المقدمة
الحمدُ للهِ البرِّ الجوادِ، الذي جلَّتْ نِعَمُهُ عنِ الإحصَاءِ بالأَعْدَادِ، خَالِقِ اللُّطْفِ والإرشَادِ، الْهَادِي إلى سبِيلِ الرشَادِ، الْمَانِّ بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى مَنْ لَطَفَ بِهِ مِنَ العِبَادِ، الَّذِي نَصَبَ فِي هذهِ الأمَّةِ جَهَابِذَةً مِنَ الحُفَّاظِ النُّقَّادِ، وَجَعَلَهُمْ دَائِبِينَ فِي إِيضَاحِ شَرْعِهِ فِي جمِيعِ الأَزْمَانِ والبِلَادِ.
بَاذِلِينَ وِسْعَهُمْ مُسْتَفْرِغِيْنَ جُهْدَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي جَمَاعَاتٍ وَآحَادٍ، مُسْتَمِرِّيْنَ عَلَى ذَلِكَ مُتَابِعِينَ فِي الجُهْدِ وَالاِجْتِهَادِ،
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ الْحَمْدِ وَأَكْمَلَهُ وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه الوَاحِدُ القَهَّارُ، الْكَرِيْمُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَحَبِيْبُهُ وَخَلِيْلُهُ، الْمُصْطَفَى بِتَعْمِيْمِ دَعْوَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، الْمُفَضَّلُ عَلَى الْأَوَّلِيْنَ وَالآخِرِينَ مِنْ بَرِيَّتِهِ، الْمُشَرَّفُ عَلَى الْعَالَمِيْنَ قَاطِبَةً بِشُمُوْلِ شَفَاعَتِهِ، الْمَخْصُوْصُ بِتَأْيِيدِ مِلَّتِهِ وَسَمَاحَةِ شَرِيْعَتِهِ، الْمُكَرَّمُ بِتَوْفِيْقِ أُمَّتِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِيْ إِيْضَاحِ مِنْهَاجِهِ وَطَرِيْقَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِتَبْلِيْغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَى أُمَّتِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّيْنَ وَآلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِيْنَ، وَتَابِعِيْهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، أما بعد:
فقد وصلنا في شرحنا لهذا الكتاب المبارك إلى الحديث الثاني والعشرين بعد المائة وذكره النووي رحمه الله هنا بروايتين شرحنا إحدَاها الدرس الماضي ونشرح الرواية الثانية اليوم إن شاء الله
الحديث والشرح
قال الحافظ النووري رحمه الله تعالى: ورواه مسلم أيضًا من رواية عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وثلاثِمِائَة مَفْصِل (ولم يُذكر فاعل “خلق” هنا للعلم به فهو الله عز وجل، الله تعالى خلق الإنسان وخلق كل شيء لا خالق إلا الله، أبدع مخلوقاته وأحسن كل شيء خلقَه، وصور الإنسان بأحسن تقويم، ونحن عندما نمر بموضع من الأحاديث النبوية يتكلم فيها عليه الصلاة والسلام عن خلق الإنسان فإننا نتذكر عظيم خلق الخالق سبحانه وهذا ممدوح مرَغَّبٌ فيه، فلو نظرت في خاصة نفسك نظر المتفكر المعتبر بالعقل لعلمت عظيمَ هذا الخالق الذي لا يستحق أن يعصى، ولعرفت ما يجب عليك من القيام بأمره سبحانه، ولكنَّ أكثرَ الناس لا يلتفتون إلى هذا، أكثرُ الناس لا ينظر إلى خاصة نفسه ليستدل بها على تعظيم خالقه عز وجل، وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى: [وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ]، قال القرطبي: عَنِ الْأَخْفَشِ أَنَّ الْمَعْنَى جَهِلَ فِي نَفْسِهِ.اهـ
وقال علي بن بحر وهو من أئمة السلف: مَعْنَاهُ جَهِلَ نَفْسَهُ وَمَا فِيهَا مِنَ الدِّلَالَاتِ وَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لَهَا صَانِعًا لَيْسَ كمثله شيء، فَيُعْلَمُ بِهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ، فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مِنْ يَدَيْنِ يَبْطِشُ بِهِمَا، وَرِجْلَيْنِ يَمْشِي عَلَيْهِمَا، وَعَيْنٍ يُبْصِرُ بِهَا، وَأُذُنٍ يَسْمَعُ بِهَا، وَلِسَانٍ يَنْطِقُ بِهِ، وَأَضْرَاسٍ تَنْبُتُ لَهُ عِنْدَ غِنَاهُ عَنِ الرَّضَاعِ وَحَاجَتِهِ إِلَى الْغِذَاءِ لِيَطْحَنَ بِهَا الطَّعَامَ، وَمَعِدَةٍ أُعِدَّتْ لِطَبْخِ الْغِذَاءِ، وَكَبِدٍ يَصْعَدُ إِلَيْهَا صَفْوهُ، وَعُرُوقٍ وَمَعَابِرَ يَنْفُذُ فِيهَا إِلَى الْأَطْرَافِ، وَأَمْعَاءٍ يَرْسُبُ إِلَيْهَا ثُفْلُ الْغِذَاءِ (الثُّفْلُ ما يتبقَّى من المادَّةِ بعد عَصْرِها) وَيَبْرُزُ مِنْ أَسْفَلِ الْبَدَنِ، فَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا قَادِرًا عَلِيمًا حَكِيمًا،
وَهَذَا مَعْنَى قوله تعالى:” وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ”: معناه: أولم يَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ نَظَرَ تَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ حَتَّى يَسْتَدِلُّوا بِكَوْنِهَا مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَالتَّغْيِيرَاتِ عَلَى أَنَّهَا مُحْدَثَات، وَأَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ صَانِعٍ يَصْنَعُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الصَّانِعَ حَكِيمٌ عَالِمٌ قَدِيرٌ مُرِيدٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْمَلَ مِنْهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ.
وَقَالَ تَعَالَى:” وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ” يَعْنِي آدَمَ عليه السلام،” ثُمَّ جَعَلْناهُ” أَيْ جَعَلْنَا نَسْلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ” نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ” فَالْإِنْسَانُ إِذَا تَفَكَّرَ بِهَذَا التَّنْبِيهِ بِمَا جُعِلَ لَهُ مِنَ الْعَقْلِ فِي نَفْسِهِ رَآهَا مُدَبِّرَةً وَعَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى مُصَرِّفَةً.
كَانَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا وَعَظْمًا، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ نَفْسَهُ مِنْ حَالِ النَّقْصِ إِلَى حَالِ الْكَمَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَزِيدَ فِي جَوَارِحِهِ جَارِحَةً، فَيَدُلُّهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ نَقْصِهِ وَأَوَانِ ضَعْفِهِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ أَعْجَزُ.
وَقَدْ يَرَى نَفْسَهُ شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا وَهُوَ لَمْ يَنْقُلْ نَفْسَهُ مِنْ حَالِ الشَّبَابِ وَالْقُوَّةِ إِلَى حَالِ الشَّيْخُوخَةِ وَالْهَرَمِ، وَلَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَلَا فِي وُسْعِهِ أَنْ يُزَايِلَ حَالَ الْمَشِيبِ وَيُرَاجِعَ قُوَّةَ الشَّبَابِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ الْأَفْعَالَ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا صَنَعَهُ وَنَاقِلًا نَقَلَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَتَبَدَّلْ أَحْوَالُهُ بِلَا نَاقِلٍ وَلَا مُدَبِّرٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعلمَاءِ: إِنَّ كُلَّ شيء في العالم الكبير له نظير في الْعَالَمِ الصَّغِيرِ، الَّذِي هُوَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” وقال: ” وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ”. فَحَوَاسُّ الْإِنْسَانِ أَشْرَفُ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْمُضِيئَةِ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي إِدْرَاكِ الْمُدْرَكَاتِ بِهَا، وَأَعْضَاؤُهُ تَصِيرُ عِنْدَ الْبِلَى تُرَابًا مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَفِيهِ مِنْ جِنْسِ الْمَاءِ الْعَرَقُ وَسَائِرُ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ، وَمِنْ جِنْسِ الْهَوَاءِ فِيهِ الرُّوحُ وَالنَّفَسُ، وَمِنْ جِنْسِ النَّارِ فِيهِ الْمِرَّةُ الصَّفْرَاءُ.
وَعُرُوقُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَنْهَارِ فِي الْأَرْضِ، وَكَبِدُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُيُونِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنْهَا الْأَنْهَارِ، لِأَنَّ الْعُرُوقَ تَسْتَمِدُّ مِنَ الْكَبِدِ. وَمَثَانَتُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَحْرِ، لِانْصِبَاب مَا فِي أَوْعِيَةِ الْبَدَنِ إِلَيْهَا كَمَا تَنْصَبُّ الْأَنْهَارُ إِلَى الْبَحْرِ. وَعِظَامُهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِبَالِ الَّتِي هِيَ أَوْتَادُ الْأَرْضِ. وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَشْجَارِ، فَكَمَا أَنَّ لِكُلِّ شَجَرٍ وَرَقًا وَثَمَرًا فَكَذَلِكَ لِكُلِّ عُضْوٍ فِعْلٌ أَوْ أَثَرٌ. وَالشَّعْرُ عَلَى الْبَدَنِ بِمَنْزِلَةِ النَّبَاتِ وَالْحَشِيشِ عَلَى الْأَرْضِ. فَهُوَ الْعَالَمُ الصَّغِيرُ مَعَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ لِصَانِعٍ وَاحِدٍ، لَا إِلَهَ إلا هو.اهـ
وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ لِيؤمر بعبادة اللَّه. لذلك قال ربنا عز وجل: [وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ]، وقال السائب بن شَرِيكٍ: يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَيُخْرِجُ مِنْ مَكَانَيْنِ، وَلَوْ شَرِبَ لَبَنًا مَحْضًا لَخَرَجَ مِنْهُ الْبول وَمِنْهُ الْغَائِطُ، فَتِلْكَ الْآيَةُ فِي النَّفْسِ.
قال السُّدِّيُّ: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) أَيْ فِي حَيَاتِكُمْ وَمَوْتِكُمْ، وَفِيمَا يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ مِنْ طَعَامِكُمْ.
وقال الْحَسَنُ: وَفِي الْهَرَمِ بَعْدَ الشَّبَابِ، وَالضَّعْفِ بَعْدَ الْقُوَّةِ، وَالشَّيْبِ بَعْدَ السَّوَادِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَفِي خَلْقِ أَنْفُسِكُمْ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ وَلَحْمٍ وَعَظْمٍ إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ، وَفِي اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَلْوَانِ وَالصُّوَرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَحَسْبُكَ بِالْقُلُوبِ وَمَا رُكِزَ فِيهَا مِنَ الْعُقُولِ، وَمَا خُصَّتْ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَانِي وَالْفُنُونِ، وَبِالْأَلْسُنِ وَالنُّطْقِ وَمَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَطْرَافِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ، وَتَأَتِّيهَا لِمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَمَا سَوَّى فِي الْأَعْضَاءِ مِنَ الْمَفَاصِلِ لِلِانْعِطَافِ وَالتَّثَنِّي، وَأَنَّهُ إِذَا تَيَبَّسَ شيء منها جاء العجز، (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).
(أَفَلا تُبْصِرُونَ) يَعْنِي بَصَرَ الْقَلْبِ لِيَعْرِفُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ.
فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى نَفْسِهِ ويتفكر فِي خَلْقِهِ مِنْ حِينِ كَوْنِهِ مَاءً دَافِقًا إِلَى كَوْنِهِ خَلْقًا سَوِيًّا، يُعَانُ بِالْأَغْذِيَةِ وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ، وَيُحْفَظُ بِاللِّينِ حَتَّى يَكْتَسِبَ الْقُوَى، وَيَبْلُغَ الْأَشُدَّ. وَإِذَا هُوَ قَدْ قَالَ: أَنَا، وَأَنَا، وَنَسِيَ حِينَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا، فَيَا وَيْحَهُ إِنْ كَانَ مَحْسُورًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ] فَيَنْظُرُ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مُكَلَّفٌ، مُخَوَّفٌ بِالْعَذَابِ إِنْ قَصَّرَ، مُرْتَجِيًا بِالثَّوَابِ إِنِ ائْتَمَرَ، فَيُقْبِلُ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ وَإِنْ كان لا يراه ولا يخشى الناس وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ، وَلَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْذَارٍ [أي جسمه كثير منه أقذار ونجاسات]، مَشْحُونٌ مِنْ أَوْضَارٍ [أي أوساخ]، صَائِرٌ إِلَى جَنَّةٍ إِنْ أَطَاعَ أَوْ إِلَى نَارٍ.
وقدروي عن عَلِيٍّ رضي الله عنه: «وَمَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرُ، وَإِنَّمَا أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيْفَةٌ»)،
فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ (أي قال: الله أكبر. ومن عِظَمِ التكبير لله تعالى فقد جُعِل افتتاحُ الصلاة به مقرونا بالنية عند الشافعية، فَالتَّكْبِيرُ هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لا يَمُدَّ الْبَاءَ بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ أَكْبَار فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاةَ أَيْ لا تَنْعَقِدُ الصَّلاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الأَكْبَارَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ «كَبَرٍ» وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَكَانَ جَاهِلًا بِالْمَعْنَى لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَعْنَى وَقَالَ ذَلِكَ عَمْدًا كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى وَالتَّعَمُّدِ لِلنُّطْقِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلْيُحْذَرْ ذَلِكَ فِي الأَذَانِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يَمُدَّ الأَلِفَ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ «ءَاللَّهُ أَكْبَرُ» لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاتُهُ وَيَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ، وَإِنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاسْتِفْهَامُ وَنَطَقَ بِهِ عَمْدًا فَقَدْ كَفَرَ [أَمَّا إِنْ كَانَ مُوَحِّدًا وَلا يَفْهَمُ مِنْهُ الشَّكَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لا فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ قَبِيحٌ] لِأَنَّهُ يَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ قَدْرًا وَعِلْمًا أَمْ لَيْسَ أَكْبَرُ؟.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لا يَزِيدَ وَاوًا قَبْلَ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، كَذَلِكَ لَوْ زَادَ وَاوًا بَيْنَ لَفْظِ الْجَلالَةِ وَ(أَكْبَرُ)، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَلَ هَمْزَةَ أَكْبَرُ بِالْوَاوِ فَقَالَ اللَّهُ وَكْبَر.
أَمَّا التَّكْبِيرُ «اللَّهُ أَكْبَرُ» فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ كَبِيرٍ قَدْرًا وَعَظَمَةً لا حَجْمًا لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمَعْنَى الْكَبِيرِ فَكَلِمَةُ «اللَّهُ أَكْبَرُ» عَلَى هَذَا مُرَادِفَةٌ لِكَلِمَةِ «اللَّهُ كَبِيرٌ»).
وحَمِدَ الله (روى الطبراني وغيره عن بعض التابعين قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قُلْنَا: يَا أَبَا حَمْزَةَ ادْعُ لَنَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَشَاكِي وَمَا بُدٌّ مِنْ أَنْ أَدْعُوَ بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعَا بِهِنَّ لِأَهْلِ قُبَاءَ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِي بَلَائِكَ وَصَنِيعِكَ إِلَى خَلْقِكَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِي بَلَائِكَ وَصَنِيعِكَ إِلَى أَهْلِ بُيُوتِنَا، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِي بَلَائِكَ وَصَنِيعِكَ إِلَى أَنْفُسِنَا خَاصَّةً، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ بِمَا هَدَيْتَنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ بِمَا أَكْرَمْتَنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ بِمَا سَتَرْتَنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْمُعَافَاةِ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ يَا أَهْلَ التَّقْوَى وَيَا أَهْلَ الْمَغْفِرَةِ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَمَغْفِرَتَكَ وَرِضْوَانَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ”.
وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ:” وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ”.
وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا)).
وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ:” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ”.
وكذلك قال تعالى حكاية عن أهل الجنة: “وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ”. فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ.
وكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ إِذَا ابْتَدَأَ حَدِيثَهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنَا، وَرَزَقْتَنَا، وَهَدَيْتَنَا، وَعَلَّمْتَنَا، وَأَنْقَذْتَنَا، وَفَرَّجْتَ عَنَّا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ، وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمْنَنَا، وَجَمَعَتْ فُرْقَتَنَا، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتَنَا، وَمِنْ كُلِّ وَاللَّهِ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، أَوْ سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً، أَوْ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ»)
وَهَلَّلَ اللهَ (أي قال: لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد التي جاء بها كل الأنبياء فلذلك جُعل لها أجرٌ عظيم، أخرج البزار عن أبي المنذرِ الجهنيِّ قال: قلت: يا رسول الله علمني أفضل الكلام، قال: “قل لا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يحيي ويميتُ بيدهِ الخيرُ وهوَ على كلِّ شىءٍ قديرٌ مائةَ مرةٍ في كلِّ يومٍ فإنكَ يومئذٍ أفضلُ الناسِ عملًا إلا من قالَ مثل ما قلتَ”.
وعن أَبي سعيد الخُدْرِيِّ وأَبي هريرة رضيَ اللَّه عنهما أَنهُما شَهِدَا على رسول اللَّه ﷺ أَنه قال: «مَنْ قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ صدَّقَهُ رَبَّهُ فقال: لا إِله إِلَّا أَنَا وأَنا أَكْبرُ [أي أكبر من كل كبير قدرا] وَإِذَا قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وحْدهُ لا شَرِيكَ لَهُ قال: يقول: لا إِله إِلا أَنَا وحْدِي لا شَرِيك لي وإذا قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ قال: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ليَ المُلْك وَليَ الحَمْدُ وإِذا قال: لا إله إِلَّا اللَّهُ وَلا حَوْلَ ولا قَوَّةِ إِلَّا بِاللَّهِ، قال لا إِله إِلَّا أَنَا وَلا حَوْلَ ولا قوَّةَ إِلَّا بي» وَكانَ يقولُ: «مَنْ قالهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ ماتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وروى الترمذي أنَّ النبيَّ قَالَ: «خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أنا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ»)
وَسَبَّحَ الله (قال ابن حجر: التَّسْبِيحِ يَعْنِي قَوْلَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَعْنَاهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، فَيَلْزَمُ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَجَمِيعِ الرَّذَائِلِ، وَيُطْلَقُ التَّسْبِيحُ وَيُرَادُ بِهِ جَمِيعَ أَلْفَاظِ الذِّكْرِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ صَلَاةَ النَّافِلَةِ. وَأَمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ فِيهَا. وورد أنها مكفرة للذنوب، مفرجة للكروب، ميسرة للعسير، يقضى الله بها الحاجات، ويستر العورات.
أما عن كيفيتها فهي كما ذكرت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال للعبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ: ((يا عمَّاه ألا أُعطيك، ألا أمنحك ألا أحبوك ؟ ألا أفعلُ لك عشرَ خصالٍ إذا أنت فعلتَ ذلك غفر اللهُ لك ذنبك أوَّلَه وآخرَه قديمَه وحديثَه خطأَه وعمدَه صغيرَه وكبيرَه سرَّه وعلانيتَه عشرَ خصالٍ أن تُصلِّيَ أربعَ ركعاتٍ تقرأُ في كلِّ ركعةٍ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ فإذا فرغتَ من القراءةِ في أوَّلِ ركعةٍ وأنت قائمٌ قلتَ: سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ خمسَ عشرةَ مرَّةً ثمَّ تركعُ فتقولُها وأنت راكعٌ عشرًا ثمَّ ترفعُ رأسَك من الرُّكوعِ فتقولُها عشرًا ثمَّ تهوي ساجدًا فتقولُ وأنت ساجدٌ عشرًا ثمَّ ترفعُ رأسَك من السُّجودِ فتقولُها عشرًا ثمَّ تسجدُ فتقولُها عشرًا ثمَّ ترفعُ رأسَك فتقولُها عشرًا فذلك خمسٌ وسبعون في كلِّ ركعةٍ تفعلُ ذلك في أربعِ ركعاتٍ إن استطعتَ أن تصلِّيَها في كلِّ يومٍ مرَّةً فافعلْ فإن لم تفعلْ ففي كلِّ جمعةٍ مرَّةً فإن لم تفعلْ ففي كلِّ شهرٍ مرَّةً فإن لم تفعلْ ففي كلِّ سنةٍ مرَّةً فإن لم تفعلْ ففي عمرِك مرَّةً.
وذُكر عن ابن المبارك أنه قال: إن صلاها ليلا فأحب إلي أن يسلم من كل ركعتين، وإن صلاها نهارا فإن شاء سلم وإن شاء لم يسلم. اهـ أي من الركعتين بل يسلم آخر ركعة
فالتسبيح هو تنزيه الله عن كل صفات البشر ولا يجوز وصفه بصفة من صفات البشر
كما قال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ بِصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالْبَشَرِ. أَيْ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْبَشَرِ الْمُحْدَثَةِ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ قَوْلًا أَوِ اعْتِقَادًا فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] فَمِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ الْحُدُوثُ وَالتَّطَوُّرُ وَالِانْفِعَالُ وَالتَّأَثُّرُ وَاللَّوْنُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَالتَّحَيُّزُ بِالْمَكَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُلُّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا أَوْ قَالَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ كَفَرَ. فَصِفَاتُ اللَّهِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْبَشَرِ لِأَنَّ صِفَاتِهِ قَدِيمَةٌ وَصِفَاتِهِمْ مُحْدَثَةٌ وَلا مُشَابَهَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ)
(قال الفيروزأبادي: وفى بعض الأَخبار أَنَّ تسبيح حَمَلةِ العرش: سبحان الله والحمدُ لله، ولا إِله إِلَّا الله، والله أَكبر. وتسبيح ميكائيل: سبحان المعبود بكلّ مكان، سبحان المذكور بكلّ لسان. وتسبيح جبريل: سبحان الملِك القدّوس، سبّوح قدّوس، وربّ الملائكة والرّوح.
وتسبيح رضوان: سبحان مَن فى السّماء عرشه، سبحان من فى الأَرض سلطانه، سبحان مَن فى الجنَّة فضله.
وتسبيحَ مالك خازن النَّار: سبحان مَن في البرّ بدائِعه، سبحان من في البحر عجائبُه، سبحان من في النَّار عذابه.
وتسبيحَ عزرائيل: سبحان من تعزَّز بالقدرة، وقهر العباد بالموت. وتسبيحَ آدم عليه السلام: سبحان ذي المُلْك والمَلَكُوت، سبحان ذي القدرة والجَبَرُوت، سبحان الحيّ الذي لا يموت.
وتسبيحَ نوح عليه السلام: سبحان ذي المجد والنِّعم، سبحان ذي القدرة والكرم، سبحان ذي الجلال والإِكرام.
وتسبيحَ إِبراهيم: سبحان الأَوّل المبدِئ، سبحان الباقي المغني، سبحان العليّ الأَعلى، سبحان الله وتعالى.
وتسبيح يعقوب: سبحان الَّذي أَحاط بكلّ شىء علمًا، سبحان الَّذي أَحصى كلّ شىء عَدَدًا، سبحان حافظِ كلّ غائب، ورادِّ كل فائت.
وتسبيحَ موسى: سبحان ذي المُلْك القاهر القديم، وفي سلطانه قويّ، وفي ملكه عزيز، سبحان ربّي العظيم.
وتسبيح عيسى: سبحان الواحد الأَحَد، سبحان الباقي على الأَبد، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفْوًا أَحد.
وتسبيحَ نبيّنا محمّد ﷺ: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، أَستغفرُ الله وأَتوب إِليه.
وتسبيحَ المؤمنين: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، فى أَوّل الصّلاة، وسبحان ربّي العظيم، فى الرّكوع، وسبحان ربّي الأَعلى، في السّجود)
(وجاء في فضل هذه الأذكار مجموعةً أحاديثُ كثيرة منها: ما روى الطبراني عَنْ أَبِي سَلْمَى، رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ فَيَحْتَسِبُهُ.اهـ
وروى الطبراني أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ، خُذُوا جُنَّتَكُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: ” لَا، وَلَكِنْ مِنَ النَّارِ، قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ فإِنَّهنَّ يأتينَ يومَ القيامةِ مُقَدِّمَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ وَمُجَنِّبَاتٍ ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ.
فإنَّهُنَّ”، أي: فإنَّ هذه الكَلِماتِ، “يَأْتينَ يومَ القِيامَةِ مُقدِّماتٍ” أي: يَتقدَّمْنَ صاحبَها يومَ القِيامةِ، “ومُعَقِّباتٍ”، أي: هُنَّ كلِماتٌ يَأْتي بعْضُها عقِبَ بعْضٍ، “ومُجَنِّباتٍ”، أي: هي التي تكونُ في المَيْمَنةِ والمَيْسَرةِ، فكأنَّهن جَيْشٌ من جِهَةِ قائِلِهِنَّ تَسْتُرْنَهُ عن النارِ، “وهُنَّ الباقياتُ الصَّالِحاتُ”، أي: باقياتٌ لصاحِبِها وصالحاتٌ لجَزيلِ ثَوابِها في المَعادِ وحينَ الحاجَةِ،
وروى الطبراني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: «اكْتُبُوا لِعَبْدِي رَحْمَتِي كَثِيرًا»، وَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: «اكْتُبُوا لِعَبْدِي رَحْمَتِي كَثِيرًا»، فَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: «اكْتُبُوا لِعَبْدِي مَحَبَّتِي كَثِيرًا».اهـ
وروى الطبراني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَنْفُضُ الْخَطَايَا كَمَا تَنْفُضُ الشَّجَرُ وَرَقَهَا».اهـ
وروي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ عَمَلًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ عَمَلًا؟ قَالَ: «كُلُّكُمْ يَسْتَطِيعُهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ».اهـ
وروى الطبراني عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنه أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ، تَفْسِيرُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَا عُثْمَانُ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ عَشْرَ مِرَارٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ عز وجل سِتَّ خِصَالٍ: أَمَّا أَوَّلُ خَصْلَةٍ فَيُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَيُعْطَى مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ [أي نفلا] فَقُبِلَ حَجُّهُ وَتُقُبِّلَتْ عُمْرَتُهُ فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ خُتِمَ لَهُ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ.اهـ
وروي عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ” قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرٌ فَلْيَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ وَحَشْوُهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَمَجَادِيفُهَا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَنْجُوَ يَا بُنَيَّ اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ وَعِنْدَ يَدِكَ إِذَا أَقْسَمْتَ وَعِنْدَ لِسَانِكَ إِذَا حَكَمْتَ.اهـ)
وَاسْتَغْفَرَ الله (أي طلب المغفرة من الله تعالى، كأنه قال: اللهم اغفر لي، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الِاسْتِغْفَارِ فِى الْقُرْءَانِ بِمَعْنَى طَلَبِ مَحْوِ الذَّنْبِ بِالإِسْلامِ وَذَلِكَ كَالَّذِى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ عَنْ نُوحٍ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [سُورَةَ نُوح/10] فَإِنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ مُشْرِكُونَ فَمَعْنَاهُ اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمُ الْمَغْفِرَةَ بِتَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِى أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ فِى اسْتِحْقَاقِ الأُلُوهِيَّةِ وَالإِيمَانِ بِنُوحٍ أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَيْكُمْ.
وبالاستغفارِ يُنزلُ اللهُ المطرَ، وبالاستغفارِ يرزقُكَ اللهُ الولدَ، وبالاستغفارِ يرزقُكَ اللهُ المالَ ويقضي عنك الدين، وبالاستغفارِ يفرجُ اللهُ همَّكَ وكربَكَ، وبالاستغفارِ تدخلُ الجنةَ بإذنِ الله تعالى، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى حكاية عن نوح عليه السلام: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا”.
ويقول رسولُ اللهِ ﷺ: “مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ” ولزومُ الاستغفارِ أي الإكثارُ منه، وأقلُّ الإكثارِ منه أن تستغفرَ اللهَ تعالى بقول أستغفرُ اللهَ مثلا ثلاثَمائةِ مرةٍ في يومِك،
وروى الحاكمُ عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “من قال أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيُّ القيومُ، وأتوبُ إليه ثلاثًا غُفرتْ له ذنوبُه و إن كانَ فارًّا من الزَّحْفِ”، أي ولو كان هاربًا من قتالِ الكفارِ ومرتكبًا لكبيرةٍ من أعظمِ الكبائرِ ، قد يغفرُ اللهُ تعالى له بهذا الذكرِ البسيط،
وقد قال قتادةُ: “إن القرءانَ يدلُّكم على دائِكم ودوائِكم، أما داؤُكم فذنوبُكم، وأما دواؤُكم فالاستغفار”.
ومن بركات الاستغفار تروى قصص كثيرة نذكر منها قصة تروى عن أحمد بن حنبل يروى أن الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ رضي الله عنه كان يريدُ أن يقضِيَ ليلتَهُ في المسجدِ ولكنَّ حارسَ المسجدِ مَنَعَه من المبيتِ في المسجدِ، والإمامُ يحاول معه ولكن دون جدوَى، فقال له الإمامُ: سأنام موضِعَ قدمَي، وبالفعلِ نامَ الإمامُ فقامَ حارسُ المسجدِ بجرِّهِ لإبعادِهِ من مكانِ المسجدِ، وكانَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ شيخًا وَقُورًا تبدُو عليهِ ملامحُ الكِبَرِ، فرآهُ خبازٌ فلما رآهُ يُجَرُّ بهذه الهيئةِ عَرَضَ عليهِ المَبيتَ، فذهبَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ معه، فأكرَمَهُ ونعَّمَه، وذهب الخبازُ لتحضيرِ عجينِهِ لعملِ الخبزِ، فسمعَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ الخبازَ يستغفرُ ويستغفر، ومضى وقتٌ طويلٌ وهو على هذه الحالِ فتعجَّبَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل، فلما أصبحَ سألَ الإمامُ أحمدُ الخبازَ عن استغفاره في الليل: فأجابه الخبازُ: أنه دائمُ الاستغفارِ. فسأله الإمام أحمد: وهل وجدتْ لاستغفارِكَ ثمرَةً؟ سأله الإمام أحمد هذا السؤال وهو يعلم ثمراتِ الاستغفارِ. فقال الخباز: نعم، والله ما دعوتُ دعوةً إلا أُجيبَتْ، إلا دعوةٌ واحدةٌ! فقال الإمام أحمد: وما هي؟ فقال الخباز: رؤيةُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ! فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل والله إني جُررت إليك جرًّا)،
وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَريقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظمًا عَن طَريقِ النَّاسِ (سمي الطريق طريقا لأنه تطرقه الأرجل) (وفي بركات هذا الفعل مع قلته روي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ” عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ”،
وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ»،
وفي الأدب المفرد للبخاري عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «أَمِطِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ») أَوْ أمَرَ بمَعْرُوف أَوْ نَهَى عَنْ مُنكَر (وهذا من أعظم الأفعال ومن أجل الواجبات، وإن لترك هذا الواجب مع القدرة عليه لشؤمًا ونكالًا والعياذ بالله تعالى فقد قال تعالى: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)) وقد قال النسفي: قيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.
ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحدًا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه.اهـ
ومن فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه قد جاء في وصف المؤمنين الصالحين المبشرين بالجنة في القرآن الكريم أنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر فقال تعالى: ((إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)) قيل في معناها: الآمرون بالمعروف: أي يأمرون الناس بعبادة الله وحده. أي ترك الشرك بالله وقيل يأمرون الناس بالحق واتباع الرشد والهدى والعمل الصالح وينهونهم عن كل فعل قبيح وقول نهى الله عباده عنه أو نهى عنه رسوله ﷺ.
فلو أن كثيرًا من المسلمين كانوا ينهون عن مثل هذه الأشياء لتوقفت معاصٍ كثيرة لكان ارتدع ناسٌ كثيرون عن فعل كثيرٍ من المعاصي لكن إنكارُ المنكر في هذه الأيام صار نادرًا نادرًا أليس جاء في الحديث :” مُرّ بالمعروف وانهى عن المنكر حتى إذا رأيت هوًا مُتبعًا وشُحًا مُطاعًا ودنيا مُؤثرة وإعجاب كُلَّ ذي رأيٍ برأيه فعليك بخويصَتِ نفسك فإن من بعدِكُم أيامًا للمتمسكِ فيها بما أنتم عليه أجرُ خمسين ” قالوا منَّا أو منهُم يا رسول الله؟ قال:” بل منكُم ” يعني النبي كان يُكلمُ الصحابة، الصحابةُ في أيامِهِم الذي يأمرُ بالمعروف يجدُ من يُعينُهُ الذي ينهى عن المنكر يجدُ من يُعينُهُ، النبيُّ قال لهُم أما فيما بعد سيأتي أيام فيها دنيا مؤثرة الناس يؤثرون الدنيا على الآخرة الأغلب ليس الكُل، وكُلُ صاحب ذي رأي يُعجبُ برأيه يعني لا يقبلُ النصيحة لو كلمتَهُ لا يُصغي إليك، إذا كان الواحد منكم وصل إلى تلك الأيام التي ذكرها النبيُّ فإنهُ إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر في تلك الأيام يكونُ لهُ من الأجر كأجر ما يُشبهُ أجر خمسينَ من الصحابة في هذا الموضوع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بكل شىء. لماذا له هذا الثواب؟ لشدة الصعوبة في الأيام التي وصفها الرسولُ وهي أيامُنا هذه نحن وصلنا إليها الرسول قال:” القابِضُ فيها على دينِهِ كقابضٍ على جمر ” هي أيامُنا هذه لو أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بين أقاربِكَ تجدُ مُضايقة، الذي يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر في هذه الأيام ثوابُهُ عظيمٌ جدًا.اهـ) عَدَدَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمِائَة فَإنَّهُ يُمْسِي يَومَئِذٍ وقَدْ زَحْزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ (أي: أَبعدَ نفسَه عن النار)».