الحديث (116) · يبعث كل عبد على ما مات عليه

المقدمة

الحمد لله الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به ءامال القياصرة، الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة، فنقلوا من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التمتع بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أُنس العشرة إلى وحشة الوحدة، فانظروا وتأملوا رحمكم لله، هل وجدوا من الموت حصنا وعزًا، أم اتخذوا من دونه حجابا وحرزًا، فسبحان من جعل الموت مخلصا للأتقياء، وموعدا في حقهم للقاء، وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وأعظم الشفعاء، سيدِنا محمد أبي القاسم والزهراء، وعلى صاحبه أبي بكر رفيقهِ في السرّاء والضرّاء، وعلى عمر الذي كان يخشى ربّه في العلن وفي الخفاء، وعلى عثمان الذي كانت تستحي منه الملائكة الكرماء، وعلى عليٍّ الذي استقى من علمه العلماء، وعلى من تبعهم ومشى على سنتهم إلى يوم الفصل واللقاء، أما بعد:

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله: الخامس: عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ». رواه مسلم.

الشرح

قال الحافظ النووي رحمه الله: الخامس (وهو الحديث الخامس والأخير من باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر والحديث السادس عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ (أَيْ: يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ» (قال النووي في شرحه لمسلم: قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ يُبْعَثُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بَعْدَهُ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ) (قال ملا علي القاري: أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا فَيُجَازَى بِهِ) (ليس المعنى أن من مات وهو يعصي الله بمعصية يبعث وهو يفعلها، لا، الذي مات وهو يشرب الخمر لا يبعث وهو يشرب الخمر، الذي مات وهو يزني لا يبعث وهو يزني، بل المعنى يبعث على حال سيئة، من العذاب وجزاء هذه المعصية التي بقي عليها إلى الموت، وهذا مثل ما جاء في آكل مال اليتيم، قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا أَكَلَ الرَّجُلُ مَالَ الْيَتِيمِ ظُلْمًا يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌وَلَهَبُ ‌النَّارِ ‌يَخْرُجُ ‌مِنْ ‌فِيهِ وَمَسَامِعِهِ وَأُذُنَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُ كُلُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْيَتِيمِ) (والذي يؤكد هذه المعاني ما جاء في رواية عن جَابِرٍ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ مِنَ الْقَبْرِ ‌عَلَى ‌مَا ‌مَاتَ ‌عَلَيْهِ، وَالْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ ، وَالْمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِهِ»). رواه مسلم.

ولهذا كان الصحابة والعلماء والأبرار من هذه الأمة يحرصون على أن يموتوا ميتة حسنة، فإنهم بذلك يبعثون على حال حسنة إن شاء الله تعالى، ففي معركة أحد مثلا عندما أشاع المنافقون كذبًا خبرَ موت رسول الله ﷺ جاء أَنَسُ بْنُ النّضْرِ، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ “قُومُوا” فَمُوتُوا ‌عَلَى ‌مَا ‌مَاتَ ‌عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَبِهِ سُمّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ النّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً فَمَا عَرَفَهُ إلّا أُخْتُهُ عَرَفَتْهُ بِبَنَانِهِ.اهـ ومن الناس من أدركه لطف الله فَحَسُنَ حالُه بعد أن كان قبيحا ولهذا أمثلة كثيرة في السيرة والتاريخ الإسلامي، فقد خَرَجَ كَعْبٌ وَبُجَيْرٌ أَبْنَاءُ زُهَيْر بن أبي سلمى الشاعر وهما من كبار الشعراء أيضا، حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَرَّافَ، فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ فِي هَذَا الْمَكَانَ حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَثَبَتَ كَعْبٌ وَخَرَجَ بُجَيْرٌ، فَجَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا، فقال:

أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غير ذلك دلّكا

عَلَى خُلُقٍ لَمْ أُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا … عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا

سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بكأس روية … وأ نهلك الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

فَلَمَّا بَلَغَ الْأَبْيَاتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهْدَرَ دَمَهُ، وَقَالَ: مِنْ لَقِيَ كَعْبًا فَلْيَقْتُلْهُ فَكَتَبَ بِذَلِكَ بُجَيْرٌ إِلَى أَخِيهِ يَذْكُرُ لَهُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ وَيَقُولُ لَهُ: النَّجَاءَ، وَمَا أَرَاكَ تَنْفَلِتُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَاكَ: أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يَأْتِيهُ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَسْقَطَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ. فَأَسْلَمَ كَعْبٌ وَقَالَ الْقَصِيدَةَ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وهذه القصيدة مَدَحَ فيها رسول الله واعتذر إليه مما بَدَرَ منه ومدح فيها المهاجرين والأنصار، وطارت شهرتها في المشرق والمغرب وعمل على نسقها الشعراء والعلماء، وَهِيَ هَذِهِ القصيدة:

بَانَتْ سُعَادُ فَقلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ اثرهَا لَمْ يُفد مَكبولُ

وفيها: كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ ….. يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ

وفيها: نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي … وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ

وفيها: إِنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ

ولما سمع الرسول كلامَه أَشَارَ بِكُمِّهِ إِلَى الْخَلْقِ لِيَأْتُوا فَيَسْمَعُوا مِنْهُ. 

فلما أنهى قصيدته قام الرسول فألبسه بردته، فسميت القصيدة بالبردة، وعمل على نسقها ووزنها الكثير الكثير من الشعراء قصائد في المديح النبوي، ومن ذلك: ما عمل بعض الشعراء في القرن الثامن وقال فيها: 

مَا الطَّرْفُ بَعْدَكُمُ بِالنَّوْمِ مَكْحُولُ … هَذَا وَكَمْ بَيْنَنَا مِنْ رَبْعِكُمْ مِيلُ

مُبَرَّأُ الْقَلْبِ مِنْ ريبٍ وَمِنْ دنسٍ … وَكَيْفَ وَهُوَ بِمَاءِ الْخُلْدِ مَغْسُولُ

وفيها: حَتَّى اسْتَقَامَ مَنَارُ الدِّينِ مُرْتَفِعًا … وَقَوَّضَتْ عَنْهُ هَاتِيكَ الأَضَالِيلُ

هَذَا الْفَخَارُ الَّذِي مَا شَامَ مَنْظَرُهُ … مِنْ قَبْلِ أَحْمَدَ لا دهرٌ وَلا جِيلُ

هَذَا الصِّرَاطُ الَّذِي لَوْلا شَرِيعَتُهُ … مَا كَانَ يُعْرَفُ تحريمٌ وَتَحْلِيلُ

هَذَا الَّذِي ارْتَفَعَتْ فِي جَاهِ بَعْثَتِهِ … هَذِي الْمَحَارِيبُ لا تِلْكَ التَّمَاثِيلُ

وفيها: يَا خَاتَمَ الرُّسْلِ لِي فِي الْمُذْنِبِينَ … غَدًا عَلَى شَفَاعَتِكَ الْغَرَّاءِ تَعْوِيلُ

صَلَّى عَلَيْكَ الَّذِي أَعْطَاكَ مَنْزِلَةً … شَفِيعُهَا فِي مَقَامِ الْحَشْرِ مَقْبُولُ

أَنْتَ الْمَلاذُ لَنَا دُنْيَا وَآخِرَةً … فَبَابُ قَصْدِكَ فِي الدَّارَيْنِ مَأْهُولُ

فهذا كعب بن زهير رضي الله عنه ممن هداه الله وحسن حاله وحسن ختامه ورزقه الله شرفا وفضلا بعد أن تجرأ والعياذ بالله على القدح في رسول الله وفي دعوته. 

وهذا عكرمة رضي الله عنه ابن أبي جهل  وكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَمَا فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى عُمَانَ حِينَ ارْتَدُّوا، فَظَفِرَ بِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّامَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْكَرَادِيسِ. وَكَانَ يُقَبِّلُ الْمُصْحَفَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي. واحْتَجَّ بِهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِكْرِمَةُ مَحْمُودَ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ) 

كان قاتل رسول الله في كل المعارك قبل الفتح وكان من قادة جيوش المشركين ومن أشد الأعداء على الرسول ودعوته ومع ذلك هداه الله وختم له على خير ومات شهيدا في اليرموك في جيش خالد بن الوليد وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ (قالَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ. 

وَقَدْ ذكر أَنَّهُمْ لَمَّا صُرِعُوا مِنَ الْجِرَاحِ اسْتَسْقَوْا مَاءً، فَجِيءَ إِلَيْهِمْ بِشَرْبَةِ مَاءٍ، فَلَمَّا قُرِّبَتْ إِلَى أَحَدِهِمْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا دُفِعَتْ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ، مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يَشْرَبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. (وهذا يعلمنا الإثيار وهو مثال عظيم لإيثار الصحابة رضي الله عنهم وتماسكهم وأنهم كانوا كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضُهُ بعضًا رضيَ اللهُ عنهم وأرضاهُم).

ولهذا أذكركم بما صح عن النبي ﷺ من قوله: من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن يَأتِيَ إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه.اهـ والإيمان هو الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به مع الإقرار برسالة سيدنا محمد ﷺ، المؤمن هو من وصف الله بصفات الكمال اللائقة به مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقات، المؤمن هو من اعتقد أن الله موجود أزلا وأبدا، وجودا منزها عن التقطع والزوال، المؤمن من عظَّم خالقَه ونزهه عن مشابهة المخلوقات، المؤمن من اعتقد أن الله خلق كل شيء ولا يحتاج إلى شيء من خلقه، المؤمن من اعتقد أن الله غني عن العالمين، الله تعالى غني عنا غني عن الملائكة لا يحتاج إلى الملائكة ولا إلى الأنبياء ولا إلى الإنس ولا إلى الجان ولا يحتاج إلى العرش فلا يوصف بالجلوس والاستقرار على العرش، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر أي بصفة من صفات البشر فقد كفر فمن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار انزجر وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.

وها نحن أحبابي ونحن في بداية هذا العام تمر علينا السنون والأيام والليالي ولا يدري الواحد منا هل يستكمل سنتَه بعد أن بدأها، لا ندري من منا سيموت هذا العام أو الذي بعده، فقد يكون بيننا أناس الآن سيأتي عليهم العام القادم وهم تحت التراب، ورحم الله القائل:

مِثْلَ الْمَنَامِ أَرِاهَا **** تَمُرُّ أَيَّامُ عُمْرِيْ 

بِالْأَمْسِ كُنْتُ صَغِيْرًا **** وَالْيَوْمَ شَابَ شَعْرِيْ

وَبَعْدَ حِيْنٍ سَأَغْدُوْ **** تَحْتَ التُّرَابِ بِقَبْرِيْ

يَا رَبُّ فَاغْفِرْ ذُنُوْبِيْ **** وَاجْبُرْ بِفَضْلِكَ كَسْرِيْ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوْبُوْا **** مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَوِزْرِ

الْعُمْرُ يَمْضِيْ سَرِيْعًا **** مِثْلَ الْغَزَالَةِ يَجْرِيْ

وَالْمَوْتُ مِنَّا قَرِيْبٌ **** يَا جَهْلَ مَنْ لَيْسَ يَدْرِيْ

ولهذا: عَظُمَ خوف أهل المعرفة من الخاتمة فإن القلب متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فتور يعتريه إلا من حفظه الله بحفظه. فينبغي على الواحد منا بعد هذا أن يفكر في كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى، والفاصل بينهما هو الموت، نسأل الله لي ولكم حسن العمل وحسن الختام.

ففي ختام هذا الباب وما في هذا الحديث ما يذكرنا أن نُكثِر من الأعمال الصالحةِ بأنواعها قبل سكراتِ الموت ودنوِّ الأجل، فإنه موقف شديدٌ إلا على من هوَّنَه الله عليه، قال الغزالي: اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْعَبْدِ الْمِسْكِينِ كَرْبٌ وَلَا هَوْلٌ وَلَا عَذَابٌ سِوَى ‌سَكَرَاتِ ‌الْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهَا لَكَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ وَيَتَكَدَّرَ عَلَيْهِ سُرُورُهُ وَيُفَارِقَهُ سَهْوُهُ وَغَفْلَتُهُ وَحَقِيقًا بِأَنْ يُطَوِّلَ فِيهِ فِكْرَهُ وَيُعَظِّمَ لَهُ اسْتِعْدَادَهُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي كُلِّ نَفَسٍ بِصَدَدِهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ كَرْبٌ بِيَدِ سِوَاكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَغْشَاكَ، وقال لقمان لابنه: يا بنيَّ أمرٌ لا تدري متى يلقاكَ استعدَّ له قبلَ أن يفجأَك. والعجبُ أن الإنسانَ لو كانَ في أعظمِ اللذاتِ وأطيبِ مجالسِ اللهوِ فانتظَرَ أن يدخلَ عليه جنديٌّ فيضربَه خمسَ خشَباتٍ لتَكَدَّرَت عليه لذتُه وفسَدَ عليهِ عيشُه وهو في كل نفَسٍ بصددِ أن يدخلِ عليه ملكُ الموتِ بسكراتِ النزعِ وهو عنه غافلٌ فما لهذا سببٌ إلا الجهلُ والغرورُ. واعلم أن شدةَ الألمِ في ‌سكراتِ ‌الموتِ لا يعرفها بالحقيقةِ إلا من ذاقَها ومَن لم يذقْها فإنما يعرفُها إما بالقياسِ إلى الآلامِ التي أدركَها وإما بالاستدلالِ بأحوالِ الناسِ في النزعِ على شدةِ ما هُمْ فيه. 

فأمَّا القياسُ الذي يشهدُ له فهوَ أنَّ كلَّ عضوٍ لا روحَ فيه فلا يُحِسُّ بالألمِ فإذا كان فيهِ الروحُ فالمدرِكُ للألمِ هو الروحُ فمهمَا أصابَ العضوَ جرحٌ أو حريقٌ سرَى الأثرُ إلى الروحِ وعند ذلكَ يتألم والالم يتفرَّق إلى اللحمِ والدمِ وسائرِ الأجزاءِ. والنزعُ عبارةٌ عن ألمٍ نزلَ بنفسِ الروحِ فاستغرقَ جميعَ أجزائِه حتى لم يبقَ جزءٌ من أجزاءِ الروحِ المنتشرِ في أعماقِ البدنِ إلا وقد حلَّ به الألمُ فلو أصابتْه شوكةٌ فالألمُ الذي يجدُه إنما يجرِي في جزءٍ من الروحِ يلاقي ذلكَ الموضعَ الذي أصابَتْه الشوكةُ وإنما يعظمُ أثرُ الاحتراقِ لأنَّ أجزاءَ النارِ تغوصُ في سائرِ أجزاءِ البدنِ فلا يبقى جزءٌ من العضوِ المحترقِ ظاهرًا وباطنًا إلا وتصيبُه النارُ فتحسُّه الأجزاءُ الروحانيةُ المنتشرةُ في سائرِ أجزاءِ اللحم. لذلك قالوا إن الموتَ لأشدُّ من ضَربٍ بالسيفِ ونَشرٍ بالمناشير وقَرضٍ بالمقاريضِ. وَيَوَدُّ لو قدَر على الاستراحةِ بالأنينِ والصياحِ والاستغاثةِ ولكنَّه لا يقدرُ على ذلكَ فإنْ بقيتْ فيه قوةٌ سمعتَ له عندَ نزعِ الروحِ وجذبِها خِوارًا وغرغرةً من حلقِه وصدرِه وقدْ تغيرَ لونُه وأَزْبَدَ حتى كأنَّه ظهرَ منه الترابُ الذي هو أصلُ فطرتِه وقد جُذِبَ منه كلُّ عرقٍ على حيالِه فالألمُ منتشرٌ في داخلِه وخارجِه حتى ترتفعَ الحدَقَتَان إلى أعالي أجفانِه وتتقلصَ الشفتانِ ويتقلصَ اللسانُ إلى أصلِه وتخضرَّ أناملُه ثم يموتُ كلُّ عضوٍ مِن أعضائِه تدريجًا فتبردُ أولًا قدمَاه ثم ساقَاه ثم فَخِذَاه ولكلِّ عضوٍ سكرةٌ بعدَ سكرةٍ وكربةٌ بعدَ كربةٍ حتى يبلغَ بها إلى الحلقومِ فعندَ ذلكَ ينقطعُ نظرُه عن الدنيا وأهلِها ويغلَقُ دونَه بابُ التوبةِ وتحيطُ به الحسرةُ والندامةُ. فإذا عاينَ الملائكةَ فعندَ ذلكَ يبدو له وجهُ ملكِ الموتِ فلا تسألْ عن طعمِ مرارةِ الموتِ وكربِه عندَ ترادفِ سكراتِه. وأكثر الناسِ لا يستعيذونَ منه ولا يستعظمونُه لجهلِهم به. وعن الحسن أن رسولَ الله ﷺ ذكرَ الموتَ وغَصَّتَه وأَلَمَهُ فقال هوَ قَدْرُ ثلاثِمائةِ ضربةٍ بالسيفِ. وسئل ﷺ عن الموتِ وشدتِه فقال: إنَّ أهونَ الموتِ بمنزلةِ حسَكَةٍ في صوفٍ فهل تخرجُ الحسكةُ من الصوفِ إلا ومعها صوفٌ. ودخلَ ﷺ على مريضٍ ثم قال إني أعلمُ ما يلقَى، ما منه عرقٌ إلا ويألَمُ للموتِ على حدتِه. وقال شدادُ بنُ أوسٍ: الموتُ أفظعُ هولٍ في الدنيا على المؤمنِ وهو أشدُّ مِن نَشْرٍ بالمناشيرِ وقرضٍ بالمقاريضِ وقَلْيٍ في القدورِ، ولو أنَّ الميتَ رجعَ فأخبرَ أهلَ الدنيا بالموتِ ما تلذَّذوا بعيشٍ ولا بنومٍ. وعن زيدِ بنِ أسلمَ عنْ أبيهِ قالَ: إذا بقيَ على المؤمنِ مِن درجاتِه شيءٌ لم يبلغْها بعملِه شُدِّدَ عليه الموتُ ليبلغَ بسكراتِ الموتِ وكَرْبِهِ درجتَه في الجنةِ. وعن بعضِهم أنه كان يسألُ كثيرا مِن المرضَى كيفَ تجدونَ الموتَ؟ فلمَّا مرض قيلَ له: فأنتَ كيفَ تجدُه؟ فقالَ: كأنَّ السماواتِ مطبِقَةٌ على الأرضِ وكأنَّ نفَسِي يخرجُ من ثَقْبِ إبرةٍ. وقالَ ﷺ موتُ الفجأةِ راحةٌ للمؤمنِ وأسفٌ على الفاجرِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ العبدَ ليعالِجُ كربَ الموتِ وسكراتِ الموتِ وإنَّ مفاصلَه ليُسَلِّمُ بعضُها على بعضٍ تقولُ: عليكَ السلامُ تفارقُني وأفارقُك. فهذهُ سكراتُ الموتِ على أكثر الناس وهم المنهمكونَ في المعاصي وتتوالَى عليهم مع سكراتِ الموتِ بقيةُ الدواهي فإنَّ دواهي الموتِ ثلاثةٌ: الأولى شدةُ النزعِ. 

الداهيةُ الثانيةُ مشاهدةُ صورةِ ملكِ الموتِ ودخولُ الروعِ والخوفِ منه على القلبِ فلو رأى صورتَه التي يقبضُ عليها روحَ العبدِ المذنبِ الناسُ لم يُطِيقُوا رؤيتَه. وروى أبو هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ داود عليه السلام كان إذا خرجَ أغلقَ الأبوابَ فأغلقَ ذاتَ يومٍ وخرجَ فأشرفَتِ امرأتُه فإذا هيَ برجلٍ في الدارِ فقالت مَن أدخلَ هذا الرجلَ لئن جاءَ داودُ لَيَلْقَيَنَّ منه عناءً فجاءَ داودُ فرآه فقالَ مَن أنتَ فقال أنا الذي لا أهابُ الملوكَ ولا يُمنَعُ مني الحجَّابُ فقال فأنتَ والله إذن ملَكُ الموتِ وزَمَّلَ داودُ عليه السلام مكانَه. وروي أن عيسى عليه السلام مرَّ بجمجمةٍ فضربَها بعصاه فقال تكلمي بإذنِ الله فقالتْ يا نبيَّ اللهِ أنا مَلِكٌ زمانَ كذا وكذا بينما أنا جالسٌ في ملكِي علي تاجي وحولي جنودِي وحشَمِي على سريرِ مُلكي إذ بدا لي ملكُ الموتِ فزال مني كلُّ عضوٍ على حيالِه ثم خرجَت نفْسِي إليه فيا ليتَ ما كان مِنْ تلكَ الجموعِ كان فُرقةً وياليتَ ما كان مِن ذلكَ الأُنسِ كانَ وَحشَةً فهذه يلقاها العصاةُ ويكفاها المطيعونَ. وأما المطيعُ فإنه يراهُ في أحسنِ صورةٍ وأجملِها فقد روى عكرمةُ عن ابنِ عباسٍ: إنَّ إبراهيمَ عليه السلام كانَ له بيتٌ يتعبدُ فيه فإذا خرجَ أغلقَه فرجعَ ذاتَ يومٍ فإذا برجلٍ في جوفِ البيتِ فقالَ مَن أدخلَك داري فقالَ أدخَلَنِيها ربُّها أي مالكُها فقال أنا ربُّها أي مالُكها فقالَ أدخَلَنيها مَن هو أملَكُ بها مني ومنكَ فقال مَنْ أنتَ مِنَ الملائكةِ قالَ أنا ملكُ الموتِ قال هلْ تستطيعُ أنْ تُرِيَنِي الصورةَ التي تقبضُ فيها روحَ المؤمنِ أي كاملِ الإيمانِ؟ قال نعم فأعرضَ عني ثم التفَتَ فإذا هو بشابٍ فذكَرَ مِن حُسْنِ وجهِه وحُسْنِ ثيابِه وطِيبِ ريحِه فقال يا ملكَ الموتِ لو لم يلقَ المؤمنُ عندَ الموتِ إلا صورتَك كانَ حسْبُه. ومن الأهوالِ مشاهدةُ الملكَينِ الحافظَين. قال وُهَيْبٌ: بلَغَنا أنه ما مِنْ ميِّتٍ يموتُ حتَّى يتراءَى له ملكاهُ الكاتبانِ عملَه فإنْ كانَ مطيعًا قالا له جزاكَ اللهُ عنَّا خيرًا فَرُبَّ مجلسِ صدقٍ أجلسْتَنا وعَمَلٍ صالحٍ أحضَرْتَنا وإنْ كانَ فاجرًا قالا له لا جزاكَ اللهُ عنَّا خيرًا فَرُبَّ مجلسِ سوءٍ أجلَسْتَنا وعَمَلٍ غيرِ صالحٍ أحضَرْتَنا وكلامٍ قبيحٍ أسمَعْتَنَا فلا جزاكَ اللهُ عنَّا خيرًا. فذَلِكَ شخوصُ بصرِ الميتِ إليهِمَا ولا يرجعُ إلَى الدنيا أبدًا. والداهيةُ الثالثةُ مشاهدةُ العصاةِ مواضعَهم مِنَ النارِ وخوفُهم قبلَ المشاهدةِ فإنهم في حالِ السكراتِ قد تخاذَلَتْ قواهم واستسلمَتْ للخروجِ أرواحُهم ولن تخرجَ أرواحُهم ما لم يسمعوا كلامَ مَلَكِ الموتِ بأحدِ البِشارتينِ إما: أبشرْ يا عدوَّ اللهِ بالنارِ أو أبشرْ يا وليَّ اللهِ بالجنةِ. ومِنْ هذا كانَ خوفُ أصحابِ العقولِ السليمةِ وقد قالَ النبيُّ ﷺ لن يخرجَ أحدُكم مِنَ الدنيا حتَّى يعلمَ أينَ مصيرُه وحتَّى يرى مقعَدَه مِنَ الجنةِ أو النارِ. وقالَ ﷺ مَن أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه ومَن كرهَ لقاءَ اللهِ كرِهَ اللهُ لقاءَه وقالوا كلُّنا نكرهُ الموتَ قال ليسَ ذاكَ بذاكَ إنَّ المؤمنَ إذا فُرِّجَ له عمَّا هوَ قادِمٌ عليهِ أحبَّ لقاءَ اللهِ وأحبَّ اللهُ لقاءَه. ودخلَ مروانُ على أبي هريرة فقال مروان اللهم خففْ عنه فبكى أبو هريرة وقالَ والله ما أبكِي حزنًا على الدنيا ولا جَزَعًا مِنْ فُرَاقِكُم ولكنْ أَنتظر إحدَى البشارتينِ من ربى بجنةٍ أم بنارٍ. وروي في الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال إنَّ اللهَ إذا رضيَ عن عبدٍ قال يا مَلَكَ الموتِ اذهب إلى فلانٍ فأتنِي بروحِه لأُرِيْحَه، إني وجدتُه حيثُ أحبَّ فينزلُ ملكُ الموتِ ومعه خمسُمائةٍ مِن الملائكةِ ومعهم قضبانُ الريحانِ وأصولُ الزعفرانِ كلُّ واحدٍ منهم يبشرُه ببشارةٍ سوى بشارةِ صاحبِه وتقومُ الملائكةُ صفَّيْنِ لخروجِ روحِه، معهم الريحانُ فإذا نظرَ إليهم إبليسُ وضعَ يدَه على رأسِه ثم صرخَ قال فيقولُ له جنودُه مَالَكَ يا سيدَنا فيقولُ أما ترونَ ما أُعْطِيَ هذا العبدُ مِنَ الكرامةِ أينَ كنتم مِن هذا قالوا قد جهدْنا به فكانَ محفوظًا. وقالَ الحسنُ لا راحةَ للمؤمنِ إلا في لقاءِ اللهِ ومن كانتْ راحتُه في لقاءِ الله تعالى فيومُ الموتِ يومُ سرورِه وفرحِه وأمنِه وعزِّه وشرفِه. فخوفُ سوءِ الخاتمةِ قطَعَ قلوبَ العارفينَ وهو مِنَ الدواهي العظيمةِ عندَ الموتِ. 

ورحم الله القائل في وصف حال العبد المنتَقِلِ إلى الآخرة الباقية وهو يفارق الأهل والأحباب والأصحاب:

لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّـــــامِ واليَمَنِ *** إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحـــــدِ والكَفَنِ

إِنَّ الغَـــــريِبَ لَــــــــهُ حَقٌّ لِغُرْبَتِهِ *** على الْمُقيمينَ في الأَوطــــانِ والسَّكَنِ

لا تَنْهَــــــــرنَّ غريبـــاً حَالَ غُربتهِ *** الدَّهْــرُ يَنْهَـــــرُه بالذُّلِ والمِــحَــــنِ

سَفْــــــري بَعيدٌ وَزادي لَـــنْ يُبَلِّغَني *** وَقُوَّتي ضَــعُفَتْ والمــوتُ يَطلُبُنـــــي

وَلي بَقايــا ذُنوبٍ لَسْـــتُ أَعْلَمُهـــــا *** الله يَعْلَمُهـــــــا في السِّرِ والعَلَـــــنِ

مَا أَحْلَـــمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَـــــلَني *** وقَــــدْ تَمـــــادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي

تَمُـــرُّ ســــاعاتُ أَيَّــــــامي بلا نَدَمٍ *** ولا بُكاءٍ وَلاخَـــــــــوْفٍ ولا حـَزَنِ

يَـــــــا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْــلَةٍ ذَهَبَتْ *** يَـــــا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلــبِ تُحْرِقُني

دَعْــني أَنُـــوحُ عَلى نَفْـــسي وَأَنْدُبُها *** وَأَقْــطَعُ الدَّهْرَ بالتَّذْكِيـــــــرِ وَالحَزَنِ

دَعْ عَنْكَ عَذليَ يَــــا مَنْ كان يَعْذِلُني *** لَوْ كُنْتَ تَعْـــلَمُ مَـــا بي كُنْت تَعْذُرُني

دَعْني أَسِـــحُّ دُمُــــوعًا لا انْقِطَاعَ لَهَا *** فَهَـلْ عَسَــــى عَبْرَةٌ مِنْهَا تُخَلِّـــصُني

كَأَنَّني بَينَ جـُــلِّ الأَهلِ مُنطَرِحـًـــــا *** عَلى الفِـــراشِ وَأَيْديهِــــــــمْ تُقَلِّبُني

وقد تجمَّـــــــعَ حَوْلي مَنْ يَنُوحُ ومَنْ *** يَـبْكِي عَلَيَّ ويَنْعَــــاني وَيَنْــــــــدُبُني

وَقـــد أَتَـــوْا بطَبيــــبٍ كَيْ يُعالِجَني *** وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هـذا اليَـــــــــومَ يَنْفَعُني

واشَتــدَّ نَزْعِي وَصَار المَـــوتُ يَجْذبُها *** مِن كُلِّ عِــــــرْقٍ بلا رِفـــقٍ ولا هَوَنِ

واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُــــرِها *** وصَــــارَ رِيـــقي مَريـرًا حِينَ غَرْغَرَني

وَغَمَّضُـــوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفـــوا *** بَعْدَ الإِيــــــاسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ

وَقــــامَ مَنْ كانَ حِبَّ النّاسِ في عَجَلٍ *** نَحْـــوَ المُغَسِّــلِ يَأْتينـــي يُغَسِّلُنــي

وَقــالَ يا قَوْمِ نَبْغِي غاسِـــلًا حَذِقًـــا *** حُرًّا أَرِيبًا لَبِيبًــــا عَارِفًـــــا فَطِـــنِ

فَجـــاءَني رَجُــــــــلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني *** مِنَ الثِّيــــــابِ وَأَعْـــــرَاني وأَفْرَدَني

وَأَوْدَعـــوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحـًـــــا *** وَصَـــــارَ فوْقي خَرِيـــرُ الماءِ يَنْظِفُني

وَأَسْــكَبَ الماءَ مِنْ فوقي وَغَسَّـــــلَني *** غُسْلًا ثَلاثًا وَنَادَى القَــوْمَ بالكَفَـــنِ

وَأَلْبَسُوني ثِيـــابًا لا كِمـــامَ لهــــــا *** وَصارَ زَادي حَنُوطِي حيــــنَ حَنَّطَني

وأَخْرَجـــوني مِنَ الدُّنيا فوا أَسَفــــــاه *** عَلى رَحِيــــــلٍ بلا زادٍ يُبَلِّغُنـــــي

وَحَمَّلـــــوني على الأَكتـــــافِ أَربَعَةٌ *** مِنَ الرِّجـــالِ وَخَلْــفِي مَـــنْ يُشَيِّعُني

وَقَدَّمـــوني إِلى المحــــرابِ وانصَرَفوا *** خَلْفَ الإِمَــــامِ فَصَـــلَّى ثـمّ وَدَّعَني

صَلَّـــــوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لهــــا *** ولا سُجـــــودَ لَعَـــلَّ اللـــهَ يَرْحَمُني

وَأَنْزَلــوني إلـــــى قَبري على مَهَـــلٍ *** وَقَدَّمُوا واحِـــدًا مِنهــــم يُلَحِّدُنـي

وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُــــرَني *** وَأَسْبـــل الدَّمْـــعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني

فَقامَ مُحتَرِمًــــا بالعَـــزمِ مُشْتَمِـــلًا *** وَصَفَّفَ اللَّبنَ مِنْ فَوْقِي وفــــــارَقَني

وقَالَ هُلُّـــــوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِمواِ *** حُسْـــنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ

في ظُلْــــمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هنــــاك ولا *** أَبٌ شَفـــــــيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُـــــني

وَهَالَـــني صُورَةً في العَين إذ نَظَــرَتْ *** مِنْ هَوْلِ مطلع مــــا قَدْ كَانَ أَدْهَشَني

مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ مــــا أَقـــولُ لهم *** قَدْ هـَـــــالَني أَمْـــرُهُمْ جِدًّا فَأَفْزَعَني

وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُـــؤالِهِــــــمْ *** مَـــالِي سِـــوَاكَ إِلهـــي مَنْ يُخَلِّصُنِي

فَامْنُنْ عَلَيَّ بعَفْوٍ مِنك يـــــــــا أَمَليِ *** فَإِنَّني مُوثَـــقٌ بالذَّنْبِ مُرْتَهَـــــــنِ

تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعــــدما انْصَرَفُوا *** وَصَـــارَ وِزْرِي عَلى ظَهْـــرِي فَأَثْقَلَني

واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلًا لهـــــا بَدَلي *** وَحَكَّمَتْهُ على الأَمْوَالِ والسَّـــكَــــنِ

وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْدًا لِيَخْدُمَهـــــــا *** وَصَارَ مَـــالي لهم حـِلًّا بــــــلا ثَمَنِ

فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــــــــا وَزِينَتُهـــا *** وانْظُـــرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ

وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْـــيا بأَجْمَعِها *** هَلْ رَاحَ مِنْها بغَيْرِ الحَنْطِ والكَـــــفَنِ

خُذِ القَنـَـــاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بها *** لو لـــم يَكُن لك إلا رَاحَةُ البـــدن

يَــــــا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَرًا *** يَــــــا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقوفٌ عَلَى الوَهَنِ

يا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي *** فِـــعْلًا جميــلًا لَـــــعَلَّ اللهَ يَرحَمُني

يَا نَفْـــسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَنًا *** عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بالحَسَـــــنِ

ثمَّ الصَّلاةُ على الْمُختــــــارِ سَيِّدِنـا *** مَا وَضَّــــأ البَرْقَ في شَّــــامٍ وفي يَمَنِ

والحمدُ لله مُمْسِينَـــــــا وَمُصْبحِنَا *** بالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْســــــانِ وَالمِنَنِ

وقال ابن الجوزي رحمه الله: إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْهُدَى فَيَسِيرُ الْمَوَاعِظِ يُقْنِعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ النُّزْهَةَ فَالْكَثِيرُ لا يَكْفِي وَلا يَنْجَعُ.