الحديث (143) · فمن رغب عن سنتي فليس مني

المقدمة

الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا، وَلم يكن لَهُ شريكٌ فِي الْملك، وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا، وَالْحَمْد لله الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا. ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك، وَله الْحَمد، وَهُوَ على كل شَيْء قدير، ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبدُه وَرَسُولُه البشيرُ النذير، الدَّاعِي إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ، السراج الْمُنِير، أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدَّين كُله، وَلَو كره الْمُشْركُونَ. وَالْحَمْد لله الَّذِي أعظم علينا الْمِنَّةَ بِالْإِسْلَامِ وَالسّنة، ووفقنا بفضله لِلِاتِّبَاعِ، وعصمنا برحمته من الابتداع. وَصلى الله على مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين، وَإِمَام الْمُتَّقِينَ، وَخَاتم النَّبِيين فِي كل سَاعَة ولحظة على دوَام الْأَبَد مَا لَا يدْخل تَحت الْعدَد، وَلَا يَنْقَطِع عَنهُ المدد، وعَلى إخوانه من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَالْمَلَائِكَة المقربين، وعَلى أَزوَاجه وَذريته، وَأَصْحَابه وعترته، وعَلى متبعي سنته، وَأهل إِجَابَة دَعوته بمنه وفضله وسَعة رَحمته. أما بعد: 

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِروا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا وَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَقدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ. قَالَ أحدُهُم: أمَّا أنا فَأُصَلِّي اللَّيلَ أبدًا. وَقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ أَبَدًا وَلا أُفْطِرُ. وَقالَ الآخر: وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أتَزَوَّجُ أبَدًا. فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فَقَالَ: «أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا واللهِ إنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

أما بعد: 

فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث الثاني من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الثالث والأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين

وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ (قال ابن حجر: وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَالرَّهْطُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَالنَّفَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَوَقَعَ فِي روايةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) إِلَى بُيُوتِ (جاء هؤلاء الصحابةُ إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ليعرفوا حالَ عبادته في بيته، وإنَّ من أعظم جوانبِ أخلاقه صلى الله عليه وسلم وأجلِّها أخلاقَهُ في بيته؛ ففي البيت تظهر عادة أخلاق المرء، ويمكن لأي إنسان عادة أن يتصنع ويتجمل بالأخلاق، والتعامل الطيب خارج البيت، فيتظاهر أمام الناس بأنه إنسان ملتزم، وصاحب كلمة طيبة، وتعامله طيب مع الناس، لكنه في بيته مختلف تمامًا؛ لذلك أحيانا يكون  الميزان  لأخلاق المسلم هو في بيته، وإذا أردت أن تعرف حقيقة إنسانٍ، فاسأل عن أخلاقه في بيته، وهؤلاء الصحابةُ لا يشكون في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لكن أرادوا أن يعرفوا حالَه في بيته عليه الصلاة والسلام ليقتدوا به، وهوَ النبيُّ الهادي إلَى الطريقِ المستقيمِ الذِي يرضاهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى، فَأَكْرِمْ بهِ مِنْ نبيٍّ وأَكْرِمْ بهِ مِنْ رسولٍ ﷺ، فَمَنِ اقتدَى بهديِهِ أفلَحَ ومَنْ زَاغَ عنْ طريقِهِ ضَلَّ وخَسِرَ الدنيَا والآخرةَ.

فهوَ ﷺ خيرُ مَنْ يُقْتَدَى بهِ فِي عبادَتِهِ وفِي دعائِهِ وفِي تعامُلِهِ مَعَ أصحابِهِ ومَعَ أولادِهِ وبناتِهِ وأزواجِهِ، فلَا أدبَ أفضلُ مِنْ أدبِهِ ولَا أخلاقَ أحسنُ مِنْ أخلاقِهِ ولَا سنةَ أعظَمُ مِنْ سنَّتِهِ، فَقَدْ كانَ شديدَ التواضعِ حسنَ الحالِ والمقالِ، نَعَمْ نَبِيُّنا ﷺ هُوَ سيدُ الأمةِ وإمامُ الأنبياءِ والمرسلينَ وقائدُ الغرِّ المحجَّلِينَ وصاحبُ الوسيلةِ والفضيلةِ كانَ يَحْلِبُ شاتَهُ بيَدِهِ ويَخْصِفُ [أي يصلح] نَعْلَهُ بيدِهِ ويَرْقَعُ ثَوْبَهُ ويَعْمَلُ فِي خدمةِ أهلِهِ، فقدْ سُئِلَتِ السيدةُ عائشَةُ رضيَ اللهُ عنهَا فيمَا رواهُ البخاريُّ: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ يَعْنِي: خِدْمَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)).

وهوَ القائلُ ﷺ فيمَا رواهُ الترمذيُّ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)) وهوَ القائلُ فيمَا رواهُ أحمدُ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ إِيْمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ))، وَكانَ ﷺ يُمازِحُ نساءَهُ ويُلاطِفُهُنَّ، ويُقَابِلُهُنَّ بوجْهٍ بَشُوْشٍ.

وروى أبو داودَ أنَّهُ كانَ يسابقُ السيدةَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا.

هذا هوَ حالُ الأنبياءِ فَهُمْ جامعونَ لأوصافِ الكمالِ مِنَ الرحمةِ وَلِينِ الجانِبِ والدُّؤُوبِ علَى السعيِ فِي مصالحِ النَّاسِ، ومِنَ الأخلاقِ التِي جاؤُوا بهَا وحثُّوا عليهَا حسنُ المعاشرةِ بينَ الزوجينِ وتأديَةُ الحقوقِ المناطةِ بالزوجِ والزوجةِ، وحسنُ المعاملةِ بينَهُمَا، فإنَّ العلاقةَ الزوجيةَ فِي الشريعةِ الإسلاميةِ جَعَلَهَا اللهُ عزَّ وجلَّ قائمةً علَى المودَّةِ والعطفِ والسَّكِيْنةِ والرحمةِ بينَ كلَا الزوجينِ ليتعاونَ الزوجانِ فِي الحياةِ الزوجيةِ فيمَا يُرضِي اللهَ تعالَى ورسولَهُ، يقولُ تعالَى فِي سورةِ الرومِ: ﴿وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقالَ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، أي آدمَ عليهِ السلامُ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أي أمَّنَا حواء. 

ومَا أجملَ العلاقةَ الزوجيةَ حينَمَا تكونُ محفوفَةً بمعرفةِ كلٍّ مِنَ الزوجينِ لحقوقِهِ وواجباتِهِ ويكونُ كلٌّ منهمَا عارفًا بمَا أوجَبَهُ اللهُ عليهِ فيلتزمَ أمرَ اللهِ عزَّ وجلَّ وهذَا لَا يحصلُ إلَّا بالعلمِ والعملِ ولذلكَ أَمَرَنَا ربُّنَا عزَّ وجلَّ أنْ نقيَ أنفسَنَا وأهلينَا مِنْ نارِ جهنَّمَ ويكونُ ذلكَ بِتَعَلُّمِ علمِ الدينِ وهذَا مِنَ الإحسانِ للزوجةِ والأولادِ، فقدْ قالَ تعالَى فِي سورةِ التحريمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فوقايةُ النفسِ والأهلِ مِنْ نارِ جهنّمَ تكونُ بتعلّمِ أمورِ الدينِ وتعليمِ الأهلِ ذلكَ، فإنَّ مَنْ لمْ يتعلمْ علمَ الدينِ يتخبّطُ فِي الجهلِ ولَا يَعرفُ الحلالَ والحرامَ فيقعُ فيمَا لَا يُرضي اللهَ تباركَ وتعالَى، وقدْ يقعُ فِي الكفرِ والعياذُ باللهِ فيَسخَطُ اللهُ عليهِ ويكونُ مآلُهُ فِي الآخرةِ إنْ ماتَ علَى الكفرِ أنْ يدخلَ النارَ خالدًا فيهَا لَا تلحقُهُ شفاعةُ شافعٍ وليسَ لهُ نصيرٌ ولَا يرحمُهُ اللهُ ومَا ذاكَ إلَّا لأنَّهُ أهملَ تعلُّمَ علمِ الدِّينِ مِنْ أهلِ المعرفةِ الصادقينَ.

وهناكَ ءادابٌ وأخلاقٌ حضَّتْ عليهَا الشريعةُ الإسلاميةُ فِي معاملةِ الأزواجِ حتَّى يدومَ حسنُ المعاشرةِ بينَ الزوجينِ، وتستقرَّ الحياةُ الزوجيةُ. ومِنْ هذهِ الآدابِ والأخلاقِ: مَا ذكرَ نبيُّنَا ﷺ حيثُ قالَ: ((أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى المرأةِ زَوْجُهُا)) ويقولُ أيضًا ﷺ: ((أَيُّمَا امرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الجَنَّةَ)). فالزوجةُ العاقلةُ الصالحةُ هيَ التِي تؤدي الواجباتِ وتجتنبُ المحرماتِ، فتراعي حقَّ اللهِ تباركَ وتعالَى وتراعي حقَّ زوجِهَا فلَا تُضَيّعُ حقوقَهُ، وهذَا الصنفُ قليلٌ بينَ النساءِ هذهِ الأيام، وحقُّ الزوجِ علَى زوجَتِهِ عظيمٌ عندَ اللهِ تباركَ وتعالَى، لذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ: ((لَوْ كُنْتُ ءامِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ (أيْ سجودَ تحيةٍ) لأَمَرْتُ المرْأَةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)). ويقولُ النبيُّ ﷺ: ((إِذَا صَلَّتِ المرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيْلَ لَهَا ادْخُلِي مِنْ أيِّ أَبْوَابِ الجنَّةِ شِئْت)) رواهُ أحمدُ. 

وينبغي أنْ لَا تتأففَ ولا تتسخطَ لضيقِ المعيشةِ أو ضعفِ الحالِ، ولَا تكثرَ الشكوى فتؤذيَهِ فِي كلامِهَا وتكسرَ قلبَهُ وخاطرَهُ، بلِ المطلوبُ منهَا شرعًا أنْ تُظْهِرَ لَهُ الرضَا والقناعةَ بالمقسومِ مِنَ الرزقِ، وتُقدِّرَ تعبَ زوجِهَا فِي تحصيلِ الرزقِ ولَا تطلبَ منهُ فوقَ الحاجةِ خشيةَ أنْ يقعَ فِي كسبِ الحرامِ، ورحمَ اللهُ تعالَى نساءَ السلفِ الصالِحِ حيثُ كانتِ الزوجةُ الصالحةُ إذَا خرجَ زوجُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ للكسبِ تقولُ لهُ: إيَّاكَ وكسبَ الحرامِ فإنَّا نصبرُ علَى الجوعِ والضُّرِ ولَا نصبرُ علَى النارِ. 

وهنا أنبه إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يَذُمَّ الشّىءَ الذِي اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ. مثلُ أَنْ تُحْسِنَ الزّوجَةُ إِلَى زَوْجِها فهوَ شىءٌ حَسَنٌ، وأَنْ تَصْبِرَ عَلَى أَذاهُ إِنْ كانَ يُؤْذِيهَا فَشىءٌ حَسَنٌ، أَنْ تَعْمَلَ مَعَهُ مَعْروفًا، كأَنْ تطبخَ لَهُ وَتُهيّئ لَهُ ثيابَهُ وَتَهتَمَ لِراحَتِهِ، هذهِ الأُمورُ الحَسَنَةُ، لا يَجُوزُ لَا للزوْجِ وَلَا للزوْجَةِ أَنْ يَذُمَّهَا. وَأَحيانًا يُحْسِنُ الزوجُ إِلَى زَوْجَتِهِ بِأَنْواعٍ مِنَ الإِحْساناتِ الكَثِيرَة ثُمَّ لِسَببٍ ما تَحْصُلُ خُصُومَةٌ بَسيطَةٌ بيْنَهُما فَتَغْضَبُ الزوجَةُ أَحْيانًا غَضَبًا عَظِيمًا وَتَذُمُّ إِحْسانَها إِلَيْه، وهذا تكذيبٌ للشرعِ والعياذُ باللهِ فقدْ جاءَ الشرعُ بمدحِ الإحسانِ للزوجِ وللزوجةِ وَمَا كانَ حسنًا فِي دينِ اللهِ نحكمُ عليهِ بالحسنِ ولَا نذمُّهُ)

 أزْوَاجِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ( كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التي مات عنهن وليات صالحات لا يجوز سبهن، عدّدَ ﷺ الزوجات لحكم دينية لأنه ﷺ جمع بين القبائل التي صاهرها وألّف بينهم وصاروا متعاونين ويدًا واحدة لخدمة الإسلام والدّعوة بعد أن كانوا متمزقين متفرقين متحاربين، وعلّم ﷺ زوجاته وهُنَّ علَّمن نساء قبائلهنّ ونساء المسلمين، فانتشر العلم عن طريقهنّ بين النّساء، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حُبِبَّ إِليَّ من الدُنيا النساء والطّيبُ وجُعِلَ قُرّةُ عَيني في الصَّلاة» رواه الحاكم والنّسائي، فمعناه جُعِلَ فيَّ الميل الطبيعي لزوجاتي من غيرِ تعلُّقِ قلبٍ وتَتَبُّعٍ لذلك، وكذلك في أمر الطّيب، وأمّا من اتّهمه بأنه كان متعلّق القلب بالنّساء متتبعًا لشهواته فهو كافرٌ، وأما قوله عليه السلام: «وجُعل قُرةُ عيني في الصَّلاة» فمعناه غاية فرحي وأنسي وسروري في صلاتي لربّي، فهو ﷺ متعلّق القلب بمحبة الله وعبادته وطاعته.

واعلم أن زوجاتِه اللواتي توفي عنهنّ وخديجة التي توفيت قبله مبشراتٌ بالجنة. وقد تزوج خديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة ولها من العمر أربعون سنة، وهي أول امرأة ءامنت به وصدقته وصبرت معه في أول الدعوة، وجميع أولاده منها غيرَ إبراهيم، وماتت خديجة رضي الله عنها قبل الهجرة، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وكان صار له من العمر خمسون سنة. وبعد وفاة خديحة تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة العامرية وكان زوجها مسلمًا هاجرت معه إلى الحبشة ثم مات عنها فتزوجها رسول الله ﷺ وكبرت في السن فسألت رسول الله أن يدعها في نسائه لتبقى معه في الدنيا والآخرة وقد توفيت بالمدينة رضوان الله عليها. ثم تزوج ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصّديق رضي الله عنهما، ولم يتزوج بكرًا غيرها وكان لها من العمر تسع سنوات وهذا ليس فيه عيب عند العرب إذ كان معروفًا عندهم التزويج المبكر وكان عليه الصلاة والسلام يقول «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»، متّفق عليه. ثم تزوج عقب غزوة بدر حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشيّة رضي الله عنها وعن أبيها، وكانت صوّامة قوّامة ماتت في خلافة سيّدنا عثمان رضي الله عنه. ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث رضي الله عنها. ثم تزوج أم سلمة واسمها هند بنت أميّة رضي الله عنها. ثم تزوج زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. ثم تزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث رضي الله عنها. ثم تزوج أم حبيبة رضي الله عنها واسمها رملة بنت أبي سفيان. ثم تزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حييّ بن أخطب رضي الله عنها. ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وهي خالة عبد الله بن عباس، وهي ءاخر من تزوج رسول الله ﷺ) يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (أي عن عبادته عليه الصلاة والسلام في السر في بيته وليس فقط أمام الناس في المسجد، وهذا السؤال حتى يتعلموا منه ويقتدوا به عليه الصلاة والسلام) فَلَمَّا أُخْبِروا (أي أخبرتهم زوجاته عليه الصلاة والسلام بحال عبادته في بيته) كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا (بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيِ اسْتَقَلُّوهَا، وَأَصْلُ تَقَالُّوهَا تَقَالَلُوهَا أَيْ رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ، وكانوا يظنون أن العبادة التي سيعلموها للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من هذا القدر الذي عرفوه) وَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (السؤال بأين عن المكانة شىء معروف عند العرب، معنى كلامهم رضي الله عنهم: أين مكانتنا من مكانة النبي صلى الله عليه وسلم فهو صاحب أعلى رتبة بين الخلق عليه الصلاة والسلام.

في لسان العرب يقول المكان والمكانة واحد.

فاسْتِعْمَالَ الْمَكَانِ بِمَعْنَى الْمَكَانَةِ شَائِعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا إِدْرِيسَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلامُ فِى سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ أَىْ خَصَصْنَاهُ بِمَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ فَيَصِحُّ لِذَلِكَ السُّؤَالُ بِأَيْنَ عَنِ الْمَحَلِّ الْحِسِّىِّ وَالْمَحَلِّ الْمَعْنَوِىِّ وَعَنِ الْحَيِّزِ وَعَنِ الْمَكَانَةِ.

 قال تعالى ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال أبو حيان ومعنى شرٌّ مكانًا أىْ منزلةً اهـ أىْ عند الله بما صنعتُمْ مِن ظلمِ أَخِيكُمْ وعقوقِ أبيكُمْ وسَرِقَتِكُمْ أخَاكُمْ مِنْ أبيكُمْ. 

وقال تعالى ﴿وَأَصبَحَ الذِينَ تَمَنَّوا مَكَانَهُ بِالأَمسِ﴾ قال أبو حيان ومكانه منزلته فِى الدنيا من الثروة والحشم والأتباع.اهـ 

وقال تعالى ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ قال أبو حيان هِىَ المكان.اهـ 

وقال ابن جزِيّ (على مكانتهم) المكانة المكان والمعنَى لو نشاء لمسخناهم مسخًا يقعدهم فِى مكانهم.اهـ 

فالمكانُ والمكانةُ يُستعملُ كلٌّ منهما بمعنَى الآخرِ فِى الموضعِ الحِسِّىِّ وفِي المرتبةِ المعنوية.

العرب يستعملون هذا بمعنى هذا وهذا بمعنى هذا.

وفي نفس هذا المعنى الذي يُذكر يُحمل حديث الجارية كما قال الحفاظ وهذا الحديث رواه الإمام مسلم، وفيه أن النبي سأل هذه الجارية فقال لها: أين الله؟ [معناه أين مكانة الله عندك في التعظيم]، فقالت في السماء [معناه عالي القدر جدا وليس أنه منحصر في السماء والعياذ بالله].

وهذا الحديث له قصة لو فهمها الواحد لزال الإشكال، لكن المجسمة يذكرون جزء واحدا منه ليلبسوا على العوام وينشروا التجسيم والتشبيه وعقيدة اليهود بين الناس والعياذ بالله، حتى يوهموا الناس انحصارَ الله في السماء وهذا لا يصح ولا يجوز والعياذ بالله.

روى الإمام مسلم في بابٍ سماه ‌‌بَابَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ ولم يروه مسلم في كتاب التوحيد.

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ [وكان حديث الإسلام وقتها]، قَالَ: « بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ [وهم في الصلاة] فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ [قال له ذلك وهو في الصلاة]، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، سَكَتُّ [إلى هذا القدر كان في الجماعة وشهده الناس ولذلك وضعه مسلم في صحيحه].

فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. [من بعد هذا الجزء جرى هذا الحوار بين معاوية بن الحكم والنبي صلى الله عليه وسلم وهو الجزء الذي تكلم فيه الحفاظ] قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ [أي أسلمتُ حديثا]، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ! قَالَ: فَلَا تَأْتِهِمْ.. قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً [أَيْ لَطَمْتُهَا]، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: ائْتِنِي بِهَا. فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: أَعْتِقْهَا ‌فَإِنَّهَا ‌مُؤْمِنَةٌ».

فهذه الرواية لَيْسَت بصَالِحٍةٍ لِلِاحْتِجَاجِ بِها فِى الْعَقِيدَةِ لِأَنَّهُ لا بُدَّ لِلِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ فِى أُمُورِ الِاعْتِقَادِ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا لِأَنَّ الْعَقَائِدَ تُبْنَى عَلَى الْقَطْعِيَّاتِ لا عَلَى الظَّنِّيَّاتِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ.

وَعِنْدَ الْبَقِيَّةِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ثَابِتًا بِلا خِلافٍ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَلِأَنَّ فِي لَفظِ: «أَينَ اللهُ» هِلَالُ بنُ أَبِي مَيمُونَةَ وَهُوَ عِندَ أَبِي حَاتِمٍ شَيخٌ أَي أَنَّهُ لَا يُحتَجُّ بِحَدِيثِهِ.

ولِلِاضْطِرَابِ الذي فيه عَلَى فَرْضِ تَسَاوِي رِوَايَاتِهِ فِى الْقُوَّةِ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِلَفْظِ مَنْ رَبُّكِ فَقَالَتِ اللهُ وَبِلَفْظِ أَيْنَ اللهُ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَبِلَفْظِ أَتَشْهَدِينَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ قَالَتْ نَعَمْ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلامُ الْبَيْهَقِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

وَقَد نَفَى البَيهَقِيُّ وُجُودَهُ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَصَرَّحَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ وَالبَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَفِي سُنَنِهِ الكُبرَى وَالبَزَّارُ أَنَّ الرُّوَاةَ اختَلَفُوا فِي لَفظِهِ وَهَذَا هُوَ الِاضطِرَابُ وَالِاضطِرَابُ مُوجِبٌ لِضَعفِ الحَدِيثِ. 

وكذلك رِوَايَةَ أَيْنَ اللهُ مُخَالِفَةٌ لِلأُصُولِ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الشَّخْصَ لا يُحْكَمُ لَهُ بِقَوْلِ اللهُ فِي السَّمَاءِ بِالإِسْلامِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا الأَصْلُ الْمَعْرُوفُ فِى شَرِيعَةِ اللهِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي نَصَّ عَلَى تَوَاتُرِهِ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ وَغَيْرُهُ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَدِيثَ الآحَادِ إِذَا خَالَفَ الأُصُولَ الْقَطْعِيَّةَ يُرَدُّ وَلا يُقْبَلُ فَهُنَا كَذَلِكَ فَتَكُونُ رِوَايَةُ أَيْنَ اللهُ شَاذَّةً مُخَالِفَةً لِلأُصُولِ فَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا.

فَهَذَا الْحَدِيثُ إِذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَاطِلٌ لِمُعَارَضَتِهِ الْحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ الْمَذْكُورَ وَالْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ لِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَا خَالَفَ الْمُتَوَاتِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِنْ لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَدِّثُونَ وَالأُصُولِيُّونَ، فَحَدِيثُ الْجَارِيَةِ مَهْمَا قِيلَ فِى تَصْحِيحِهِ أَوْ تَضْعِيفِهِ هُوَ حَدِيثُ ءَاحَادٍ أَىْ هُوَ ظَنِيُّ الثُّبُوتِ لا قَطْعِيُّهُ وَمَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ لا يُؤْخَذُ بِهِ وَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إِذَا عَارَضَ الثَّابِتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْخَطِيبُ فِى الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَّقِهِ وَالنَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْوَرَقَاتِ وَغَيْرُهُمْ لَكِنْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوَّلُوهُ أَيْ أَوَّلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ تَعَارُضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ.

وَأَخْذًا بِالِاعْتِبَارِ لِتَأْوِيلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا مَعْنَى أَيْنَ اللهُ سُؤَالٌ عَنْ تَعْظِيمِهَا للهِ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهَا مَاذَا تَعْتَقِدِينَ فِي اللهِ مِنَ الْمَكَانَةِ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَيْنَ يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانَةِ كَمَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ كَما قلنا.

 أَمَّا أَخْذُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ اللهَ سَاكِنٌ السَّمَاءَ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْمُوهِمَ لِلتَّحَيُّزِ وَالتَّجْسِيمِ ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ مَنْ تَبِعَ ظَاهِرَهُ الْمَذْكُورَ وَاعْتَقَدَهُ لَزِمَهُ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ يُحْكَمُ لَهُ بِالإِيمَانِ وَهَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا النَّصْرَانِيُّ وَيَقُولُهَا الْيَهُودِيُّ بَلْ قَالَ مِثْلَهَا فِرْعَوْنُ وَلَمْ يُحْكَمْ لِأَيٍّ مِنْهُمْ بِصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فِي اللهِ بِذَلِكَ.

وَحَمَلَ الْمُشَبِّهَةُ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهَا فَضَلُّوا وَوَقَعُوا فِي التَّنَاقُضِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا نَحْنُ لا نُأَوِّلُ بَلْ نَحْمِلُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِى الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَحَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا ثُمَّ تَنَبَّهُوا أَنَّهُمْ إِذَا حَمَلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ ذَلِكَ إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِأَنَّ السَّمَاءَ ظَرْفٌ للهِ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِيهَا فَيَتَنَاقَضُ ذَلِكَ مَعَ مَا زَعَمُوهُ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ فَقَالُوا نَحْمِلُ عِبَارَةَ فِي السَّمَاءِ عَلَى مَعْنَى عَلَى السَّمَاءِ أَيْ فَوْقَهَا فَأَوَّلُوا الْكَلامَ وَأَخْرَجُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْنَا ذَلِكَ فَتَنَاقَضُوا وَظَهَرَ تَحَكُّمُهُمْ وَكَانَ تَأْوِيلُهُمْ مُخَالِفًا لِمُحْكَمِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ فَبَطَلَ وَكَانَ تَأْوِيلُ مَنْ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُوَافِقًا لِمُحْكَمِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ وَلا حَرَجٌ)

وَقدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ (قال الإمام الشافعي في كتاب “أحكام القرآن”: أَنْزَلَ الله تعالى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: أَنْ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ يَعْنِي وَاَللهُ أَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ) (ومثل هذا ونحوه من الأحاديث والآيات استدل بها العلماء الذين قالوا بجواز المعصية الصغيرة التي ليس فيها خسة ودناءة نفس على الأنبياء، فإن لعلماء أهل السنة قولين في جواز صدور المعصية الصغيرة التي لا خسة فيها ولا دناءة من الأنبياء وقد ذهب إلى تجويز ذلك الإمام الأشعري والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما وبين العلماء أن فعل ذنب أو اثنين من الصغائر التي لا دناءة فيها لا يسقط العدالة ولا ينافي الاتصاف بالأمانة ولا يسقط الشخص من أعين الناس لا سيما مع التوبة والإسراع بالإنابة، وهذا إجماع بلا خلاف أنه لا يسقط العدالة، ومما اختلف فيه المفسرون قول الله تعالى: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات))، فقال بعضهم ليس المراد بالذنب هنا المعصية التي فيها إثم وذهب آخرون إلى أن الذنب فيها هو صغيرة من الصغائر وهو ظاهر ما ذهب إليه الإمام الطبري فقال: وَسَلْهُ غُفْرَانَ ذَنبِكَ وَعَفْوَهُ لَكَ عَنْهُ.. وظاهر الذنب عند الإطلاق المعصية كما لا يخفى.

وقال النووي في شرح صحيح مُسلم: وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ التَّحقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِن أَئِمَّتنَا إِلَى عِصمَتِهِم مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصمَتِهِم مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَن مُوَاقَعَتِهَا وَعَن مُخَالَفَةِ اللهِ تَعَالَى عَمدًا.

وقال الفيروزأبادي: والعِصْيَان: خلاف الطَّاعة.

 قَالَ أحدُهُم: أمَّا أنا فَأُصَلِّي اللَّيلَ أبدًا (أي أقوم كل الليالي في العام). وَقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ أَبَدًا وَلا أُفْطِرُ (أي أصوم كل الأيام نفلا إلا ما يحرم صيامه). وَقالَ الآخر: وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أتَزَوَّجُ أبَدًا (لا ألتفت إلى شهوة النساء ولو بما أحله الله لي).

فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فَقَالَ: «أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا واللهِ (بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ) إنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ (النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشية لله عز وجل فهو أعلمهم بالله تعالى ولذلك كان أشدَّهم له خشية، وهذا ما أمره الله به فقد أمره بالتمكن بعلم التوحيد، قال تعالى: ﴿فَاعلَم أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾، فقول الله تعالى لسيدنا رسول الله ﷺ فاعلم يا محمد وإن كان الخطاب لسيدنا محمد ولكن أمته تدخل في هذا أنه لا إله إلا الله أي كما قال أهل العلم لا معبود بحق إلا الله لا أحد يستحق العبادة إلا الله لا أحد يستحق أن نتذلل له غاية التذلل إلا الله تبارك وتعالى.

وقال بعض العلماء: لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله الله تعالى خلقنا وخلق أعمالنا الاختيارية وأعمالنا الغير اختيارية الله تعالى خالق كل شيء لا إله إلا الله. وهذه الآية دليل على أولوية علم التوحيد ووجوب تعلمه وتعليمه.

فليعلم أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَهَمِّ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَءَاكَدِ الْعِبَادَاتِ، فَكَيْفَ بِهِ إِذْ كَانَ أَشْرَفَ العُلُوْمِ مِن كُلِّ الجِهَاتِ، عِلْمَ العَقِيدَةِ وَتَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ عِلْمٌ أَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، وَشَمَّرَ فِي إِدْرَاكِهِ وَالتَّمَكُّنِ فِيهِ أَصْحَابُ الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّاتِ، وَبَادَرَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ الْمُسَارِعُونَ إِلَى الْمَكْرُمَاتِ، وَسَارَعَ إِلَى التَّحَلِّي بِهِ مُسْتَبِقُو الْخَيْرَاتِ، وَقَدْ تَظَاهَرَ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ جُمَلٌ مِنْ ءَايَاتِ الْقُرْءَانِ الْكَرِيمَاتِ، وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمَشْهُورَاتِ، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَى الْإِطْنَابِ بِذِكْرِهَا هُنَا لِكَوْنِهَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ الْجَلِيَّاتِ، ثَبَّتَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم عَلَى التَّوْحِيْدِ إِلَى الْمَمَاتِ، ءامِينَ. وقد استدل الفقهاء بهذه الآية: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ]، عَلَى وُجُوْبِ تَعَلُّمِ عِلْمِ التَّوْحِيْدِ الى القَدْرِ الَّذِي تَحْصُلُ لِلشَّخْصِ الْمَعْرِفَةُ الوَاجِبَةِ بِاللهِ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الجُوَيْنِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَلَا يَعْلَمُ اللهَ عَلَى الحَقِيْقَةِ إِلَّا الله، وَمَا مَبْلَغُ مَعْرِفَتِنَا بِاللهِ إِلَّا أَنَّهُ خَالِقٌ مَوْجُوْدٌ بِلَا تَشْبِيْهٍ وَلَا تَكْيِيْفٍ.

وَأَتْقَاكُمْ لَهُ (فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَغْفُورَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ فِي الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يُبَالِغُ كما يبالغون مع ذلك هو أَخْشَى للهِ وَأَتْقَى مِنَ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَدِّدَ لَا يَأْمَنُ مِنَ الْمَلَلِ بِخِلَافِ الْمُقْتَصِدِ فَإِنَّهُ أَمْكَنُ لِاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْرُ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: الْمُنْبَتُّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى)

 لَكِنِّي (اسْتِدْرَاكٌ) أصُومُ وَأُفْطِرُ (أي أصوم النفل وأفطر)، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ (أي أكثر من قيام الليل وأنام في بعض الأحيان)، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ (وهو عليه الصلاة والسلام عدَّد في زواجه النساء لحكم دينية ومصلحة شرعية وليس لأنه معلق القلب بالنساء بل هو معلق القلب بطاعة ربه، وكان غرَضُه ﷺ نَشرَ أحكامِ الشّريعَةِ مِن طَرِيقِ النِّسَاءِ، لأنَّ تعَلُّم النِّساءِ مِن النِّساءِ أسرَعُ للنِّساءِ وأقرَبُ إلَى نُفوسِهِنَّ، لأنَّهُ قَد يَمنَعُهُنَّ الاستِحياءُ مِن تعَلُّمِ أُمورِ الدِّينِ مِنَ الرِّجال).

فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (قال ابن حجر: الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ لَا الَّتِي تُقَابِلُ الْفَرْضَ، وَالرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَطَرِيقَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَيُفْطِرُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنَامُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَامِ وَيَتَزَوَّجُ لِكَسْرِ الشَّهْوَةِ وَإِعْفَافِ النَّفْسِ. وَتَكْثِيرِ النَّسْلِ.

وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَتِ الرَّغْبَةُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ يُعْذَرُ صَاحِبُهُ فِيهِ فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْمِلَّةِ وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اعْتِقَادِ أَرْجَحِيَّةِ عَمَلِهِ، فَمَعْنَى: فَلَيْسَ مِنِّي: لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي، لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْكُفْرِ)

(ونحن لا ننكر أنَّ لِلنَّوَافِلِ سِرًّا عَظِيمًا فِي صَلَاحِ القَلبِ وَصَلَاحِ الحَالِ، فَمُوَافَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا مَنزِلَةٌ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ ﷺ، قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: رُوِيَ عَن بَعضِهِم أَنَّهُ مَا أَكَلَ البِطِّيخَ، فَسُئِلَ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَم يَبلُغنِي كَيفَ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا آكُلُهُ حَتَّى أَعرِفَ كَيفَ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَآكُلَهُ مِثلَهُ، وَهَذَا مِن شِدَّةِ تَتَبُّعِهِ لِأَقوَالِ وَأَفعَالِ وَأَحوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يَفعَلُ شَيئًا إِلَّا وَيَتَحَرَّى أَن يُوَافِقَ السُّنَّةَ فِيهِ، فَإِن لَم يَرِد أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ لَا يَفعَلُهُ، وَهَذَا فَضلٌ عَظِيمٌ وَمَنزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَلَيْسَ فِعْلُهُ هَذَا مِنْ بَابِ الْوُجُوْبِ بَلْ كَمَا قُلْنَا مِنْ شِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَرُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ المُتَابَعَةِ لِفِعلِ وَقَولِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّةً كَانَ يَمشِي فِي قَافِلَةٍ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، فَوَقَفَ فَجأَةً دُونَ أَيِّ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ وَأَجلَسَ بَعِيرَهُ، ثُمَّ قَامَ فَأَكمَلَ سَيرَهُ فِي القَافِلَةِ، فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا شَيءَ، إِلَّا أَنَّنِي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي هَذَا المَكَانِ فَفَعَلتُ مِثلَهُ.اهـ

فَالمُوَافَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِنَهجِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ تَعَالَىْ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى الشَّخصِ بِتَركِ النَّوَافِلِ الحَدِيثُ المَرفُوعُ حَدِيثُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأسِ (هُوَ ضِمَامُ بنُ ثَعلَبَةَ) جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرَائِضَ وَشَرَائِعَ الإِسلامِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا وَلَا أَنقُصُ مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيئًا، فَقَالَ ﷺ: “أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَقَولُهُ ﷺ: “أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ”، أَي فِيمَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لا يَفعَلُ شَيئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَلا يَترُكُ شَيئًا مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ، مِن أَدَاءِ الوَاجِبِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَّمَهُ مَا هُوَ فَرضٌ وَمَا هُوَ حَرَامٌ. وَإِذَا عُلِمَ هَذَا ظَهَرَ بُطلانُ مَا شَاعَ عِندَ بَعضِ العَوَامِّ مِن قَولِ بَعضِهِم: إِنَّ الرَّسُولَ قَالَ: مَن لَم يُصلِّ سُنَّتِي فَلَيسَ مِن أُمَّتِي، وَقَولِ بَعضِهِم: إِنَّهُ قَالَ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ عَلَى وَجهِهِ قِطعَةُ لَحمٍ، وَقَولِ بَعضِهِم، إِنَّهُ قَالَ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي لَم تَنَلهُ شَفَاعَتِي، يُرِيدُونَ بِهِ النَّوَافِلَ، فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَضَلالٌ، وَلا يَنفَعُهُم قَصدُهُم بِذَلِكَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ، وَقَد قَالَ ﷺ: “إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ: “سِتَّةٌ لَعَنتُهُم وَلَعَنَهُمُ اللهُ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ”، ثُمَّ ذَكَرَ مِنهُم: “وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي”، فَمَعنَاهُ مَن خَالَفَ الصَّحَابَةَ وَخَرَجَ عَنهُم فِي المُعتَقَدِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ كُلَّ مَن لَم يَفعَل مَا كَانَ الرَّسُولُ يَفعَلُهُ مِنَ النَّوَافِلِ يَكُونُ مَلعُونًا، بَل مَن خَرَجَ فِي الِاعتِقَادِ عَن مُعتَقَدِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَي طَرِيقَتُهُ، فَهَذَا عَرَّضَ نَفسَهُ لِتِلكَ اللَّعنَةِ الكَبِيرَة)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

أسئلة فقهية:

حكم من بدأ في قضاء الفائتة وتبين له ضيق الوقت عن الحاضرة

شخص شرع في قضاء الصلاة الفائتة وهو يظن اتساع الوقت للحاضرة ثم تبين له ضيق الوقت عن الحاضرة وجب عليه قطع الفائتة والشروع في الحاضرة، أما إن شرع في الحاضرة ثم تذكر الفائتة لا يجوز له أن يقطع الحاضرة ولو كان الوقت واسعا.

مثال للتوضيح:

إذا كان الشخص يصلي صلاة العصر التي فاتته، معتقدًا أن هناك وقتًا كافيًا لصلاة المغرب. ثم خلال أداء صلاة العصر، أدرك أن وقت المغرب قد قارب على الانتهاء، فيجب عليه أن يقطع صلاة العصر ويبدأ في صلاة المغرب. أما إذا كان يصلي صلاة المغرب ثم تذكر أنه لم يصلِّ العصر، فيجب عليه أن يكمل صلاة المغرب، ثم يصلي العصر بعد ذلك.

هل يجب عليَّ قضاء الصلوات التي فاتتني بسبب النوم والنسيان مثلا؟

الجواب: قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.

قَالَ الامام الشيرازي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ‏مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “‏مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا“.