المقدمة
الحمدُ للهِ مُعطِي الجزيلَ لِمَنْ أطَاعَهُ ورَجَاهُ، وَشَدِيدِ العِقَابِ لِمَن أَعرَضَ عَن ذِكْرِهِ وَعَصَاهُ، اجْتَبَى مَن شَاءَ بِفَضلِهِ فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَأَبْعَدَ مَنْ شَاءَ بِعَدْلِه فَوَلَّاهُ مَا تَوَلَّاهُ، أَنْزَلَ القُرءَانَ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ وَمَنَارًا لِلسَّالِكِينَ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَالَ مُنَاهُ، وَمَنْ تَعَدَّى حُدُودَهُ وَأَضَاعَ حُقُوقَهُ خَسِرَ دِينَهُ وَدُنيَاهُ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنَ الإِحسَانِ وَأَعطَاهُ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنيَوِيَّةِ وَمَا أَجْدَرَ الشَّاكِرَ بِالمَزِيدِ وَأَوْلَاهُ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَامِلُ فِي صِفَاتِهِ المُتَعَالِي عَنِ النُّظَرَاءِ وَالأَشْبَاهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي اختَارَهُ عَلَى البَشَرِ وَاصْطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحسَانٍ مَا انْشَقَّ الصُّبحُ وَأَشْرَقَ ضِيَاهُ. أَمَّا بَعدُ:
فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث السادس من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث السابع والأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: قال الحافظ النووي رحمه الله:
الحديث
وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا (دُرَّةٌ جليلةٌ مِنْ دُرَرِ النِّسَاءِ وَعَظِيمَةٌ مِنْ عُظَمَاءِ وَزَوجَاتِ أَفضَلِ الخَلقِ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنهَا، لَو أَرَدتُ بَسطَ الكَلَامِ فِي سِيرَتِهَا لَضَاقَ المَجلِسُ لَكِنَّنِي أَتَبَرَّكُ بِذِكرِهَا وَأَزدَلِفُ بِذَلِكَ نَظرَةً مِنْ قَلبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِذِكرِ شَيءٍ قَلِيلٍ مِنْ فَضَائِلِ زَوجَتِهِ وَحَبِيبَتِهِ أُمِّنَا الطَّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ فَأَقُولُ: هِيَ عَائِشَةُ زَوْجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، الْعَتِيقَةُ بِنْتُ الْعَتِيقِ، حَبِيبَةُ الْحَبِيبِ وَأَلِيفَةُ الْقَرِيبِ، سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنَ الْعُيوبِ، الْمُعَرَّاةُ مِنَ ارْتِيَابِ الْقُلُوبِ لِرُؤْيَتِهَا جِبْرِيلَ رَسُولَ عَلَّامِ الْغُيوبِ، عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، كَانَتْ لِلدُّنْيَا قَالِيَةً، وَعَنْ سُرُورِهَا لَاهِيَةً، وَعَلَى فَقْدِ أَلِيفِهَا وَحَبِيبِهَا وَزَوجِهَا بَاكِيَةً،
كَانَ تِلمِيذُهَا التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ مَسرُوقٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْهَا قَالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللهِ. الْمُبَرَّأَةُ فِي كِتَابِ اللهِ»،
وروي عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قالَ: سَمِعَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الصَّرْخَةَ عَلَى عَائِشَةَ وَقتَ مَوتِهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَأَرْسَلَتْ جَارِيَتَهَا وَقَالَت لَهَا انْظُرِي مَا صَنَعَتْ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: قَدْ قَضَتْ أَي تُوُفِّيَتْ فَقَالَتْ: «يَرْحَمُهَا اللهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا أَباهَا»،
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: كَيْفَ حُبُّكَ لِي؟ قَالَ: «كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ» فَكُنْتُ أَقُولُ: كَيْفَ الْعُقْدَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: «هِيَ عَلَى حَالِهَا»،
وَرُوِيَ عَنْ عَرِيبِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: وَقَعَ رَجُلٌ فِي عَائِشَةَ أَي طَعَنَ بِهَا فَقَالَ عَمَّارٌ: «اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتَقَعُ فِي حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّهَا لَزَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ»،
عَن ابنِ أَبِي مُلَيكَةَ أَنَّ ذَكوَانَ أَبَا عَمرٍو حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَستَأذِنُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ فِي المَوتِ، قَالَ: فَجِئتُ وَعِندَ رَأسِهَا عَبدُ اللهِ ابنُ أَخِيهَا عَبدِ الرَّحمَنِ، فَقُلتُ: هَذَا ابنُ عَبَّاسٍ يَستَأذِنُ وَهُوَ مِن صَالِحِي بَنِيكِ يُوَدِّعُكِ وَيُسَلِّمُ عَلَيكِ، قالت: فَائذَن لَهُ إِن شِئتَ، قَالَ: فَجَاءَ ابنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ: أَبشِرِي، فَوَاللهِ مَا بَينَكِ وَبَينَ أَن تُفَارِقِي كُلَّ نَصَبٍ وَتَلقَي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالأَحِبَّةَ إِلَّا أَن تُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ، وَلَقَد كُنتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – يَعنِي: إِلَيهِ – وَلَم يَكُن يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، سَقَطَت قِلَادَتُكِ لَيلَةَ الأَبوَاءِ، وَأَصبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيَلقِطَهَا، فَأَصبَحَ النَّاسُ لَيسَ مَعَهُم مَاءٌ، فَأَنزَلَ اللهُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَكَانَ ذَلِكَ مِن سَبَبِكِ، وَمَا أَنزَلَ اللهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرُّخصَةِ، ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَكِ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ، فَأَصبَحَ لَيسَ مَسجِدٌ مِن مَسَاجِدَ يُذكَرُ فِيهَا اللهُ إِلَّا بَرَاءَتُكِ تُتلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، قَالَت: دَعنِي عَنكَ يَا ابنَ عَبَّاسٍ، فَوَاللهِ لَوَدِدتُ أَنِّي كُنتُ نَسيًا مَنسِيًّا.
وقال أَبُو سَلَمَةَ، إِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ» قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. اهـ
في صحيح مسلم: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ:
أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي. فَأَذِنَ لَهَا. فَتَكَلَّمَت عَمَا أَرسَلنَهَا فِيهِ. وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “أَيْ بُنَيَّةُ! أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ” فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ “فَأَحِبِّي هَذِهِ”.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ وَكَانَتْ تَزُورُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: بُعِثَ إِلَيْهَا بِمَالٍ قَالَتْ: أُرَاهُ ثَمَانِينَ أَوْ مِائَةَ أَلْفٍ فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صَائِمَةٌ فَجَلَسَتْ تَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ: «يَا جَارِيَةُ هَلُمِّي فِطْرِي [أَي أَعطِينِي شَيئًا أُفطِرُ عَلَيهِ]» فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ ذَرَّةَ: أَمَا اسْتَطَعْتِ مِمَّا قَسَمْتِ الْيَوْمَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَنَا لَحْمًا بِدِرْهَمٍ نُفْطِرُ عَلَيْهِ قَالَتْ: «لَا تُعَنِّفِينِي لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ».
وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقْسِمُ سَبْعِينَ أَلْفًا وَإِنَّهَا لَتَرْقَعُ جَيْبَ دِرْعِهَا».
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَائِشَةَ: “تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ: {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: ٢٧] ” فَتَقُولُ: «مِنَّ عَلَيَّ وَقِنِي عَذَابَ السَّمُومِ».
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِالْقُرْآنِ وَلَا بِفَرِيضَةٍ وَلَا بِحَلَالٍ وَلَا بِحَرَامٍ وَلَا بِشِعْرٍ وَلَا بِحَدِيثِ الْعَرَبِ وَلَا بِنَسَبٍ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا».
وَكَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّتَاهُ لَا أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِكِ أَقُولُ زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ وَلَا أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ أَقُولُ: ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ -أَي بِالأَنسَابِ- وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ وَمَا هُوَ؟ قَالَ: فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْقَمُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَكَانَتْ تَقْدُمُ عَلَيْهِ الْوُفُودُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَتَنْعَتُ لَهُ فَكُنْتُ أُعَالِجُهُ فَمِنْ ثَمَّ»):
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «(هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ يُبَيِّنُ شَفَقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَحمَتَهُ بِأُمَّتِهِ ﷺ، وأنه حريص على نفعهم وإرشادهم وبث ما فيه خير دينهم ودنياهم ﷺ، وهذا دأبه عليه الصلاة والسلام فقد قال تعالى في وصفه ﷺ: [وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ] قَالَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَحْمَةً لِجَمِيعِ النَّاسِ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ سَعِدَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ سَلِمَ مِمَّا لَحِقَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْغَرَقِ.
قال الرازي: إِنَّهُ عليه السلام كَانَ رَحْمَةً فِي الدِّينِ وَفِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ عليه السلام بُعِثَ وَالنَّاسُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَضَلَالَةٍ، وَأَهْلُ الْكِتَابَيْنِ كَانُوا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وَانْقِطَاعِ تَوَاتُرِهِمْ وَوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي كُتُبِهِمْ فَبَعَثَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَبَيَّنَ لَهُمْ سَبِيلَ الثَّوَابِ، وَشَرَعَ لَهُمُ الْأَحْكَامَ وَمَيَّزَ الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ، ثُمَّ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الْحَقِّ فَلَا يَرْكَنُ إِلَى التَّقْلِيدِ وَلَا إِلَى الْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَكَانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ وَالْقِتَالِ وَالْحُرُوبِ وَنُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ.
وما يدل على شفقة النبي بالمؤمنين ورحمته بهم: ما صح عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لله بها.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا.
وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ له بعطاء.
وما يدل على حُسْنِ عِشْرَتِهِ وَأَدَبِهِ وَبَسْطِ خُلُقِهِ ﷺ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَبِحَيْثُ انْتَشَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ كَثِيرٌ كَثِيرٌ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي وَصْفِهِ ﷺ: كَانَ أوْسَعَ النَّاسِ صَدْرًا وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً.
وروي عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ قِصَّةً فِي آخِرِهَا فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ فَقَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ فَانْصَرَفْتُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ارْكَبْ أَمَامِي فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُنَفِّرُهُمْ وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ ويوليه عليهم يَتَعَهَّدُ أَصْحَابَهُ وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، لَا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَارَبَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ عَنْهُ وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ فَصَارَ لَهُمْ أَبًا وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، بِهَذَا وَصَفَهُ ابْنُ أَبِي هَالَةَ، قَالَ وَكَانَ دَائِمَ الْبِشْرِ سَهْلَ الْخُلُقِ لَيِّنَ الْجَانِبِ لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا سخاب وَلَا فَحَّاشٍ وَلَا عَيَّابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَولِكَ) وَقَالَ تَعَالَى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآيَةَ، وَكَانَ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَوْ كَانَتْ كُراعًا ويكافئ عَلَيْهَا.
قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ وَمَا قال لشيء صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ ولا لشيء تَرَكْتُهُ لَمْ تَرَكْتَهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ما دَعَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ لَبَّيْكَ.
وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله مَا حَجَبَنِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ وَكَانَ يُمَازِحُ أَصْحَابَهُ وَيُخَالِطُهُمْ وَيُحَادِثُهُمْ وَيُدَاعِبُ صِبْيَانَهُمْ وَيُجْلِسُهُمْ فِي حِجْرِهِ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ وَيَعودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَقْبَلُ عُذْرَ الْمُعْتَذِرِ.
قَالَ أَنَسٌ مَا الْتَقَمَ أَحَدٌ أُذُنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأْسَهُ وَمَا أَخَذَ أحَدٌ بِيَدِهِ فَيُرْسِلُ يَدَهُ حَتَّى يُرْسِلَهَا الآخِذُ وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ وَكَانَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ وَيَبْدَأُ أَصْحَابَهُ بِالْمُصَافَحَةِ لَمْ يُرَ قَطُّ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُضَيِّقَ بِهِمَا عَلَى أَحَدٍ، يُكْرِمُ مِنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا بَسَطَ لَهُ ثَوْبَهُ وَيُؤْثِرُهُ بِالْوِسَادَةِ الَّتِي تَحْتَهُ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهَا إِنْ أَبَى ويُكَنِّي أَصْحَابَهُ وَيَدْعُوهُمْ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ تَكْرِمَةً لَهُمْ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا خَفَّفَ صَلاتَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى صَلاتِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا وَأَطْيَبَهمْ نَفْسًا مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ يَعِظْ أَوْ يَخْطُبْ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَى مُسلِمٌ عَنْ أَنَسٍ كَانَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ فَمَا يؤتى بآنية إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ يُرِيدُونَ بِهِ التَّبَرُّكَ) إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ (أَي المُصَلِّي وَالغَالِبُ مِنهُ القِيَامُ بِاللَّيلِ وَلَيسَ شَرطًا، أَمَّا النُّعَاسُ وَالنَّومُ. فَقَد قال ابن الأثير: يُقَالُ: نَعَسَ يَنْعَسُ نُعَاسًا ونَعْسَةً فَهُوَ نَاعِسٌ. وَلَا يُقَالُ: نَعْسَان. والنُّعَاسُ: الوَسَن وَأَوَّلُ النَّوم.اهـ
وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجُوزُ عَلَيهِ النَّومُ لَكِنْ تَنَامُ عَينُه ولا يَنامُ قَلبهُ الشريفُ صلى الله عليه وسلم فَفِي البُخَاريِّ: بَابٌ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ.اهـ
وَفِي البخاري كان جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ».اهـ أي: هو الفارقُ بين المؤمنِ والكافرِ، والصَّالحِ والطَّالحِ؛ إذ به تَميَّزَتِ الأعمالُ والعُمَّالُ.
وَفِي البخاريِّ قالتْ عائشةُ رضي الله عنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي.اهـ
قال القّسطَلَّانيُّ: إنَّه صلى الله عليه وسلم لا ينتقضُ وضوءُه بالنومِ لأنَّ قلبَه لا ينامُ وأنَّ عينَه هي التي تنامُ وهذا مِن خصائصِه صلى الله عليه وسلم فيقظةُ قلبِه تمنعُه مِن الحدثِ.اهـ
وقال ملا علي القاري: وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ عليه السلام. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَقَظَةُ قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ مِنَ الْحَدَثِ وَمَا مَنَعَ النَّوْمُ قَلْبَهُ لِيَعِيَ الْوَحْيَ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ.اهـ
وفي البخاريِّ قال أنس: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ.اهـ
وأمَّا نسبةُ النومِ والنعاسِ إلى الله عز وجل فهيَ لا تجوزُ كما ينسبُها إليه والعياذُ بالله مِن هذا الكفرِ اليهودُ، وقد جاءَ في كتابِ الله في آيةِ الكرسيِّ قولُه تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} قال البغويُّ وغيرُه: السِّنَةُ: النُّعَاسُ وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ، وَالْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ يُقَالُ مِنْهُ وَسِنَ يسن وَسَنًا وَسِنَةً وَالنَّوْمُ هُوَ الثَّقِيلُ الْمُزِيلُ لِلْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ، وقيل: السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ، فَالسِّنَةُ أَوَّلُ النَّوْمِ وَهُوَ النُّعَاسُ، وَقِيلَ السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ لِأَنَّهُ آفَةٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْآفَاتِ وَلِأَنَّهُ تُغَيُّرٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ.
وفي هذه الآيةِ آيةِ الكرسي وهيَ كما تعلمونَ أعظمُ آية في كتابِ اللهِ ينزِّه اللهُ نفسَه عن السِّنَةِ والنومِ وفي هذا ردٌّ على المجسمةِ الذينَ يقولونَ لماذا تتكلمونَ بتفاصيلِ العقائدِ ونفيِ صفاتِ الخلقِ عنِ الله تفصيلا، فنقول لهم: في هذهِ الآيةِ نفيُ النعاسِ والنومِ عنِ اللهِ وهذا تفصيل، والقرآنُ الكريمِ جاءَ بنفيِ الشبيهِ عنِ اللهِ إجمالًا وتفصيلًا.
وفي صحيحِ مسلمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عز وجل لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ [قال النوويُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ سبحانه وتعالى لَا يَنَامُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ النَّوْمُ فَإِنَّ النَّوْمَ انْغِمَارٌ وَغَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ يَسْقُطُ بِهِ الْإِحْسَاسُ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ في حقِّه]، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ [قال النووي: الْقِسْطُ الْمِيزَانُ وَسُمِّيَ قِسْطًا لِأَنَّ الْقِسْطَ الْعَدْلُ وَبِالْمِيزَانِ يَقَعُ الْعَدْلُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقِسْطِ الرِّزْقُ الَّذِي هُوَ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْفِضُهُ فَيُقَتِّرُهُ وَيَرْفَعُهُ فَيُوَسِّعُهُ]، يُرْفَعُ إِلَيْهِ [أي إلى محلِّ كرامتِه وهو السماءُ، وأما اللهُ فموجودٌ بلا مكانٍ وقيل هو عبارةٌ عن قبولِ العملِ الصالح] عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ،
حِجَابُهُ النُّورُ – وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ -، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
[قال النووي: فَالسُّبُحَاتُ بِضَمِّ السِّينِ وَالْبَاءِ وَرَفْعِ التَّاءِ فِي آخِرِهِ وَهِيَ جَمْعُ سُبْحَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَجَمِيعُ الشَّارِحِينَ لِلْحَدِيثِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ مَعْنَى سُبُحَاتُ وَجْهِهِ جَلَالُهُ وَبَهَاؤُهُ وَأَمَّا الْحِجَابُ فَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَالسَّتْرُ وَحَقِيقَةُ الْحِجَابِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَجْسَامِ المحدودة والله تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِ وَالْحَدِّ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَانِعُ نُورًا أَوْ نَارًا لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ مِنَ الْإِدْرَاكِ فِي الْعَادَةِ لِشُعَاعِهِمَا وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ وَالْمُرَادُ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ بَصَرَهُ سبحانه وتعالى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَلَفْظَةُ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ وَالتَّقْدِيرُ لَوْ أَزَالَ الْمَانِعَ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَهُوَ الْحِجَابُ الْمُسَمَّى نُورًا أَوْ نَارًا وَتَجَلَّى لِخَلْقِهِ لَأَحْرَقَ جَلَالُ ذَاتِهِ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ]. وهذا الحديثُ وغيرُه دليلٌ لأهلِ السنةِ على جوازِ التأويلِ فلا بدَّ مِن تأويلِه كما قالَ الفقهاءُ في ذلك كما نقلتُ عنهم، ولا يجوزُ أخذُه على ظاهرِه خوفًا مِن تزلزلِ عقائدِ العوام، فلا يأتي شخصٌ ويقول أنا آخذُ كلَّ ما في الكتابِ والسنةِ على ظاهره، بل لا بدَّ من التأويلِ بشروطِه ولا بدَّ أن يكونَ التأويلُ موافقًا لقواعدِ الشريعةِ واللغةِ، ففي البخاريِّ حديثٌ هو أصحُّ مِن هذا الذِي ذكرناهُ هنا وهو ما رواه الإمامُ البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}.اهـ قال البيهقيُّ في الأسماء والصفات: وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ: أَنَّهَا اسْتَجَارَتْ وَاعْتَصَمَتْ بِاللَّهِ عز وجل، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: تَعَلَّقْتُ بِظِلِّ جَنَاحِهِ. أَيِ: اعْتَصَمْتُ بِهِ. وَقِيلَ: الْحَقْوُ الْإِزَارُ، وَإِزَارُهُ عِزُّه، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْعِزِّ، فَلَاذَتِ الرَّحِمُ بِعِزِّهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَعَاذَتْ بِهِ.اهـ
وفي روايةٍ للبخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.».اهـ قال ابن حجر: بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَجَاءَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ رِوَايَةً وَلُغَةً. وأصلُ الشُّجْنَة بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ: شُعْبة فِي غُصْن مِنْ غُصُون الشَّجَرَةِ.اهـ
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّحِمَ اشْتُقَّ اسْمُهَا مِنَ اسْمِ الرَّحْمَنِ فَلَهَا بِهِ عَلَقَةٌ، وَلَيْسَ معناه أَنَّهَا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.اهـ
قال البيهقي: وَإِنَّمَا أَرَادَ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ أَنَّ اسْمَ الرَّحِمَ شُعْبَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّحْمَنِ.اهـ
(ومثل هذا ما جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الذي رواه أحمد: «الكَبرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا قَذَفتُه فِي النَّارِ»، قَالَ الطِّيبِيُّ: الكِبرِيَاءُ العَظَمَةُ وَالمُلكُ، ثُمَّ قَالَ: كَمَا أَنَّ رِدَاءَ الرَّجُلِ وَإِزَارَهُ مُختَصَّانِ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِمَا غَيرُهُ، كَذَلِكَ الكِبرِيَاءُ وَالعَظَمَةُ مُختَصَّانِ باِللهِ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِهِمَا غَيرُهُ.اهـ
وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: «فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا»، أَي مِنَ الوَصفَينِ، بِأَن تَكَبَّرَ بِاعتِبَارِ ذَاتِهِ أَو تَعَظَّمَ مِن حَيثِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَأَرَادَ نَوعًا مِنَ المُشَارَكَةِ مَعِي فِي نُعُوتِ ذَاتِي وَصِفَاتِي أَدخَلتُهُ النَّارَ.اهـ
وَقَالَ المُنَاوِيُّ: وَضَرَبَ الإِزَارَ وَالرِّدَاءَ مَثَلًا فِي انفِرَادِهِ جَلَّ ذِكرُهُ بِصِفَةِ العَظَمَةِ وَالكِبرِيَاءِ وَالعِزِّ وَالقُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ الزَّجرُ عَنِ ادِّعَاءِ العِزَّةِ وَالكِبرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالقُوَّةِ لِأَنَّهَا لَا يُوصَفُ بِهَا فِي الحَقِيقَةِ عَلَى الإِطلَاقِ غَيرُ الخَالِقِ.اهـ)
(ومثل هذا أيضا ما روى البخاري في صحيحه قال صلى الله عليه وسلم في رواية لحديث الشفاعة: فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ.اهـ
قال البيهقي: أَيْ: فِي دَارِهِ الَّتِي دَوَّرَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّةُ.اهـ
وقال ابن حجر: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا يُوهِمُ الْمَكَانَ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي دَارِهِ الَّذِي اتَّخَذَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّةُ وَهِيَ دَارُ السَّلَامِ، وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ مِثْلَ بَيْتِ اللَّهِ وَحَرَمِ اللَّهِ)
(وهنا مسألةٌ فقهيةٌ وهي هلِ النومُ ينقضُ الوضوءَ أم لا؟ قال الفقهاء: من نواقض الوضوء زَوَالُ الْعَقْلِ أَيِ التَّمْيِيزِ بِنَحْوِ جُنُونٍ أَوْ صَرْعٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَوْمٍ إِلَّا نَوْمَ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنْ مَقَرِّهِ كَأَرْضٍ وَظَهْرِ دَابَّةٍ وَلَوْ سَائِرَةً لِلأَمْنِ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ طَالَ الْوَقْتُ) وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ (وهذا الجزء من الحديثِ يبينُ منهجَ التوسطِ والاعتدالِ في العبادات) حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ (فإنه مانعٌ عن إتمامِ العبادةِ والخشوعِ فيها، مثلُ حضورِ الأكلِ والنفسُ تتوقُ إليه والصلاةِ بوقتٍ واحد)، فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ (وكان يدافعُ نفسَه ظنًّا منه أنه يأتي بالأكثرِ مِن العبادة) لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ (أي هذا المصلي القائمُ لليلِ مع شدةِ النعاس) يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ (أي يريدُ أن يستغفرَ اللهَ ويذكرَه) فَيَسُبُّ نَفْسَهُ (بسبب نعاسِه وغلبتِه عليه، فالله تعالى خلقَنا على طبائعَ عديدةٍ، لأن مِن طبيعةِ الناسِ أنهم يأكلونَ ويشربونَ وينامون، وطبيعتُهم أنْ ركَّبَ اللهُ فيهمُ الشهوةَ وغيرَها مِن الطبائعِ البشريةِ، ونحنُ لا ننفي ما جعلَ اللهُ فينا مِن هذهِ الطبائعِ والشهواتِ أي لا نقولُ أنَّ البشرَ عادةً يَخلُونَ منها ولكنْ ننكِرُ ما يفضِي إلى الحرامِ لإرضاءِ هذهِ الشهواتِ، فلو قالَ شخصٌ أنا أجوعُ فآكلُ فهذهِ طبيعةُ البشرِ، ولو قالَ رجلٌ: أنا نفسي فيها الميلُ الطبيعيُّ للنساءِ فهذا ليسَ مذمومًا بأصلِه أنْ يكونَ فيه مثلُ هذا الميلِ، لكن نحنُ ننكرُ ما يفضي إلى الحرامِ في هذا، فهذهِ الشهواتُ والطبائعُ ينبغي أن تُحَدَّدَ بميزانِ الشرعِ لا بميزانِ الميلِ وحدَه، فنضعُ هذهِ الطبائعَ والشهواتِ ونجعلَها مقيدةً بقيدِ الشريعةِ حتى لا نهلِكَ بسببِها)
(فهو عليه الصلاة والسلام يحث على قيام الليل وبين لنا فضائله، ولكن مع مراعاة حفظ البدن فهو من مقاصد الشريعة وبه يتم استمرار الحياة على ما يرضي الله عز وجل فبدن المؤمن عندما يكون صحيحا يستعمله في طاعة الله ونشر دينه يعبد ربه على الأكمل والأتم أما إذا منعته العلل ولم يُوْلِ لهذا اهتماما فإن عبادته لربه تنقص غالبا بسبب مرضه وعلله فإن في دوام العافية في البدن نفع له وللمسلمين، وإذا نوى المؤمن بهذا التقوي على طاعة الله فإن له أجرا بإذن الله)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.