بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لِلَّهِ المُتَعالِي عَنِ الأَنْدَادِ، المُقَدَّسِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالأَضْدَادِ، المُتَنَزِّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالأَوْلَادِ، رَافِعِ السَّبْعِ الشِّدَادِ، عَالِيَةً بِغَيْرِ عِمَادٍ، وَوَاضِعِ الأَرْضِ لِلْمِهَادِ، قَدَّرَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الضَّلَالِ وَالرَّشَادِ، جَادَ عَلَى السَّائِلِينَ فَزَادَهُمْ مِنَ الزَّادِ، وَأَعْطَى الكَثِيرَ مِنَ العَامِلِينَ المُخْلِصِينَ فِي المِرَادِ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَفُوقُ الأَعْدَادَ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَكُلَّمَا شُكِرَ زَادَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ الرَّحِيمُ بِالعِبَادِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ إِلَى جَمِيعِ الخَلْقِ فِي كُلِّ البِلَادِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، الَّذِي بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَادَ، وَعَلَى عُمَرَ، الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ الإِسْلَامِ وَأَجَادَ، وَعَلَى عُثْمَانَ، الَّذِي جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ، فَيَا فَخْرَهُ يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَلَى عَلِيٍّ، المَعْرُوفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالجِلَادِ، وَعَلَى الآلِ وَالأَصْحَابِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ:
مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:
مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَكُنَّا شَرَحْنَا شَيئًا مِنهَا وَنُكمِلُ بِإِذنِ اللهِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.
نَصُّ الحَدِيثِ
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيمِ، سَبعَ مَرَّاتٍ، كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي حَسْبِيَ اللَّهُ قَالَ المُنَاوِيُّ:«حَسبِيَ اللهُ» مُبتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَي كَافِينِي وَكَافِلُنِي هُوَ اللهُ مِن أَحسَبَهُ الشَّيءَ كَفَاهُ((وَنِعمَ)) كَلِمَةُ مُبَالَغَةٍ تَجمَعُ المَدحَ كُلَّهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: كَلِمَةٌ تُستَعمَلُ فِي المَدحِ بِإِزَاءِ بِئسَ ((الوَكِيلُ)) أَي نِعمَ المَوكُولُ إِلَيهِ اللهُ.اهـ
وَقَالَ البَيهَقِيُّ أَيضًا: “الحَسِيبُ: هُوَ الكَافِي”.اهـ فَاللهُ هُوَ الكَافِي الَّذِي يَكفِي عَبدَهُ المُتَوَكِّلَ عَلَيهِ كَيدَ الكَائِدِينَ وَمَكرَهُم وَخِدَاعَهُم، وَقَد وَرَدَ مِن جُملَةِ دُعَاءِ ذَلِكَ الغُلَامِ الَّذِي فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الأُخدُودِ في صحيح مسلم قَولُهُ: «اللهم اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ»، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سورة الزمر/ الآية 36]، فَاللهُ تَعَالَى كَفَى رَسُولَهُ ﷺ كَيدَ الكَائِدِينَ وَالمُستَهزِئِينَ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 95] قَالَ النَّسَفِيُّ: الجَمهُورُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَت فِي خَمسَةِ نَفَرٍ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالِاستِهزَاءِ بِهِ فَأَهلَكَهُم اللهُ، وَهُمُ الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ مَرَّ بِنَبَّالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوبِهِ سَهمٌ فَأَصَابَ عِرقًا فِي عَقِبِهِ فَقَطَعَهُ فَمَاتَ، وَالعَاصُ بنُ وَائِلٍ دَخَلَ فِي أَخمَصِهِ شَوكَةٌ فَانتَفَخَت رِجلُهُ فَمَاتَ، وَالأَسوَدُ بنُ المُطَّلِبِ عَمِيَ، وَالأَسوَدُ بنُ عَبدِ يَغُوثَ جَعَلَ يَنطَحُ رَأسَهُ بِالشَّجَرَةِ وَيَضرِبُ وَجهَهُ بِالشَّوكِ حَتَّى مَاتَ، وَالحَارِثُ بنُ قَيسٍ امتَخَطَ قَيحًا وَمَات.اهـ فَسُبحَانَ الكَافِي الَّذِي كَفَى نَبِيَّهُ شَرَّ هَؤُلَاءِ وَغَيرِهُم لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أيِ: اعتَمَدْتُ،
معنى التوكّل، ومواضعه في القرءان الكريم:
وفي بيانِ معنى التَّوكُّلِ قالَ الفَيْرُوزآبَادِيُّ: وهو يُقالُ على وجهَيْنِ: يُقالُ: تَوَكَّلْتُ لفلانٍ، بِمَعْنَى: تَوَلَّيْتُ له. وقد أَمَرَ اللهُ تعالى بالتَّوكُّلِ في خَمْسَةَ عَشَرَ موضِعًا مِنَ القُرآنِ:
الأوَّلُ: إن طَلَبْتُمُ النَّصْرَ والفَرَجَ فَتَوَكَّلُوا عَلَيَّ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 160]، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 23].
الثَّاني: إذا أَعْرَضْتَ عن أَعْدَاءِ اللهِ، فَلْيَكُنْ رَفِيقُكَ التَّوَكُّلَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة النساء/ الآية 81].
الثَّالِثُ: إذا أَعْرَضَ عنكَ الخَلْقُ، اعتَمِدْ على التَّوكُّلِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [سورة التوبة/ الآية 129].
الرَّابعُ: إذا تُلِيَ القُرآنُ عَلَيْكَ، أو تَلَوْتَهُ، فاسْتَنِدْ على التَّوكُّلِ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 2].
الخامسُ: إذا طَلَبْتَ الصُّلْحَ والإِصلاحَ بينَ قومٍ، فعليك بالتَّوكُّلِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 61].
السَّادسُ: إذا وَصَلَتْ قَوافِلُ القَضاءِ، اسْتَقْبِلْها بالتَّوكُّلِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [سورة التوبة/ الآية 51].
السَّابعُ: إذا نَصَبَتِ الأَعْدَاءُ حِبَالَ المَكْرِ، فادْخُلْ أَنْتَ في أَرْضِ التَّوكُّلِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ … إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [سورة يونس/ الآية 71].
الثَّامِنُ: وإذا عَرَفْتَ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إِلَيْنَا، وتَقْدِيرَ الكُلِّ مِنَّا، وَطِّنْ نَفْسَكَ على فَرْشِ التَّوَكُّلِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود/ الآية 123].
التَّاسِعُ: إذا عَلِمْتَ أنَّ اللهَ هو الوَاحِدُ على الحَقِيقَةِ، فلا يَكُنِ اتِّكَالُكَ إلَّا عَلَيْهِ: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [سورة الرعد/ الآية 30].
العَاشِرُ: إذا عَرَفْتَ أنَّ هذِهِ الهِدَايَةَ مِنْ عِندِي، لَاقِهَا بالشُّكْرِ والتَّوَكُّلِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 12].
الحَادِي عَشَرَ: إذا خَشِيتَ بَأْسَ أَعْدَاءِ اللهِ، والشَّيْطَانِ الغَدَّارِ، لا تَلْتَجِئْ إلَّا إلى بَابِنَا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 99].
الثَّانِي عَشَرَ: إنْ أَرَدْتَ أنْ أَكُونَ أَنَا وَكِيلَكَ في كُلِّ حَالٍ، فَتَمَسَّكْ بالتَّوَكُّلِ في كُلِّ حَالٍ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [سورة النساء/ الآية 81].
الثَّالِثُ عَشَرَ: إنْ أَرَدْتَ أنْ يَكُونَ الفِرْدَوْسُ الأَعْلَى مَنْزِلَكَ، فانْزِلْ في مَقَامِ التَّوَكُّلِ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 42].
الرَّابِعُ عَشَرَ: إنْ شِئْتَ النُّزُولَ مَحَلَّ المَحَبَّةِ، اقْصِدْ أَوَّلًا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 159].
الخَامِسُ عَشَرَ: إنْ أَرَدْتَ أنْ تُكْفَى كُلَّ شَيْءٍ، فَاسْتَقِرَّ على تَخْتِ التَّوَكُّلِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 3]، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل/ الآية 79]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [سورة الفرقان/ الآية 58].
وجاءت هذه الكلمة بتمامها في كتاب الله، حيث قالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 173 – 174]، قال ابن عاشور: سبب نزول هذه الآية الكريمة هو: أن اللهَ كَفَى المسلمين بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعَامٍ، إِنْجَازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ قَالَ أبو سفيان: مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ كَرِهَ الْخُرُوجَ إِلَى لِقَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَكَادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إِخْلَافَ الْوَعْدِ مِنْهُمْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْإِرْجَافِ بَيْنَ الْعَرَبِ بِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَاعَلَ رَكْبًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مَارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قُرْبَ مَكَّةَ قَاصِدِينَ الْمَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهُمْ جَيْشًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، فَأَخْبَرَ نُعَيْمٌ وَمَنْ مَعَهُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزَادَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِعْدَادًا وَحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمَوْعِدِ وَهُوَ بَدْرٌ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمُشْرِكِينَ وانتظروهم هُنَالك، وَكَانَتْ هُنَالِكَ سُوقٌ فَاتَّجَرُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ أَيِ الرَّكْبُ الذين هم من عبد قيس ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أَيْ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. وَحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أَيْ جَمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَدَدَهُمْ وَأَحْلَافَهُمْ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمْ إِيمانًا﴾ أَيْ زَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ، ولمّا كَانَ ذَاك الْقَوْلُ مُرَادًا بِهِ تَخْوِيفُ الْمُسْلِمِينَ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وَحَصَلَ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، جَعَلَ مَا حَصَلَ بِهِ زَائِدًا فِي إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيمَانَ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْعَمَلِ، أَيِ الْعَزْمِ عَلَى النَّصْرِ وَالْجِهَادِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَقَوْلُهُمْ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كَلِمَةٌ لَعَلَّهُمْ أُلْهَمُوهَا أَوْ تَلَقَّوْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قال القُشَيْرِيُّ: “كما أنَّ المُنافِقِينَ اضطربتْ عَقائدُهُم عند رُؤيةِ الأعداءِ، فالمُؤمنون وأهلُ اليقينِ ازدادوا ثِقَةً، وعلى الأعداءِ جُرأةً، ولِحُكمِ اللهِ استِسلامًا، ومِنَ اللهِ قوَّةً”. وهذا مِن أعظمِ أَحوَالِهِم رضي اللهُ عنهم، أنَّ الناسَ يُهَدِّدُونَهُم ويُخَوِّفُونَهُم بالناسِ وبِسِلاحِ الناسِ، وهذا يَزيدُهُم إِيمَانًا وتَصْدِيقًا، وأنَّ إِيمَانَهُم لم يَتَزَحْزَحْ لِثُبُوتِهِ ولِقُوَّةِ اليَقِينِ، فهم على ثِقَةٍ عَظِيمَةٍ بِمَوْعُودِ اللهِ ورسولِهِ أنَّهُ حَقٌّ ولا يَتَخَلَّفُ مَهْمَا حَصَلَ مِن الحَوادِثِ والعَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أنْ يَثْبُتَ القَلْبُ وَيَزْدَادَ يَقِينًا عِندَ وُرُودِ الآفَاتِ، هذا مِن أعْظَمِ الثَّبَاتِ، نَسْأَلُ اللهَ أنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنَا عَلَى الحَقِّ كما ثَبَّتَ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ في غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، ويُنْعِمَ عَلَيْنَا كَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِم بِزِيَادَةِ اليَقِينِ وَقُوَّتِهِ.
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يُقَالُ فِى الْعَرْشِ إِنَّهُ جِرْمٌ أَىْ حَجْمٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِيَطُوفَ بِهِ الْمَلائِكَةُ كَمَا يَطُوفُ الْمُؤْمِنُونَ فِى الأَرْضِ بِالْكَعْبَةِ لا لِيَتَّخِذَهُ مَكَانًا لَهُ أَوْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ، وَإِضَافَةُ العَرْشِ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ، وَلَيْسَتْ إِضَافَةَ جُزْئِيَّةٍ أَوْ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، لَا، فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ القُعُودِ وَالجُلُوسِ وَالحَدِّ وَالجِهَةِ وَالمَكَانِ.
مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5].
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]. أَيْ: حَفِظَ العَرْشَ وَقَهَرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَيُدَمِّرَهَا تَدْمِيرًا، وَقَدْ وَضَّحَ الإِمَامُ مَالِكٌ مَعْنَى الاسْتِوَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ عَن جَعفَرِ بنِ عَبدِ اللهِ: كُنَّا عِندَ مَالِكٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]. كَيفَ استَوَى؟ فَمَا وَجَدَ [قَالَ الفَيُّومِيُّ: وَجَدتُ عَلَيهِ مَوجِدَةً غَضِبتُ] مَالِكٌ مِن شَيءٍ مَا وَجَدَ مِن مَسأَلَتِهِ، فَنَظَرَ إِلَى الأَرضِ وَجَعَلَ يَنكُتُ بِعُودٍ فِي يَدِهِ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ [قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: هُوَ عِرقٌ يَغسِلُ الجِلدَ لِكَثرَتِهِ.اهـ]، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَرَمَى بِالعُودِ وَقَالَ: الكَيفُ مِنهُ غَيرُ مَعقُولٍ [مَعنَاهُ أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ بِنَفيِ الكَيفِيَّةِ عَنِ استِوَاءِ اللهِ وَعَن سَائِرِ صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يُثبِتُ الكَيفِيَّةَ لِشَيءٍ مِن صِفَاتِ اللهِ لَا مَالِكٌ وَلَا غَيرُهُ مِن أَهلِ العِلمِ، قَالَ البَيهَقِيُّ نَقلًا عَن شَيخِهِ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَّابِيِّ: فَإِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَينَا وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَعلَمَهُ: أَنَّ رَبَّنَا لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا هَيئَةٍ، فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقتَضِي الكَيفِيَّةَ وَهِيَ عَنِ اللهِ وَعَن صِفَاتِهِ مَنفِيَّةٌ.اهـ] وَالِاستِوَاءُ مِنهُ غَيرُ مَجهُولٍ [أَي أَنَّ الِاستِوَاءَ ثَابِتٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا نُنكِرُهُ وَمَن أَنكَرَهُ فَقَد كَذَّبَ القُرآنَ] وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ [لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فَنَحنُ نُؤمِنُ بِهِ وَلَكِن لَيسَ كَاستِوَاءِ الأَجسَامِ عَلَى الأَجسَامِ، فَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِصِفَاتِ الأَجسَامِ] وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ [أَيِ السُّؤَالُ عَنهُ بِكَيفٍ لَا يَجُوزُ مُخَالِفٌ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرَبُّنَا لَا يُوصَفُ فِعلُهُ بِالكَيفِيَّاتِ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هَذَا الرَّجُلُ بِسُؤَالِهِ عَنِ استِوَاءِ اللهِ بِكَيفٍ]، وَأَظُنُّكَ صَاحِبَ بِدعَةٍ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ.اهـ وَقَالَ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ مَرَّةً فِي رِوَايَةِ هَذَا: وَقَالَ لِلسَّائِلِ: إِنِّي أَخَافُ أَن تَكُونَ ضَالًّا.اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابنُ وَهبٍ: كُنَّا عِندَ مَالِكٍ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]. كَيفَ استِوَاؤُهُ؟ فَأَطرَقَ مَالِكٌ وَأَخَذَتهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]. كَمَا وَصَفَ نَفسَهُ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: كَيفَ وَ(كَيفٌ) عَنهُ مَرفُوعٌ، وَأَنتَ رَجُلٌ صَاحِبُ بِدعَةٍ أَخرِجُوهُ.اهـ
فَقَولُ الإِمَامِ مَالِكٍ: ((وَكَيفٌ عَنهُ مَرفُوعٌ)) أَي لَيسَ استِوَاؤُهُ عَلَى العَرشِ كَيفًا أَي هَيئَةً كَاستِوَاءِ المَخلُوقِينَ مِن جُلُوسٍ وَنَحوِهِ، وَقَولُهُ: «أَنتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدعَةٍ أَخرِجُوهُ»، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ سَأَلَهُ بِقَولِهِ كَيفَ استِوَاؤُهُ،
قَالَ المُحَدِّثُ الشَّيخُ سَلَامَةُ العزَامِيُّ – مِن عُلَمَاءِ الأَزهَرِ – فِي كِتَابِهِ “فُرقَانِ القُرآنِ” مَا نَصُّهُ: “قَولُ مَالِكٍ عَن هَذَا الرَّجُلِ: «صَاحِبُ بِدعَةٍ» لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَن كَيفِيَّةِ الِاستِوَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ الِاستِوَاءَ عَلَى مَعنَاهُ الظَّاهِرِ الحِسِّيِّ الَّذِي هُوَ مِن قَبِيلِ تَمَكُّنِ جِسمٍ عَلَى جِسمٍ وَاستِقرَارِهِ عَلَيهِ وَإِنَّمَا شَكَّ فِي كَيفِيَّةِ هَذَا الِاستِقرَارِ، فَسَأَلَ عَنهَا وَهَذَا هُوَ التَّشبِيهُ بِعَينِهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيهِ الإِمَامُ بِالبِدعَةِ”.اهـ
فَإِذًا إِنَّ الصَّحِيحَ المَنقُولَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَبدِ اللهِ بنِ وَهبٍ وَيَحيَى بنِ يَحيَى، وَلَفظُ عَبدِ اللهِ بنِ وَهبٍ عَن مَالِكٍ: الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى كَمَا وَصَفَ نَفسَهُ وَلَا يُقَالُ كَيفَ وَكَيفٌ عَنهُ مَرفُوعٌ.اهـ جَوَّدَهَا ابنُ حَجَرٍ.اهـ
وَلَفظُ يَحيَى بنِ يَحيَى عَن مَالِكٍ: الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ.اهـ وَهَذَا يُروَى عَن أُمِّ سَلَمَةَ إِحدَى زَوجَاتِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَن رَبِيعَةَ بنِ أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ شَيخِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا لَفظُ: وَالكَيفُ مَجهُولٍ. فَلَم يَثبُت بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَحَدِ السَّلَفِ فَهُوَ لَفظٌ يُوهِمُ مَعنًى فَاسِدًا فِي حَقِّ اللهِ وَهُوَ أَنَّ لَهُ كَيفًا لَكِن لَا نَعلَمُهُ. وَالكَيفُ هُوَ الجُلُوسُ أَوِ الوُقُوفُ أَو غَيرُ ذَلِكَ.
وَقَد أَوضَحَ بَيَانَ مَعنَى قَولِ مَالِكٍ أَوضَحَ بَيَانٍ ابنُ اللَّبَّانِ حَيثُ نَفَى عَنِ اللهِ صِفَاتِ الحُدُوثِ وَالكَيفِيَّةَ. وَقَالَ القَرَافِيُّ المَالِكِيُّ: “وَمَعنَى قَولِ مَالِكٍ: «الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ» أَنَّ عُقُولَنَا دَلَّتنَا عَلَى الِاستِوَاءِ اللَّائِقِ بِاللهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَهُوَ الِاستِيلَاءُ دُونَ الجُلُوسِ وَنَحوِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الأَجسَامِ، وَقَولُهُ «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ» مَعنَاهُ أَنَّ ذَاتَ اللهِ لَا يُوصَفُ بِمَا وَضَعَت لَهُ العَرَبُ لَفظَ «كَيفَ»، وَهُوَ الأَحوَالُ المُتَنَقِلَةُ وَالهَيئَاتُ الجِسمِيَّةُ، فَلَا يُعقَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِاستِحَالَتِهِ فِي جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ”.اهـ أَي لِاستِحَالَتِهِ فِي حَقِّ اللهِ.
سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»
أوراد وأذكار فيها نفع عظيم بإذن الله:
ومما يقالُ لتفريجِ الكربِ وللشفاءِ مِنَ الأمراضِ، والنصرِ على العدوِ: “بِسْمِ اللهِ رَبِّيَ اللهُ، حَسْبِيَ اللهُ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ اعْتَصَمْتُ بِاللهِ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ، مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ”،
وروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ قَالَ: كَتَبَ عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْكُو إِلَيْهِ الْهَوَامَّ وَالْعَقَارِبَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: “وَمَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِذَا أَمْسَى وَأَصْبَحَ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 12] قَالَ زُرْعَةُ: «وَهِيَ تَنْفَعُ مِنَ الْبَرَاغِيثِ»،
وروي عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: “لَمَّا أُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ قَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَكَانَ الْمَاءُ آجِنًا: أي تغيَّر طعمُه ولونُه ورائحتُه. فَصَفَا، وَكَانَ مَالِحًا فَعَذُبَ”،
وذَكَرَ بَهِيمٌ أَبُو بَكْرٍ الْعِجْلِيُّ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: “بَيْنَا أَنَا فِي، بُسْتَانٍ لِي، إِذْ خُيِّلَ لِي رُؤْيَةُ شَخْصٍ أَسْوَدَ، فَفَزِعْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ وَرَائِي يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 3]، فَالْتَفَتُّ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا”،
وروى ابن أبي الدنيا عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ كُسِرَتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَعَا إِلَى الْأَرْضِ، فَأَتَيَا بَيْتًا مَبْنِيًّا مِنْ شَجَرٍ فَكَانَا فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، أَحَدُهُمَا نَائِمٌ وَالْآخَرُ يَقْظَانُ، إِذْ جَاءَتِ امْرَأَتَانِ، فَوَقَفَتَا عَلَى الْبَابِ، بِهِمَا مِنْ قُبْحِ الْهَيْئَةِ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى: ادْخُلِي. فَقَالَتْ: وَيْحَكِ، إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَتْ: وَيْحَكِ، لِمَهْ؟ قَالَتْ: أَوَ مَا تَرَيْنَ مَا فِي الْبَيْتِ؟ فَإِذَا لَوْحٌ فِي الْبَيْتِ فِيهِ كِتَابٌ: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مُنْتَهَى»،
وكَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: «أَسْأَلُكَ خَوْفَ الْعَالَمِينَ بِكَ، وَعِلْمَ الْخَائِفِينَ لَكَ، وَتَوَكُّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ، وَيَقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، وَإِنَابَةَ الْمُخْبِتِينَ إِلَيْكَ، وَإِخْبَاتَ الْمُنِيبِينَ إِلَيْكَ، وَصَبْرَ الشَّاكِرِينَ لَكَ، وَشُكْرَ الصَّابِرِينَ لَكَ، وَإِلْحَاقًا بِالْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ عِنْدَكَ»،
وقال أَبُو قُدَامَةَ الرَّمْلِيُّ: قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 58]، فَأَقْبَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ، فَقَالَ: يَا أَبَا قُدَامَةَ، مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ كَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، فَأَعْلَمَكَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ يَمُوتُونَ، ثُمَّ أَمَرَكَ بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، ثُمَّ أَخْبَرَكَ بِأَنَّهُ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا قُدَامَةَ، «لَوْ عَامَلَ عَبْدٌ اللَّهَ بِحُسْنِ التَّوَكُّلِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ لَهُ بِطَاعَتِهِ؛ لَاحْتَاجَتْ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ فَمَنْ دُونَهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مُحْتَاجًا، وَمَوْئِلُهُ وَمَلْجَؤُهُ إِلَى الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ؟».
نَصُّ الحَدِيثِ الَّذِي بَعدَهُ:
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه فِي السُّنَنِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا أَوْ حَتَّى مَاتَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعِافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَءَامِنْ رَوْعَاتِي، اللهم احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». قَالَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْخَسْفُ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه فِي السُّنَنِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا أَوْ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ مَا أَكْمَلَ النبيُّ ﷺ أَدَاءَ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِبْلَاغِهَا، وَنَصَحَ أُمَّتَهُ، وَدَلَّهُمْ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَحَذَّرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ. اسْتَهَلَّتْ السَّنَةُ الحَادِيَةَ عشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْزَّكِيَّةِ وَقَدِ اسْتَقَرَّ الرِّكَابُ الشَّرِيفُ النَّبَوِيُّ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مَرْجِعَهُ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُورٌ عِظَامٌ، مِنْ أَعْظَمِهَا خَطْبًا وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، نَقَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ إِلَى النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ رَفِيعَةٍ، وَدَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا أَعْلَى مِنْهَا وَلَا أَسْنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى/ الآية 4-5] فكانت وفاته ﷺ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ. فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ وَحَشَرَنَا اللَّهُ عَلَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعِافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْآفَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْحَادِثَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِتَحَمُّلِهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَالرِّضَا بِقَضَائِهَا. قِيلَ: أن يدفع اللَّهُ تَعَالَى عن الْعَبْدِ الْأَسْقَامَ وَالْبَلَايَا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَيِّئَ الْأَسْقَامِ كَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ العَفوُ مَحوُ الذُّنوب، وَالتَّجَاوُزُ عَنِ الذُّنُوبِ العظامِ، والعافيةُ أن تَسْلَم مِن الأسقام والبلايا وهي الصِّحّةُ وهي ضِدُّ المرَض، وقيل: أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْعُيُوبِ.
فِي دِينِي أي: في أُمورِ ديني، بأنْ يَسلَمَ الدَّاعي لهذا الدُّعاءِ منَ الذُّنوبِ، ويَسلَمَ من رأسِ الذُّنوبِ، وهو الكُفرُ باللهِ – والعِياذُ باللهِ -، وهذا أَولى ما تَدعو به، وهو أنْ تَسلَمَ منَ الكُفرِ وتَغنَمَ بدُخولِ الجَنَّةِ،
نَقيضُ الإيمانِ: الكُفرُ الذي هو ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ: إِمَّا تَشْبِيهٌ، أَوْ تَكْذِيبٌ، أَوْ تَعْطِيلٌ. أَحَدُهَا التَّشْبِيهُ: أَيْ تَشْبِيهُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ كَمَنْ يَصِفُهُ بِالْحُدُوثِ أَوِ الْفَنَاءِ أَوِ الْجِسْمِ أَوِ اللَّوْنِ أَوِ الشَّكْلِ أَوِ الْكَمِيَّةِ أَيْ مِقْدَارِ الْحَجْمِ،
ثَانِيهَا التَّكْذِيبُ: أَيْ تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيْمِ أَوْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجْهٍ ثَابِتٍ وَكَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَاعْتِقَادِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَوْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ، وَأَنَّ النَّارَ ءَالامٌ مَعْنَوِيَّةٌ، أَوْ إِنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا أَوِ إِنْكَارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ اعْتِقَادِ تَحْرِيْمِ الطَّلاقِ مطلقا أَوِ تَحْلِيلِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَظَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا بِخِلافِ مَنْ يَعْتَقِدُ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ مَثَلًا لَكِنَّهُ لا يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا لا كَافِرًا.
ثَالِثُهَا التَّعْطِيلُ: أَيْ نَفْيُ وُجُودِ اللَّهِ وَهُوَ أَشَدُّ الْكُفْرِ.
وَدُنْيَايَ أي: أنْ يَسلَمَ له أَمْرُ دُنياهُ ويَصلُحَ له، بأنْ لا يَكونَ زِيادةً له في السُّوءِ والمعصيةِ، بل أنْ يَكونَ زِيادةَ خَيْرٍ له للآخِرَةِ الباقيةِ. وَأَهْلِي وَمَالِي، أي: لا تُرِنِي فيهم مكروهًا أَكرَهُهُ. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، أي: عُيُوبِي، أوِ امْحُ ذُنُوبِي، والعَورةُ: ما يَكرَهُ اطِّلاعَ النّاسِ عليه، وقِيلَ: هي النَّقْصُ عُمُومًا والعيب. فالعَورةُ تُطْلَقُ على ما يُعابُ مِنَ الإنسان، ولا يَنبغي تَتَبُّعُ عَوْرَاتِ وعُيُوبِ المسلمينَ والمسلمات، بل الذي يَنبغي أنْ تَسْتُرَ على أَخيكَ المُسلِم. وقد وَرَدَ عن بعضِ الصحابةِ – كما في الشمائلِ المحمديَّةِ للتِّرمذي – أَنّه وَصَفَ النبيَّ ﷺ، فقال: “وَلا عَيَّابٍ”، وقال: “كان لا يَذُمُّ أَحدًا، ولا يَعِيبُهُ، ولا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ”. اهـ. مَعْناه: ولا يَتَتَبَّعُ العُيُوبَ، لا يَتَتَبَّعُ عُيُوبَ الناسِ فَيَعِيبَهُم، حتَّى الطَّعامُ ما كانَ يَعِيبُهُ النبيُّ ﷺ؛ إنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَ، وإلَّا تَرَكَه، وكانَ لا يَعِيبُ الطَّعامَ، لا يَذُمُّهُ، ولا يَعِيبُهُ، ولا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، لا يُفَتِّشُ عن عَوْرَاتِ الناس. هذا العَيبُ، تَتَبُّعُ عَوراتِ الناس، هذا من المُهْلِكات؛ الذي يُفَتِّشُ عن عُيوبِ غيرِه، يَبحَثُ: هذا ماذا عندَه منَ العَيْب؟ وهذا ماذا عندَه منَ العَيْب؟ جاءَ في الحديثِ الذي رواه الترمذي: «مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، وهو في جَوْفِ دارِه يَفْتَضِح.
كانَ رَجُلٌ مِنَ الصَّالحينَ ذهبَ إلى الحَجِّ، فوجدَ إنسانًا مُتَعَلِّقًا بأَستارِ الكعبةِ يَدْعُو اللهَ، ويقولُ: “اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي على الإيمان”، ويُكَرِّرُ ويُكَرِّر، لا يَدْعُو إلَّا بهذا، لا يَدْعُو دعاءً آخَر. فقالَ له: لو سَأَلْتَ اللهَ أَيضًا غيرَ ذلك؟ يعني: هذا مَوْطِنٌ يُرْتَجَى فيه إِجابةُ الدعاءِ، لو طَلَبْتَ منَ اللهِ غيرَ ذلك أَيضًا؟ قالَ له: إنَّكَ لا تَعرِفُ قِصَّتي. كُنَّا ثلاثةَ إخوةٍ، نحنُ إخوةٌ ثلاثة؛ أَذَّنَ أَكبرُنا للهِ تعالى أَربعينَ سنةً، أَربعينَ سنةً في الظَّاهِرِ يُؤَذِّنُ لِوَجْهِ اللهِ، ثمَّ بعدَ ذلك، عندما حَضَرَهُ الموتُ، قالَ: ائْتُوني بالمُصحف، ظَنَنَّا أنَّه يُرِيدُ أنْ يَتَبَرَّكَ به، جِئْنا بالمُصحفِ إليه، قالَ: اشْهَدُوا أنّي بَرِيءٌ مِنْ هذا، فَماتَ على الكُفْر. قالَ: ثم أَخي الثاني، أَذَّنَ سبعةَ عشرَ سنةً أو ثمانيةَ عشرَ سنةً، مِن غيرِ أُجْرَةٍ، ثمَّ عندما حَضَرَهُ الموتُ، فَعَلَ كالأَوَّل، فأَنا أَخافُ أنْ يُخْتَمَ لي بخاتِمةِ سَوْءٍ، فلهذا أَدْعُو هذا الدُّعاء. قالَ له هذا الرَّجُلُ الصَّالِحُ: هلْ كانَ لأَخَوَيْكَ ذَنْبٌ يُدَاوِمَانِ عليه؟ كانَ فيهِما ذَنْبٌ لا يُقْلِعَانِ عنه؟ ما تابَا منه؟ اسْتَمَرَّا عليه؟ قالَ: نَعم، كانا يَتَتَبَّعَانِ عَوْرَاتِ المُسلمين، كانا يُفَتِّشانِ عن عُيُوبِ الناس، فَخُتِمَ لَهُما – والعِياذُ باللهِ تعالى – بالمَوتِ على غيرِ الإيمان. فَيَنبغي أنْ يَحذرَ الشخصُ مِنْ مثلِ هذه العِلَل، اللهُ تعالى يَحْفَظُنا.
وَءَامِنْ رَوْعَاتِي قال أحد الصالحين: الرَّوْعَةُ ما يُخافُ منه في الدُّنيا وفي الآخِرَةِ، والرَّوْعاتُ هي جَمعُ رَوعةٍ، وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الرَّوْعِ، الفَزَعِ، أي: ادفَعْ عنِّي خَوفًا يُقْلِقُنِي ويُزْعِجُنِي. قال السِّنْديُّ في معنى هذا الدُّعاءِ: وكأنَّ التَّقديرَ: “وآمِنِّي مِن رَوْعاتي”، على قِياسِ: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش/ الآية 4]. اهـ
والنبي لَا يوصف بخوف الجبن، يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الْجُبْنُ، أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ بَلِ الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ مَوْجُودٌ فِيهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ النُّفُورِ مِنَ الْحَيَّةِ فَإِنَّ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ تَقْتَضِي الْهَرَبَ مِنَ الْحَيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ التَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهُمْ.
وَلا يُقَالُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَرَبَ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ أَمَّا فَرَّ مِنَ الأَذَى مَثَلًا فَلا يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ يُقَالُ هَاجَرَ فِرَارًا مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ هَذَا جَائِزٌ مَا فِيهِ نَقْصٌ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مُوسَى ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 21]
اللهم احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي أي: ادفَعْ عنِّي البلاءَ منَ الجِهاتِ السِّتِّ، لأنَّ كُلَّ بَلِيَّةٍ تَصِلُ الإنسانَ إنَّما تَصِلُهُ مِن إحداهُنَّ، وبالَغَ في جِهَةِ السُّفْلِ لِرَداءَةِ الآفَةِ مِنها. والاغتِيالُ هُوَ الأخذُ غِيلَةً. قال في “النِّهايَةِ”: يُقالُ: “غالَهُ يَغُولُهُ، واغتالَهُ”، إذا ذَهَبَ به وأهلَكَه. اهـ. وقيلَ في تفسيرِ هذا الحديثِ: «أَنْ أُغتالَ مِن تَحْتِي» أي: أن أُهْلَكَ بالخَسْفِ، والأصلُ في الاغتِيالِ أن يُؤتَى المرءُ مِن حيثُ لا يَشْعُرُ، وأن يُدْهى بمكروهٍ لم يَرْتَقِبْه. قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 65] وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ قال الطِّيبيُّ: وما أَحْسَنَ موقعَ قولِه: «بِعَظَمَتِكَ» في هذا المقامِ، فَلْيَتَدَبَّر. اهـ وَهذَا أَسَاسُ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ أحد الصالحين: عَظَمَةُ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَقَالَ الجُنَيْدُ: سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ الْيَقِينُ، فَقَالَ السَّائِلُ: بَيِّنْ لِي مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ مَعْرِفَتُكَ أَنَّ حَرَكَاتِ الخَلْقِ وَسُكُونَهُمْ فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ وَحَّدْتَهُ. اهـ
وقَالَ الرَّفَاعِيُّ: التَّوْحِيدُ (أَي: تَوْحِيدُ اللَّهِ) وُجْدَانُ تَعْظِيمٍ فِي القَلْبِ، يَمْنَعُ مِنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ. اهـ أَي: مِنْ قُوَّةِ اليَقِينِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يَمْتَنِعُ عَنِ الوُقُوعِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ. يَعْنِي كَلَامُ سَيِّدِنَا الرَّفَاعِيِّ أَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ ذَاتٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ مُتَصِفٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الجَلَالِ وَالكَمَالِ، مُنَزَّهٍ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصَانِ وَالاحْتِيَاجِ كَالزَّمَانِ وَالجِهَةِ وَالمَكَانِ. وَالتَّعْطِيلُ مَعْنَاهُ إِنْكَارُ وُجُودِ اللَّهِ أَوْ إِنْكَارُ قُدْرَتِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الواجِبَةِ لِلَّهِ إِجْمَاعًا.
وَالتَّشْبِيهُ يَكُونُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ المَخْلُوقَاتِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالحَجْمِ وَالكَيْفِ وَالهيْئَةِ وَالصُّورَةِ. فَقُوَّةُ اليَقِينِ فِي قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ عَنِ الوُقُوعِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مُوقِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونُ قُوَّةَ إِيمَانِهِ وَيَكُونُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَقَعُ بِمَا يُنْسِبُ النَّقَائِصَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَ هذَا حَالَهُ يَعْبُدُ اللَّهَ حَقَّ العِبَادَةِ، وَكُلُّ هذَا عَلَامَةُ خَيْرٍ وَتَرَقٍّ فِي المَقَامَاتِ وَالدَّرَجَاتِ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي أي: أُؤخَذَ مِن تَحتِي بِداهيةٍ لا أدري مِمّن هي. والاغتِيالُ أن يُقتَل مِن مَوضعٍ لا يَراه أحَدٌ ولا يَعرِف مَن قتَلَه. قَالَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْخَسْفُ.
والله تعالى أعلم وأحكم