المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ بَهْجَةَ دِينِهِ الْقَوِيمِ وَهَدَى مَنْ وَفَّقَهُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَعَلَّمَ وَسَدَّدَ إلَى الصَّوَابِ وَقَوَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْكَرِيمُ الْحَلِيمُ السَّتَّارُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سُلِكَ الطَّرِيقُ الْقَوِيم، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ المحب الشفيق وَالرَّفِيقِ الرَّقِيقِ حِينَ يُسَافِرُ وَحِينَ يُقِيمُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي عَمَّرَ مِنَ الدِّينِ مَا عَمَّرَ وَدَفَعَ الْكُفْرَ فَدَبَّرَ بِأَحْسَنِ تَدْبِيرٍ وَأَكْمَلِ تَقْوِيمٍ، وَعَلَى عُثْمَانَ الشَّرِيفِ الَّذِي احْتَسَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَبْرَهُ عَلَى مَا ضِيمَ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَدَارِ الْعُلَمَاءِ وَقُطْبِهِمْ، وَمُقَدَّمِ الشُّجْعَانِ فِي حَرْبِهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ كَرْبِهِمْ فِي مَقْعَدٍ مُقِيمٍ، وَعَلَى إخْوَانِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ وَتَابِعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْدُ:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله: بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ
الحديث
رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَقَدْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِى صَلاةِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَقِرَاءَتِهِ الآيَاتِ مِنْ ءَاخِرِ سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ، قَالَ: فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَعْنِى الصُّبْحَ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَهُوَ يَقُولُ: ))اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا وَفِى لِسَانِى نُورًا وَاجْعَلْ فِى سَمْعِى نُورًا وَاجْعَلْ فِى بَصَرِى نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِى نُورًا وَمِنْ أَمَامِى نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِى نُورًا وَمِنْ تَحْتِى نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِى نُورًا((.
شرح الحديث
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ قال الفيومي: وَالْمَسْجِدُ لغةً بَيْتُ الصَّلَاةِ وَالْمَسْجِدُ أَيْضًا مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَالْجَمْعُ مَسَاجِدُ.اهـ
وأمّا في الشرع: فالمسجد هو المكان الموقوف للصلاة. وقال الزركشي: ولما كان السجودُ أشرفَ أفعال الصلاة؛ لقرب العبد فيه من ربه عز وجل: اشتُق اسم المكان منه ولم يقولوا مَرْكع.
في هذا الحديث: فضل المشي إلى المساجد، والمساجد هي أفضل البقاع عند الله تعالى في هذه الدنيا،
فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا)).اهـ
فالمساجد؛ بيوت الله تعالى، وقال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ}ۥ [سورة النور/ الآية 36]، البيوت هنا: المساجد، وأذِن بمعنى: أمر، وترفع بمعنى: تعظَّم، واسمه: توحيده وكتابه،
وقال تعالى: وَ{أَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا} [سورة الجن/ الآية 18] أي لا تعبدوا غيرَ الله، وليس معناه تحريمَ التوسّل والتبرّك بآثار النبي ﷺ، فأضافها تعالى إلى نفسه؛ لشرفها وفضْلها.
وَنُسَمِّي الْمَسَاجِدَ بُيُوتَ اللَّهِ لا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا بَلْ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُعَدَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، فَالإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لا إِضَافَةُ حُلُولٍ وَمُلابَسَةٍ أَيْ مُخَالَطَةٍ، وَيُقَالُ فِي الْعَرْشِ إِنَّهُ جِرْمٌ أَيْ حَجْمٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِيَطُوفَ بِهِ الْمَلائِكَةُ كَمَا يَطُوفُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الأَرْضِ بِالْكَعْبَةِ لا لِيَتَّخِذَهُ مَكَانًا لَهُ أَوْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ.
ولا يجوز تسمية الْمَعَابِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْكُفَّارِ بُيُوتَ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فَإِنَّهَا بُيُوتٌ رُفِعَتْ لِتَنْقِيصِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَكْذِيبِ نَبِيِّهِ وَبُنِيَتْ لِيُسْرَدَ فِيهَا الْكُفْرُ الَّذِي يُنَاقِضُ الْعَقِيدَةَ الْحَقَّةَ فَمِنْ أَيْنَ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بُيُوتًا مُعَظَّمَةً عِنْدَ اللَّهِ.
أمَّا لَوْ بُنِيَ مَسْجِدٌ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ فَنَقَضُوهُ أَوْ حَوَّلُوهُ مَكَانًا يُسْتَعْمَلُ لِلْكُفْرِ أَوْ لِجَمْعِ الْقَاذُورَاتِ أَوْ مَتْحَفًا كَمَا فُعِلَ فِي الأَنْدَلُسِ وكذلك قبل زمن صلاح الدين الأيوبي جاء الكفار فأخذوا القدس الشريف واحتلوا فلسطين فحولوا المسجد الأقصى لإصطبل للخيول وللخنازير والعياذ بالله وَغَيْرِهَا فهذه المساجد لَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الْمَسْجِدِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ} [الآية 40] فَالْمُرَادُ بِهِ مَعَابِدُ أهل الكتاب لَمَّا كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ فَالصَّوَامِعُ جَمْعُ صَوْمَعَةٍ وَهِيَ بِنَاءٌ مُحَدَّبُ الرَّأْسِ كَانَ يُبْنَى عَادَةً عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ لِيَتَعَبَّدَ فِيهِ الرَّاهِبُ الْمُسْلِمُ.
وَالْبِيَعُ جَمْعُ بِيعَةٍ وَهِيَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ من تبعوا عيسى عليه السلام قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَ بعضُهم الإِسْلامَ وَيَقُول بِالتَّثْلِيثِ.
وَالصَّلَوَاتُ جَمْعُ صَلُوتَا وَهِيَ لُغَةٌ عِبْرِيَّةٌ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِى كَانَ الْيَهُودُ الْمُسْلِمُونَ أتباعُ موسى عليه السلام يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ أَيْ قَبْلَ أَنْ يُكَذِّبُوا سَيِّدَنَا عِيسَى ثُمَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ. فالمَسَاجِدِ مِنْ حَيْثُ الأصل بنيت لِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ لا لِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَكذلك لَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَسْجِدَ الأَقْصَى مَسْجِدًا وَهُوَ لَيْسَ مِنْ بِنَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَقَدْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي نمت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عباس ينام في بيت النبي حتى يتعلم منه حالَه في الليل فيقتدي به في عمله ليلا، وكان ابن عباس نام مرة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له بأنه يعلمه الله تأويل الكتاب، فقد جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فيما رواه البخاري قَالَ: ((مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالحِكْمَةِ)).
وصح أنّ النبي ﷺ دعا له فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ تَأْوِيْلَ القُرْآنِ)) رواه الحاكم في المستدرك.
وثبت أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْمًا، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ)).
وهنا يُقَالُ للمجسمة: كَيْفَ تُنْكِرُونَ التَّأْوِيلَ وَالرَّسُولُ دَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّأْوِيلِ فَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فَيَكُونُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى زَعْمِكُمْ دَعَا بِدُعَاءٍ غَيْرِ جَائِزٍ. ولا شك أن الله استجاب دعوة نبيه ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما، فقد كان ابن عباس ترجمانَ القرآن وهو من أشهر من فسّر كتاب الله في هذه الأمة وأوَّلَ آياتِه، وهو بهذا يطفئ فتنة المجسمة والمشبهة والخوارج والمعتزلة وغيرهم من الفرق الضالة التي ضلت عن منهج الحق، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : “والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحبَّ إلى الشيطان هلاكًا مني. فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إليّ فإذا انتهت إليّ قمعتها بالسنّة فترد عليه كما أخرجها”.
ويظهر هذا جليًّا من خلال تأويلاته رضي الله عنه فقد قال ابن حجر: وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ} [سورة القلم/ الآية 42] قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ، وَمِنْهُ:
قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ *** وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِى صَلاةِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَقِرَاءَتِهِ الآيَاتِ مِنْ ءَاخِرِ سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ ونصه في صحيح مسلم: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ((رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [سورة آل عمران/ الآية 190] فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ. ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ. ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)).
وهذه الآيات من آخر سورة آل عمران كان النبي يقرأها في قيام الليل، وسبب نزولها أن المشركين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اجعل لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا فنزلت هذه الآية.اهـ فَخَتَمَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ سورةَ آل عمران بِالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي آيَاتِهِ، إِذْ لَا تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سَلَامٍ غَنِيٍّ عَنِ الْعَالَمِينَ، حَتَّى يَكُونَ إِيمَانُهُمْ مُسْتَنِدًا إِلَى الْيَقِينِ لَا إِلَى التَّقْلِيدِ. ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِي تَأَمُّلِ الدَّلَائِلِ.
وَروى ابن حبان في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرءاه يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: ((يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةً: إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ)) ثُمَّ قَالَ: ((وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا)).
وقَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَسْتَفْتِحَ قِيَامَهُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعَمَلِ.
وَروى الطَّبَرَانِيُّ فِي المعجم الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ} [سورة آل عمران/ الآية 191] ذَكَرَ تَعَالَى ثلاث هيئات لا يخلوا ابْنُ آدَمَ مِنْهَا فِي غَالِبِ أَمْرِهِ، فَكَأَنَّهَا تَحْصُرُ زَمَانَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ))كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ((. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَ ﴿قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا﴾ ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾أي ومضطجعين ومثله قول تَعَالَى: {دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا} [سورة يونس/ الآية 12] عَلَى الْعَكْسِ، أَيْ دَعَانَا مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِهِ. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [سورة آل عمران/ الآية 191] وفيها التَّفَكُّرُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَخْلُوقَاتِهِ وَالْعِبَرِ الَّذِي بَثَّ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أزيد لبَصَائِرِهِمْ: وقد قيل:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَــةٌ *** تَدُلُّ على أنه واحــــد
وَالْفِكْرَةُ: تَرَدُّدُ الْقَلْبِ فِي الشَّيْءِ، يُقَالُ: تَفَكَّرَ، وَرَجُلٌ فَكِيرٌ كَثِيرٌ الْفِكْرِ، وَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي اللَّهِ فَقَالَ: (تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ فَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ قَدْرَهُ) رواه أبو الشيخ الأصفهاني في كتاب العظمة، وَإِنَّمَا التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ وَانْبِسَاطُ الذِّهْنِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَالَ: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [سورة آل عمران/ الآية 191].
وَحُكِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الْكَوَاكِبَ غُشِيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَبُولُ الدَّمَ مِنْ طُولِ حُزْنِهِ وَفِكْرَتِهِ.
وَرُوِيَ في تفسير الرازي والقرطبي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ وَإِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَكِ رَبًّا وَخَالِقًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ – أي رَحِمَه – فَغَفَرَ لَهُ)).
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. قِيلَ له: أفترى التفكر عمل مِنَ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ الْيَقِينُ. وَقَالَهُ ابْنُ الْعَبَّاسِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفِكْرَةُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ يَنْظُرُ فِيهَا إِلَى حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ.
وَمِمَّا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مَخَاوِفُ الْآخِرَةِ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَالنَّارِ وَعَذَابِهَا.
وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ قَدَحَ الْمَاءِ لِيَتَوَضَّأَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَعِنْدَهُ ضَيْفٌ، فَرَآهُ لَمَّا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِ الْقَدَحِ أَقَامَ لِذَلِكَ مُتَفَكِّرًا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمَّا طَرَحْتُ أُصْبُعِي فِي أُذُنِ الْقَدَحِ تَفَكَّرْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ} [سورة غافر/ الآية 71] تَفَكَّرْتُ، فِي حَالِي وَكَيْفَ أَتَلَقَّى الْغُلَّ إِنْ طُرِحَ فِي عُنُقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَا زِلْتُ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحْتُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا نِهَايَةُ الْخَوْفِ،
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ قَالَ: كُنْتُ بَائِتًا فِي مَسْجِدِ الْأَقْدَامِ بِمِصْرَ فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ فَرَأَيْتُ رَجُلًا قَدِ اضْطَجَعَ فِي كِسَاءٍ لَهُ مُسَجًّى بِكِسَائِهِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَلَّيْنَا نَحْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَاسْتَعْظَمْتُ جَرَاءَتَهُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا فَرَغَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ فَتَبِعْتُهُ لِأَعِظَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ شِعْرًا:
مُسَجَّى الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِــرْ *** مُنْتَبِهُ الْقَلْبِ صَامِــتٌ ذَاكِرْ
مُنْقَبِضٌ فِي الْغُيُـــوبِ مُنْبَسِـطْ *** كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفًا ذَاكِرْ
يَبِيــتُ فِي لَيْلِــهِ أَخَــــا فِكَـــرْ *** فَهْوَ مدى الليل نائم ماهــر
قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ بِالْفِكْرَةِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا} [سورة آل عمران/ الآية 191] أَيْ يَقُولُونَ: مَا خَلَقْتَهُ عَبَثًا وَهَزْلًا، بَلْ خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِكَ وَحِكْمَتِكَ. وَالْبَاطِلُ: الزَّائِلُ الذَّاهِبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أَلَا كل شي ما خلا اللهَ باطل. أَيْ زَائِلٌ.
{سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 191] أَسْنَدَ النَّحَّاسُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَعْنَى “سُبْحَانَ اللَّهِ” فَقَالَ: ((تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ)). ومنه قول الملائكة: {وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ} [سورة البقرة/ الآية 30] أَيْ نُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِكَ. وَالتَّسْبِيحُ فِي كَلَامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وَهُوَ الْجَرْيُ وَالذَّهَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا} [سورة المزمل/ الآية 7] فَالْمُسَبِّحُ جَارٍ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ. والمعنى أي تنزّه الله وتبارك عمّا لا يليق به من الوصف بصفات المخلوقات كالجسم والجوارح والجهة والمكان والتغير والجلوس والنزول الحقيقي ونحوه فالتسبيح كما قال الزبيدي وغيره: التنزيه؛ أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات،
قَالَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَعْنِى الصُّبْحَ أي فأذن بلال بالصلاة أي صلاة الصبح، الأَذَانُ لُغَةً: الإِعلَامُ، وَشَرعًا: ذِكرٌ مَخصُوصٌ لِلإِعلَامِ بِدُخُولِ وَقتِ صَلَاةٍ مَفرُوضَةٍ. وَالإِقَامَةُ: مَصدَرُ أَقَامَ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الذِّكرُ المَخصُوصُ المَعرُوفُ لِأَنَّهُ يُقِيمُ النَّاسَ إِلَى الصَّلَاةِ.
ولمشروعية الأذان قصة وهي أنه: لَمَّا اطمَأَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ وَاجتَمَعَ إِلَيهِ إِخوَانُهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَاجتَمَعَ مَعَهُم أَمرُ الأَنصَارِ، استَحكَمَ أَمرُ الإِسلَامِ، فَقَامَتِ الصَّلَاةُ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ، وَقَامَتِ الحُدُودُ، وَفُرِضَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَتَبَوَّأَ الإِسلَامُ بَينَ أَظهُرِهِم، وَقَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَهَا إِنَّمَا يَجتَمِعُ النَّاسُ إِلَيهِ لِلصَّلَاةِ عِندَ مَوَاقِيتِهَا بِغَيرِ دَعوَةٍ (بِغَيرِ أَذَانٍ)، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَجعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الَّذِي يَدعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِم، ثُمَّ كَرِهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ (الجَرَسِ) فَنُحِتَ لِيَضرِبَ بِهِ لِدَعوَةِ المُسلِمِينَ لِلصَّلَاةِ، فَبَينَا هُم عَلَى ذَلِكَ رَأَى عَبدُ اللهِ بنُ زَيدِ بنِ ثَعلَبَةَ بنِ عَبدِ رَبِّهِ أَمرَ الأَذَانِ فِي مَنَامِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللَّيلَةَ طَائِفٌ، مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيهِ ثَوبَانِ أَخضَرَانِ يَحمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلتُ: يَا عَبدَ اللهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصنَعُ بِهِ؟ قُلتُ: نَدعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيرٍ مِن ذَلِكَ؟ قُلتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ – أَي أَقبِلُوا إِلَى الصَّلَاةِ-، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ – أَيِ الفَوزِ، أَي هَلُمُّوا إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ وَالفَوزِ-، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمَّا أَخبَرَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهَا لَرُؤيَا حَقٍّ إِن شَاءَ اللهُ، فَقُم مَعَ بِلَالٍ فَأَلقِهَا عَلَيهِ – أَي عَلِّمهُ إِيَّاهُ – فَليُؤَذِّن بِهَا، فَإِنَّهُ أَندَى صَوتًا مِنكَ – أَي أَمَدُّ وَأَبعَدُ وَأَرفَعُ غَايَةً، وَقِيلَ: أَحسَنُ وَأَعذَبُ-))، فَلَمَّا أَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيتِهِ، فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَد رَأَيتُ مِثلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((فَلِلهِ الحَمدُ)) رواه أحمد في مسنده.
ثُمَّ عَلَّمَهُ ﷺ الإِقَامَةَ، قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمتَ الصَّلَاةَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي نِدَاءِ صَلَاةِ الفجر: الصَّلَاةُ خَيرٌ مِنَ النَّومِ، مَرَّتَينِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَمرٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي ابتَدَأَهَا الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ.اهـ
مُعظَمُ أَلفَاظِ الأَذَانِ تُكَرَّرُ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، إِلَّا التَّكبِيرَ أَوَّلَهُ أَربَعَ مَرَّاتٍ، وَإِلَّا لَفظَ التَّوحِيدِ ءَاخِرَهُ (وَهُوَ لَفظُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَوَاحِدَةً.
وَمُعظَمُ أَلفَاظِ الإِقَامَةِ مُفرَدَةٌ إِلَّا التَّكبِيرَ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ، وَلَفظَ الإِقَامَةِ (وَهُوَ لَفظُ: قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ) فَهُوَ مُثَنًّى.
ولا بد في الأذان والإقامة من شروط وهي:
تَرتِيبُ الأَلفَاظِ: فَلَا يُقَدِّمُ لَفظًا عَلَى لَفظٍ ءَاخَرَ.
وَالمُوَالَاةُ بَينَ كَلِمَاتِهِمَا مُطلَقًا: فَلَا يَفصِلُ بَينَ الكَلِمَاتِ بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ سُكُوتٌ قَصِيرٌ.
وَالجَهرُ فِي الأَذَانِ: إِذَا كَانَ يُؤَذِّنُ فِي جَمَاعَةٍ، فَيَرفَعُ صَوتَهُ بِحَيثُ يَسمَعُونَ الأَذَانَ.
وَدُخُولُ وَقتِ الصَّلَاةِ: لِأَنَّ ذَلِكَ لِلإِعلَامِ بِدُخُولِ الوَقتِ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُؤَذِّنَ قَبلَ دُخُولِهِ، إلَّا فِي أَذَانِ الصُبحِ فَيُؤَذِّنُ مِن نِصفِ اللَّيلِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ – أَي قَبلَ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ -، فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى تَسمَعُوا أَذَانَ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ))، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ عَلَى الكِفَايَةِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا البَعضُ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنِ البَاقِينَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليُؤَذِّن لَكُم أَحَدُكُم)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
إِنَّمَا يُشرَعُ كُلٌّ مِنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الخَمسِ المَكتُوبَاتِ،
وَأَمَّا غَيرُهَا مِمَّا تُسَنُّ فِيهِ الجَمَاعَةُ كَصَلَاةِ الجِنَازَةِ وَالعِيدَينِ وَغَيرِهِمَا مِنَ النَّوَافِلِ فَيُنَادَى لَهَا (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ)، وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ.
وَيُسَنُّ الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ لِلرِّجَالِ، حَتَّى لَو أَرَادَ رَجُلٌ أَن يُصَلِّيَ مُنفَرِدًا سُنَّ أَن يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ وَحدَهُ.
وَإِذَا أَرَادَ أَن يَقضِيَ عِدَّةَ صَلَوَاتٍ أَو يَجمَعَ بَينَ صَلَاتَينِ فِي السَّفَرِ مَثَلًا سُنَّ لَهُ أَن يُؤَذِّنَ لِلأُولَى فَقَط، وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهَا، فَإِن فَصَلَ بَينَ الصَّلَوَاتِ فَاصِلٌ طَوِيلٌ أَعَادَ الأَذَانَ.
عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنْ تَغَوَّلَت بِكُمُ الغِيلَانُ فَنَادُوا بِالأَذَانِ))، رَوَاهُ ابنُ السُّنِّيِّ في عمل اليوم والليلة. وَالغِيلَانُ جِنسٌ مِنَ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَهُم سَحَرَتُهُم، وَمَعنَى تَغَوَّلَت: تَمَرَّدَت وَتَلَوَّنَت فِي صُوَرٍ، وَالمُرَادُ: ادفَعُوا شَرَّهَا بِالأَذَانِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ هَرَبَ.
قَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الوَهَّابِ: يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنَ مُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ وَسَامِعٍ وَمُستَمِعٍ أَن يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الفَرَاغِ مِنَ الأَذَانِ أَوِ الإِقَامَةِ.اهـ
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ))، رَوَاهُ مُسلِمٌ، فَلَا يُلتَفَتُ إِلَى مَن يُحَرِّمُ عَلَى المُؤَذِّنِ أَن يَذكُرَ لَفظَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الأَذَانِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَم يَرِد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، بَل هَذَا الحَدِيثُ يُكَذِّبُ دَعوَاهُم، فَإِنَّهُ أَمرٌ صَرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيهِ بَعدَ الأَذَانِ، وَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ فَليُصَلِّ عَلَيَّ المُستَمِعُ دُونَ المُؤَذِّنُ، وَلَم يَقُل ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ سِرًّا، بَل جَعَلَ الأَمرَ عَامًّا لَا تَخصِيصَ فِيهِ، وَالتَّخصِيصُ يَحتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ عَلَى تَخصِيصِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ.
فَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ أي إلى صلاة الفجر وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاءُ سَأَلَ النُّورَ فِي أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحَقِّ وَضِيَاؤُهُ وَالْهِدَايَةُ إِلَيْهِ فَسَأَلَ النُّورَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِسْمِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ وَحَالَاتِهِ وَجُمْلَتِهِ فِي جِهَاتِهِ السِّتِّ حَتَّى لَا يَزِيغَ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْهُ.اهـ
وهو عليه الصلاة والسلام يدعو بهذه الأدعية حتى يعلمنا ماذا ندعو وأن نداوم عليها لا أنه يقع بخلاف ذلك فهو معصوم من ظلمة القلب عليه الصلاة والسلام. قال ملا علي القاري: قِيلَ هُوَ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَظْهَرُ، وَقَدَّمَ الْقَلْبَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَلِكِ الْمَالِكِ.
وَفِى لِسَانِى نُورًا أي سلمني أن أتكلم بلساني ما يخالف الشرع الحنيف، وهو عليه الصلاة والسلام معصوم عن ذلك لا شك في ذلك لكن ليعلمنا أن ندعو بهذا الدعاء المبارك، النبي لا يقع منه الكفر الذي محله اللسان أو غيره ولا تقع منه الكبائر على لسانه ولا جوارحه ولا يقع منه الصغائر التي فيها خسة ودناءة على اللسان وغيره فهو معصوم عن كل ذلك بالإجماع، ليس كبعض الناس يغضب فيكفر بالله بكلمات تجري على لسانه، وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ فيما رواه الترمذي في سننه: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكلَّمُ بِالْكلِمَةِ لَا يَرَىْ بِهَا بَأْسًا يَهْوِيْ بِهَا سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا فِي النَّارِ))وفي معناهُ حديثٌ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ،
وقال الإمامُ المجتهدُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: “إنَّ من المسلمينَ من يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه”.اهـ
وقالَ الحافظُ الكبيرُ أبو عَوانَةَ الذي عَمِل مستخرجًا على مُسلمٍ: “وفيه أنَّ مِنَ المسلمينَ مَنْ يخرجُ مِنَ الدينِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه ومِن غيرِ أنْ يختارَ دينًا على دينِ الإسلامِ”.اهـ
وقال السيدُ البكريُّ الدِّمياطيُّ: “واعلمْ أنَّه يجري على ألسنةِ العامَّةِ جملةٌ ِمن أنواعِ الكفرِ من غيرِ أنْ يعلموا أنها كذلك، فيجبُ على أهلِ العلمِ أن يُبيِّنوا لهم ذلك لعلهم يجتنبونَه إذا علموه لئلا تحبَطَ أعمالُهم ويخلُدونَ في أعظمِ العذابِ وأشدِّ العقابِ ومعرفةُ ذلك أمرٌ مهمٌّ جدًا وذلك لأن من لم يعرفِ الشرَّ يقَعْ فيه وهو لا يدري وكلُّ شرٍّ سببُه الجهلُ وكلُّ خيرٍ سببُه العلمُ، فهو النورُ المبين والجهلُ بئسَ القرينُ”.اهـ
ويقولُ الحافظُ الزبيديُّ ما نصُّه: “وقد ألَّفَ فيها -أي الردةِ- غيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ مِن المذاهبِ الأربعةِ رسائلَ وأكثروا في أحكامِها.
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ أبو بكر الحِصنيُّ الشافعيُّ ما نصُّه: “فصلٌ في الردةِ: وفي الشرعِ الرجوعُ عن الإسلامِ إلى الكفرِ وقطعُ الإسلامِ، ويحصلُ تارةً بالقولِ وتارةً بالفعلِ وتارةً بالاعتقادِ، وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواعِ الثلاثةِ فيه مسائلُ لا تكادُ تُحصرُ، فنذكرُ مِن كلٍّ نبذةً ما يُعرفُ بها غيرُه أمَّا القولُ: فلو سبَّ نبيًا مِن الأنبياءِ أو استخفَّ بهِ فإِنَّه يكفُرُ بالإجماعِ، ولو قالَ لمسلمٍ يا كافرُ بلا تأويلٍ كفرَ لأنَّه سمَّى الإسلامَ كفرًا.
وأمَّا الكفرُ بالفعلِ: كالسجودِ للصنمِ والشمسِ والقمرِ وإلقاءِ المصحفِ في القاذوراتِ والسِّحرِ الذي فيه عبادةُ الشمسِ، ولو فعلَ فعلًا أجمعَ المسلمونَ على أنَّه لا يصدُرُ إلا مِن كافرٍ وإنْ كانَ مصرِّحًا بالإسلامِ معَ فعلِه.
وأمَّا الكفرُ بالاعتقادِ: فكثيرٌ جدًا فَمَنِ اعتقدَ قِدَمَ العالَم أو حدوثَ الصانعِ، أو اعتقدَ نفيَ ما هو ثابتٌ للهِ تعالى بالإجماعِ، أو أثبتَ ما هو منفىٌّ عنهُ بالإجماعِ كالألوانِ والاتصالِ والانفصالِ كانَ كافرًا، أو استحلَّ ما هو حرامٌ بالإجماعِ، أو حرَّمَ حلالًا بالإجماعِ، أو اعتقدَ وجوبَ ما ليسَ بواجبٍ كفرَ، أو نفى وجوبَ شىءٍ مجمعٍ عليه عُلِم مِن الدينِ بالضرورةِ كفرَ، وقد جزمَ النوويُّ في صفةِ الصلاةِ مِن شرحِ المهذَّبِ بتكفيرِ المجسمةِ، قلتُ: وهو الصوابُ الذي لا مَحيدَ عنه إذ فيهِ مخالفةُ صريحِ القرءانِ، قاتَلَ اللهُ المجسمةَ والمعطلةَ ما أجرأَهم على مخالفَةِ مَنْ ليسَ كمثلِه شىءٌ وهو السميعَ البصيرَ”.اهـ
وقالَ تاجُ الدينِ السبكيُّ ما نصُّه: “ولا خلافَ عندَ الأشعريِّ وأصحابِه بل وسائرِ المسلمينَ أنَّ مَن تلفَّظَ بالكفرِ أو فعلَ أفعالَ الكفرِ أنَّه كافرٌ باللهِ العظيمِ مخلَّدٌ في النَّارِ وإن عَرَفَ قلبُهُ”.اهـ
وقال الإمامُ يحيى بنُ شرفٍ النوويُّ الشافعيُّ ما نصُّه: “كتابُ الردةِ: هي قطعُ الإسلامِ بنيةٍ أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ سواءٌ قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا”.اهـ
قالَ الشيخُ عبدُ الغنيِّ النابُلُسِيُّ الحنفيُّ ما نصه: “وأما أقسامُ الكفرِ فهي بحسبِ الشرعِ ثلاثةُ أقسامٍ ترجِعُ جميعُ أنواعِ الكفرِ إليها وهي: التشبيهُ، والتعطيلُ، والتكذيبُ، وأما التشبيهُ: فهو الاعتقادُ بأنَّ اللهَ تعالى يُشْبِهُ شيئًا مِن خلقِه، كالذين يعتقدون أنَّ اللهَ تعالى جسمٌ فوقَ العرش، أو يعتقدونَ أنَّ له يدَين بمعنى الجارحتينِ، وأنَّ له الصورةَ الفلانيةَ أو على الكيفيةِ الفلانيةِ، أو أنه نورٌ يتصوَّرُه العقلُ، أو أنه في السماءِ – أي ساكنُ السماءِ-، أو في جهةٍ من الجهاتِ الستِّ، أو أنه في مكانٍ من الأماكنِ أو في جميعِ الأماكنِ، أو أَنَّه ملأَ السمواتِ والأرضَ، أو أنَّ له الحلولَ في شىءٍ مِن الأشياء أو في جميعِ الأشياءِ، أو أنه مُتَّحِدٌ بشىءٍ مِن الأشياءِ أو في جميعِ الأشياءِ، أو أنَّ الأشياءَ مُنْحلَّةٌ منه أو شيئًا منها. وجميعُ ذلكَ كفرٌ صريحٌ والعياذُ باللهِ تعالى، وسببُه الجهلُ بمعرفةِ الأمرِ على ما هوَ عليهِ”.اهـ
وليُعلمْ أنَّ الخلاصَ مِنَ الكفرَ يكونَ بتركِ ما صدَرَ منه والنطقِ بالشهادتينِ للدخولِ في الإسلامِ وَاجْعَلْ فِى سَمْعِى نُورًا وَاجْعَلْ فِى بَصَرِى نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِى نُورًا وَمِنْ أَمَامِى نُورًا أَيْ: فِي جَانِبِي، أَوْ فِي جَارِحَتِي، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالنُّورِ ضِيَاءَ الْحَقِّ، يَعْنِي اسْتَعْمِلْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنِّي فِي الْحَقِّ، وَاجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِى نُورًا وَمِنْ تَحْتِى نُورًا اللَّهُمَّ أَعْطِنِى نُورًا)) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الْأَنْوَارُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ مِنْ ظُلُمَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ وَمَنْ يَتْبَعُهُ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ} [سورة الزمر/ الآية 22]،{وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ}[سورة الأنعام/ الآية 122]، ثُمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ يُظْهِرُ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ، وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ، وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى كُلُّ عُضْوٍ بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ، وَيَتَعَرَّى عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَإِنَّ ظُلُمَاتِ الْجُمْلَةِ مُحِيطَةٌ بِالْإِنْسَانِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَالشَّيْطَانُ يَأْتِيهِ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ وَالشُّبُهَاتِ، أَيِ: الْمُشَبَّهَاتُ بِالظُّلُمَاتِ فَرَفْعُ كُلِّ ظُلْمَةٍ بِنُورٍ، قَالَ: وَلَا مُخَلِّصَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْوَارٍ تَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ بِـ (فِي) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَقَرُّ الْفِكْرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَصَرَ مَسَارِحُ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ الْمَنْصُوبَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ، وَالسَّمْعَ مَحَطُّ آيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَالْيَمِينَ وَالشَّمَالَ خُصَّا بِـ (عَنْ) لِلْإِيذَانِ بِتَجَاوُزِ الْأَنْوَارِ عَنْ قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَعُزِلَتْ فَوْقَ وَتَحْتَ وَأَمَامَ وَخَلْفَ مِنَ الْجَارَّةِ لِتَشْمَلَ اسْتِنَارَتَهُ وَإِنَارَتَهُ مَعًا مِنَ اللَّهِ وَالْخَلْقِ، ثُمَّ أَجْمَلَ بِقَوْلِهِ: ((وَاجْعَلْ لِي نُورًا)) فَذْلَكَةً لِذَلِكَ. اهـ. أَيْ: إِجْمَالًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ، وَفَذْلَكَةُ الشَّيْءِ: جَمْعُهُ. مَأْخُوذٌ مِنْ فَذْلَكَ وَهُوَ مَصْنُوعٌ كَالْبَسْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ نُورًا عَظِيمًا جَامِعًا لِلْأَنْوَارِ كُلِّهَا. اهـ.
(وَزَادَ بَعْضُهُمْ)، أَيْ: بَعْضُ الرُّوَاةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ ((وَفِي لِسَانِي نُورًا)) ((وَعَصَبِي)) لِأَنَّ بِهِ قَوَامَ الْبَدَنِ، ((وَلَحْمِي)) لِأَنَّ بِهِ نُمُوَّهُ وَزِيَادَتَهُ، ((وَدَمِي)) لِأَنَّ بِهِ حَيَاتَهُ، ((وَشَعَرِي))؛ لِأَنَّ بِهِ جَمَالَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا، ((وَبَشَرِي))، أَيْ: جِلْدِي؛ لِأَنَّهُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ بَدَنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
والله تعالى أعلم وأحكم