أعظم من فلق البحر: بركات ومعجزات النبي ﷺ في الطعام والماء والدعاء

الدرس ١٢ من ٤١دلائل النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الَّذِي لشرعه يَخْضَعُ مَنْ يعْبُد، ولِعَظَمتِه يخشعُ مَنْ يَرْكع ويسجُد، ولِطِيْب مناجاتِه يسهرُ المتَهْجِّدُ ولا يرْقُد، ولِطَلبِ ثوابِه يَبْذِلُ المُجَاهدُ نَفْسَه ويَجْهد، يتَكَلَّمُ سبحانَه بكلامٍ يجِلُّ أنْ يُشَابِه كَلاَمَ المخلوقين ويَبْعد، أحمده حَمْدَ مَنْ يَرْجُو الوقوفَ على بابِه غيرَ مُشَرَّد، 

وأشهد أنْ لا إِله إِلّا الله وحْدَه لا شريكَ له شهادةَ مَنْ أخلصَ لله وتَعَبَّد، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الَّذي قام بواجب العبادِة وتَزَوَّد، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ الصديق الَّذِي ملأ قلَوب مُبْغِضيْهِ قَرحَاتٍ تُنْفِد، وعلى عُمَرَ الَّذِي كَانَ  يُقَوِّي الإِسلامَ ويَعْضُد، وعلى عثمان الَّذِي جاءَتْه الشهادةُ فلم يترَدَّدْ، وعلى عليٍّ الَّذِي كان ينْسفُ زرْعَ الكُفرِ بسيفِه ويَحْصُد، وعلى آلِهِ وأصحابِه صلاة مُسْتَمرَّة على الزمانِ الْمُؤبَّد، وسلَّم تسليمًا. 

أما بعد: 

يقول تعالى في وصف من كان من أهل الكتاب وبعد ذلك صار من الذين اتبعوا محمدا ﷺ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 157]، ففضل محمد ﷺ على الأنبياء وعلى الخلق أجمعين يعرفه المنصف الذي عاين فضائله وشمائله ومعجزاته. وقد كنا في سياق حديثنا عن تفضيله ﷺ على الأنبياء ومقارنة ما أوتيه نبينا ﷺ بما أوتيه موسى عليه الصلاة والسلام: 

روى ابن سعد عن سعيد بن رقيش عن أنس رضي الله عنه قال: جئنا مع رسول الله ﷺ إلى قباء فانتهى إلى بئر غرس – وهو بئر في المدينة – وإنه ليستقى منه على حمار ثم نقوم عامّة النّهار ما نجد فيها ماء فمضمض في الدلو ورده فجاشت بالرواء.

وروى ابن السّكن عن همّام بن نقيد السّعديّ قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: حفرنا لنا بئرا فخرجت مالحة فدفع إليّ إداوة فيها ماء، فقال: ((صبّه))، فصببته فيها، فعذبت فهي أعذب ماء بئر باليمن.

وروى ابن سعد عن عمرو بن سعيد قال: قال أبو طالب: إن أول ما أنكرت من ابن أخي أنا كنا بذي المجاز – سوق على فرسخ من عرفة – في إبلنا، وكان رديفي في يوم صائف فأصابني عطش شديد فقلت له: يا ابن أخي آذاني العطش، فنزل، فقال: ((يا عمّ، أتريد ماء؟)) قلت: نعم، فقال: ((انزل)) فنزلت، فانتهيت إلى صخرة فركضها برجله، وقال شيئا فنبعت ماء لم أر مثله فشربت حتى ارتويت فقال: ((أرويت))، قلت: نعم، فركضها ثانية فعادت كما كانت.

وكل هذه القصص التي حصلت مع نبينا ﷺ أعجب مما حصل مع موسى عليه الصلاة والسلام من انفجار الماء من الحجر. 

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى انْفَلَقَ لَهُ الْبَحْرُ فَجَازَهُ بِأَصْحَابِهِ لَمَّا ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ. 

قُلْنَا: قَدْ أُوتِيَ نَظِيرَهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ – لِأَنَّهُ لَمْ يُحْوَجْ إِلَى اجْتِيَازِ بَحْرٍ – وَهُوَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ لَمَّا كَانَ بِالْبَحْرَيْنِ وَاضْطُرَّ إِلَى عُبُورِ الْبَحْرِ فَعَبَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَشْيًا عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يُبَلَّ لَهُمْ ثَوْبٌ، وقد انفلق البحر الذي دون السماء لمحمد ﷺ في الإسراء والمعراج وجاوزه إلى سدرة المنتهى. يوجد بحر مكفوف لا نراه بين السماء والأرض لا تقطر منه قطرة بقدرة الله. 

أمّا انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام فإنه لما يئس موسى عليه السلام من إيمان بني إسرائيل إلا من آمن وإيمان فرعون دعا عليهم وأمّن على دعائه أخوه هارون عليهما السلام فقال في دعائه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [سورة يونس/ الآية 88 – 89] واستجاب الله تعالى لهما فمسخ أموالهم فصارت حجارة على ما قيل، ولما طال الأمر على نبي الله موسى عليه السلام أوحى الله تبارك وتعالى إليه يأمره أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلًا ويذهب بهم إلى أرض فلسطين، وأمره أن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب عليهما السلام ويدفنه بالأرض المقدسة، فتجهّز موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين وكانوا يزيدون على ستمائة ألف غير الذرية، فخرج بهم في الليل سائرين في طريق البحر الأحمر على خليج السويس، وأخذوا يجدّون في السير حذرًا من فرعون وظلمه وطغيانه، ولما استيقظ فرعون علم بخروج موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل من مصر، فجهز جيشًا كبيرًا عرمرمًا حتى قيل كان فيه مائة ألف فارس وكان عدد جنوده يزيد على مليون وستمائة ألف جندي، وتوجّه فرعون بهذا الجيش الكبير طالبًا بني إسرائيل وموسى عليه السلام يتبع ءاثارهم يريد كيدهم والبطش والفتك بهم فأدركهم في اليوم التالي عند شروق الشمس، ولما تراءى الجمعان وعاين كل من الفريقين صاحبه ورءاه ولم يبق إلا المواجهة والمقاتلة، وهنا شعر بنو إسرائيل بالخطر المدلهم فالبحر أمامهم والعدو خلفهم وفرعون وجنوده يريدون الفتك بهم، فضجّوا بالعويل والصياح وقالوا لموسى عليه السلام وهم خائفون: إنا لمدركون. 

ولكن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الله سبحانه وتعالى الذي أمره بالخروج ببني إسرائيل من مصر سينصره فأخذ يسكّن روعهم، ولما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر واقترب فرعون وجنوده من بني إسرائيل وموسى عليه السلام، عند ذلك أوحى الله عز وجل إلى موسى الكليم عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر، فأخرج عليه السلام عصاه وضرب بها البحر فانفلق البحر بقدرة الله اثني عشر فرقًا وكان كل فرق كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقًا لكل سبطٍ طريق يسيرون فيه، وأمر الله موسى عليه السلام أن يَجوزَه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين مبادرين مستبشرين بنصر الله بعد أن أصبح البحر يابسًا ممهّدًا بعد أن رأوا بأمّ أعينهم هذه الآية والمعجزة العظمى التي تحتار لها عقول الناظرين، فلما جاوزه موسى عليه السلام وجاوزه بنو إسرائيل وخرج ءاخرهم منه وانفصلوا عنه، وكان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووصولهم إليه، أراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه حتى لا يسلكه فرعون وجنوده، فأوحى الله تعالى إليه أن يتركه على حاله ساكنًا على هيئته لأنه يريد إغراقهم فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [سورة الدخان/ الآية 24] أي ساكنًا على هيئته التي هو عليها. 

وامتثل موسى عليه السلام أمر الله وترك البحر على هيئته وحالته، فلما وصل فرعون إلى البحر وانتهى إليه رأى هذه المعجزة والآية الباهرة وعاينها، وهاله هذا المنظر العظيم حيث كان ماء البحر قائمًا مثل الجبال، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أنّ هذه الآية العظيمة من فعل وخلق الله سبحانه وتعالى، ولكنه لم يذعن لقيمة البرهان العقلي على صدق موسى عليه السلام وأخذته العزة بالإثم وأظهر أمام جنوده التجلد والشجاعة، وأخذ يشجع جنده لاقتحام البحر أمامه من أجل أن يفوز هو بالنجاة ولكن لا رادّ لقضاء الله، فقد جاء ملكٌ من السماء قيل: هو جبريل عليه السلام، فقاد فرس فرعون جهة البحر، فلما رءاه الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين فلما أصبحوا جميعهم في البحر، وقد هم أولهم بالخروج منه، عند ذلك أمر الله تعالى نبيه وكليمه موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر، فلما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ارتطم البحر عليهم كما كان وعادت أمواجه هائجة كما كانت، فهلكوا جميعهم بالغرق ولم ينج منهم أحد، والله عزيز ذو انتقام.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى أَتَى قَوْمَهُ بِالْعَذَابِ: الْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. 

قُلْنَا: قَدْ أَرْسَلَ عَلَى قُرَيْشٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الدُّخَانَ آيَةً بَيِّنَةً وَنِقْمَةً بَالِغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الدخان/ الآية 10-11] وَدَعَا عَلَى قُرَيْشٍ فَابْتُلُوا بِالسِّنِينَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيْنِ يُوسُفَ. 

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى نَزَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى وَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ وَإِنَّ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى رِزْقٌ رَزَقَهُمُ اللَّهُ كُفُوا السَّعْيَ فِيهِ وَالِاكْتِسَابَ. 

قُلْنَا: أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِمَّا كَانَ مَحْظُورًا عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ فَأَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْغَنَائِمَ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ. 

وَأَعْطَى مِنْ جِنْسِهِ أَصْحَابَهُ حِينَ أَصَابَتْهُمُ الْمَجَاعَةُ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي بُعِثُوا فِيهَا فَقَذَفَ لَهُمُ الْبَحْرُ عَنْ دَابَّةٍ حُوتٍ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَائْتَدَمُوا شَهْرًا، فقد قال عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَمِيرُنَا يَوْمَئِذٍ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْخَبَطِ قَالَ: فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ وَنَحْنُ بِالسَّاحِلِ دَابَّةً تُسَمَّى الْعَنْبَرَ وَأَكَلْنَا شَهْرًا وَائْتَدَمْنَا بِهِ وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ – أي دهن السمك – حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا. قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ فَنَظَرَ أَطْوَلَ رَجُلٍ وَأَعْظَمَ جَمَلٍ فِي الْجَيْشِ فَأَمَرَ أَنْ يَرْكَبَ الْجَمَلَ وَأَنْ يَمُرَّ تَحْتَهُ؟ فَفَعَلَ فَمَرَّ تَحْتَهُ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ فَآتَيْنَاهُ مِنْهُ فَأَكَلَ. 

فتكثير الطعام القليل حتى يكفي العشرات وأحيانا المئات أعظم من إنزال المن والسلوى على قوم موسى عليه السلام، 

روى البخاري والبيهقي وأحمد أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يَقُولُ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ ‌لَأَعْتَمِدُ ‌بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ، مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ فِيهِ فَمَرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيشبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيشبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْحَقْ، وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ وَاسْتَأْذَنْتُ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ، قَالَ: إليّ بأهل الصفة فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى اسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ، فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهُ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأَعْطِيهُ لِلْآخَرِ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، وَنَظَرَ إِلَيَّ وَتَبَسَّمَ وَقَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ وَشَرِبْتُ. فَقَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشرب، فشربت، فما زال يَقُولُ فَاشْرَبْ فَأَشْرَبُ حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.

وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن سعد والطّبرانيّ عن ابنة خبّاب بن الأرتّ قالت: خرج خبّاب في سريّة فكان رسول الله ﷺ يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فتمتلئ فلما قدم خبّاب حلبها، فعاد حلابها كما كان، فقالت أمي أفسدتّ علينا شاتنا، قال: وما ذاك؟ قالت: إن كانت لتحلب ملء هذه الجفنة – القصعة -، قال: ومن كان يحلبها؟ قالت: رسول الله ﷺ. قال: وقد عدلتيني به؟ هو والله أعظم بركة. 

قصة أخرى: روى البيهقي عن أبي العالية قال: بعث النبي ﷺ إلى أزواجه التّسع يطلب طعاما، وعنده ناس من أصحابه، فلم يوجد، فنظر إلى عَناق – العَنَاقُ: الأُنثى من أَولاد المعيز والغنم من حين الولادة إِلى تمامِ حَول – في الدار ما نتجت قطّ فمسح مكان الضّرع، قال: فدفعت بضرع مليء بين رجليها فدعى بقف فحلب فيه فبعث إلى أبياته بعثا ثم حلب فشرب وشربوا.

وروى أبو يعلى والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن أم أنس رضي الله عنهما، قالت: كانت لنا شاة فجمعت من سمنها – هو دهن مستخرج من لبن الغنم أو البقر بطرق معينة – في عكّة فملأتها العكّة – هي قربة مصنوعة من جلد الماعز أو الخروف، يحفظ بها سمن حيواني وهو السمن البلدي أو السمن العربي أو سمن البدو -؛ وبعثت بها مع الجارية فقالت: أبلغي أي أوصلي هذه العكّة لرسول الله ﷺ. فقالت: يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أمّ سليم، قال: ((فرّغوا لها عكّتها)) ففرغت العكّة فدفعت إليها فانطلقت وجاءت أم سليم، فرأت العكّة ممتلئة تقطر، فقالت أم سليم: أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله ﷺ؟! فقالت: قد فعلت فإن لم تصدّقيني فانطلقي فسلي رسول الله ﷺ فانطلقت أم سليم، فقالت: يا رسول الله إني بعثت إليك بعكّة سمن، قال: ((قد فعلت جاءت بها))، قالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا فقال لها رسول الله ﷺ: ((يا أمّ سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي))، فجئت إلى البيت، ففتت لنا كذا وكذا وتركت فيها ما ائتدمنا شهرا أو شهرين. 

قصة أخرى: روى الطبراني والبيهقي عن أمّ أوس البهزيّة رضي الله عنها قالت: سليت أي استخلصت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته إلى رسول الله ﷺ فقبله، وترك في العكّة قليلا ونفخ فيه، ودعا بالبركة، ثم قال: ((ردّوا عليها عكّتها)) فردوها عليها وهي ممتلئة سمنا، قالت: فظننت أن رسول الله ﷺ لم يقبلها فجاءت ولها صراخ فقالت: يا رسول الله إنما أرسلته لك لتأكله فعلم أنه قد استجيب له، فقال: ((اذهبوا فقولوا لها لتأكل سمنها وتدعو بالبركة)) فأكلت بقية عمر رسول الله ﷺ وولاية أبي بكر وولاية عمر وولاية عثمان حتى كان من أمر عليّ ومعاوية ما كان. 

قصة أخرى: روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أمّ شريك أسلمت فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله ﷺ فلقيت رجلًا من اليهود، فقال: تعالي أنا أصحبك، قالت: انظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معي ماء فانطلقت معه، فساروا حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته وتعشّى، وقال: يا أم شريك، تعالي إلى العشاء، قالت: اسقني، فإني عطشى ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، قال: لا أسقيك قطرة حتى تتهوّدي، قالت: والله لا أتهوّد أبدا فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته، قالت: فما أيقظني إلا بردُ دلوٍ قد وقع على جبيني فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشدّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل فشربت حتى رويت ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى منّي في السماء فلما أصبحت جاء اليهوديّ، فقال: يا أم شريك قلت: والله قد سقاني الله. قال: من أين؟ أنزل عليك من السماء ماء؟ قالت: نعم، والله لقد أنزل علي من السماء ماء ثم رُفع بين يدي حتى توارى عنّي في السماء. 

قصة أخرى: روى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن محمد بن عمرو بن حمزة الأسلميّ عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وخرجت على خدمته ذلك السّفر، فنظرت إلى نحي السّمن – أي سقاء السمن، أي وعاء السمن – قد قلّ ما فيه وهيّأت للنبي ﷺ طعامًا ووضعت السّمن في الشّمس ونمت فانتبهت بخرير النحي فقمت فأخذت برأسه بيدي فقال رسول الله ﷺ: ((لو تركته لسال واديا سمنا)). 

قصة أخرى: روى الحاكم والبيهقي عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه استعان رسول الله ﷺ في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله ﷺ أبا رافع وأبا أيّوب بدرعه فرهناه عند يهوديّ بثلاثين صاعًا من شعير، فدفعه رسول الله ﷺ إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((لو لم تكله لأكلت منه ما عشت)).

قصة أخرى: روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر وسق من شعير في رف – خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الجدار يرقى له ما يوضع عليه – لي فأكلت منه حتى طال عليّ فكلته ففني.

روى الإمام أحمد وابن سعد والترمذي وابن حبّان والبيهقي من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أصبت بثلاث مصيبات في الإسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله ﷺ وقتل عثمان، والمزود – وعاء من جلد يجعل فيه الزاد – قال زيد بن أبي منصور عن أبيه: فقلت: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كان رسول الله ﷺ في غَزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: ((يا أبا هريرة عندك شيء؟)) قلت: شيء من تمر في مزود لي. قال: ((جيء به)). قال: فجئت بالمزود، قال: ((هات نطعا)) فجئت بالنّطع فبسطته، فأدخل يده فقبض على التمر، فإذا هو إحدى وعشرون تمرة فجعل يضع كلّ تمرة ويسمّي الله عز وجل حتى أتى على التّمر، فقال به هكذا فجمعه فقال: ((ادع عشرة)) فدعوت عشرة، فأكلوا حتى شبعوا وكذلك حتى أكل الجيش كله وفضَل تمرات، فقلت: يا رسول الله، ادع لي فيهنّ بالبركة. فقال: فقبضهنّ ثم دعا فيهنّ بالبركة، ثم قال: ((خذهنّ فاجعلهنّ في المزود، وإذا أردتّ أن تأخذ منهن شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفَأَ فيُكفَأَ عليك)) – أي لا تقلبها -، قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه، ولقد حملت منه خمسين وسقا في سبيل الله، ونأكل ونطعم منه حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وحياة عثمان وكان معلّقا خلف رحلي فلما قُتل عثمان انتهب ما في بيتي وانتهب المزود. وفي رواية: ألا أخبركم كم أكلت منه!! أكثر من مائتي وسق. 

فائدة

دُعَاء لتفريج الْكَرْبِ

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْـحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيـمِ، سُبْحَانَكَ يَا رَحْـمَنُ، مَا شِئْتَ أَنْ يَكُونَ كَانَ، وَمَا لَـمْ تَشَأْ لَـمْ يَكُنْ، لَاحَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. أَعُوذُ بِالَّذِي يُـمْسِكُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْ يَقَعْنَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ مَا بَرَأَ، وَأَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُـجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ السَّامَّةِ وَالْـهَامَّةِ وَمِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. 

هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [سورة النجم/ الآية 58] تُقرأ ١١١ مرَّة في اليوم يوميًّا، على نية تفريج الكرب وصرف كيد الأعداء.

خاصيةُ اسمِ اللهِ “القدوس“

مَنْ أكثَرَ منه يَفتَحُ اللهُ لهُ العبادةَ ويسلمُه مِن الآفاتِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ