المقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْمَاجِدِ الْعَظِيمِ، الْقَدِيرِ الْبَصِيرِ النَّصِيرِ الْحَلِيمِ، الْقَوِيِّ الْعَلِيِّ الْغَنِيِّ الْحَكِيمِ، قَضَى فَأَسْقَمَ الصَّحِيحَ وَعَافَى السَّقِيمَ، وَقَسَمَ عِبَادَهُ قِسْمَيْنِ فَهُمْ طَائِعٌ وَأَثِيمٌ، وَجَعَلَ مَآلَهُمْ إِلَى دَارَيْنِ: دَارِ النَّعِيمِ وَدَارِ الْجَحِيمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ مِنَ الْخَطَايَا كَأَنَّهُ فِي نعيم، ومنهم مَنْ قَضَى لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى الذُّنُوبِ وَيُقِيمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ وَالْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ، أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالْفَضْلِ الْوَافِرِ الْعَمِيمِ، وَهَدَانَا بِمَنِّهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَحَذَّرَنَا بِلُطْفِهِ مِنَ الْعَذَابِ الأَلِيمِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْقَدِيمِ، فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ للحَمْدِ وَمُسْتَوْجِبٌ للتَّعْظِيم، أَحْمَدُهُ وَكَيْفَ لا يُحْمَدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ الأَمْجَدُ، ﷺ مَا سُلِكَ الطَّرِيقُ الْقَوِيم، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ المحب الشفيق حِينَ يُسَافِرُ وَحِينَ يُقِيمُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي عَمَّرَ مِنَ الدِّينِ مَا عَمَّرَ بِأَحْسَنِ تَدْبِيرٍ وَأَكْمَلِ تَقْوِيمٍ، وَعَلَى عُثْمَانَ الشَّرِيفِ الَّذِي جاءته الشهادة وهو في بيته يقيم، وَعَلَى عَلِيٍّ مُقَدَّمِ الشُّجْعَانِ فِي حَرْبِهِمْ الزاهد الكريم، وعلى آله وصحبه أكمل صلاة وأتم تسليم، أما بعد:
وفي صحيح ابن حبان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ»، فَقِيلَ: مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «أَهْلُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الْمَسَاجِدِ»
وقد نص الفقهاء على فَضْلِ تَدْرِيسِ الشرع فِي الْمَسَاجِدِ، فقد روى الخطيب البغدادي عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَمَا مَجَالِسُهُمْ إِلَّا الْمَسَاجِدُ»،
وقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «الْمَسَاجِدُ مَجَالِسُ الْأَنْبِيَاءِ» وَفِي رواية عنه: مَسَاجِدُ الْأَنْبِيَاءِ وَهِيَ حِرْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ). قال الخطيب البغدادي (وكلامه هذا فيه رد على من يقول إن الدرس يومُ الجمعة لا أصل له كما يقول البعض في أيامنا):
وَأَسْتَحِبُّ لِلْفَقِيهِ أَنْ لَا يُخِلَّ بِعَقْدِ الْحَلَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي أَيَّامِ الْجُمُعَاتِ،
وروي عن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مُزَيْنَةَ لَيْسَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ طَعَنَ أَوْ طُعِنَ، أَوْ ضَرَبَ أَوْ ضُرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلُوا، وَلَبِسُوا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِمْ، وَنَسَمُوا مِنْ طِيبِ نِسَائِهِمْ، ثُمَّ أَتَوَا الْجُمُعَةَ، وَصَلّوا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَبُثُّونَ الْعِلْمَ وَالسُّنَّةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ».
وروي عن مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا الْعَلَاءِ وَالْجُرَيْرِيَّ وَأَبَا نَعَامَةَ السَّعْدِيَّ وَأَبَا نَعَامَةَ الْحَنَفِيَّ وَمَيْمُونَ بْنَ سِيَاهٍ وَأَبَا نَضْرَةَ يَتَحَلَّقُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» قَالَ عَفَّانُ: وَذَكَرَ مَهْدِيٌّ أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ أَحْفَظْهُمْ) وكل هؤلاء من السلف.
حتى إن الخطيب البغدادي جعل في كتابه المشهور “الفقيه والمتفقه” جعل بابا كاملا سماه: إِلْقَاءُ الْفَقِيهِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ أَسْتَحِبُّ أَنْ يَخُصَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمُذَاكَرَةِ لِأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَإِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَلَامِ فِيهَا، وَالْمُنَاظَرَةِ عَلَيْهَا».
الحديث (124): لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الجوهري: الفِرْسِنُ منَ البَعيرِ كالحَافِرِ مِنَ الدَّابَةِ قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتُعِيرَ في الشَّاةِ.
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثامن (وهو الحديث الثامن من باب بيان كثرة طرق الخير والحديث الرابع والعشرون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْهُ (أي عن أبي هريرة رضي الله عنه)، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ (قال ابن حجر: قَالَ عِيَاضٌ: الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَهِيَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى صِفَتِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ) (وقدَّرَه بعض شراح الحديث بـ: يا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ أَوْ يَا نِسَاءَ الطَّوَائِفِ الْمُؤْمِنَاتِ، أَيْ لَا الْكَافِرَاتِ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ يَا فَاضِلَاتِ الْمُسْلِمَاتِ كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ أَفَاضِلُهُمْ) (وهذه الروايات المروي بها هذا الحديث يدل على أن الإيمان والإسلام من حيث الشرع شيء واحد ففي بعض الروايات: يا نساءَ المسلمات، وفي رواية: يا نساء المؤمنات. فهذا يدل على أن المؤمن عند الإطلاق شرعًا يراد به المسلم فالمؤمن مسلم والمسلم مؤمن عند الإطلاق من حيث الشرع لا فرق بينهما، فلا يجوز أن يقال عن شخص إنه مؤمن وليس مسلما، بل المسلم مؤمن والمؤمن مسلم كما جاء في كتاب الله حيث قال عز وجل حكاية عن الملائكة الذين أرسلوا لقوم لوط عليه السلام: ” فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ” فوصف الخارجين منها مرة بأنهم مؤمنين ومرة بأنهم مسلمين، وقال تعالى: “فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ” وقال تعالى: “فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ” فمؤدَّاهما واحد فهما شيء واحد لا فرق بينهما من حيث الإطلاق الشرعي، وكذلك فإن نقيضهما أي عكسهما واحد فنقيض الإيمان الكفر ونقيض الإسلام الكفر، وكذلك قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يَكونُ إيمانٌ بلا إسلامٍ، وَلا إسلامٌ بِلا إيمان، فَهُما كالظَّهرِ مَع البطن.اهـ أي الإيمان والإسلام متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر كما لا ينفك الظهر عن البطن، والبطن عن الظهر.
أما من حيث اللغة فيوجد اختلاف في معناهما، فالإيمان لغة التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام: “وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا” أي وما أنت بمصدق لنا. والإسلام لغة يطلق على الاستسلام والخضوع، وفي هذا المعنى يقول عز وجل: “وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” أي استسلموا وخضعوا وليس المعنى أنهم كلهم مسلمين.
وفي معنى الإسلام والإيمان لغة يقول الله عز وجل: “قَالَتِ الأَعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” هذه الآية نزلت في بني أسد الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم تكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان أظهروا الإسلام وكانوا يؤدون صورة الصلاة وراء النبي والنبي لم يُكشف له أمرهم إلا بعد نزول الآية فأخبرهم الله تعالى بأن الإيمان ليس بالقول فحسب إنما هو بالقلب فما ءامنتم ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا واستسلمنا.
فمن هنا لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الآية في سورة الحجرات تعطي معنى أن الإسلام والإيمان من حيث الشرع مختلفان والصواب أن الإسلام في الآية معناه الانقياد ظاهرا وهذا معناه اللغوي، وأما من حيث الشرع فقد عرفنا معنى الإسلام ومعنى الإيمان.
ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غيرَ مؤمن أو مؤمنا غيرَ مسلم فهو ضال من الضالين الجاهلين باللغة والدين.
قال القرطبي: وَمَعْنَى «وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا» أَيِ اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قُلُوبُهُمْ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ.
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَبُولُ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ يَحْقِنُ الدَّمَ) (وكذلك هذه الروايات تدل على أن الإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة، فإن من لم يُسْلِمْ مَهْمَا كَانَ يَرْحَمُ المساكينَ ويُغِيثُ الْمَلْهُوفِينَ وَيَعْطِفُ على الأَيتامِ فَلَيسَ لَهُ شَىْءٌ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ لَهُ ثَوَابًا كَذَّبَ القُرْءَانَ. رَجُلٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ مِنْ عَشِيرَةِ أَبي بَكرٍ الصّدّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كانَ يَقري الضَّيفَ ويُغيثُ الْمَلْهُوفِينَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، حتّى إِنَّهُ كانَ يَعمَلُ الطَّعامَ ويَضَعُهُ أَمامَ بيتِهِ على الشّارِعِ حتّى يأكُلَ مِنهُ المسافرونَ مِن دونِ أَن ينزِلوا، الرّاكِبُ مِن دونِ أَن ينزِلَ يأكُلُ ويمضي، جَعَلَ الطَّعامَ على جِفَانٍ عاليةٍ.
عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنها سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَت: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ ابْنَ عَمِّي ـ قالَت: ابنَ عمّي، لأَنَّهُ مِن عَشيرَتِها ـ عَبدَ اللهِ بْنَ جُدْعَانَ كانَ يقْرِي الضَّيْفَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَفعَلُ ويَفْعَلُ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قال: «لا، إنه لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين» معناهُ ما كانَ يؤمنُ بالآخرةِ، كانَ يعبدُ الوثنَ. عربُ الجاهليةِ كانوا يقولونَ الإنسانُ متى ما ماتَ وصارَ ترابًا لا عودةَ لهُ، ينكرونَ البعثَ. الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: «إنه لم يقُل يومًا ربّ اغفِر لي خطيئتي يومَ الدين» معناهُ ما كانَ يؤمنُ بالآخرةِ. هو هذا عبد الله بن جُدعان في أول أمرِه كانَ فَاتِكًا شِرِّيرًا، أبوهُ تبرأَ منهُ، قال له أمامَ العشيرةِ أنت لست ابني، نفاهُ فكرِهَ الحياة، فذهبَ إلى بعضِ جبالِ مكةَ يطلبُ الموتَ لتلسعَهُ حَيَّةٌ مثلًا في بعضِ الجبالِ فيموت، فوجدَ شَقًا في جبلٍ فدخلَهُ على ظنِّ أنّهُ قد تلسَعُهُ حَيَّةٌ فيَموتُ فوَجَدَ ثعُبانًا كَبيرًا ظَنَّهُ ثُعبانًا حَقيقيًّا وهُو في الحقيقةِ لَيسَ كَذلِكَ، هُوَ صورَةُ ثُعبانٍ كَبيرٍ كُلُّهُ ذَهَبٌ وعَيناهُ جَوْهَرَتَانِ، ورأى كَوْمَ ذَهَبٍ وكَوْمَ فِضَّةٍ.
ثُـمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ جُدعانَ ذَهَبَ إِلى قومِهِ، وصارَ يُوَزِّعُ عَليهِم من الذَّهَبِ، فَجَعلوهُ سَيّدًا لهم، بَعدَ هذا صارَ يَتَكَرَّمُ على النّاسِ ويُعطي أَقرِباءَهُ، عَمِلَ عَمَلًا كَثيرًا مِن عَمَلِ الخيرِ والإِحسانِ إلى النّاسِ، لَكِن لا يَنفَعُهُ، لأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْدَحَهُ النّاسُ وهُو لا يؤمِنُ بالآخِرَةِ لِذَلِكَ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِأنّهُ لا يَنفَعُهُ.
أَمّا المؤمِنُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُها تَكونُ مُوافِقَةً للشَّرِعِ مَعَ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ أَي لَيسَ فيها رِياءٌ ولا سُمعَةٌ مَهما كانَت صَغيرةً فَهِي عِندَ اللهِ كَبيرةٌ، أَمّا مَن لا يُنزِّهُ اللهَ عَن مُشابهةِ خَلقِهِ ولا يعظِّمُ الله عز وجل ويوحده فَلا يَنفَعُهُ شَىءٌ مِن أَعمالِهِ في الآخِرَةِ).
لَا تَحْقِرنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا (أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ أَنْ تُهْدِيَ إِلَى جَارَتِهَا شَيْئًا وَلَوْ أَنَّهَا تُهْدِي لَهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْغَالِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّحَابُبِ وَالتَّوَادُدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِتُوَادِدِ الْجَارَةُ جَارَتَهَا بِهَدِيَّةٍ وَلَوْ صغرت، فَيَتَسَاوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَخُصَّ النَّهْيُ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَارِدُ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْفِعَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ (أي لو كان المهدى فرسن شاة وهو ظلف الشاة) (هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ، كالحافر من الفرس والمقصودُ: المبالَغةُ في الحثِّ على الإهداءِ ولو كان شَيئًا يَسيرًا، ومعْناه: لا تَمتنِعْ جارةٌ مِن الصَّدَقةِ والهَدَيَّةِ لِجارتِها؛ لاستقلالِها واحتقارِها الموجودَ عندها، بلْ يَنْبغي أنْ تَجودَ بما تَيسَّرَ ولو كان قليلًا، كفِرْسِنِ شاةٍ، وهو خَيرٌ مِن العدَمِ، وإذا تَواصَلَ القليلُ صار كَثيرًا؛ فإنَّ التَّهادِيَ ولو بالقليلِ جالبٌ للمَحبَّةِ والمودَّةِ، ومُذهِبٌ للضَّغائنِ، وأيضًا فإنَّ الهَديَّةَ إذا كانت يَسيرةً فهي أدلُّ على المودَّةِ، وأخفُّ في المؤنةِ بالنِّسبةِ للمُهْدي، وأسهَلُ على المُهْدى؛ لعدَمِ التَّكليفِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ)» (وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِيرُ صَارَ كَثِيرًا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوَدَّةِ وَإِسْقَاطُ التَّكَلُّفِ)
(وفي هذا الحديث الشريف الحث على الإحسان للجار، فقد أمرنا شرعنا الحنيف أن نحسن للجار ولو كان كافرا مؤَمَّنًا له أمان ويحرم إِيذَاءُ الْجَارِ وَلَوْ كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ إِيذَاءً ظَاهِرًا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَنْ يُشْرِفَ عَلَى حُرَمِهِ أَوْ يَبْنِىَ مَا يُؤْذِيهِ مِمَّا لا يَسُوغُ شَرْعًا، أَمَّا الِاسْتِرْسَالُ فِى سَبِّهِ وَضَرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَأَشَدُّ وِزْرًا بِحَيْثُ إِنَّ الأَذَى الْقَلِيلَ لِغَيْرِ الْجَارِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَنْبَغِى الإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لَهُ.
وَرُوىَ عَنْ سَهْلٍ التُسْتَرِىِّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَارٌ مَجُوسِىٌّ فَانْفَتَحَ خَلاءُ الْمَجُوسِىِّ إِلَى دَارِ سَهْلٍ فَأَقَامَ سَهْلٌ مُدَّةً يُنَحِّى فِى اللَّيْلِ مَا يَجْتَمِعُ مِنَ الْقَذَرِ فِى بَيْتِهِ حَتَّى مَرِضَ فَدَعَا الْمَجُوسِىَّ وقال له [فِيهِ تَأْلِيفٌ لِذَلِكَ الْمَجُوسِىِّ وَتَقْرِيبٌ لَهُ] بِأَنَّهُ يَخْشَى أَنَّ وَرَثَتَهُ لا يَتَحَمَّلُونَ ذَلِكَ الأَذَى كَمَا كَانَ يَتَحَمَّلُهُ فَيُخَاصِمُونَ الْمَجُوسِىَّ فَتَعَجَّبَ الْمَجُوسِىُّ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى هَذَا الأَذَى الْعَظِيمِ ثُمَّ قَالَ لَهُ تُعَاوِنُنِى بِذَلِكَ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَأَنَا عَلَى دِينِى مُدَّ يَدَكَ لِأُسْلِمَ فَمَدَّ يَدَهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ سَهْلٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدُونَ وَالْمُؤَمَّنُونَ لا يَجُوزُ إِيذَاؤُهُمْ وَالْمُعَاهَدُونَ هُمُ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ أَىْ هَادَنَهُمُ الْخَلِيفَةُ أَوْ سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِى يَحْكُمُ نَاحِيَةً.
وفي إكرام الجار والإحسان إليه قال الله عز وجل: {وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ}، قيل في التفسير {بِذِي الْقُرْبى} الجار الملاصق {وَالْجارِ الْجُنُبِ} البعيد غير الملاصق {وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ} الرفيق في السفر.
وروي عن عائشة أم المؤمنين أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». رواه البخاري في الصحيح.
وروي في صحيح مسلم عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمُت».
وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ” «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ»”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن بطال: قوله: (لا يثوي عنده) لا يقيم، والثواء: الإقامة بالمكان، يعنى لا يقيم عنده بعد الثلاث حتى يضيق صدره، وأصل الحرج الضيق، وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاثة لئلا يضيق صدره بمقامه فتكون الصدقة منه على وجه المنّ والأذى فيبطل أجره قال الله تعالى: (لا تبطلوا صداقتكم بالمن والأذى).
قسم صلى الله عليه وسلم أمرالضيف ثلاثة أقسام يتحفه في اليوم الأول ويتكلف له وفي اليوم الثاني والثالث يقدم إليه ما يحضره ولا يزيد على عادته وبعد الثالث يُعَدُّ صَدَقةً مِنَ المُضيفِ على ضَيفِه.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ [معناه لا يكتمل إيمانه] “. قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ” الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» “. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ». رواه البيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية عنده: «ليس المسلم الذي يشبع ويجوع جاره».
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وروى البيهقي عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ قَالَ: «إِذَا طَبَخْتَ قِدْرًا فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، ثُمَّ انْظُرْ بَعْضَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَاغْتَرِفْ لَهُمْ مِنْهَا»)
الحديث (125): حديث شعب الإيمان
التاسع (وهو الحديث الخامس والعشرون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): وعَنْهُ عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «الإيمانُ (الإيمان شرعا معناه الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به بلا كيفٍ ولا مكان، فهذه عقيدةُ كلّ الأمّة الإسلاميةِ سلَفًا وخلفًا، وهي المرجع الذي تُعْرض عليه عقائدُ الناس، فمن خالفها أو كذبها لا يكونُ من المسلمينَ، وهي ميزان الحقِّ الذي يَكْشِفُ زيْفَ الباطلِ وزيغَهُ، فيجب على كل المكلفين الاعتقاد الجازم بصفات الله اللائقة به عز وجل وأن لا نعتقد ما يناقض هذه الصفات وهذه الصفات هي الثابتة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة وَهِيَ:
- الْوُجُودُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [سُورَةَ إِبْرَاهِيم/10] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ [وَهَذَا الْعَالَمُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وُجُودُ فِعْلٍ مَا بِدُونِ فَاعِلٍ].
- وَالْوَحْدَانِيَّةُ أَيْ أَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/22] أَيْ لَوْ كَانَ لَهُمَا أَيْ لِلسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ءَالِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا [حَرْفُ فِي قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ الآيَةَ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْمُفَسِّرُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ الْجَوْزِيِّ].
- وَالْقِدَمُ أَيْ أَنَّهُ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/3].
- وَالْبَقَاءُ أَيْ أَنَّهُ لا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ لا يَمُوتُ وَلا يَهْلِكُ وَلا يَتَغَيَّرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سُورَةَ الرَّحْمٰن/27] أَيْ ذَاتُهُ.
- وَالْقِيَامُ بِالنَّفْسِ أَيْ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فَالْعَالَمُ لا يَسْتَغْنِي عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/97].
- وَالْقُدْرَةُ فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ أَيْ كُلِّ مُمْكِنٍ عَقْلِيٍّ وَهُوَ مَا يَجُوزُ عَقْلًا وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، فَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ. وَاللَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/2].
- وَالإِرَادَةُأَيِ الْمَشِيئَةُ وَهِيَ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِيِّ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ التَّكْوِير/29].
- وَالْعِلْمُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ وَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ لِأَنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ يَعْلَمُ بِهِ سُبْحَانَهُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سُورَةَ الطَّلاق/12].
- وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ كَسَمْعِ غَيْرِهِ وَيَرَى بِرُؤْيَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].
- وَالْحَيَاةُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/255].
- وَالْكَلامُ أَيْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ وَاحِدٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/164]. [وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَزَالَ عَنْ سَمْعِ مُوسَى الْحِجَابَ الْمَعْنَوِيَّ الْمَانِعَ مِنْ سَمَاعِ كَلامِ اللَّهِ فَسَمِعَ مُوسَى كَلامَ اللَّهِ الذَّاتِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ فَسَمْعُ مُوسَى حَادِثٌ وَمَسْمُوعُهُ الَّذِي هُوَ كَلامُ اللَّهِ الذَّاتِيُّ لَيْسَ بِحَادِثٍ].
- وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ أَيْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ أَيْ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].
ولا بد بعد ذكر صفات الله تعالى من ذكر صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والاعتقاد بما يليق بهم ونَفْيُ ما يُنْقِصُ قدرَهم فإن هذا من الإيمان: وصفاتهم هي كما ذكر العلماء: الصدق والأمانة والفطانة والتبليغ، ويستحيل عليهم الكذب و الكفر بل والخيانة والرذالة والسفاهة والبلادة وسبق اللسان، وتجب لهم العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها، فلا يوجد نبي من أنبياء الله كذاب كلهم صادقون فيما جاؤوا به وبلغوه عن الله تعالى، فلا يوجد نبي كذب حتى ما يسمي بعض الناس الكذبة البيضاء، وأما كلام إبراهيم عليه السلام فهو صدق من حيث الحقيقة أي عندما قال «إني سقيم» أي مريض – وعندما قال عن زوجته «أختي» أي في الإسلام وقوله «بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون» أي إن كانوا ينطقون يكون الصنم الكبير فعله ولكن بما أن الأصنام لا تنطق فلا يكون الصنم الكبير فعله وإنما كان إسناد الفعل إليه إسنادا مجازيا.
عصمهم الله تعالى من الكفر والكبائر والصغائر التي فيها خسة ودناءة لأن هذا ينافي منصب النبوة، قال تعالى عن يوسف عليه السلام: (وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء».
ومن صفات الأنبياء الأمانة فلا يوجد نبي من أنبياء الله كان خائنا لأن الخيانة صفة نقص لا تليق بالإنسان العادي فكيف بالأنبياء.
وكان النبي محمد ﷺ يلقب قبل البعثة «بالصادق الأمين».
وتجب لهم الفطانة شدة الذكاء فأنبياء الله تعالى ذكاؤهم متوقد شديد. لأن الغباوة تنافي منصب النبوة.
ويجب لهم التبليغ أي أن أنبياء الله كلهم يبلغون ما أمرهم الله بتبليغه ولا يكتمون شيئا مما أمرهم الله بتبليغه. لأن كتمان ما أمروا بتبليغه خيانة والخيانة لا تجوز عليهم.
وكذلك حفظهم الله تعالى من سبق اللسان، وفي هذا حكمة عظيمة، فسبق اللسان هو أن يريد الإنسان أن يتكلم بكلام فيسبق لسانه فيتكلم بغيره، فلو لم يُحفظوا من سبق اللسان لقال ملحد: ما يدرينا أن النبي لم يسبق لسانه فقال خمس صلوات بدل ثلاث مثلا، وفي هذا هدم للدين فحفظ الله الأنبياء من هذا.
وكذلك حفظهم من الأمراض المنفرة فلم يخرج الدود من نبي الله أيوب عليه السلام.
يفهم من كل ما تقدم أن نبي الله داود لم يرسل قائد الجيش إلى أرض المعركة حتى يأخذ زوجته، ولم يجلس يوسف من امرأة العزيز مجلس الرجل من زوجته كما هو موجود في بعض الكتب، ولم يكن نبينا محمد ﷺ متعلق القلب بالنساء، فكل هذا غير صحيح، وقولهم إن محمدا جزء من الله أو أنه نور بمعنى جسم لطيف أو أنه أول خلق الله أو أن العالم خلق من نور محمد، فكل هذا لا يجوز وهو مصادم للنصوص الصريحة من القرآن والحديث)
بِضْعٌ وَسَبعُونَ (قال ابن الأثير: البِضْع فِي الْعَدَدِ بِالْكَسْرِ، مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التّسْع. وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ، لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ العَدد، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ بِضْع سِنين، وبِضْعَةَ عشَرَ رجُلا.اهـ
وَالْبُضْعُ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ أَبْضَاعٌ مِثْلُ: قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالْجِمَاعِ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّزْوِيجِ أَيْضًا كَالنِّكَاحِ يُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ وَالْجِمَاعِ)
أَوْ بِضعٌ وسِتُونَ شُعْبَةً (هذا الشك من الراوي وليس من النبي ﷺ، والمعنى: بِالضَّمِّ أَيْ قِطْعَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُصْلَةُ أَوِ الْجُزْءُ.
الشعبة هِيَ فِي الْأَصْلِ غُصْنُ الشَّجَرِ وَفَرْعُ كُلِّ أَصْلٍ، وَأُرِيدَ بِهَا هُنَا الْخَصْلَةُ الْحَمِيدَةُ أَيْ: الْإِيمَانُ ذُو خِصَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، وَفِي أُخْرَى: أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَيْ نَوْعًا مِنْ خِصَالِ الْكَمَالِ):
فَأفْضَلُهَا قَولُ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ (وهذه الشهادة هي أفضل الكلام كما جاء في الأحاديث، قال ابن الجوزي عن كلمة التوحيد: فَيَقُول الله تَعَالَى ضعوها فِي ميزَان عَبدِي فتوضع فِي مِيزَانه فتُميلُ الْمِيزَان بهَا وترجح على جَمِيع سيئاته فَعِنْدَ ذَلِك يفرح العَبْد فيأمر الله تبَارك وَتَعَالَى بِهِ إِلَى الْجنَّة، وقد قيل:
أَعدَدْتُ لله حِين أَلْقَاهُ … أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللهُ
أقولها للإله خَالِصَة … يرحمني فِي الْقِيَامَة اللهُ
لَعَلَّ يَوْم الْحساب أَنْج بهَا … يَوْم الْعقُوبَة يَوْمٌ زَاد بلواهُ
يَوْمٌ يفوز على الأشهاد قَائِلُهَا … ويخسر الجاحدون نعماهُ
فَهِيَ لدار الخلود قائدةً … وَمن عصى فالجحيم مَأْوَاهُ
من قَالَهَا للإله مخلصةً … فَهُوَ الَّذِي قد أَتَاهُ تقواهُ
وَهُوَ الَّذِي فِي الْخلد مَسْكَنه … الله قد خصّه فِيهَا وأرضاهُ
من كَانَ عِنْد الْمَمَات قَائِلَهَا … فَازَ بدنياه وأخراهُ
فَاللهَ اللهَ عباد الله ارغبوا إِلَى مولاكم أَن يثبتكم على الْكَلِمَة الْمُبَارَكَة الْخَفِيفَة فِي اللِّسَان الثَّقِيلَة فِي الْمِيزَان المزينة للديوان بهَا يرضى الْملك الرَّحْمَن وَبهَا يسْخط اللعين الشَّيْطَان وَبهَا ينجو العَبْد المذنب من النيرَان وَبهَا يصل العَبْد إِلَى نعيم الْخلد والأمان.اهـ