُوَ مَيِّتٌ، لَن يَضُرَّنِي، لَن يُؤذِيَنِي، فَالوَهمُ هُنَا طَغَى عَلَى العَقلِ، وَلَكِن لَا ضَرَرَ فِي الدِّينِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ المُجَسِّمَةُ المُشَبِّهَةُ تَبَيَّنَ لَهُم بِالأَدِلَّةِ العَقلِيَّةِ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَيسَ جِسمًا، وَلَكِن وَهمُهُم طَغَى عَلَى عَقلِهِم فَقَادَهُم إِلَى التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، فَمِحوَرُ التَّوحِيدِ هُوَ مَا يَقتَضِيهِ العَقلُ السَّلِيمُ وَلَيسَ مَا يَقتَضِيهِ الوَهمُ.

منهجُ النبيِّ ﷺ في الدعوةِ إلى الله

فَوَاللهِ لَأَن يَهدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا (هِيَ دَعوَةُ الأَنبِيَاءِ كُلِّهِم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُم يَأمُرُونَ أَقوَامَهُم بِالتَّوحِيدِ وَيَحرِصُونَ عَلَى هِدَايَتِهِم وَلَو آذَوهُم وَلَو كَذَّبُوهُم، وَهَذَا يُبَيِّنُ حِرصَهُم عَلَى هِدَايَةِ أَقوَامِهِم لِلتَّوحِيدِ، وَرَأفَتِهِم وَعَظِيمِ رَحمَتِهِم، فَأَمَّا الحِلمُ وَالاحتِمَالُ وَالعَفوُ مَعَ المَقدِرَةِ وَالصَّبرُ عَلَى مَا يَكرَهُ فَقَد بَلَغَ فِيهِ أَنبِيَاءُ اللهِ وَلَا سِيَّمَا نَبِيُّنَا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الغَايَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، وَلَا خَفَاءَ بِمَا يُؤثَرُ مِن حِلمِهِ وَاحتِمَالِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رَأفَتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحِرصِهِ عَلَى هِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الإِسلَامِ، وَهُوَ ﷺ لَا يَزِيدُ مَعَ كَثرَةِ الأَذَى إِلَّا صَبرًا وَعَلَى إِسرَافِ الجَاهِلِ إِلَّا حِلمًا وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجهُهُ يَومَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أصحَابِهِ شَقًّا شَدِيدًا وَقَالُوا لَو دَعَوتَ عَلَيهِمُ فَقَالَ (إِنِّي لَم أُبعَث لَعَّانًا وَلَكِنِّي بُعِثتُ دَاعِيًا وَرَحمَةً، اللهم اهدِ قَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ) وَرُوِيَ عَن عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ فِي بعض كَلَامِهِ: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَد دَعَا نُوحٌ عَلَى قَومِهِ فَقَالَ (رَبِّ لا تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا) وَلَو دَعَوتَ عَلَينا مِثلَهَا لَهَلَكنَا مِن عِندِ آخِرِنَا فَلَقَد وَُطِئَ ظَهرُكَ وَأُدمِيَ وَجهُكَ وَكُسِرَت رَبَاعِيَّتُكَ فَتَأبَى أَن تَقُولَ إِلَّا خَيرًا فَقُلتَ اللَّهُمَّ اغفِر لِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: انظُر مَا فِي هَذَا القَولِ مِن جِمَاعِ الفَضلِ وَدَرَجَاتِ الإِحسَانِ وَحُسنِ الخُلُقِ وَكَرَمِ النَّفسِ وَغَايَةِ الصَّبرِ وَالحِلمِ، إِذ لَم يَقتَصِر ﷺ عَلَى السُّكُوتِ عَنهُم حَتَّى عَفَا عَنهُم ثُمَّ أَشفَقَ عَلَيهِمُ وَرَحِمَهُم وَدَعَا وَشَفَعَ لَهُم فَقَالَ اغفِر أَوِ اهدِ، ثُمَّ أَظهَرَ سَبَبَ الشَّفَقَةِ وَالرَّحمَةِ بِقَولِهِ لِقَومِي، ثُمَّ اعتَذَرَ عَنهُم بِجَهلِهِم فَقَالَ فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ، وَمِن عَظِيمِ خَبَرِهِ فِي العَفوِ عَفوُهُ عَنِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتهُ فِي الشَّاةِ بَعدَ اعتِرَافِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ، قَالَت عَائِشَةُ رضي الله عنها مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنتَصِرًا مِن مَظلَمَةِ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَم تَكُن حُرمَةً مِن مَحَارِمِ اللَّهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيئًا قَطُّ إِلًَّا أَن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امرَأَةً، وَجِيْءَ إِلَيهِ بِرَجُلٍ فَقِيلَ هَذَا أَرَادَ أَن يَقتُلَكَ فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ (لَن تُرَاعَ لَن تُرَاعَ وَلَو أَرَدتَ ذَلِكَ لَم تُسَلَّط عَلَيَّ)، وَقَالَ أَنَسٌ هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ التَّنعِيمِ صَلَاةَ الصُّبحِ لِيَقتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُخِذُوا فَأَعتَقَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم) الآيَةَ وَقَالَ لأَبِي سُفيَانَ وَقَد سِيقَ إِلَيهِ بَعدَ أَن جَلَبَ إِلَيهِ الأَحزَابَ وَقَتَلَ عَمَّهُ وَأَصحَابَهُ وَمَثَّلَ بِهِم فَعَفَا عنه وَلَاطَفَهُ فِي القَولِ: (وَيحَكَ يَا أَبَا سُفيَانَ أَلَم يَئنِ لَكَ أَن تَعلَمَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَقَالَ بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي مَا أَحلَمَكَ وَأَوصَلَكَ وَأَكَرَمَكَ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبعَدَ النَّاسِ غَضَبًا وَأَسرَعَهُم رِضًى ﷺ)

فضلُ نشرِ العلمِ وتعليمِ الناس

خَيرٌ لَكَ مِن حُمرِ النَّعَمِ». (‌حُمرُ ‌النَّعَمِ، بِضَمِّ الحَاءِ: أَعَزُّهَا وَأَحسَنُهَا، يُرِيدُ خَيرٌ لَكَ مِن أَن تَكُونَ فَتَتَصَدَّقَ بِهَا، وَلِكَونِ الحُمرَةِ أَشرَفُ الأَلوَانِ عِندَهُم، وَهَذِهِ مِن أَنفَسِ أَموَالِ العَرَبِ) (وَهَذَا الحَدِيثُ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى نَشرِ وَبَثِّ العِلمِ بَينَ النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا عِلمُ التَّوحِيدِ فَهُوَ مِن أَعظَمِ الفَضَائِلِ وَمِن أَعظَمِ مَا يَهتَدِي بِهِ النَّاسُ وَنَشرُهُ مِن أَعظَمِ الأَعمَالِ، وَبِهِ هِدَايَةُ النَّاسِ إِلَى طَرِيقِ الجَنَّاتِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَكفِيهِ فَضلًا أَنَّ نَشرَهُ عَمَلُ الأَنبِيَاءِ وَهُوَ مِيرَاثُهُم وَتَرِكَتُهُم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي وَصفِ نَبِيِّهِ ﷺ: [وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ]، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ: وَالفَضلُ ‌فِي ‌هَذِهِ ‌الدَّرَجَةِ -أَي دَرَجَةِ العِلمِ- ‌مِنَ ‌العِلمِ لِمَن قَامَ بِهَا عَلَى مَن عَطَّلَهَا.اهـ وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: {يَرفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] قَالَ: يَرفَعُ اللهُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِنَ المُؤمِنِينَ على الَّذِينَ لَم يُؤتَوا العِلمَ دَرَجَاتٍ.اهـ وَقَالَ البيهقي رحمه الله: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ} [الزمر: 9]. وَقَالَ: {إِنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وَقَالَ: {نَرفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ} [الأنعام: 83]. قَالَ زَيدُ بنُ أَسلَمَ: بِالعِلمِ.اهـ وكان مَالِكُ بنُ أَنَسٍ يَقُولُ: {نَرفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ} [الأنعام: 83] قَالَ: بِالعِلمِ.اهـ وروي عَن زَيدِ بنِ أَسلَمَ فِي قَولِهِ عز وجل: {وَلَقَد فَضَّلنَا بَعضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعضٍ} [الإسراء: 55] قَالَ: العِلمُ.اهـ قَالَ ابنُ جُرَيجٍ: {يَرفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] يَقُولُ: الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ يَرفَعَهُم فَوقَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُؤتُوا العِلمَ.اهـ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وَأَلهَمَهُ رُشدَهُ».اهـ وروي عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: «اغدُ عَالِمًا أَو مُتَعَلِّمًا أَو مُستَمِعًا، وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهلِكَ».اهـ وفي رواية أَنَّ أَبَا الدَّردَاءِ قَالَ: كُن عَالِمًا أَو مُتَعَلِّمًا أَو مُحِبًّا أَو مُتَّبَعًا، وَلَا تَكُنِ الخَامِسَ فَتَهلِكَ، قَالَ: قُلتُ لِلحَسَنِ: مَنِ الخَامِسُ؟ قَالَ: المُبتَدِعُ.اهـ وروي عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مُعَلَّمُ الخَيرِ يَستَغفِرُ لَهُ كُلُّ دَابَّةٍ حَتَّى الحُوتُ فِي البَحرِ».اهـ وفي فضائل نشر العلم بين الناس يروى عَنِ الحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَمِنَ الصَّدَقَةِ أَن تَعلَمَ العِلمَ وَتُعَلِّمَهُ النَّاسَ».اهـ وقال التابعي الجليل يحيى بن أبي كثير: «مِيرَاثُ العِلمِ خَيرٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَالنَّفسُ الصَّالِحَةُ خَيرٌ مِنَ اللَّؤلُؤِ» وَقَالَ: «لَا يُستَطَاعُ العِلمُ بِرَاحَةِ الجِسمِ».اهـ وروي عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَردَكَ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ يدخُلُ المَسجِدَ فَيشُقُّ النَّاسَ حَتَّى يَجلِسَ مَعَ زَيدِ بنِ أَسلَمَ فِي حَلقَتِهِ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَنتَ سَيِّدُ النَّاسِ تَأتِي تَتَخَطَّى حَتَّى تَجلِسَ مَعَ هَذَا العَبدِ فَقَالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ: «إِنَّ العِلمَ يُبتَغَى وَيُؤتَى وَيُطلُبُ مِن حَيثُ كَانَ» قَالَ إِسمَاعِيلُ: عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَردَكَ أَخُو عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا لِأُمِّهِ.اهـ).

مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قَولُهُ: «يَدُوكُونَ»: أَي يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وَقَولُهُ: «رِسلِكَ» بِكَسرِ الرَّاءِ وَبِفَتحِهَا لُغَتَانِ، وَالكَسرُ أَفصَحُ.