الحديث (120) · إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة

المقدمة

الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ الْجَبَّارِ، الْقَادِرِ الْعَظِيمِ الْقَهَّارِ، وَالْمُتَعَالِي عَنْ دَرَكِ الْخَوَاطِرِ وَالأَفْكَارِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ وَالاقْتِدَارِ، سَمِيعٌ وسمعه لا كَالأَسْمَاعِ، بَصِيرٌ وبصره لا كَالأَبْصَارِ، قَادِرٌ مُرِيدٌ حَكِيمٌ عَلِيمٌ بِالأَسْرَارِ، يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ في الْغارِ، ويعلم خَفِيَّ الضَّمائرِ ومكنونَ الأسْرار، صفاته كذاته والمشبهةُ كفار، نُقرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآنِ والأخبار، هَذَا سَيْفُ السُّنَّةِ فَتَنَاوَلْهُ بِالْيَمِينِ لا بِالْيَسَارِ، وَاضْرِبْ بِهِ كَفَّ ” كَيْفَ ” وَرَأْسَ ” لَمْ ” وَعُنُقَ ” ثُمَّ ” وَخُذْ لِلتَّنْزِيهِ من التشبيه بالثار، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ لَهُ المتفردُ بالْخلقِ والتدبير ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ))، أَحْمَدُهُ فِي الإِعْلانِ وَالإِسْرَارِ، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ بِأَصَحِّ إِقْرَارٍ، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولهُ أفضلُ الأنبياءِ الأطهارِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المؤمنين الأبرار، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ رَفِيقِهِ فِي الدَّارِ وَالْغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ قَامِعِ الْكُفَّارِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ القائم بالأسحار، وعلى آلِهِ وأصْحابهِ خصوصًا المهاجرينَ والأنْصار، أما بعد:

الحديث والشرح

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرابع (أي الرابع من باب بيان كثرة طرق الخير، وهو الحديث العشرون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْهُ (أي عن أبي ذر الغِفاري رضي الله عنه): أنَّ ناسًا (وفي وراية يَقُولُ أَبُو ذَرّ: “أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ”، وهؤلاءِ فِى الحَقيقَة جَمعٌ مِنْ فُقَراءِ المهاجِرِين الذينَ هاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَة وَلَم يَكُنْ عِنْدَ الواحِدِ مِنْهُم مَسْكَنٌ يَسْكُنُه وَلا مِهْنَةٌ يَمْتَهِنُها. هُم فقَراءِ المهاجِرِين الذينَ كانُوا يَأْوونَ إِلَى المسْجِدِ فَيَبِيتُونَ فِيه. لا يَأْوونَ إِلَى أَهْلٍ وَلا إِلَى مال) قالوا: (أي قالوا للنبي ﷺ) يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ أهلُ الدُّثُور بالأُجُورِ (يَعْنِي أَهْلُ الأَمْوال التي تَفِيضُ عَنْ حاجاتِهِمُ الضّرورِيّة. الْدُّثُورُ جَمْعُ دَثْرٍ، كَما نَقُولُ فَلْسٌ وَفُلُوس، نَقُولُ دَثْرٌ ودُثُورُ. “ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ” مَعناهُ أَهْلُ الغِنَى ذهبوا بالمال أي ذَهَبُوا بِأُجُورِ الصَّدَقات التي يَتَصَدَّقُونَها بَهذا الزَّائِدِ عَنْ حاجاتِهِمُ الضّرورِيّة. وَكَأَنَّ الباءَ التي فِي قَوْلِ أَهلِ المهاجِرين: “بِالْأُجُورِ“، تُسَمَّى باء التَّعْدِيَة وَالتي تُفِيدُ الْمُصاحَبَة. أَيْ كَأَنَّهُم صَحِبُوا الأُجُور وَالحَسَنات التي اكْتَسَبُوها بِسَبَبِ صَدَقاتِهِم فَنالُوا أَجْرَها وَنَحْنُ ليسَ عِنْدَنا بِسَببِ فَقْرِنا ما نَتَصَدَّقُ بِهِ! فَكَأَنَّهُم يَقُولونَ للرّسُولِ: أَهْلُ الغِنَى بِالأَمْوال سَبَقُونا بِالثّواب وَبِالحَسَنات. هُمْ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومونَ كما نَصُوم، إِلّا أَنَّهُم يَأْتُونَ إِلَى ما فَضَلَ عنْ حاجاتِهِم مِنَ المسْكَن وَالكِسْوَة وَالمطْعَم، ما زادَ عنْ هذه الحاجاتِ، يَتَصَدّقُونَ عَلَى المحتاجِينَ وَعَلى الفُقَراء، فَيَنالُونَ بِسَبَبِ صَدَقاتِهِم أُجُورًا وَحَسَناتٍ، وَنَحنُ لا نَستَطِيعُ أَنْ نُدْرِكَهُ لأنَّنا لا مالَ عِنْدَنا نَتَصَدَّقُ بِهِ. وَهذا الكَلامُ مِنْهُم ليسَ عَلَى وَجْهِ الاعْتِراض وليسَ عَلَى وَجْهِ الحَسَد لإِخْوانِهِمُ الأَغْنِياء، إِنما عَلَى سَبِيلِ الغِبْطَة لَهُم وَالفَرَحِ لَهُم وَلِبيانِ حُزْنِهِم عَلَى فَقْدِهِم الأَمْوالَ حَتّى يَنالُوا بِصَدَقاتِهِم أَنْ لَوْ كانَ عِنْدَهُم أَمْوال الأُجُور التي نالَها أَصحابُ الغِنَى. فَإِذًا قَوْلهم هذا ليسَ عَلَى وَجْهِ الحَسَد لَهُم لأَنَّ الحَسَدَ فِي الشّرع: هُوَ تَمَنِّي زَوالِ النِّعْمَة عَنِ المسْلِم وَعَمَلٌ بِمُقْتَضَى هذا التَّمَنِّي واسْتِثْقالُها عَلَيْه وَعَدَمُ اسْتِشْعارِ كَراهِيَةِ ذلِكَ فِي القَلب. هؤلاءِ الفقَراء منَ المهاجِرين لَمْ يَسْعَوْا فِي انْتِقالِ هذه النِّعْمَة مِنْ إِخْوانِهُمُ الأَغْنِياء إِلَى أَنْفُسِهِم إِنّما تَمَنَّوْا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُم مِنَ الأَمْوالِ ما يَلْحَقُونَ بِهِ إِخْوانَهُم ذَوِي الغِنَى لأَجْلِ حِرْصِهِم عَلَى تَحْصِيلِ الأُجُورِ وَالثَّواب. مِثْلُ هذا ليسَ مُحَرَّمًا، بَلْ هُوَ غِبْطَةٌ وَفَرَح. الغِبْطَة هُي أَنْ يَتَمَنّى الإِنْسانُ لِنَفْسِهِ مِثْلَ ما عِنْدَ إِخْوانِهِ مِنَ الخَير كأَنْ يَقُول: يا ليْتَنِي كنتُ غَنِيًّا فَأَتَصَدَّقَ. يا لَيْتَنِي كنت قَوِيًّا فِي الجَسَد فَأَصُومَ الاثْنَين وَالخَمِيس كَما يَصُومُ أَخِي فُلان، لكِنِّي مُبْتَلًى بِالمَرَض، بِضَعْفِ البَدَن، فَلا أَقْوَى عَلَى أَنْ أَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ أَخِي فُلان. هؤلاءِ الصّحابَة حالُهُم كَحالِ قِسْمٍ مِنَ الصّحابَة كانُوا عَجَزُوا عَنِ الخُروجِ للجِهاد وَالقِتالِ لِكَوْنِهِم مِنْ شِدَّةِ فَقْرِهِم لا يَجِدُونَ ءالَةَ القِتال، لا يَجِدُونَ السِّلاحَ الذي بِهِ يُقاتِلُونَ أَعْداءَ الله. فجاؤُوا إِلَى رَسُولِ الله يَشْكُونَ إِلَيهِ أَنَّهُم لا يَجِدُونَ ءالَةَ القِتال فَفاتَهُم بِسَبَبِ فَقْرِهِم وَعَدَمِ وِجْدانِهِم ءالاتِ القِتال شَرَفُ القِتالِ وَالجِهاد فِي سَبِيلِ الله مَعَ رَسُولِ الله وَبَعْضِ أَصْحابِه، فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾، يَعْنِي رَجَعُوا وَعُيُونُهم تَفِيضُ مِنَ الدمع حُزْنًا علَى فَواتِ الأَجْرِ وَالثَّوابِ للجِهاد فِي سبيلِ الله لِكَونِهِم لا يَجِدُونَ الفرَسَ التي يَرْكَبُونَها وَلا الرّاحِلَةَ التي يَرْكَبُونَها وَلا ءالاتِ القِتال التي بِها يُدافِعُونَ عَنْ دِينِ الله. فَعَدَمُ مَقْدِرَتِهِم عَلَى هذه الطّاعَة بِسَببِ فقْرِهِم جَعَلَتهُم يَرْجِعُونَ عَنْ هذا الجِهاد وأَعْيُنِهِم تَفِيضُ مِنَ الدمع. وَهؤلاء فقَراء المهاجِرين كذلِك يَشْكُونَ إِلَيهِ سَبْقَ إِخْوانِهِم لَهُم بِأَمْرِ بَذْلِهُمُ المال فِي الصَّدَقات فَينالُونَ أُجُورًا عَلَيها وَلا ينال هؤلاء الفقراء مِنْ هذه الأُجُور) (وهذا الذي ينبغي بالمؤمن الباحث عن أعالي الدرجات أن ينظر إلى من هو فوقه بأمر الآخرة ولا ينظر إلى من هو دونه، وأما في أمر الدنيا فينظر إلى من هو دونه فيهون عليه الفقر والقلة والبلاء الذي يجده في نفسه) يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي (معْناهُ هُمْ يُصَلُّونَ الصلواتِ الخَمس وَنَحنُ نُصَلِّي الصلَواتِ الخَمس)، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ (معْناهُ هُمْ يَصُومونَ رَمَضان وَنَحْنُ نَصُومُ رَمَضان)، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ (يَعْنِى زِيادَةً عَلَى ما نَسْتَوِي بِهِم فِى الطّاعات، هُم مِنْ أَجْلِ غِناهُم يَتَصَدَّقُونَ بِما يَزِيدُ عَنْ حاجاتِهمُ الأَصْلِيّة فَيَنالُونَ أُجُورًا ولا نَنال! وَهذا مِنْهُم رَغْبَةٌ وَحِرْصٌ عَلَى العَمَلِ للآخِرَة. رَغْبَة وَحِرص عَلَى تَحْصِيلِ الأَجرَ وَالثّواب وَحُزْنُهُم عَلَى فَواتِ هذه الأُجُور عَلَى الصَّدَقات) فهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن الكامل، 

وهنا أبين مسألة مهمة توضح لنا عظمة هذه الشريعة وعظيمَ كرم الله عز وجل وفضلَه على عباده، وهي أن العبد المؤمن بمجرد نيته أحيانا يرزقه الله ثوابا عظيما، فالنبي ﷺ قال لبعض الصحابة: (لك ما نويت). فبمقدار خلوص نيتك يكون لك الأجر. هذا يدل على أن العبد إذا قصد أن يتصدق، بأن قال مثلا: لو كان لي مال كثير أتصدق وأطعم الفقراء والمحتاجين فبخلوص نيته يُكتب له ثواب عظيم يشبه ثواب من تصدق، لا أقول مثله على التمام بل أجر عظيم يشبه أجره) قَالَ (أي قال لهم رسول الله ﷺ): «أَوَلَيسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ (هُنا نَبِيُّنا أَرادَ أَنْ يُطَيِّبَ خَواطِرَهُم. أَرادَ أَنْ يَجْبُرَ خَواطِرَهُم، فقالَ لَهُم: كيف ذلِك؟؟ كَيفَ سَبَقُوكُم بِالأُجُور؟ فقالُوا لَهُ شارِحِين: هؤلاءِ مَعَهُم أَمْوال وَنحنُ ليسَ مَعنا أَمْوال. فقالَ لَهُم: أَوَلَيسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ) (وهذا من عظيم أخلاق النبي ﷺ فقدْ دعَا الإسلامُ إلِى تَلَمُّسِ حاجاتِ المؤمنينَ وَتَفَقُّدِ أَحوالِهِم، وتَطْيِيْبِ نفوسِ المهمومِينَ وجَبْرِ خواطرِ المكروبينَ، فقالَ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وقالَ تعالَى في سورةِ الحجراتِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ 

وقد حثنا النبي ﷺ على تنفيسِ الكُرُبَاتِ وعلَى التيسيرِ علَى المعسرينَ فَقالَ ﷺ فيما رواهُ مسلمٌ: ” مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ“، وقدْ ضربَ الأنصارُ رضيَ اللهُ عنهُم أروعَ الأمثلةِ فِي جبرِ خواطرِ إخوانِهم مِنَ المهاجرينَ، حينَ استقبلوهُم في ديارِهم وطيَّبُوا نفوسَهم، ومدُّوا لهم يدَ العونِ والمساعدةِ، بعدَ أنْ خرجُوا مِنْ ديارِهم وأموالِهِم في مكةَ المكرمةِ، فقامَ مجتمعٌ مبنيٌّ على الأخوةِ والمحبةِ والأُلفةِ بينَ المسلمينَ. وقدْ نهَى اللهُ سبحانَه وتعالَى عنْ كسرِ خواطرِ الضعفاءِ والمحتاجينَ، فقالَ تعالَى في سورةِ الضحَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وَإنَّ مِنْ صورِ جبرِ الخواطرِ وتطييبِ النفوسِ أنْ نُعينَ المريضَ وَذَا الحاجةِ والملهوفَ ولا نستهزئَ بهِم، ولا ننسَى التوجُّه إلى اللهِ تعالَى فِي كلِّ وقتٍ أنْ يجبرَ خواطرَ المسلمينَ، ويفرِّجَ الهمَّ والغمَّ، ويرفعَ البلاءَ عنْ بلادِنا وبلادِ المسلمينَ، فكثير من الناس في هذه الأيام ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك يتنعمون في الأموال والمطاعم والمشارب والدفء وينسون إخوانهم في أرض فلسطين في أرض غزة، فكمْ مِنَ الناسِ لا كافيَ لهُ ولا مؤويَ إلَّا اللهُ تعالى، كمْ مِنْ إخوانِنا المسلمينَ في هذهِ الأيامِ تَشَرَّدَ وجاعَ هوَ وعيالُه بسببِ الفتنِ والحروبِ ولا كافيَ لهؤلاءِ إلا اللهُ تعالى، عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان يلبس الفاخر من الثياب وما كان يأكل الفاخر من الطعام والشراب ويقول كيف أشبع ولم يشبع أبناء المسلمين، وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً. وَمَا مَاتَ حَتَّى سَرَدَ الصَّوْمَ، وَكَانَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، حَتَّى اسْوَدَّ جِلْدُهُ وَيَقُولُ: بِئْسَ الْوَالِي أَنَا إِنْ شَبِعْتُ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ) (إذًا “قَالَ” لَهُم رَسُولُ اللهِ: “أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟”. هذه “أَوَلَيْسَ” ليسَت سُؤالًا مِنْهُ مُرادُهُ مِنْ هذا السُّؤال أَنْ يُجِيبُوهُ عَلَى سُؤالِه، إِنَّما أَرادَ بِهذا الاسْتِفْهامِ عَلَيهِ الصلاةُ وَالسلام التَّقْرِير، أَنْ يُقَرِّرَ فِي أَذْهانِ هؤلاءِ الفقَراء أَنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ لَهُم أَبْوابًا لِتَحْصِيلِ الأُجُورِ وَالثَّواب وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا أَصْحابَ غِنًى فِي المال، هذا الثّواب الذي يُحَصِّلُونَهُ مِنْ هذه الأَبْواب، أَبواب الخَير تُشْبِهُ أَجْرَ التَّصَدُّق بالمال فَسَمَّى عَمَلَهُم بِهذه الطّاعات “صَدَقَةً. فالعبارة أحيانا ترد على صيغة السؤال ويراد منها التنبيه أو التقرير وغير ذلك، مثل ما ورد عن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقد قال الله تعالى في سورة الشعراء: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ))، إبراهيم عليه السلام كان يعرف أنهم يعبدون الأصنام إذا ما فائدة سؤالهم ما فائدة سؤاله، ليس حتى يقولوا له نحن نعبد الأصنام فهو يعرف حالهم، أي بلاغة في هذا، والقرآن أعلى البلاغة،

 قوله: ((مَا تَعْبُدُونَ)) كان سؤاله لتبكيتهم يعني ما هذا الذي تعبدونه من دون الله، ما سألهم حتى يقولوا نعبد الأصنام فهو يعلم حالهم وما يعبدون، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يسأل ليجيبوه أنهم كفار يعبدون الأصنام إنما سألهم لتبكيتهم لكن هم من شدة تكبرهم أجابوا بأوسع مما سأل عنه كما قال المفسرون، أي أنه سألهم أليس ما تعبدونه حجارة وخشبا ومعادن قد صورتموها بأيديكم ونقشتموها أنتم وأثرتم فيها فكيف تعبدونها. فلا تدل هذه الآية على جواز سؤال الكافر عن دينه ليجيب بالكفر هذه لا تدل على ذلك. فهو عليه السلام يذمهم على عبادتهم لها فإن المعبود يعبد لفعل يكون منه إلى من يعبده، إلى العابد أما أن يعبد الشخص ما يفعله هو فلا يقبل كما قاله الماتريدي في تفسيره، لذلك سألهم أي أنتم تعبدون شيئا تصنعونه أنتم فكيف تعبدونه هذا لا يستحق العبادة هذا أنتم تصنعونه ما سألهم حتى يقولوا نعبد أصناما، قال الماتريدي: يسفههم ويعيب عليهم لعبادتهم ما ينحتون هم بأيديهم ويتركون عبادة من خلقهم وخلق أعمالهم. 

لذلك صرح في ذمهم قوله تعالى في سورة الصافات: ((إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ءإفكا آلهة دون الله تريدون)) فإنه نص ظاهر جلي أن سؤال سيدنا إبراهيم لم يكن ليجيبه قومه بجواب كفر وإنما كان إنكارا لهم وإظهارا لفساد دينهم وعبادتهم. ولا يستنكر مثل هذا الأسلوب من الكلام عند أهل المعرفة فإن علماء اللغة جعلوا للاستفهام معاني كثيرة منها الإنكار والتوبيخ والتعجب والعتاب والتهويل والتخويف والتهديد والوعيد والتنبيه والنهي والتحقير والاستبعاد والتهكم والاستهزاء وغير ذلك. ولذلك قال ابن عطية في تفسيره استفهام بمعنى تقرير أي إنه كان يعلم ما يعبدون وإنما سأل لتقرير الحجة ليقرر الحجة عليهم. وقال أبو حبان في البحر المحيط: استفهام بمعنى التحقير والتقرير (أي تقرير الحجة عليهم)، والمراد بالتقرير عند أهل البلاغة هو الإقرار والتوكيد لا طلب الجواب لا يسألهم ويريدهم أن يجيبوا، وقال البيضاوي في تفسيره سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة. وقال الرازي فقال لهم ما تعبدون وكان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء. وقال أبو الحسن الواحدي في الوسيط: هذا استفهام توبيخ كأنه وبخهم على عبادة الأصنام) إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقةً (يَعْنِي إِذا قُلْتَ “سبحانَ الله”، تُحَصِّلُ أَجْرًا وَثَوابًا يُشْبِهُ أَجْرَ مَنْ تَصَدَّقَ بِالمال. فَلَوْ كانَ الصّحابِيُّ فَقِيرًا، فاتَهُ أَجْرُ تَحْصِيلِ الثّوابِ عَلَى صَدَقَتِهِ المالِيّة، إِلّا أَنَّهُ يسْتَطِيعُ أَنْ يسْتَعِيضَ عَنْها بِالتّسْبيح! فَالتّسْبيحُ فِيهِ أَجْرٌ وَثَوابٌ يُشْبِهُ أَجْرَ الْمُتَصَدِّق بِالمال. واسْتِعمال الرّسُول لَفْظَةَ “الصَّدَقَة” علَى التّسبيح مِنْ بابِ المشاكَلَة. يَعنِي أَنْ يُؤتَى بِلَفْظٍ عَلَى مَعْنًى ليس هُوَ مَعناهُ مِنْ حَيثُ اللغَةُ العَرَبِيّة. تُسْتَعمَلُ عادَةً لَفْظَةُ “الصَّدَقَة” عَلَى بَذْلِ المال، لَكِنّ الرّسُول اسْتَعْمَلَ لَفْظَةَ “الصَّدَقَة” عَلَى غَيرِ ما وُضِعَت لَهُ فِي الأَصْلِ لِبيانِ أَنَّها تُشْبِهُ أَجْرَ التَّصَدُّقِ بالمال، وَمِثْلُ هذا يُسَمَّى “المشاكَلَة” فِي اللغَةِ العَرَبِيّة وَهذا فِيهِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَة مِنَ القُرءان مِنْها قولُه تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم﴾، قابَلَ اللَّفْظَ للّفْظ لَكِنْ قَوْلُهُ تعالَى ﴿نَسُوا اللهَ﴾ أَيْ تَرَكُوا الإِيمانَ بِالله، وَسِياقُ هذه الآيَة يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرادَ بِهؤلاء الكُفّار. ﴿نَسُوا اللهَ﴾ أَيْ تَرَكُوا الإِيمانَ بِالله، ﴿فَنَسِيَهُم﴾، سَمّى اللهُ تعالَى عُقُوبَتَهُم وجَزاءَهُم عَلَى تَرْكِهُمُ الإِيمان نِسْيانًا مع ان النِّسْيان في الاصل ليس بِمَعنَى العُقُوبَة وَالجَزاء. 

 إذًا: معنى ((نَسُوْا اللهَ)) أي تَرَكُوا الإِيمانَ بِه ﴿فَنَسِيَهُم﴾، أَي عاقَبَهُم وَجَازاهُم عَلَى نِسْيانِهِم بِأَنْ تَرَكَهُم يَوْمَ القِيامَةِ بِلا رَحْمَة، لأَنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ إِنّ الكافِرَ بِمُجَرَّدِ خُروجِ روحِهِ مِنْ جَسَدِهِ، تَنْقَطِعُ عَنْهُ الرَّحْمَة وَلا تَنالُهُ رَحَمات اللهِ، لا العامّة وَلا الخاصّة، بَلْ هُوَ فِي عَذابٍ دائِمٍ مُسْتَمِرٍ لا يَنْقَطِعُ! فِي قَبْرِهِ لَهُ عَذابٌ مُسْتَمِرّ وَفِي مَواقِفِ القِيامَة لَهُ عَذابٌ مُسْتَمِرّ. لا أَحَدَ يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَة فِي كافِرٍ. ثُمَّ يُدْخَلَ النّارَ فَيَلْقَى أشَدَّ عِقابٍ وَأَشَدَّ عَذابٍ، يَبْقَى فِي النّارِ مُؤَبَّدًا إِلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. فَاللهُ تعالَى يَتْرُكُهُم بِلا رَحْمَة، فَسَمّى عُقُوبَتَهُ سُبحانَهُ وَمُجازاتَهُ لهؤلاءِ الكُفّار عَلَى تَرْكِهُمُ الإِيمان، سَمّاهُ “نِسْيانًا” مِنْ بابِ مقابَلَةِ اللَّفْظِ للَّفْظ وَمِنْ بابِ الْمُشاكَلَة، 

واحِد كانَ سافَرَ إِلَى إِخْوَتِهِ. فَهذا المسافِر وَصَلَ إِلَى إِخوَتِهِ وَقَدْ أَصابَهُ مِنَ البَرْدِ ما أَصابَه. إِخوَتُهُ رَحّبُوا بِهِ ثُمَّ بادَروا إِلَى قَوْلِهِم: نَصْنَعُ لَكَ طَعامًا لأَنَّ العادَةَ أن الذي يَقْدَمُ مِنَ السَّفَر يَكُونُ جائِعًا أَوْ بِهِ حاجَةٌ لِلطَّعام. فَقالُوا كَما قالَ الشّاعِرُ:

قالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ *** قالَ اطْبُخُوا لي جُبَّةً وَقَمِيصا

هُوَ الآن بِسَبَبِ شِدَّةِ بَرْدِهِ مُحتاج إِلَى الكِسْوَة، مُحتاج إِلى ما يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ البَرد، وَلا تَشْتَدُّ حاجَتَهُ إِلَى الطّعام! لَكِنَّهُ سَمَّى احْتِياجَهُ إِلَى هذا الثَّوْب طَبْخًا مَعَ أَنَّ الطّبْخَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ للطّعام. استَعْمَلَ كَلِمَةَ الطّبخِ عَلى ما تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إِلَيْه بِغَيرِ مَعْناهُ الَأصْلِيّ الذي وُضِعَ لَهُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّة. الطّبخُ يُسْتَعْمَلُ للطَّعام! لكِن حينَ ذَكَرُوا أَمرَ الطّبْخِ أَخَذَ كَلِمَةَ الطّبْخِ وَاسْتَعملها عَلى ما تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إِلَيْه وَهُوَ اللِّباس. مِثْلُ هذا يُسَمّى مُشاكَلَةً في اللُّغَةِ العَرَبِيّة) كذلك يقول الله تَعَالَى فِي سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فَفِيهِ إِسْنَادُ الْمَكْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ فِي سِيَاقِ الْمُشَاكَلَةِ فَلا يَكُونُ كَمَكْرِ الْعِبَادِ فَالْمَكْرُ مِنَ الْخَلْقِ خُبْثٌ وَخِدَاعٌ لإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْغَيْرِ بِاسْتِعْمَالِ حِيلَةٍ وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُجَازَاةُ الْمَاكِريِنَ بِالْعُقُوبَةِ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرُونَ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ منْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ فَالْمَكْرُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَالِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخِفُّ بِالْمُنَافِقِينَ كَمَا يَسْتَخِفُّ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَيْ كَلِمَةُ يَسْتَهْزِئُ فِي الْقُرْءَانِ فِي سِيَاقِ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الْمُجَازَاةِ لِلْكُفَّارِ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا عِنْدَمَا يَجْتَمِعُونَ بِأَمْثَالِهِمْ يَتَكَلَّمُونَ بِذَمِّ الإِسْلامِ وَكَرَاهِيَتِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَبِعِبَادِ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ وَسَمَّى هَذِهِ الْمُجَازَاةَ اسْتِهْزَاءً مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ) (فَالرّسُولُ قال: “إِنَّ بكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً“، أَي لَكُم حَسَنَة بِقَوْلِكُم “سبْحانَ الله” وَنَحْوِهِ مِنَ الأَلْفاظ الوارِدَة في القُرءان وَفِى الحَدِيث، مِنْها أَنْ يَقُولَ الواحِدُ “سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ”. و”سبْحانَ الله” معناهُ أُسَبِّحُ اللهَ أَي أُنَزِّهُ اللهَ عَنْ مُشابَهَتِهِ لِخَلْقِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوه. معناهُ رَبُّنا مُنَزَّهٌ عَنْ مُشارَكَتِهِ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِه في ذاتِهِ وَفِي صِفاتِهِ وَفِي فِعْلِه. ذاتُهُ لا يُشْبِهُ ذَواتِ المخْلُوقِين وَصِفاتُهُ سُبْحانَه كَالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ وَالحياةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالإِرادَةِ وَالكَلام لا تُشْبِهُ صِفات أَحدٍ مِنْ خَلْقِه. وَفِعْلُهُ سبْحانَه لا يُشْبِهُ فِعْلَ أَحدٍ مِنْ خَلْقِه. فِعْلُ اللهِ خَلْقٌ أَي إِبرازٌ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ أَمّا فِعْلُنا نَحنُ لَيسَ خَلْقًا. فِعْلُنا نَحنُ إِنّما هُوَ مُزاوَلَةٌ للآلاتِ وَالأَسْباب، لليَدّ، للرِّجل، للِّسان، للعين. فَهذه الكَلِمَة الطّيبَة التي نَسْتَعْمِلُها كَثِيرًا عِنْدَ ذِكْرِنا لِفظ الجَلالَةِ الله نَقُولُ “سُبحانَهُ وَتعالَى” أَي أُنَزِّهُ اللهَ وَأُبْعِدُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ وَمِمّا لا يَلِيقُ بِهِ الشَّبَهُ للمَخْلُوقات ﴿ليس كَمِثْلِهِ شىءٌ﴾) وَكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً (يَعْنِي أَنْ يَقُولَ الواحِدُ مِنّا “اللهُ أَكْبَر“، هذه الكَلِمَةُ الطّيبَة التي فِيها إِظْهارُ عَظَمَةِ اللهِ تعالَى، فَوقَ كُلَّ مُعَظَّمٍ مِنْ خَلْقِهِ. إِذا قُلْتَ “اللهُ أَكْبَر“، معناهُ اللهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِ عَظِيمٍ قَدْرًا، وَمَنْزِلَةً، وَشَأْنًا، وَرُتْبَةً. فَاللهُ تعالَى أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شىء سُبْحانَهُ. “صَدَقَةً” مَعناهُ إِذا قُلْتَ هذه الكَلِمَة مُخْلِصًا في نِيَّتِكَ للهِ تعالَى يَكُونُ لَكَ أَجْرٌ وَثَواب) وَكُلِّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةً (يَعْنِي أَنْ تَقُولَ: “الحَمدُ لله”، هذه الكَلِمَةُ الطّيبَة التي فِيها الثّناء عَلَى اللهِ تعالَى بِاللسان عَلَى ما أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا مِنْ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لا تَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصائِنا لا نَسْتَطِيعُ إِحْصاءَها ولا عَدَّها لِكَثرَتها، اللهُ تعالَى مُسْتَحِقٌّ أَنْ يحمَد فِإِذا أَثْنَيْتَ عَلَيْهِ بِلِسانِك عَلَى ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمٍ لا تُحْصَى، تَكُونُ حَمِدْتَ اللهَ عَلَى ذلِك) وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً (يَعْنِي قَوْلُ: “لا إِلٰه إِلا الله“، هذه الكَلِمَةُ التي هِيَ أَحْسَنُ الحَسَنات وَأَفْضَلُ أَلْفاظِ الذِّكْر. الصّحابَة قالُوا للرسولِ: “يا رسولَ الله، أَمِنَ الْحَسَناتِ لا إِلٰه إِلَا الله؟” قال ﷺ مُعَلّمًا لهُم: “أَحْسَنُ الحَسَناتِ لا إِلٰه إِلا الله“، أَيْ أَفْضَلُ أَنْواعِ الذِّكْرِ قَوْلُكَ لا إِلٰه إِلا الله. لذلِكَ كانَ أَهْلُ العِلْمِ وَأَهْلُ الوِلايَة يُرْشِدُونَ السّالِكَ المرِيد لِسُلُوكِ طَرِيقِ الوِلايَة أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: “لا إِلٰه إِلا الله“. أَحْيانًا بَعْضُ أَهْلِ الإِرْشادِ وَالتّسْلِيك يَطلُبُونَ مِنَ الْمُرِيدِ أَنْ يُكَرِّرَ هذه الكَلِمَةَ في اليَوْمِ ۱۲ ألف مَرّة! نَعم، يَحتاجُ أَنْ يَصْرِفَ وَقْتًا واسِعًا حَتّى يَأْتِيَ بِهذا العَدَد لكِنّ الإِنسان إِذا شَغَلَ لِسانَهُ في حَرَكاتِهِ وِسَكَناتِهِ وَتَنَقُّلاتِهِ وَعَمَلِهِ الدُّنْيَوِيّ، لَوْ كانَ يَعمَلُ وَيُزاوِلُ عَمَلَ دُنْيَوِيًّا، عَوَّدَ نَفْسَهُ وَعَوَّدَ لِسانَهُ عَلَى أنْ يَقُولَ: “لا إِلٰه إِلا الله“. قَدْ لا يَأْتِي وَقْتَ نَوْمِهِ إِلّا وَقَدْ أَتَمَّ هذا العدد. فَهذه الكَلِمَة أَحسَنُ ذِكْرٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِها قَوْلُ سبحانَ الله. فَقَوْلُ سبحانَ الله هُوَ في المرتَبَةِ الثّانِيَة وَيَكْفِي كَلِمَةَ لا إِلٰه إِلا الله شَرَفًا أَنّها هيَ بَابُ الدُّخُولِ  في الإِسْلامِ لِمْنَ كانَ كافِرًا، مَنْ كانَ كافِرًا، لا بُدَّ أَنْ يَنْطِقَ بِها مع “محمَّدٌ رَسُول الله” أَوْ ما يُعْطِي مَعْنَى هاتَيْنِ الشّهادَتَين للدُّخُولِ في الإِسْلامِ، لذلك روي : “لَوْ أَنَّ السَّماواتِ السّبْع والأَرضِينَ السَّبْع كُنَّ في كِفَّة (أَي مِنْ كِفَّتَيْ الميزان) وَوُضِعَت لا إِلٰه إِلّا الله في الكِفَّةِ الأُخْرَى، لَرَجَحَت بِهِنَّ لا إِلٰه إِلا الله“. معناهُ ثَوابُها في الميزان أَثقَلُ مِنْ وَزْنِ السّماواتِ السّبْع والأَرضِينَ السّبع وَقالَ  النبي فِيما رَواهُ عَنْهُ الترْمِذِيُّ في جامعِه: “أَفْضَلُ ما قُلْتَ أَنا وَالنّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلٰه إِلّا الله“) وَأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ (لَمْ يَقُل والأَمْرُ بِالمَعْروفِ صَدَقَة بَلْ نَوَّنَ، هذا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ بِالمَعْروفِ وَلَوْ كانَ قَليلًا فَإِنَّ فِيهِ ثَوابًا أَكْثَر بِكَثِير مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذِّكْرِ الذي يَكُونُ باللسان ممّا هوَ ليسَ واجِبًا. يَعْنِى يُنَبِّهُ النّبِيّ بِذلِكَ بِفَضْلِ الأَمْرِ بالمعروف “وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ”، أَيْ مَهْما كانَ قَليل هذا الأَمرُ بالمعروف. هذا التّنوِين يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كانَ قَليلًا، فَثَوابُهُ عَظِيم)، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ (أَيْضًا لأَجْلِ ذلِكَ. وَالمَعروفُ هُوَ ما عُرِفَ أَنَّهُ مِنَ الشَّرْعِ، ما حَثَّ عَلَيْهِ الشّرع، ما طَلَبَ الشرعُ فِعْلَهُ. وَالمُنكَر ما أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ،فَإِذا فَعَلَ الإِنْسانُ قَلِيلًا مِنَ الأَمْرِ بالمعروف وَقَليلًا مِنَ النّهِي عَنِ المنْكَر، كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ أَكْثَر بِكَثِير مِنَ التّسبيح باللسان الذي هُوَ مندُوب. لِماذا؟ لأَنَّ الأَمْرَ بالمعروف واجِب وَالنّهِي عَنِ المنْكَر واجِب! وَالذِّكْرُ نَفل، مسنون وَثوابُ الفَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ ثَوابِ النَّفْل، كما صَحَّ فِى الحَدِيثِ الصّحيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: قالَ اللهُ تعالَى: وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشىءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ“، نَعَم، هُوَ فَرْضٌ عَلَى الكِفايَة، ليسَ فَرْضَ عَيْن، لَكِنَّهُ فَرْض وَثوابُ الفَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ ثَوابِ النَّفْل! فَرْضٌ عَلَى الكِفايَة يَعنِى إِذا قامَ بِهِ البَعض لا يُطالَبُ بِهِ الباقُون. الفَرْضُ العَيْنِيّ يُطالَبُ بِهِ كُلُّ واحِد. فَيَنْبَغِي مِنَ الواحدِ مِنّا أَنْ يَفْهَمَ من هذا الحَدِيث أَهَمِّيَّةَ وَفَرْضَ الأَمْر بالمعروف وَالنّهِي عَنِ المنْكَر وَأَنْ لا يُضَيِّعَ هذا الفرض بِأَمْرٍ هُوَ أَقَلّ مِنْهُ، دُونَهُ، الذي هُوَ النَّفل. ينبَغِي أَنْ يَكُونَ شَأْن المؤمِن أَنَّهُ يُسابِق المؤمِنَ الآخَر عَلَى الطاعَات. يتسابَقُون عَلَى فِعلِ الطّاعَة. وَمِنْ أَفْضَلِ الطّاعاتِ وَمِنْ أَهَمِّها الأَمْرُ بالمعروف وَالنّهِيُ عَنِ المنْكَر لاسيما فِي هذا الزَّمان الذي انتشَرت بِهِ المنكَرات! إِذا تُرِكَ الأَمْرُ بالمعروف وَالنّهِيُ عَنِ المنْكَر يَضِيعُ الدِّين! وإِذا ضاعَ الدّين ماذا يَبْقَى؟؟ لِذلِكَ ينبغي أَنْ لا يترُكَ الإِنسانُ وَأَنْ لا يَتَهاوَنَ فِي الأَمْرِ بالمعروف وَالنّهِي عَنِ المنْكَر وَعلى هذا مَضَى الصالِحُون لاسيما إِذا كانَ هُناكَ مُنْكَر أَوْ منكَرات يَعجِزُ ولا يَسْتَطِيعُ واحِدٌ أَو اثنان أَوْ ثَلاثَة أَنْ يُزِيلوها أَوْ كانَ لا يشْتَغِل بِإِنْكارِ المنكَر إِلّا عَدَدٌ قَليل وَلا يَكفُونَ لإِزالَةِ هذا الْمُنْكَرات، عِنْدَ ذلِك ينبغي عَلَيْهِم أَنْ يَبْذُلُوا جُهْدَهُم في هذا حَتّى لا يَقَعُوا في التَّقْصِير. إِذا كانَ مَثَلًا في مكانٍ ما، يُحتاجُ إِلَى عِشرينَ شَخْصًا لِيُعَلِّمُوا عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنّة مِنْ عَقائِد وغَيرِ ذلِكَ مِنَ الفَرْض العَينِيّ مِنَ العِلْم، حَتّى يَكْفُوا الناسَ الذينَ يُريدُونَ التَّعَلُّم في تِلْكَ النّاحِيَة وَكانَ الذين يُعَلِّمُون ثَلاثَة أَوْ أَرْبَعَة، فَإِذًا ينبَغِي عَلَى هؤلاء الثلاثة أَوِ الأَرْبَعَة أَنْ يَصْرِفُوا وَقْتَهُم لِهذا لِكَيْ لا يَقَعُوا في التَّقْصِير! لا يُوجَد غَيرُهُم كي يقُول أحدُهُم أَنا لا أَفْعَل، غَيرِي يَفْعَل! تَقرِيبُ ذلِك: ماتَ مسلِم ومن العشرين تسعة عشر لا يفعَلُون ما أَوْجَبَ الله في هذه الحال فلا يستَطِيعُ أَنْ يقُول الواحِد الباقِي غَيرِي يَفْعَل وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيرَهُ لا يَفعل. لا بُدَّ أَنْ يَقُومَ هُوَ بِالأمر. لا يَسَعُهُ أَنْ يَقُول. أَنا واحِد مِن عِشْرِين! الذي يُرِيدُ النّجاةَ في الآخِرَة هَكذا يفْعَل، حُلْوًا كانَ أَوْ مُرًّا، وَلَو كانت النفس تستَصعِبُهُ وَلا تَعْتَادُهُ. النبيُّ عِنْدَما ذَهَبَ مِنْ بِلادِهِ إِلَى الطّائِف وَحِيدًا ليسَ مَعَهُ ناصِر، عَرَّضَ نَفْسَهُ للخَطَر لِيدعو الناس إِلَى الإِسلام. تَعَرَّضَ إِلَى أَذًى كَثِير، هَلْ صَدَّهُ ذلك؟؟ لا! كان قوْلُهُ: “اللهُمَّ إِنْ لَمْ يَكُن بك غَضبٌ عَلَيَّ فَلا أُبالِي“، فَعَلَ ذلِكَ لأَجْلِ مَرْضاةِ الله للقِيامِ بِما أَوجَبَ اللهُ تعالَى عَلَيْهِ. وَهذا كانَ حالَ النبيّ قبلَ الهِجرَةِ، في مَكّة، وَبَعد الهِجرَةِ إِلَى المَدِينَة المنوَّرَة إِلَى مَوْتِهِ وَهُوَ يُراعِي ذلك. أَليسَ هذا تَعْلِيمًا لَنا؟ أَلَيس هذا لِيُبَيِّنَ لَنا فَضْلَ هذا الأَمْرَ العَظِيم وأنَّ هذا الذي ينْبَغِي أَنْ يَمْضِيَ عَلَيها المسلِم وَأَنْ لا يُقَصِّرَ فِيهِ. كُلُّ هذا يَدلُّ عَلَى فَضْلِ الأَمْرِ بالمعرُوفِ وَالنهِي عَنِ المنكَر وَإِنْ ضَيَّعَهُ أَكْثَرُ الناسِ في أَيّامِنا، النّووِيُّ في أَيّامِهِ قال: “في أَيّامنا، أَكْثَرُ أَبوابِ الأَمْرِ بالمعرُوفِ وَالنهِي عَنِ المنكَر مُضَيَّعَة“، إِذا كانَ هذا الأَمْرُ في أَيامِهِ، فَإِذًا ماذا يُقالُ في أَيّامِنا؟ لكِن إِذا أَساءَ كَثِيرٌ مِنَ النّاس لا ينبَغِي أَنْ يُسِيئَ الواحِدُ مِنّا. لا ينبَغِي أَنْ يَكُونَ الشّخْصُ مِنّا إِمَّعَة، أَيْ إِذا أَحْسَنَ الناس يُحْسِن وَإِذا أَساء يُسِيئ! يَمْشِي مَعَهُم كما يَمْشُون، بَل ينبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمرُ الآخِرَةِ بَينَ عَينَيه. ينظُرُ ما يُرْضِي الله تعالَى فَيَفْعَلَهُ، هذا الذي ينبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الشّخْصُ. رَضِيَ مَنْ رَضِي وَأَبَى مَنْ أَبَى! فَإِنَّ الأُمُورَ بِيَدِ اللهِ تعالَى وَالفائِزُ مَنْ يَفُوزُ غَدا) وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ (الرسول يَقُولُ لِهؤلاءِ الفقَراء: أَبْوابُ الخَيرِ كَثِيرَة ليسَ فقَط إِنْفاقَ المال. إِذا جامَعَ أَحَدُكُم زَوْجَتَهُ لَهُ في ذلِكَ ثَواب! أَيْ إِذا فَعَلَ ذلِكَ بالنية الحسَنَة كَأَنْ يَفْعَلَ ذلِكَ لِيُراعِيَ خاطِرَ الزوْجَة، كَأَنْ يَفْعَلَ ذلِكَ لِيُعِفَّ نَفْسَهُ، كَأَنْ يَفْعَلَ ذلِكَ طَلَبًا للوَلَدِ الصالِح، وَنَحُو ذلِكَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ مِنَ النِّياتِ)» قالوا: يَا رسولَ اللهِ، يَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ (لأَنَّهُم كانَ لا يَخْطُرُ ببالِهِم أَنَّهُ يَكُونُ فِى أَمْرِ الجِماعِ أَجْر، فقالُوا: وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ) قَالَ: «أَرَأَيتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرامٍ أَكَانَ عَلَيهِ وِزرٌ؟ (لَوْ أَنَّهُ جامَعَ فِى الحَرام، أَليسَ يَكُونُ ءاثِمًا) فكذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ (كذلِكَ إِذا جامَعَ فِي الحَلالِ، كانَ لَهُ أَجر لَكِن هذا كَسائِرِ الأَعْمالِ، لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ النيَّة الصّالِحة لأَنَّهُ مِنْ غَيرِ النيَّة الصّالِحة لا يُثابُ المسلِمُ عَلَى الأَعمال الحسَنَة. “إِنّما الأَعمالُ بِالنيات”) (هذا الحَدِيثُ فِيهِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ الَأمْرَ الْمُباح الذي هُوَ فِى الأَصل لا فِيهِ ثواب لا بِفِعْلِهِ وَلا بِتَرْكِهِ وَلا فِيهِ إِثْم لا بِفِعْلِهِ وَلا بِتَرْكِهِ، بِالنية الحسنة يَصِيرُ شيئًا حَسَنًا فِيهِ ثواب)».