بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ العَظِيمِ الجَبَّارِ، القَدِيرِ القَوِيِّ القَهَّارِ، المُتَعَالِي عَن أَن تُدرِكَهُ الخَوَاطِرُ وَالأَبصَارُ، يَسمَعُ أَنِينَ المُحتَاجِ يَشكُو مَا بِهِ مِنَ الأَضرَارِ، وَيُبصِرُ دَبِيبَ النَّملَةِ السَّودَاءِ فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ عَلَى الغَارِ، وَيَعلَمُ خَفِيَّ الضَّمَائِرِ وَمَكنُونَ الأَسرَارِ، صِفَاتُهُ كَذَاتِهِ وَالمُشَبِّهَةُ كُفَّارٌ، نُقِرُّ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفسَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي القُرآنِ وَالأَخبَارِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى المَسَارِّ وَالمَضَارِّ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلقِ وَالتَّدبِيرِ ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَختَارُ﴾،
وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَفضَلُ الأَنبِيَاءِ الأَطهَارِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكرٍ رَفِيقِهِ فِي الغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ قَامِعِ الكُفَّارِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ القَائِمِ بِالأَسحَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ خُصُوصًا المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا،
أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا بَدَا لَهُ الفَجرُ وَهُوَ فِى سَفَرٍ
الشَّرحُ:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا بَدَا لَهُ الفَجرُ وَهُوَ فِى سَفَرٍ أَي مَاذَا يَقُولُ المُسَافِرُ إِذَا كَانَ فِي حَالِ سَفَرِهِ وَطَلَعَ الفَجرُ أَمَامَهُ، يُسَنُّ لَهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ أَن يَقُولَ ذِكرًا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ مَا سَنَذكُرُهُ بِأَكثَرَ مِن رِوَايَةٍ اليَومَ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَلَكِن كَيفَ يَعرِفُ الوَاحِدُ أَنَّ الفَجرَ دَخَلَ فَيَقُولَ هَذَا الدُّعَاءَ الوَارِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ لِنَعرِفَ هَذَا أُبَيِّنُ أَوَّلًا أَنَّ الشَّرعَ أَمَرَ بِمَعرِفَةِ أَوقَاتِ الصَّلَوَاتِ، فَهَذَا أَسَاسٌ مُهِمٌّ، مَعرِفَةُ أَوقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فَرضٌ، لِأَنَّ مَن لَم يَتَعَلَّم أَوقَاتَهَا وَسَائِرَ مَا لَا بُدَّ مِنهُ لِأَدَائِهَا عَلَى وَجهِهَا كَيفَ يُؤَدِّيهَا عَلَى وَجهِهَا؟ كَيفَ يَضمَنُ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ؟ لَا يَضمَنُ، كَيفَ يَضمَنُ أَنَّهُ يُوقِعُ الصَّلَاةَ فِي وَقتِهَا؟ لَا يَضمَنُ، لِأَنَّهُ صَلَّاهَا مِن غَيرِ أَن يَعرِفَ دُخُولَ الوَقتِ، فَهَذَا لَم تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَو وَقَعَت ضِمنَ الوَقتِ.
بيان متى تدخل أوقات كل من الصلوات الخمس
قَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي بِدَايَةِ شَرحِ بَابِ المَوَاقِيتِ لِلصَّلَاةِ: صَدَّرَ بِهِ (أَي بِبَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ) كِتَابَ الصَّلَاةِ الأَكثَرُونَ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ أَهَمَّهَا الخَمسُ، وَأَهَمَّ شُرُوطِهَا مَوَاقِيتُهَا، إِذ بِدُخُولِهَا تَجِبُ وَبِخُرُوجِهَا تَفُوتُ.اهـ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكرِ اللهِ))، وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ مَدحٌ لِلَّذِينَ يُعَايِنُونَ هَذِهِ المَذكُورَاتِ فِي الحَدِيثِ لِمَعرِفَةِ دُخُولِ وَقتِ الصَّلَاةِ، وَقَولُهُ ﷺ: ((لِذِكرِ اللهِ)) أَي لِلصَّلَاةِ، وَهَذَا الحَدِيثُ حَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الأَمَالِي، أَي فِي مَجَالِسِ الإِملَاءِ، ابنُ حَجَرٍ عِندَهُ عِدَّةٌ أَمَالِي، الحُفَّاظُ عَادَتُهُم يَشرَحُونَ ثُمَّ يُملُونَ،
وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى أَخرَجَهَا الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ زِيَادَةُ ذِكرِ: ((النُّجُوم))، فَمِنَ النُّجُومِ يُعرَفُ دُخُولُ وَقتِ العِشَاءِ، فَقَد قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: وَقتُهَا إِذَا كَثُرَتِ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَلَم يَكُن فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ هَذِهِ السَّاعَاتُ المَوضُوعَةُ لِمَعرِفَةِ الوَقتِ، بَل كَانُوا يَعرِفُونَهُ بِالمُرَاقَبَةِ العِيَانِيَّةِ.
الرَّسُولُ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكرِ اللهِ))، رَوَاهُ البيهقي أَيضًا،
أَي لِلصَّلَاةِ، مَعنَاهُ الَّذِي يَفعَلُ ذَلِكَ هَذَا مِن خِيَارِ عِبَادِ اللهِ، هَذَا حَالُ خِيَارِ عِبَادِ اللهِ أَنَّهُم يُرَاعُونَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكرِ اللهِ.
أَمَّا الشَّمسُ فَيُعرَفُ بِطُلُوعِهَا انتِهَاءُ وَقتِ الصُّبحِ، وَبِمَيلِهَا عَن وَسَطِ السَّمَاءِ يُعرَفُ دُخُولُ الظُّهرِ، وَبِغُرُوبِهَا انتِهَاءُ وَقتِ العَصرِ وَدُخُولُ المَغرِبِ، وَأَمَّا القَمَرُ فَيُعرَفُ بِغِيَابِهِ فِي اللَّيلَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الشَّهرِ الهِجرِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ العِشَاءُ، وَيُستَدَلُّ بِهِ أَيضًا لِمَعرِفَةِ الجِهَاتِ. مَثَلًا بِالقَمَرِ تَعرِفُ الشَّرقَ وَالغَربَ، يَطلُعُ مِنَ الشَّرقِ وَيَغِيبُ بِالغَربِ، كَثِيرٌ مِنَ البِلَادِ لَا يَرَونَ القَمَرَ، عِندَمَا يَظهَرُ يَظهَرُ مِنَ الشَّرقِ وَيَغِيبُ مِنَ الغَربِ.اهـ
وَيُعرَفُ بِالأَظِلَّةِ الجِهَاتُ، وَيُعرَفُ بِالأَظِلَّةِ دُخُولُ وَقتِ الظُهرِ، وَالأَظِلَّةُ جَمعُ ظِلٍّ، فَيُعرَفُ بِالأَظِلَّةِ خُرُوجُ وَقتِ الظُهرِ وَدُخُولُ وَقتِ العَصرِ، يُعرَفُ بِهَا وَقتُ الِاستِوَاءِ، كُلُّ هَذَا يُعرَفُ بِالظِّلِّ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا يَنفَعُ فِي أَمرِ الصَّلَاةِ. وَالنُّجُومُ يُعرَفُ بِهَا جِهَةُ القِبلَةِ،
وَكُلُّ هَذَا أَمرٌ سَهلٌ لَيسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، لِأَنَّ أَمرَ دِينِنَا وَقَوَاعِدَ الدِّينِ وَأَحكَامَ الدِّينِ سَهلَةٌ، هَذَا الدِّينُ سَهلٌ مَا فِيهِ حَرَجٌ، أَيُّ وَاحِدٍ يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَ هَذِهِ الأَشيَاءَ وَيَعمَلَ بِهَا، مَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى أَمرَ العِبَادَةِ الَّتِي نَحنُ مُكَلَّفُونَ بِأَدَائِهَا خَمسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَومٍ مَوقُوفًا عَلَى شَىءٍ شَاقٍّ صَعبٍ لَا يُتقِنُهُ أَغلَبُ النَّاسِ، إِنَّمَا جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ مَوقُوفًا عَلَى شَىءٍ سَهلٍ، بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَالمُرَاقَبَةِ بِالعَينِ يُعرَفُ، وَهَذَا شَأنُ أَحكَامِ الدِّينِ، إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسرٌ،
وَقَد قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّ ذِكرَ أَوقَاتِ الصَّلَوَاتِ جَاءَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَسُبحَانَ اللهِ حِينَ تُمسُونَ وَحِينَ تُصبِحُونَ وَلَهُ الحَمدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾ [سورة الروم/ الآية 17-18]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِـ ﴿حِينَ تُمسُونَ﴾ صَلَاةَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ، وَبِـ ﴿حِينَ تُصبِحُونَ﴾ صَلَاةَ الصُّبحِ، وَبِـ ﴿عَشِيًّا﴾ صَلَاةَ العَصرِ، وَبِـ ﴿حِينَ تُظهِرُونَ﴾ صَلَاةَ الظُّهرِ.
وَقَد قَالَ الفُقَهَاءُ كَذَلِكَ: وَالأَصلُ فِي المَوَاقِيتِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ الغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحهُ﴾ [سورة ق/ الآية 39-40]، أَرَادَ بِالأَوَّلِ الصُّبحَ وَبِالثَّانِي الظُّهرَ وَالعَصرَ وَبِالثَّالِثِ المَغرِبَ وَالعِشَاءَ.
وَلَمَّا كَانَتِ الظُّهرُ أَوَّلَ صَلَاةٍ ظَهَرَت بَعدَ فَرضِ الصَّلَوَاتِ فِي لَيلَةِ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ كَانَت أَوَّلَ صَلَاةٍ عَلَّمَهَا جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، وَلِذَلِكَ يَبدَأُ الفُقَهَاءُ بِهَا وَبِوَقتِهَا، وَأَوَّلُ الوَقتِ لِصَلَاةِ الظُّهرِ هُوَ مَيلُ الشَّمسِ عَن وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ المَغرِبِ، لِحَدِيثِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الظُّهرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ.
وَيَخرُجُ وَقتُ الظُّهرِ عِندَمَا يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثلَهُ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الاستِوَاءِ إِن وُجِدَ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّاخِصِ مِثلَ الشَّاخِصِ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الاستِوَاءِ فَقَدِ انتَهَى وَقتُ الظُّهرِ وَدَخَلَ وَقتُ العَصرِ، وَظِلُّ الاستِوَاءِ هُوَ الظِّلُّ الذِي يَكُونُ حِينَ تَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ.
وَيَدخُلُ وَقتُ العَصرِ بِخُرُوجِ وَقتِ الظُّهرِ بِلَا فَاصِلٍ بَينَهُمَا، وَيَمتَدُّ إِلَى غُرُوبِ كَامِلِ قُرصِ الشَّمسِ، لِحَدِيثِ البُخَارِيِّ: عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصرِ قَبلَ أَن تَغرُبَ الشَّمسُ فَقَد أَدرَكَ العَصرَ)).
وَيَدخُلُ وَقتُ المَغرِبِ بِخُرُوجِ وَقتِ العَصرِ بِلَا فَاصِلٍ بَينَهُمَا، وَيَمتَدُّ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحمَرِ، وَهُوَ حُمرَةٌ تَظهَرُ بَعدَ مَغِيبِ الشَّمسِ فِي جِهَةِ الغُرُوبِ.
وَيَدخُلُ وَقتُ العِشَاءِ بِخُرُوجِ وَقتِ المَغرِبِ أَي بَعدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحمَرِ كُلِّهِ إِلَى طُلُوعِ الفَجرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ البَيَاضُ المُعتَرِضُ فِي الأُفُقِ الشَّرقِيِّ الذِي يَبدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَنتَشِرُ وَيَتَوَسَّعُ، وَيَسبِقُ الفَجرَ الصَّادِقَ بِنَحوِ نِصفِ سَاعَةٍ الفَجرُ الكَاذِبُ، وَهُوَ بَيَاضٌ عَمُودِيٌّ يَظهَرُ فِي جِهَةِ الأُفُقِ الشَّرقِيِّ.
وَيَدخُلُ وَقتُ الفَجرِ بِطُلُوعِ الفَجرِ الصَّادِقِ، وَيَمتَدُّ إِلَى طُلُوعِ أَوَّلِ جُزءٍ مِنَ الشَّمسِ، وَقَالُوا فِي خُرُوجِ وَقتِ الفَجرِ: وَيَمتَدُّ إِلَى طُلُوعِ أَوَّلِ جُزءٍ مِنَ الشَّمسِ.
قَالَ بَعضُ الشعراء:
| وَمَعرِفَــــةُ الأَوقَــــاتِ فَرضٌ مُعَيَّنٌ | عَلَى عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ مُؤَكَّــدُ | |
| أَتَى ذَاكَ فِي القُرآنِ يَا صَاحِ مُجمَلًا | وَفَسَّرَهُ خَيـــرُ البَرِيَّةِ أَحمَـــدُ |
وقال فيها:
| وَأَيقِــنْ بِأَنَّ الفَجرَ فَجرَانِ عِندَنَـــا | فَمَيِّزهُمَـــــا حَقًّا فَأَنـــتَ مُقَلِّــــدُ | |
| فَأَوَّلُ فَجــــرٍ مِنهُمَا طَالِــــعٌ كَمَــا | تَرَى ذَنَبَ السَّرحَانِ فِي الجَوِّ يَصعَدُ | |
| فَهَذَا كَذُوبٌ ثُمَّ آخَــــرُ صَــــــادِقٌ | مُنَــــوَّرُ ضَـــوءٍ بَعـــــدَهُ يَتَجَدَّدُ | |
| وَصَلِّ صَلَاةَ الفَجـــــرِ عِندَ ابتِسَامِـــهِ | تَنَـــــالُ بِهَا الفِردَوسَ وَاَللَّهُ يَشهَــــــدُ | |
| وَلَا خَيرَ فِيمَن كَانَ بِالوَقتِ جَاهِلًا | وَلَــــم يَــــكُ ذَا عِلمٍ بِمَــــا يَتَعَبَّدُ | |
| فَـــذَاكَ مِــن المَولَى طَرِيـــدٌ وَمُبعَـــــدٌ | كَــــذَا وَجهُـــهُ يَـــومَ القِيَامَــةِ أَســوَدُ |
وَمَعرِفَةُ هَذِهِ الأَوقَاتِ لَا يَتِمُّ بِلَا عِلمٍ، بِلَا حُضُورِ مَجَالِسِ العِلمِ لَا يَتِمُّ مَعرِفَتُهَا، وَبِالتَّالِي لَا يَعرِفُ الشَّخصُ إِذَا أَوقَعَ صَلَاتَهُ فِي وَقتِهَا أَم لَا، لَا يَكفِي أَن تَسمَعَ الأَذَانَ عَلَى الهَاتِفِ ثُمَّ تُصَلِّيَ، الأَمرُ مَضبُوطٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالفِقهِ أَكثَرَ مِن هَذَا، لِذَلِكَ كُلُّ شَخصٍ مِنكُم لَم يَكُن تَعَلَّمَ بَابَ الصَّلَاةِ وَأَوقَاتِهَا وَأُمُورَ الطَّهَارَةِ وَالفَرضَ العَينِيَّ مِن عِلمِ الدِّينِ لِيَطلُب وَليَسعَ فَورًا لِتَعَلُّمِ هَذِهِ الأَبوَابِ.
رَوَى البَيهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ عَن أَبِى هُرَيرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ فَبَدَا لَهُ الفَجرُ قَالَ: ((سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللَّهِ وَنِعمَتِهِ وَحُسنِ بَلائِهِ عَلَينَا رَبَّنَا صَاحِبنَا فَأَفضِل عَلَينَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ)). يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَرفَعُ بِهَا صَوتَهُ. وَعِندَ مُسلِمٍ وَأَبِى دَاوُدَ: ((إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ وَأَسحَرَ)). وَمَعنَى صَاحِبنَا: احفَظنَا، مِن بَابِ مَا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ وَلا يُطلَقُ عَلَيهِ اسمًا فَلا يُقَالُ مِن أَسمَاءِ اللهِ الصَّاحِبُ.
الشَّرحُ:
رَوَى البَيهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ عَن أَبِى هُرَيرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ فَبَدَا لَهُ الفَجرُ أَي طَلَعَ وَقتُ الفَجرِ كَمَا ذَكَرنَا بِظُهُورِ الفَجرِ الصَّادِقِ قَالَ: ((سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللَّهِ وَنِعمَتِهِ وَحُسنِ بَلائِهِ عَلَينَا لَفظُهُ خَبَرٌ وَمَعنَاهُ أَمرٌ، وَالمَعنَى: لِيَسمَع سَامِعٌ، وَمِثلُهُ: «أَنجَزَ حُرٌّ مَا وَعَدَ»، أَي: لِيُنجِزِ الأَحرَارُ وعودهم، أَي لِيَسمَعِ السَّامِعُونَ أَنَّا نَحمَدُ اللهَ وَنَشكُرُهُ عَلَى إِحسَانِهِ إِلَينَا وَكَثرَةِ نِعَمِهِ عِندَنَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فَرُوِيَ بِوَجهَينِ: أَحَدُهُمَا: فَتحُ المِيمِ مِن سَمِعَ وَتَشدِيدِهَا، وَالثَّانِي: كَسرُهَا مَعَ تَخفِيفِهَا، وَاختَارَ القَاضِي وَصَاحِبُ المَطَالِعِ التَّشدِيدَ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ رِوَايَةُ أَكثَرِ رُوَاةِ مُسلِمٍ، قَالَا: وَمَعنَاهُ بَلَّغَ سَامِعٌ قَولِي هَذَا لِغَيرِهِ وَضَبَطَهُ الخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ بِالكَسرِ وَالتَّخفِيفِ، قَالَ الخَطَّابِيُّ: مَعنَاهُ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى حَمدِنَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَحُسنِ بَلَائِهِ.
وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ إِخبَارًا عَلَى مَعنَى أَنَّ حَمدَ اللهِ فِي أَحوَالِ السَّفَرِ وَكُلَفِهِ وَتَوَالِي النَّصَبِ يَتَضَاعَفُ لِلحَامِدِ فِيهِ أَجرُ حَمدِهِ، فَيَكُونُ قَولُهُ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللهِ» إِخبَارًا، وَيَكُونُ المُرَادُ بِالسَّامِعِ الوَاحِدُ مِنَ الخَلقِ فَمَا فَوقَهُ، فَاقتَصَرَ عَلَى الأَقَلِّ وَدَلَّ عَلَى الأَكثَرِ،
قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: أَي لِيَسمَعِ السَّامِعُ وليَشهَد الشَّاهِدُ حَمدَنا لِلَّهِ عَلَى مَا أحسَن إِلَينَا وَأَولَانَا مِن نِعَمِهِ، وحُسنُ البَلَاءِ: النِّعمَةُ وَالِاختِبَارُ بِالخَيرِ لِيَتَبَيَّنَ الشُّكرُ، وَبِالشَّرِ لِيَظهَرَ الصَّبرُ.
بيان تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين
رَبَّنَا صَاحِبنَا أَيِ احفَظنَا، وَمَن صَحِبَهُ اللهُ أَي حَفِظَهُ لَم يَضُرَّهُ شَيءٌ، وَبَيَانُهُ مَا رُوِيَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَهُوَ: «اللهم اصحَبنَا مِنكَ بِصُحبَةٍ، وَاقبَلنَا بِذِمَّةٍ»، أَيِ احفَظنَا فِي سَفَرِنَا بِحِفظِكَ وَاقبَلنَا بِأَمَانِكَ وَعَهدِكَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيِ احفَظنَا وَحُطْنَا وَاكلَأنَا وَأَفضِل عَلَينَا بِجَزِيلِ نِعَمِكَ وَاصرِف عَنَّا كُلَّ مَكرُوهٍ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ مِن أَسمَاءِ اللهِ: الصَّاحِبُ، إِنَّمَا هَذَا يُطلَقُ عَلَى اللهِ مِن بَابِ الوَصفِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ مِن وَصفٍ للهِ يُوهِمُ المُخَالَطَةَ وَالمُشَارَكَةَ وَالمُنَاسَبَةَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ لَا بُدَّ مِن تَأوِيلِهِ تَأوِيلًا يَلِيقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهِ،
يَقُولُ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ الكَبِيرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي البُرهَانِ المُؤَيَّدِ: فَعَامِلُوا اللهَ بِحُسنِ النِّيَّاتِ، وَاتَّقُوهُ فِي الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَصُونُوا عَقَائِدَكُم عَن التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الكُفرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 7] وَالوَاجِبُ عَلَيكُم وَعَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي المُتَشَابِهِ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ مِن عِندِ اللهِ أَنزَلَهُ عَلَى عَبدِهِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَبِيلُ المُتَّقِينَ تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَمَّا دَلَّ عَلَيهِ ظَاهِرُهُ وَتَفوِيضُ مَعنَاهُ المُرَادِ مِنهُ إِلَى الحَقِّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، وَبِهَذَا سَلَامَةُ الدِّينِ.
سُئِلَ بَعضُ العَارِفِينَ عَنِ الخَالِقِ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: إِن سَأَلتَ عَن ذَاتِهِ فَلَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ، وَإِن سَأَلتَ عَن صِفَاتِهِ فَهُوَ أَحَدٌ صَمَدٌ لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَإِن سَأَلتَ عَنِ اسمِهِ فَهُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، وَإِن سَأَلتَ عَن فِعلِهِ فَكُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ.اهـ
وَقَد جَمَعَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَمِيعَ مَا قِيلَ فِي التَّوحِيدِ بِقَولِهِ: «مَنِ انتَهَضَ لِمَعرِفَةِ مُدَبِّرِهِ فَانتَهَى إِلَى مَوجُودٍ يَنتَهِي إِلَيهِ فِكرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ، وَإِنِ اطمَأَنَّ إِلَى العَدَمِ الصِّرفِ فَهُوَ مُلحِدٌ مُعَطِّلٌ، وَإِنِ اطمَأَنَّ لِمَوجُودٍ وَاعتَرَفَ بِالعَجزِ عَن إِدرَاكِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ».اهـ
مَعنَاهُ: الَّذِي يَعتَرِفُ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَيَعتَقِدُ أَنَّهُ مَوجُودٌ لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ، مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ، لَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، وَلَم يَقُل: إِنَّنِي أُرِيدُ أَن أَتَصَوَّرَ رَبِّي، فَهَذَا الإِنسَانُ مُوَحِّدٌ عَارِفٌ بِرَبِّهِ.اهـ
يَقُولُ سَيِّدُنَا أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ: «أَي سَادَةُ، نَزِّهُوا اللهَ عَن سِمَاتِ المُحدَثِينَ وَصِفَاتِ المَخلُوقِين، وَطَهِّرُوا عَقَائِدَكُم مِن تَفسِيرِ مَعنَى الِاستِوَاءِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِالِاستِقرَارِ كَاستِوَاءِ الأَجسَامِ عَلَى الأَجسَامِ المُستَلزِمِ لِلحُلُولِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ، وَإِيَّاكُم وَالقَولَ بِالفَوقِيَّةِ وَالسُّفلِيَّةِ وَالمَكَانِ وَاليَدِ وَالعَينِ بِالجَارِحَةِ وَالنُّزُولِ بِالإِتيَانِ وَالِانتِقَالِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ، فَقَد جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِثلُهُ مِمَّا يُؤَيِّدُ المَقصُودَ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا مَا قَالَهُ صُلَحَاءُ السَّلَفِ وَهُوَ الإِيمَانُ بكُلِّ ذَلِكَ وَرَدُّ عِلمِ المُرَادِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَعَ تَنزِيهِ البَارِئِ تَعَالَى عَنِ الكَيفِ وَسِمَاتِ الحُدُوثِ، وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجَ الأَئِمَّةُ.
سَأَلَ رَجُلٌ الإِمَامَ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ [سورة طه/ الآية 5] فَقَالَ: الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ. مَعنَى كَلَامِ مَالِكٍ: أَي مَعلُومٌ وُرُودُهُ فِي القُرآنِ، أَي أَنَّهُ وَرَدَ فِي القُرآنِ. أَجَابَ مَالِكٌ فَقَالَ: الِاستِوَاءُ مَعلُومُ، وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ – لَم يَقُلِ الإِمَامُ مَالِكٌ: الكَيفُ مَجهُولٌ. يَعنِي يَستَحِيلُ الكَيفُ عَلَى اللهِ -، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبتَدِعًا، وَأَمَرَ بِهِ أَن يُخرَجَ.
وَقَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِكَ: «آمَنتُ بِلَا تَشبِيهٍ، وَصَدَّقتُ بِلَا تَمثِيلٍ، وَاتَّهَمتُ نَفسِي بِالإِدرَاكِ، وَأَمسَكتُ عَنِ الخَوضِ فِيهِ كُلَّ الإِمسَاكِ».اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن قَالَ: لَا أَعرِفُ اللهَ أَفِى السَّمَاءِ هُوَ أَم فِي الأَرضِ، فَقَد كَفَرَ، لِأَنَّ هَذَا القَولَ يُوهِمُ أَنَّ لِلحَقِّ مَكَانًا، وَمَن تَوَهَّمَ أَنَّ لِلحَقِّ مَكَانًا فَهُوَ مُشَبِّهٌ».اهـ
وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ الِاستِوَاءِ فَقَالَ: «استَوَى كَمَا أَخبَرَ لَا كَمَا يَخطُرُ لِلبَشَرِ».اهـ
عَلِمنَا مِن كُلِّ هَذَا أَنَّ مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «صَاحِبْنَا» أَيِ احفَظنَا.اهـ
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن ذِكرِ مَعِيَّةٍ للهِ فَهُوَ بِمَعنًى لَائِقٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 69]، أي هُوَ سُبحَانُهُ مَعَهُم بِالنُّصرَةِ وَالمَعُونَةُ، وَالحِفظِ وَالهِدَايَةِ وَلَيسَ المَعنَى: إِنَّ اللهَ مَعَ المُحسِنِينَ حَقِيقَةً، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَحُلُّ فِي شَيءٍ وَلَا يَنحَلُّ مِنهُ شَيءٌ وَلَا يَحُلُّ هُوَ فِي شَيءٍ، فتَفسِيرُ مَعِيَّةِ اللَّهِ المَذكُورَةِ فِي القُرءَانِ: كَقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ [سورة الحديد/ الآية 4] الإِحَاطَةُ بِالعِلمِ لا بِالحِسِّ وَالجِهَاتِ، كَمَا فِي البَحرِ المُحِيطِ لِلمُفَسِّرِ اللُّغَوِىِّ الحَافِظِ أَبِى حَيَّانَ الأَندَلُسِىِّ،
وَلَيسَ المُرَادُ بِالمَعِيَّةِ في حقّ الله مَعنًى مِن مَعَانِى الجِسمِيَّةِ وَلَيسَ المَعنِىُّ بِهَا الحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ، وَيخرج من الدين مَن يَعتَقِدُ ذَلِكَ، أَى مَن يَعتَقِدُ أَنَّ المَقصُودَ بِهَا الحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ، لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ بِالمَسَافَةِ، فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالعَالَمِ، وَلا إِنَّهُ مُنفَصِلٌ عَنهُ بِالمَسَافَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِن صِفَاتِ الحَجمِ، وَالحَجمُ هُوَ الَّذِى يَقبَلُ الأَمرَينِ مِنَ الِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ، وَهُوَ حَادِثٌ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَيسَ بِحَادِثٍ، وَقَد نَفَى ذَلِكَ عَن نَفسِهِ سُبحَانَهُ بِقَولِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11] .اهـ
بيان ربح المؤمن بصبره على مصائب الدنيا
فَأَفضِل عَلَينَا دُعَاءٌ، وَمَعنَاهُ: أَنعِم عَلَينَا؛ أَي إِذَا أَمسَكَ المُفضِلُونَ فِي الأَسفَارِ فَضلَهُم، وَضَاقَت أَخلَاقُهُم، وَتَنَكَّرَت رُفقَتُهُم، فَأَفضِل عَلَينَا أَنتَ.
وَنِعَمُ اللهِ عَلَينَا عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنهَا مَا نَعرِفُهُ وَمِنهَا مَا لَا نَعرِفُهُ، وَرَحمَةُ اللهِ بالمُؤمِنِ عَظِيمَةٌ كَبِيرَةٌ، فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي أَسبَغَ عَلَينَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَنَحنُ نَحمَدُهُ تَعَالَى حَمدًا كَثِيرًا عَلَى إِنعَامَاتِهِ وَهِبَاتِهِ وَعَطِيَّاتِهِ الوَاصِلَةِ إِلَينَا وَالفَائِضَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل/ الآية 53]، وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لَا تُحصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النحل/ الآية 18]، مَعنَاهُ نَحنُ لَا نَحصُرُهَا بِالعَدِّ، وَلَكِن أَعظَمُ نِعمَةٍ أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَينَا هِيَ الإِسلَامُ وَأَن جَنَّبَنَا الكُفرَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَنِعمَةُ الإِيمَانِ أَفضَلُ مِن نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ، وَقَدِ اعتَادَ بَعضُ المُسلِمِينَ قَولَ كَلِمَةٍ حُلوَةٍ هِيَ: «الحَمدُ للهِ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَكَفَى بِهَا مِن نِعمَةٍ».اهـ
فَمَا دَامَ الأَمرُ عَلَى هَذَا الوَجهِ فَالمُؤمِنُ دَائِمًا هُوَ الرَّابِحُ حُكمًا وَمَعنًى، مَعنَى أَنَّ المُؤمِنَ حُكمًا وَمَعنًى دَائِمًا هُوَ الرَّابِحُ: أَي أنه يَربَحُ الثَّوَابَ فِي الآخِرَةِ دَائِمًا فِي كُلِّ أَحوَالِهِ إِذَا صَبَرَ عَلَى البَلَاءِ، وَأَحيَانًا يَكُونُ رَابِحًا حُكمًا وَمَعنًى وَحِسًّا، وَمَعنَى أَنَّهُ رَابِحٌ حِسًّا: أَي أَنَّهُ يَربَحُ الثَّوَابَ وَمَعَ ذَلِكَ يَعلُو عَلَى أَعدَائِهِ الكُفَّارِ فِي الدُّنيَا وَيَغلِبُهُم، فَفِي كُلِّ الأَحوَالِ حُكمًا وَمَعنًى هُوَ المُستَفِيدُ، إِذَا قُتِلَ ظُلمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، لَا يُعَذَّبُ فِي القَبرِ وَلَا فِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَلَا يَدخُلُ النَّارَ، إِذَا جُرِحَ فَصَبَرَ فَلَهُ أَجرٌ، إِذَا سُجِنَ، إِذَا هُجِّرَ مِن بَلَدِهِ وَأَرضِهِ، إِذَا أُتلِفَت أَموَالُهُ، إِذَا اعتُدِيَ عَلَى أَرضِهِ وَعِرضِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ وَهُوَ رَابِحٌ إِن قُتِلَ مَعَ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَإِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ)).اهـ
فَالعِبرَةُ لَيسَت بِالدُّنيَا، فَإِنَّ مَن حَصَّلَ الدُّنيَا مِن أَوَّلِ وِلَادَتِهِ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ ذَا جَاهٍ أَو سُلطَانٍ أَو نَحوَ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَى غَيرِ الإِسلَامِ وَلَو لَم يُبتَلَ بِأَيِّ بَلَاءٍ دُنيَوِيٍّ بِالمَرَّةِ فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى حُسنِ حَالِهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ، بَل هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُوءِ حَالِهِ.
ثُمَّ إِنَّ عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ – كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عَبرَ الأَزمِنَةِ – كَانُوا مِن أَكثَرِ النَّاسِ بَلَاءً، وَبَعضُهُم كَانَ مِن أَشَدِّ النَّاسِ فَقرًا، فَإِذَا نَظَرنَا مَثَلًا إِلَى سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَجِدُ أَنَّهُ مِن بِدَايَةِ حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ كَانَ فِي بَلَاءٍ دُنيَوِيٍّ شَدِيدٍ، فَقَد مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ مَا زَالَ حَملًا فِي بَطنِ أُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَت أُمُّهُ وَهُوَ فِي عُمُرِ السِّتِّ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ مَاتَ جَدُّهُ ثُمَّ مَاتَ عَمُّهُ وَزَوجَتُهُ وَأُخرِجَ مِن بَلَدِهِ مَكَّةَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ.
وَإِذَا نَظَرنَا إِلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم نَجِدُ أَنَّ أَكثَرَهُم كَانَ مِنَ المُستَضعَفِينَ، عَذَّبَهُمُ المُشرِكُونَ وَءَاذَوهُم لِإِسلَامِهِم وَإِيمَانِهِم بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَم عُذِّبَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ وَكَم عُذِّبَ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ وَكَم عُذِّبَ ءَالُ يَاسِرَ حَتَّى قُتِلُوا، وَكَم عَذِّبَ غَيرُهُمُ الكَثِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُم مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُم عِندَ اللهِ، فَمَن عُذِّبَ مِنهُم كَانَ لَهُ الثَّوَابُ وَمَن مَاتَ كَانَت لَهُ الشَّهَادَةُ، فَهُمُ الفَائِزُونَ الحَقِيقِيُّونَ وَلَيسَ المُشرِكُونَ الَّذِينَ عَذَّبُوهُم فائزين، ثُمَّ كَانَت نَتِيجَةُ صَبرِهِم أَن نَصَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى عَدُوِّهِم وَأَثلَجَ صُدُورَهُم بِإعلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ حَتَّى عَادُوا إِلَى مَكَّةَ فَاتِحِينَ مُنتَصِرِينَ رَافِعِي رُؤُوسِهِم، وَلَم يَكُن هَذَا دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ رِضَا اللهِ تَعَالَى عَنهُم، بَل قَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ أَنَّهُ رَاضٍ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ [سورة التوبة/ الآية 100].
وَكَذَلِكَ أَذكُرُ أَنَّ حَربَ الكُفَّارِ عَلَى المُسلِمِينَ حَربٌ عَقَائِدِيَّةٌ، هُم يُحَارِبُونَنَا لِأَنَّنَا مُسلِمُونَ، فَهَدَفُهُم هُوَ مَحوُ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ وَهَدمُ دِينِ اللهِ تَعَالَى.
لِذَلِكَ يَنبَغِي عَلَينَا أَن نَنتَبِهَ لِهَذَا الجَانِبِ وَنَحذَرَ العَدُوَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وَهَذَا يَكُونُ بِالتَّمَكُّنِ فِي دِينِنَا وَتَعلِيمِ الكِبَارِ وَالصِّغَارِ تَعَالِيمَ الإِسلَامِ الحَنِيفِ وَعَقِيدَةَ المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ الإِمَامُ الغَازِي صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِتَعلِيمِ النَّاسِ دِينَهُم أَربَعِينَ سَنَةً قَبلَ أَن يُعَلِّمَهُم القِتَالَ، فَكَانَ هَذَا هُوَ سَبَبَ النَّصرِ وَالفَتحِ العَظِيمِ الَّذِي حَقَّقَهُ، لِأَنَّهُ بِدُونِ الإِيمَانِ لَا يَقبَلُ اللهُ مِنَ العَبدِ أَيَّ عَمَلٍ صَالِحٍ، لِذَلِكَ يَنبَغِي أَن نُعَزِّزَ هَذَا الجَانِبَ لَدَى الكِبَارِ وَالصِّغَارِ لِيَقوَى إِيمَانُهُم فَتَقوَى عَزِيمَتُهُم بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
وصفِ النارِ وما أعدَّ اللهُ فيها للكافرين من العذاب
عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ)) قَالَ النَّوَوِيُّ: مَنصُوبٌ عَلَى الحَالِ أَي أَقُولُ هَذَا فِي حَالِ استِعَاذَتِي وَاستِجَارَتِي بِاللَّهِ مِن النَّارِ.
النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ العِبَارَةِ يَستَعِيذُ مِنَ النَّارِ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ جَائِزٌ، الِاستِعَاذَةُ مِن جَهَنَّمَ تَجُوزُ، أَمَّا الِاستِخفَافُ وَالسُّخرِيَةُ بِهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ كَقَولِ بَعضِ السُّفَهَاءِ عِندَ ذِكرِ جَهَنَّمَ: “نَتَدَفَّأُ بِهَا فِي الآخِرَةِ” لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ تَكذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخبَرَ بِهِ مِن شِدَّةِ نَارِ جَهَنَّمَ.
وَأَمَّا مَن أَنكَرَ أَو سَخِرَ بِنَوعٍ مِنَ الوَعِيدِ يَجهَلُ وُرُودَهُ فِي الشَّرعِ مِمَّا هُوَ غَيرُ ظَاهِرٍ بِحَيثُ يَشتَرِكُ فِي مَعرِفَتِهِ العَالِمُ وَالجَاهِلُ فَلَا نُكَفِّرُهُ كَأَن أَنكَرَ وُجُودَ عَقَارِبَ فِي جَهَنَّمَ.
وَكَذَلِكَ لَا يَكفُرُ مَن كَانَ قَرِيبَ عَهدٍ بِإِسلَامٍ فَأَنكَرَ جَهَنَّمَ؛ أَي مَا كَانَ يَسمَعُ بِأَنَّ المُسلِمِينَ يَعتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ دِينًا لَهُم، أَمَّا الَّذِي كَانَ يَسمَعُ بِأَنَّ المُسلِمِينَ يَعتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ «وَأَنَّهَا نَارٌ عَظِيمَة أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن عَصَاهُ» وَمَعَ ذَلِكَ أَنكَرَهَا فَهَذَا يُكَذِّبُ الدِّينَ.
وَهُنَا أُنَبِّهُ إِلَى أَنَّهُ لَيسَ مِنَ الاستِخفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ سَبُّ جَهَنَّمَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيسَت مُعَظَّمَةً، إِنَّمَا هِيَ شَىءٌ شَدِيدٌ، وَلَو كَانَت مُعَظَّمَةً مَا كُنَّا نَقُولُ: اللَّهُمَّ أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، فَيَجُوزُ أَن يُقَالَ عَن جَهَنَّمَ إِنَّهَا خَبِيثَةٌ، «بَل هَذَا قَالَ الحَقّ» إِنَّمَا تَكذِيبُ الشَّرعِ أَن يُقَالَ عَنهَا لَيسَت بِشَىءٍ أَو هِيَ شَىءٌ خَفِيفٌ «أَو شَىءٌ هَيِّنٌ أَو نَتَدَفَّأُ بِهَا لِأَنَّ هَذَا استِخفَافٌ بِمَا عَظَّمَ الله، عَظَّمَ هُنَا مَعنَاهُ شَدَّدَ، أَلَيسَ قَالَ: عَذَابٌ عَظِيم».
جَهَنَّمُ يُستَعَاذُ بِاللَّهِ مِنهَا، فَإِنَّ مِن جُملَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ أَن يَقُولُوهُ فِي الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ وَمِن عَذَابِ جَهَنَّمَ» فَمَن ذمَّ جَهَنَّمَ لَا يَكفُرُ وَلَيسَ عَلَيهِ مَعصِيَة، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ جَهَنَّمَ بِقَولِهِ: ﴿وَبِئسَ القَرَارُ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 29] يَعنِي جَهَنَّم قَرَارٌ خَبِيثٌ، وَبِقَولِهِ: ﴿وَسَاءَت مَصِيرًا﴾ [سورة النساء/ الآية 97]، فَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ مَثَلًا: “وَحَقِّ جَهَنَّمَ” لِأَنَّهَا لَيسَ لَهَا شَرَفٌ، فَإِن كَانَ يَفهَمُ مِن ذَلِكَ تَعظِيم جَهَنَّمَ أَي أَنَّهَا لَهَا كَرَامَةً وَشَرَفًا كَمَا أَنَّ لِلجَنَّةِ شَرَفًا وَكَرَامَةً فَهَذَا يكذّب الدّين، وَكَلِمَةُ: «وَحَقِّ كَذَا» تُشعِرُ بِشَرَفِ الشَّىءِ المَذكُورِ.
سَبُّ جَهَنَّمَ نَوعَانِ نَوعٌ كُفرٌ وَنَوعٌ لَيسَ كُفرًا، إِذَا قَالَ قَبِيحَة أَو خَبِيثَة، لَا يَخرج من الدين، وَإِذَا قَالَ: لَيسَت بِشَىءٍ، كَذَّبَ الدِّينَ، أَو قَالَ: عَذَابُهَا لَيسَ شَدِيدًا، كَقَولِ بَعضِ السُّفَهَاءِ: “غَدًا نَتَدَفَأُ بِهَا”، هَذَا تكذيب للدين، وَمِن ذَلِكَ قَولُ بَعضِهِم: «جَهَنَّمُ مُستَشفَى» أَي مَحَلُّ طَبَابَةٍ وَعِلَاجٍ وَتَنظِيفٍ لَيسَت مَحَلَّ عِقَابٍ وَتَعذِيبٍ، وَذَلِكَ تكذيب للنصوص، فَعَلَى زَعمِهِمُ: التَّعذِيبُ لَا يَجُوزُ وَصفُ اللَّهِ بِهِ، وَيَقُولُونَ عَنِ الآيَةِ ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ [سُورَةَ غَافِر/ الآية 3] مَعنَاهُ شَدِيدُ التَّعَقُّبِ لَيسَ التَّعذِيبَ، عَلَى قَولِهِم مَعنَى الآيَةِ اللهُ مُطَّلِعٌ، شَدِيدُ الإِطلَاعِ عَلَى أَحوَالِ الكُفَّارِ، وَهَذَا إِخرَاجٌ لِلنُّصُوصِ عَن ظَاهِرِهَا، وَإِخرَاجُ النُّصُوصِ عَن ظَاهِرِهَا بِدُونِ دَلِيلٍ مَردُود، لِأَنَّهُم يَكُونُونَ حَرَّفُوا مَا جَاءَ فِي القُرءَانِ وَمَا وَرَدَ عَنِ الرِّسُولِ ﷺ».اهـ
هَذِهِ النَّارُ العَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ أَعظَمُ عَذَابٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلكَافِرِينَ وَلِبَعضِ عُصَاةِ المُسلِمِينَ، فَقَد قَالَ ﷺ: ((أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلفُ سَنَةٍ حَتَّى احمَرَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيهَا أَلفُ سَنَةٍ حَتَّى ابيَضَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيهَا أَلفُ سَنَةٍ حَتَّى اسوَدَّت، فَهِيَ سَودَاءُ مُظلِمَةٌ))، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
أُوقِدَ عَلَيهَا – كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ – ثلاثةَ آلَافِ سَنَةٍ، فَهِيَ مَخلُوقَةٌ الآنَ، وَمَوجُودَةٌ تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ كَمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَروِيهِ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ أَنَّهَا تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ، مُنفَصِلَةٌ عَنهَا، وَلَهَا أَرضُهَا وَسَقفُهَا، وَيُؤتَى بِقِطعَةٍ مِنهَا يَومَ القِيَامَةِ إِلَى أَرضِ المَحشَرِ يَجُرُّهَا سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ لِيَرَاهَا الكُفَّارُ فَيَرتَاعُوا مِن مَنظَرِهَا المُخِيفِ كَمَا رَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ، نَسأَلُ اللهَ أَن يُسَلِّمَنَا.
وَقَد تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ النَّارَ فِيهَا خَالِدِينَ، وَكَتَبَ العَذَابَ فِيهَا عَلَى بَعضِ العُصَاةِ مِنَ المُؤمِنِينَ، وَمِمَّا جَاءَ فِي وَصفِهَا: أَنَّ أَبوَابَهَا سَبعَةُ أَبوَابٍ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبعَةُ أَبوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنهُم جُزءٌ مَّقسُومٌ﴾ [سورة الحجر/ الآية 44].
وَأَمَّا سَعَتُهَا وَصِفَتُهَا: فَقَد صَحَّ أَنَّهُ لَو قُذِفَ حَجَرٌ فِي جَهَنَّمَ لَهَوَى سَبعِينَ خَرِيفًا قَبلَ أَن يَبلُغَ قَعرَهَا، وَهِيَ سَودَاءُ مظلمةٌ لَا يُضِيءُ جَمرُهَا وَلَا لَهَبُهَا، بَل أَهلُهَا فِي ظُلمَةٍ يَأتِيهِمُ العَذَابُ مِن كُلِّ مَكَانٍ.
وَلَيسَ عَذَابُهُمُ النَّارَ فَقَط، بَل لَهُم فِيهَا مِنَ الزَّمهَرِيرِ أَيِ البَردِ الشَّدِيدِ، فَإِذَا استَغَاثُوا مِنَ الحَرِّ جَاءَهُم بَردٌ يَصدَعُ العَظمَ، فَيَمكُثُونَ فِي عَذَابٍ مُستَمِرٍّ مُتَنَوِّعٍ،
وَقَد رَوَى البَزَّارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ قَالَت: أَكَلَ بَعضِي بَعضًا، فَاستَأذَنَتِ اللهَ فِي نَفَسَينِ فَأَذِنَ لَهَا، فَشِدَّةُ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ، وَشِدَّةُ البَردِ مِن زَمهَرِيرِهَا)).
وَقَعرُهَا الَّذِي مَسَافَتُهُ سَبعُونَ سَنَةً فِي النُّزُولِ لَا يَدخُلُهُ إِلَّا كَافِرٌ، فَعُصَاةُ المُسلِمِينَ لَا يَدخُلُونَهُ، لَا يَدخُلُهُ مُسلِمٌ.
أَمَّا مَا جَاءَ فِي وَصفِ جِبَالِ جَهَنَّمَ وَأَودِيَتِهَا: فَإِنَّ مِن جِبَالِهَا الصَّعُودَ: وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُرهِقُهُ صَعُودًا﴾ [سورة المدثر/ الآية 17]، وهوَ جَبَلٌ مِن نَارٍ، يُكَلَّفُ الكَافِرُ صُعُودَهُ ثُمَّ يَهوِي، إِذَا وَضَعُوا أَيدِيَهُم عَلَيهِ ذَابَت، وَإِذَا رَفَعُوهَا عَادَت.
وَكَذَلِكَ مِن أَودِيَتِهَا وَادِي “وَيلٍ“: وَوَيلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهوِي فِيهِ الكَافِرُ أَربَعِينَ خَرِيفًا قَبلَ أَن يَبلُغَ قَعرَهُ، لَو سُيِّرَت فِيهِ الجِبَالُ لَمَاعَت مِن حَرِّهِ.
وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا يُدعَى “غَيًّا” وَهُوَ المَذكُورُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 59]، أَعَدَّهُ اللهُ لِلمُصِرِّينَ عَلَى الزِّنَا وَشُربِ الخَمرِ وَأَكلِ الرِّبَا، وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِن هَذَا كُلِّهِ.
أَمَّا عَقَارِبُهَا وَحَيَّاتُهَا: فَفِيهَا حَيَّاتٌ كَالوِديَانِ وَعَقَارِبُ، فِي فِقَارِ إِحدَاهُنَّ مِقدَارُ سَبعِينَ قُلَّةِ سُمٍّ، وَالعَقرَبُ مِنهُنَّ مِثلُ البَغلَةِ المُؤكَفَةِ (الَّتِي عَلَيهَا الإِكَافُ وَهُوَ مِثلُ السَّرجِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الحِصَانِ) تَلدَغُ الرَّجُلَ فَلَا يُلهِيهِ مَا يَجِدُ مِن حَرِّ جَهَنَّمَ حُمُوَّةَ لَدَغَتِهَا.
أَمَّا سِجنُهَا: فَفيِهَا سِجنٌ أَرضُهُ نَارٌ، وَسَقفُهُ نَارٌ، وَجُدرَانُهُ نَارٌ، فَإِذَا أُدخِلُوا وُجِّهَتِ النِّيرَانُ إلى أَفوَاهِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّمَ لِلكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 8] وَالحَصِيرُ السِّجنُ.
أَمَّا سِيَاطُهَا: فَلِلكَافِرِينَ فيها سِيَاطٌ خَاصَّةٌ يُضرَبُونَ بِهَا، لَو أَنَّ أَحَدَ هَذِهِ السِّيَاطِ وُضِعَ فِي الأَرضِ فَاجتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الأَرضِ، أَي مَا رَفَعُوهُ عَنِ الأَرضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو تَرَى إِذ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلآئِكَةُ يَضرِبُونَ وُجُوهَهُم وَأَدبَارَهُم وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 50-51].
أَمَّا صِفَةُ أَهلِهَا: فَضِرسُ الكَافِرِ فِيهَا مِثلُ جَبَلِ أُحُدٍ، وَمَقعَدُهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَبكُونَ فِيهَا الدُّمُوعَ وَبَعدَ الدُّمُوعِ الدَّمَ، وَلَو أُرسِلَتِ السُّفُنُ فِي دُمُوعِهِم لَجَرَت، يُسحَبُونَ إِلَيهَا مُغَلَّلَةً أَيدِيهِم إِلَى أَعنَاقِهِم، وَيُضرَبُونَ بِالمَقَامِعِ عَلَى وُجُوهِهِم وَأَدبَارِهِمِ.
أَمَّا طَعَامُ أَهلِهَا وَشَرَابُهُم: فَإِذَا جَاعَ أَهلُ النَّارِ استَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَأَكَلُوا مِنهَا، فَسَقَطَت جُلُودُ وُجُوهِهِم، وَوَصفُ هَذَا مَا قَالَ تَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿إِنَّ شَجَرَت الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالمُهلِ يَغلِي فِي البُطُونِ كَغَليِ الحَمِيمِ﴾ [سورة الدخان/ الآية 43-46].
وَيَأكُلُونَ الضَّرِيعَ وَهُوَ شَجَرَةٌ نَتِنَةٌ قَبِيحَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّيسَ لَهُم طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ لا يُسمِنُ وَلا يُغنِي مِن جُوعٍ﴾ [سورة الغاشية/ الآية 6-7].
ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيهِمُ العَطَشُ فَيَستَغِيثُونَ فَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انتَهَى حَرُّهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءت مُرتَفَقًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 29]، فَإِذَا أُدنِيَ مِن أَفوَاهِهِمِ انشَوَى مِن حَرِّهِ لَحمُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي سَقَطَت عَنهَا الجُلُودُ، وَيُصهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم فَيَمشُونَ فَتَسِيلُ أَمعَاؤُهُم وَتَتَسَاقَطُ جُلُودُهُم.
ثُمَّ يُضرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِن حَدِيدٍ بِأَيدِي الزَّبَانِيَةِ، وَإِنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِم، فَيَنفُذُ الجُمجُمَةَ حَتَّى يَخلُصَ إِلَى جَوفِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ يُصهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم وَالجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخرُجُوا مِنهَا مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [سورة الحج/ الآية 19-22].
أَمَّا سَلَاسِلُهَا: فإنَّها تَدخُلُ فِي دُبُرِ الكافر حَتَّى تَخرُجَ مِن فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلسِلَةٍ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعًا فَاسلُكُوهُ﴾ [سورة الحاقة/ الآية 32]، وَعَنِ الحَسَنِ وَابنِ عَبّاسٍ أَنَّ قِيَاسَهَا بِذِرَاعِ المَلَكِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعتَدنَا لِلكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [سورة الإنسان/ الآية 4].
أَمَّا تَعَاوِيهِم وَصَيحَاتِهِم: فإنَّهُم يَقُولُونَ وَهُم يَصرُخُونَ وَيَبكُونَ: كَلِّمُوا خَزَنَةَ النَّارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادعُوا رَبَّكُم يُخَفِّف عَنَّا يَومًا مِّنَ العَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 49]، فَيُجِيبُونَهُم مَا أَخبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿أَوَلَم تَكُ تَأتِيكُم رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادعُوا وَمَا دُعَاء الكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [سورة غافر/ الآية 50]، فَيَقُولُ أَهلُ النَّارِ ما ذَكَرَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةً عَنهُم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 77]، فَيُجِيبُهُم بَعدَ أَلفِ عَامٍ مِنَ الِانتِظَارِ: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 77]، فَيَقُولُونَ: ادعُوا رَبَّكُم، فَإِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ خَيرًا لَكُم مِن رَبِّكُم، فَيَقُولُونَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَت عَلَينَا شِقوَتُنَا وَكُنَّا قَومًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنهَا فَإِن عُدنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 106-107]، فَيَأتِيهِمُ الجَوَابُ: ﴿اخسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِن عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا وَأَنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذتُمُوهُم سِخرِيًّا حَتَّى أَنسَوكُم ذِكرِي وَكُنتُم مِّنهُم تَضحَكُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 108-110]، فَعِندَ ذَلِكَ يَيأَسُونَ وَيَأخُذُونَ فِي الشَّهِيقِ وَالوَيلِ وَالثُّبُورِ.
وَيَمُرُّ عَلَيهِم وَقتٌ يَتَخَاصَمُونَ فِيمَا بَينَهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدهُ عَذَابًا ضِعفًا فِي النَّارِ وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِنَ الأَشرَارِ أَتَّخَذنَاهُم سِخرِيًّا أَم زَاغَت عَنهُمُ الأَبصَارُ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهلِ النَّارِ﴾ [سورة ص/ الآية 61-64]، وَإنَّهُم كَذَلِكَ يَتَلَاوَمُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَت أُمَّةٌ لَّعَنَت أُختَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَت أُخرَاهُم لأُولاَهُم رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِم عَذَابًا ضِعفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعفٌ وَلَكِن لاَّ تَعلَمُونَ، وَقَالَت أُولاَهُم لأُخرَاهُم فَمَا كَانَ لَكُم عَلَينَا مِن فَضلٍ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 38-39]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 24].
وَمِن جُملَةِ الحِجَارَةِ الَّتِي فِي جَهَنَّمَ كَمَا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ حِجَارَةُ الكِبرِيتِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَوَقُّدًا مِن غَيرِهَا وَأَنتَنُ رَائِحَةً وَأَلصَقُ بِالبَدَنِ، وَقِيلَ: هِيَ الأَصنَامُ الَّتِي اتَّخَذَهَا الكُفَّارُ مِن حِجَارَةٍ فِي الدُّنيَا مَعبُودَاتٍ لَهُم مِن دُونِ اللهِ تُرمَى فِي جَهَنَّمَ أَيضًا تَحسِيرًا لِلكَافِرِينَ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي مِنَ الجَمَادَاتِ كَالشَّمسِ وَالقَمَرِ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 98] أَي وَقُودُ النَّارِ.
فضل الثلث الأخير من الليل وبيان معنى حديث النزول
يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَرفَعُ بِهَا صَوتَهُ. وَعِندَ مُسلِمٍ وَأَبِى دَاوُدَ: ((إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ وَأَسحَرَ)) قَالَ ابنُ هُبَيرَةَ: دَخَلَ فِي وَقتِ السَّحَرِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الوَقتَ فِي الأَكثَرِ وَقتُ الرَّحِيلِ مِنَ المَنزِلِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى مَنزِلٍ آخَرَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا «أَسحَرَ» فَمَعنَاهُ قَامَ فِي السَّحَرِ، أَو انتَهَى فِي سَيرِهِ إِلَى السَّحَرِ وَهُوَ آخِرُ اللَّيلِ.
وَوَقتُ السَّحَرِ هُوَ وَقتُ آخِرِ اللَّيلِ، وَهُوَ وَقتُ الأَسرَارِ وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، فَمَن كَانَ لَهُ حَاجَةٌ دُنيَوِيَّةٌ أَو أُخرَوِيَّةٌ فَليَقُم آخِرَ اللَّيلِ وَليَدعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَليُكثِر مِنَ الِاستِغفَارِ فِي هَذَا الوَقتِ المُبَارَكِ.
وَيَكفِي مِمَّا وَرَدَ فِي فَضَائِلِهِ أَنَّهُ وَقتُ تَنَزُّلِ المَلَائِكَةِ وَالبَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ، وَصَحَّ فِي فَضَائِلِ آخِرِ اللَّيلِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المُسَمَّى حَدِيثَ النُّزُولِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَنزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟))، وَمَعنَاهُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: نُزُولُ الرَّحمَةِ.اهـ
فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَاتِ وَالتَّحَيُّزِ فِي المَكَانِ، فَيَجِبُ اعتِقَادُ أَنَّ النُّزُولَ الوَارِدَ فِي الحَدِيثِ لَيسَ نُزُولَ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي حَقِّ اللهِ، بَل هُوَ نَزُولٌ يَلِيقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن غَيرِ كَيفٍ وَلَا تَحَيُّزٍ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ.
هَذَا مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ مِن سَلَفٍ وَخَلَفٍ، وَإِنَّمَا اختَلَفَت طَرِيقَتُهُم فِي التَّعَامُلِ مَعَ مِثلِ هَذِهِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ التِي ظَاهِرُهَا فِيهِ نِسبَةُ المَكَانِ وَالتَّحَيُّزِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ أَكثَرُ السَّلَفِ إِلَى إثبَاتِ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِن غَيرِ تَعيِينِ مَعنًى لَهُ، لَكِن مَع تَنزِيهِهِم للهِ عَن صِفَاتِ البَشَرِ، كَالكَيفِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ، فَقَالُوا أَمِرُّوهَا ـ أَي هَذِهِ النُّصُوصَ ـ كَمَا جَاءَت بِلَا كَيفٍ، وَذَهَبَ أَكثَرُ الخَلَفِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ إِلَى تَعيِينِ مَعنًى لَهَا مِمَّا تَقتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ، مَعَ مُرَاعَاةِ أَن يُفِيدَ تَنزِيهَ اللهِ عَن صِفَاتِ الخَلقِ، كَتَأوِيلِ النُّزُولِ الوَارِدِ بِالحَدِيثِ بِنُزُولِ الرَّحمَةِ الخَّاصَّةِ، وَكِلَا الفَرِيقَينِ يُنَزِّهُ اللهَ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ فِي الجِهَةِ والمَكَانِ وَالحَرَكَةِ وَالنُّزُولِ الحِسِّيِّ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ المُشَبِّهَةُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَحَمَلُوا هَذِهِ النُّصُوصَ عَلَى ظَاهِرِهِا وَاعتَقَدُوا حَقِيقَةَ النُّزُولِ الَّذِي هُوَ مِن صِفَاتِ البَشَرِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَكَذَّبُوا صَرِيحَ القُرءَانِ الكَرِيمِ، وَقَولُهُم هَذَا خُرُوجٌ مِنَ الإِسلَامِ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ النُّزُولِ: استَدَلَّ بِهِ مَن أَثبَتَ الجِهَةَ وَقَالَ: هِيَ جِهَةُ العُلُوِّ، وَأَنكَرَ ذَلِكَ الجُمهُورُ، لِأَنَّ القَولَ بِذَلِكَ يُفضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذَلِكَ.
وَقَدِ اختُلِفَ فِي مَعنَى النُّزُولِ عَلَى أَقوَالٍ: فَمِنهُم مَن حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُمُ المُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَن قَولِهِم، وَمِنهُم مَن أَنكَرَ صِحَّةَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُملَةً، وَهُمُ الخَوَارِجُ وَالمُعتَزِلَةُ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَمِنهُم مَن أَجرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الإِجمَالِ مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الكَيفِيَّةِ وَالتَّشبِيهِ، وَهُم جُمهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، وَالسُّفيَانَينِ، وَالحَمَّادَينِ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَاللَّيثِ، وَغَيرِهِم، وَمِنهُم مَن أَوَّلَهُ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ مُستَعمَلٍ فِي كَلَامِ العَرَبِ، فَأَوَّلَ فِي بَعضٍ وَفَوَّضَ فِي بَعضٍ، وَهُوَ مَنقُولٌ عَن مَالِكٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ.
وَقَالَ ابنُ العَرَبِيِّ: حُكِيَ عَنِ المُبتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَعَنِ السَّلَفِ إِمرَارُهَا، وَعَن قَومٍ تَأوِيلُهَا، وَبِهِ أَقُولُ، وذكر بعد كلام فقال:
وَالحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجهَينِ: إِمَّا بِأَنَّ المَعنَى يَنزِلُ أَمرُهُ أَوِ المَلَكُ بِأَمرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ استِعَارَةٌ بِمَعنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالإِجَابَةِ لَهُم وَنَحوِهِ.
وَقَد حَكَى أَبُو بَكرِ بنُ فُورَكَ أَنَّ بَعضَ المَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذفِ المَفعُولِ، أَي: يُنزِلُ مَلَكًا، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِن طَرِيقِ الأَغَرِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفظِ: ((إِنَّ اللَّهَ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابُ لَهُ؟)) الحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: هَل مِن دَاعٍ يُستَجَابُ لَهُ؟)).
وَقَالَ البَيضَاوِيُّ: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امتَنَعَ عَلَيهِ النُّزُولُ عَلَى مَعنَى الِانتِقَالِ مِن مَوضِعٍ إِلَى مَوضِعٍ أَخفَضَ مِنهُ، فَالمُرَادُ نُورُ رَحمَتِهِ.
والله تعالى أعلم وأحكم