بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ الدَّاعي إلى بابِه، الموفِّقِ مَن شاءَ لصوابِهِ، أنعمَ بإنزالِ كتابِه، يَشتملُ على مُحكمٍ ومتشابِه، فأمَّا الَّذَينَ في قُلُوبهم زَيْغٌ فيتبعونَ ما تَشَابَه منه، وأمَّا الراسخونَ في العلمِ فيقولونَ ءامنَّا به، أحمدُه تعالى على الهدَى وتَيسيرِ أسبابِه، وأشهدُ أنْ لا إِله إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له شهادةً أرْجو بها النجاةَ مِنْ عقابِه،
وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه أكمَلُ النَّاسِ عَملًا في ذهابِه وإيابِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى صاحبِه أبي بكرٍ أفْضلِ أصحَابِه، وعَلَى عُمر الَّذِي أعَزَّ اللهُ بِهِ الدِّيْنَ واسْتَقَامَتِ الدُّنْيَا بِهِ، وَعَلَى عثمانَ شهيدِ دارِهِ ومِحْرَابِه، وعَلى عليٍّ المشهورِ بحَلِّ المـُشْكِلِ مِن العلومِ وكَشْفِ نِقابِه، وَعَلَى ءالِهِ وأصحابِه ومَنْ كانَ أوْلَى بِهِ.
أمَّا بعدُ:
فقد وصلنَا في كتابِ حليةِ البشرِ في شرحِ الأذكارِ التي يقولُهَا المصلِّي بعد انتهائِه مِن صلاةِ الفجرِ والمغربِ، ووصلنَا إلى قوله:
الحديث
وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ بِشَىْءٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا الَّذِى تَقُولُهُ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ وَبِكَ أُصَاوِلُ وَبِكَ أُقَاتِلُ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ أَبُو يَحْيَى النَّمِرِيُّ مِنَ بني النَّمِرِ بنِ قَاسِطٍ. الرُّوْمِيُّ، البَدْرِيُّ، المُهَاجِرِيُّ. وَيُعْرَفُ بِالرُّوْمِيِّ؛ لأَنَّهُ أَقَامَ فِي الرُّوْمِ مُدَّةً. وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَزِيْرَةِ، سُبِيَ مِنْ قَرْيَةِ نِيْنَوَى، مِنْ أَعْمَالِ المَوْصِلِ. وَقَدْ كَانَ أَبُوْهُ أَوْ عَمُّهُ عَامِلًا لِكِسْرَى، ثُمَّ إِنَّهُ جُلِبَ إِلَى مَكَّةَ، فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ جُدْعَانَ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ.
كَانَ مِنْ كِبَارِ السَّابِقِيْنَ البَدْرِيِّيْنَ. حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ حَبِيْبٌ، وَزِيَادٌ، وَحَمْزَةُ؛ وَحدَّثَ عنهُ سَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَكَعْبُ الأحبارِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي لَيْلَى، وَآخَرُوْنَ. رَوَى أَحَادِيْثَ مَعْدُوْدَةً، خَرَّجُوا لَهُ فِي الكُتُبِ. وَكَانَ فَاضِلًا، وَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ، اسْتَنَابَهُ عَلَى الصَّلَاةِ بِالمُسْلِمِيْنَ إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الشُّوْرَى عَلَى إِمَامٍ. وَكَانَ مَوْصُوْفًا بِالكَرَمِ وَالسَّمَاحَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَكَانَ رَجُلًا أَحْمَرَ، شَدِيْدَ الحُمْرَةِ، لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ. وهو الذي قال: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ: أَبَا يَحْيَى. وقد صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُوْحَى إِلَيْهِ. قَالَ عَمَّارُ بنُ ياسرٍ: لَقِيْتُ صُهَيْبًا عَلَى بَابِ دَارِ الأَرْقَمِ، وَفِيْهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَدَخَلْنَا، فَعَرَضَ عَلَيْنَا الإِسْلَامَ، فَأَسْلَمْنَا،
وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّوْمِ» رواه الحاكم في المستدرك.
وروى ابن أبي شيبة عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: “أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَخَبَّابٌ وَصُهَيْبٌ وَعَمَّارٌ وَسُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارٍ”. قَالَ: “فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وَأُخِذَ الْآخَرُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ، ثُمَّ صَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى بَلَغَ الْجُهْدُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ”.
وقد روي أنّه أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا، وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَنَثَلَ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُم، وَايْمُ اللهِ لا تَصِلُوْنَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي، ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي، فَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي، وَخَلَّيْتُمْ سَبِيْلِي؟ قَالُوا: نَفْعَلُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَبِحَ البَيْعُ أَبَا يَحْيَى! رَبِحَ البَيْعُ أَبَا يَحْيَى!»، وَنَزَلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 207] مَاتَ صُهَيْبٌ بِالمَدِيْنَةِ، فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ، عَنْ سَبْعِيْنَ سَنَةً. لَهُ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ حَدِيْثا. رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مِنْهَا ثَلاثَةَ أَحَادِيْثَ.
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ يعني بعدَ أنْ أدَّى صلاةَ الفجرِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بِشَىْءٍ أي بكلامٍ، ولم يسمعْ مَا هيَ الكلماتُ على التحديدِ لذلكَ سألَهُ عنهَا، ليقتديَ بهِ، فهوَ خيرُ مَنْ يُقتَدَى بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، الصحابةُ كانوا يبحثونَ ويتَتَبَّعُونَ مَاذَا كانَ يعملُ رسولُ اللهِ ﷺ ليعمَلُوا مثلَه مِن شدةِ تعلُّقِ القلوبِ بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ومِن شدةِ حبِّهِم لهُ ﷺ، وَرُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ المُتَابَعَةِ لِفِعلِ وَقَولِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّةً كَانَ يَمشِي فِي قَافِلَةٍ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ،فَوَقَفَ فَجأَةً دُونَ أَيِّ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ وَأَجلَسَ بَعِيرَهُ، ثُمَّ قَامَ فَأَكمَلَ سَيرَهُ فِي القَافِلَةِ، فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا شَيءَ، إِلَّا أَنَّنِي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي هَذَا المَكَانِ فَفَعَلتُ مِثلَهُ.اهـفَالمُوَافَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِنَهجِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ تَعَالَىْ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 31] فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا الَّذِى تَقُولُهُ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ أي بحولِكَ وقوَّتِكَ وعَونِكَ أحاولُ أيْ أُعَالِجُ أمورِي. وقَال البَيهَقِيُّ: أيْ أُطَالِبُ وَبِكَ أُصَاوِلُ أي أُدَافِعُ مِنَ الصِّيَالِ. وقَالَ ابنُ الجَزَرِيِّ: أي أَسطُو وَأَقهَرُ وَبِكَ أُقَاتِلُ أَي أُخَاصِمُ وَأُجَاهِدُ وَلَا يَخفَى مَا اشتَمَلَ عليهِ هذَا الذِّكرُ مِنَ التَّبَرِّي مِنَ الحَولِ والقُوَّةِ ورَدِّ الأمرِ إليهِ تعالَى. استدلَّ الحافظُ الإمامُ البيهقيُّ بهذَا الحديثِ علَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَلْقِ مَكْتُوبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مَقْدُورَةٌ لَهُ فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ عزّ وجلّ خَلْقٌ، وَمِمَّنْ بَاشَرَهَا كَسْبٌ. وهذَا المُوافقُ للقرآنِ الكريمِ، قالَ البيهقيُّ: كمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]وَقَالَ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 102]وَقَالَ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 101]. فَامْتُدِحَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فَكَمَا لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ خَلْقِهِ وَقَالَ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر/ الآية 49] وَقَالَ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 2]وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة غافر/ الآية 62]وَقَالَ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 164] وَقَالَ: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 88] وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة/ الآية 17]. فَامْتُدِحَ بِالْخَلْقِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَخَلْقِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيمَا خَلَقَ كَلَامُهُ وَسَائِرُ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، كَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ ذَاتُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ غَيْرِهِ.
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 59] وَأَفْعَالُ الْخَلْقِ بَيْنَهُمَا فَتَنَاوَلَهَا صِفَةُ الْخَلْقِ. وَقَالَ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 95-96] يَعْنِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ أَعْمَالَكُمُ الَّتِي هِيَ أَكْسَابُكُمْ. وَقَالَ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الملك/ الآية 13] يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أَسْرَارَكُمْ بِقَوْلِكُمْ وَجَهْرِكُمْ بِهِ وَمَا تُكِنُّهُ صُدُورُكُمْ، وَفِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا يَكْسِبُهُ الْإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ عز وجل وَقَالَ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [سورة النجم/ الآية 43]. كَمَا قَالَ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [سورة النجم/ الآية 44] وَقَالَ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ﴾ [سورة سبأ/ الآية 18] كَمَا قَالَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة فصلت/ الآية 10] وَقَالَ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 110] وَقَالَ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [سورة الكهف/ الآية 18] وَقَالَ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 64] وَقَالَ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [سورة النحل/ الآية 15] وَقَالَ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 63] كَمَا قَالَ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [سورة النور/ الآية 43] وَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النحل/ الآية 79] كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [سورة فاطر/ الآية 41] وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 73]، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 72] وَقَالَ فِي غَيْرِهِمْ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة القصص/ الآية 41]كَمَا قَالَ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [سورة الفرقان/ الآية 62] وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم/ الآية 21] كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [سورة الأحقاف/ الآية 26] وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [سورة المائدة/ الآية 13] كَمَا قَالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة الإنسان/ الآية 2] فَكَمَا أَنَّ الْإِحْيَاءَ، وَالْإِمَاتَةَ، وَالْإِقْوَاتَ، وَالتَّقْلِيبَ فِي الْكَهْفِ وَإِلْقَاءَ الرَّوَاسِي وَتَأْلِيفَ السَّحَابِ، وَإِمْسَاكَ السَّمَاءِ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ، مُقَدَّرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُكَوَّنَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْإِضْحَاكُ وَالْإِبْكَاءُ، وَالتَّسْيِيرُ، وَتَقْلِيبُ الْأَفْئِدَةِ، وَإِلْقَاءُ الْعَدَاوَةِ، وَالتَّأْلِيفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَإِمْسَاكُ الطَّيْرِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ، وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ مُقَدَّرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، مُكَوَّنَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتُدِحَ بِالْقَوْلَيْنِ وَأَخْرَجَهُمَا جَمِيعًا مَخْرَجًا وَاحِدًا وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 12] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْفُلْكَ كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَنْعَامَ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 81] فَامْتُدِحَ بِفِعْلِهِ وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [سورة النحل/ الآية 80] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [سورة النحل/ الآية 80]. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَهَا سَكَنًا وَبُيُوتًا وَأَثَاثًا وَمَتَاعًا، وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ خَلْقٌ، وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة يونس/ الآية 22] وَقَالَ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 251] وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [سورة النحل/ الآية 78] وَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة النحل/ الآية 127] وَقَالَ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [سورة البقرة/ الآية 250] وَقَالَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 151] وَقَالَ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 26] وَقَالَ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [سورة التوبة/ الآية 14] وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَعَ مَا يُشْبِهُهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ صَادِرَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمِنْ الْعِبَادِ كَسْبًا وَقَالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال/ الآية 17] وَقَالَ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17] وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [سورة الواقعة/ الآية 64] فَسَلَبَ عَنْهُمْ فِعْلَ الْقَتْلِ وَالرَّمْيِ وَالزَّرْعِ مَعَ مُبَاشَرَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرَ فِي الْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ هُوَ إِيجَادُهُ وَاخْتِرَاعُهُ، وَخَلْقُهُ وَتَقْدِيرُهُ، وَإِنَّمَا وَجَدَ مِنْ عِبَادِهِ مُبَاشَرَةَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ بِقُدْرَةٍ حَادِثَةٍ أَحْدَثَهَا خَالِقُهُم عَلَى مَا أَرَادَ، فَهُوَ مِنَ اللَّهِ سبحانه وتعالى خَلْقٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَرَعَهُ بِقُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَهُوَ مِنْ عِبَادِهِ كَسْبٌ عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ بِمُبَاشَرَتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَكْسَابُهُمْ.
وفي الصحيحينِ عنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ كانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرٍ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَديهِ» فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، يعني يخوضون فيها وينظرون من يتولّى هذا، من يحصل له هذا الشيء، من يفوز بهذا الشرف، كلهم يرجو أن يعطاهافَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُوا أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى لَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ أُنْفُذْ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَوَاللَّهِ لِأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» وَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَدَيْ مَنْ بَاشَرَ الْفَتْحَ، وَالْهُدَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَدِ مَنْ بَاشَرَهُ حَيْثُ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» وَقَالَ: «يَهْدِي اللَّهُ بِكَ» فَأَثْبَتَ الْخَلْقَ وَالْكَسْبَ جَمِيعًا.اهـ
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ» ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ فَحَمَلَنَا عَلَى ثَلَاثَةٍ غُرِّ الذُّرَى فَلَمَّا رَجَعْنَا قُلْتُ لِأَصْحَابِي: وَاللَّهِ لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ارْجِعُوا قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا قَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ- ترجم البخاري لهذا الحديث: باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96] وأراد أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة – وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17].اهـ
وروى البيهقي في كتاب القضاء والقدر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قِصَّةِ بَدْرٍ قَالَ: وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: «اللهم إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا» فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: خُذْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ تُرَابِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَمَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمِنْخَرَيْهِ وَفَمَهُ تُرَابٌ مِنْ تِلْكِ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ.اهـ
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 74] قَالَ: “يَقُولُ أَئِمَّةُ هُدًى يَهْتَدِي بِنَا، وَلَا يَجْعَلْنَا أَئِمَّةً ضُلَّالًا، لِأَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 73] وَقَالَ لِأَهْلِ الشَّقَاوَةِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة القصص/ الآية 41].اهـ”.
متن الحديث الآخر
وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى ذَرٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِى دُبُرِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِىَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِى حِرْزٍ مِنَ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعَالَى». قَالَ التِّرْمِذِىُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِى بَعْضِ النُّسَخِ صَحِيحٌ. وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ أَىْ غَيْرُ مَادٍّ رِجْلَيْهِ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى ذَرٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِى دُبُرِ الْفَجْرِ وهنَا أُشِيرُ إِلى أَمرٍ وَهُوَ أَنَّ الأَحسَنَ غَالِبًا أَن لَا يَنَامَ الشَّخصُ بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ، بَل يَبقَى يَذكُرُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ وَإِلَى أَن يُصَلِّيَ الضُّحَى وَإِلَى وَقتِ القَيلُولَةِ وَهُوَ يكونُ ظُهرًا، وقدْ قالَ الحافظُ النوويُّ في كتابِهِ الأذكارِ: ورَوَينَا عنْ أبِي محمدٍ البغويِّ فِي “شرحِ السنةِ” قالَ: قالَ علقَمَةُ بنُ قَيسٍ: بَلَغَنَا أَنَّ الأَرضَ تَعُجُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ نَومَةِ العَالِمِ بَعدَ صَلَاةِ الصُّبحِ، وَاللهُ أَعلَمُ.
قَالَ ابنُ علَّان: أَي لِأَنَّهُ أَشرَفُ النَّهَارِ وَمُفتَتَحُهُ فَهُوَ حَرِيٌّ بِأَنْ يُعمَرَ بِالطَّاعَاتِ وَفِي النَّومِ تَرْكُ ذَلِكَ، وأيضًا فَهُوَ وَقتُ قِسمَةِ الأَرزَاقِ وَالنَّائِمُ مُعرِضٌ عَن أَثَرِ ذَلِكَ وَقَد بَيَّنتُ فِيمَا يُسَنُّ فِيهِ إِيقَاظُ النَّائِمِ أَنَّه يُسَنُّ إِيقَاظُ مَن نَامَ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ وَقَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ لِمَا روى البيهقي أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الصُّبْحَةُ – وهي النوم أول النهار – تُمنعُ الرِّزْقَ».
وَعَنْ بَعضِهِمْ قَالَ ابنُ العِمَادِ وَأَظُنُّهُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ أَنَّهُ رَأَى ابْنًا لَهُ نَائِمًا فِي هَذَا الوَقتِ فَأَيقَظَهُ وَقَالَ: الأَرزَاقُ تُقَسَّمُ وَأَنتَ نَائِمٌ!! وَسَاقَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرحِ الشِّفَاءِ مِثلَ هَذِهِ القِصَّةِ عَنِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ وَزَادَ: فَإِنَّمَا النَّومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: حُمْقٌ وَهُوَ بَعدَ صَلَاةِ العَصرِ لَا يَنَامُهُ إِلَّا سَكْرَانُ أَو شَيطَانُ، وَخُلُقٌ وَهُوَ القَائِلَةُ [أيِ الظهرُ، والمعنَى أَنَّ صاحِبَها عَلى الخُلُقِ والصفةِ الحسنَةِ] وَخُرْقٌ [أي جهل وحمق] وَهُوَ بَعدَ الصُّبحِ.اهـ وَمَحَلُّهُ إِنْ كانَ لِغَيرِ عذرٍ إلَّا بِأَن غَلَبَهُ النَّومُ وَلَم يَقدِرْ عَلَى دَفعِهِ فَلَا بَأسَ. وَفِي الأَحكَامِ السُّلطَانِيَّةِ لِلمَاوَردِيِّ لَمَّا أَرْسَلَ ابنُ الزُّبَيرِ مَرَّةً إلَى عُبَيدِ بنِ نُمَيرٍ فَقِيلَ هُوَ نَائِمٌ فَأَرسَلَ إِلَيهِ وَأَيقَظَهُ وَقَالَ: أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ الأَرضَ تَضِجُّ إِلَى اللهِ مِنْ نَومَةِ العُلَمَاءِ بَعدَ الفَجرِ.اهـ
وَفِي روايةٍ: إِيَّاكُم وَنَومَةَ الغَدَاةِ فَإِنَّهَا مُنجِرَةٌ مُجفِرَةٌ مُجعِرَةٌ. قَالَ أبُو العَبَّاسِ: المُجفِرَةُ يُبسُ الطَّبِيعَةِ وَالمُجعِرَةُ مُقَطِّعَةُ النِّكَاحِ.اهـ وَفِي شَرحِ الشِّفَاءِ لِلتِّلِمسَانِيِّ قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عمروِ بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عَنهُ: النَّومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ نَومٌ خَرَقٌ وَنَومٌ خَلِقٌ وَنَومٌ حُمقٌ فَأَمَّا نَومُ الخَرَقِ فَنَومُ الضُّحَى تَقضِي النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ وَهُوَ نَائِمٌ، وَأَمَّا نَومُ الخَلِقِ فَنَومُ القَائِلَةِ، وَأَمَّا نَومُ الحُمقِ فَالنَّومُ حِينَ تَحضُرُ الصَّلَاةُ وَالنَّومُ بَينَ العِشَاءَينِ يمنع الرِّزقَ.اهـ قَالَ الحافِظُ فِي الفَتحِ وَأَخرَجَ سُفيَانُ ابنُ عُيَينَةَ فِي جَامِعِهِ عَن خَوَّاتٍ رَضِي اللهُ عَنهُ قَالَ: نَومُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ [أي حُمْقٌ] وَأَوسَطُهُ خُلُقٌ [أي خُلُقٌ حسن] وَآخِرُهُ حُمقٌ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.اهـ
وَفِي نُزهَةِ العُيُونِ لِنَجمِ الدِّينِ بنِ فَهدٍ: النَّومُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَيلُولَةٌ وَهِيَ الفَقرُ وَعِندَ الضُّحَى فَيلُولَةٌ وَهِيَ الفُتُورُ وَقَبلَ الزَّوَالِ قَيلُولَةٌ وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَقلِ وَبَعدَ الزَّوَالِ حَيلُولَةٌ أَي حِيلَ بَينَهُ وَبَينَ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِ النَّهَارِ غَيلُولَةٌ أَي تُورِثُ الهَلَاكَ.اهـ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ أَىْ غَيْرُ مَادٍّ رِجْلَيْهِ. أي عاطفهما كما كان في التشهد قبل أن ينهض قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ قال ابن علان: أي يتكلم بأجنبي لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ هذا الذكرُ فيه إثباتُ الشهادةِ التي هي أصلُ التوحيد، والنبيُّ ﷺ لا يفترُ لسانُه عن ذكرِها والنطقِ بها ليلًا ونهارًا وفي كلِ أحيانِه، ومِن بدايةِ النهارِ بعد صلاةِ الفجرِ، وهي الأساسُ لقواعدِ دينِ الإسلام. ويتلخّصُ معناهَا في قولِهِم: اعلم أرشدَنا اللهُ وإياكَ أنهُ يجبُ على كلِّ مكلّفٍ أن يعلمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ واحدٌ في ملكِهِ، خلقَ العالمَ بأسرِهِ العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسمـٰواتِ والأرضَ وما فيهمَا وما بينهُمَا. جميعُ الخلائِقِ مقهورونَ بقدرتِهِ، لا تتحرَكُ ذرةٌ إلا بإذنِهِ، ليس معهُ مُدَبّرٌ في الخلقِ ولا شريكٌ في الملكِ، حيّ قيومٌ لا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، عالمُ الغيبِ والشهادةِ لا يخفى عليه شىء في الأرضِ ولا في السماءِ، يعلمُ ما في البرّ والبحرِ، وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُهَا، ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبينٍ. أحاطَ بكلِ شىء علمًا وأحصَى كلّ شىءٍ عددًا، فعّالٌ لما يريدُ، قادرٌ على ما يشاءُ، له الملكُ وله الغِنى، وله العِزُّ والبقاءُ، وله الحكمُ والقضاءُ، وله الأسماءُ الحسنى، لا دافعَ لما قضَى، ولا مانعَ لما أعطَى، يَفْعَلُ في ملكِهِ ما يريدُ، ويَحْكُمُ في خَلْقِهِ بما يشاءُ، لا يَرجُو ثوابًا ولا يخافُ عقابًا، ليس عليهِ حقٌ يلزَمُهُ ولا عليهِ حُكْمٌ، وكلُّ نِعْمةٍ منْهُ فَضْلٌ وكل نِقْمةٍ منه عَدْلٌ، لا يُسألُ عمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألونَ. مَوجودٌ قبلَ الخَلْقِ، ليسَ لهُ قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ ولا بعضٌ، ولا يقالُ متَى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كانَ ولا مكانَ، كوَّنَ الأكوانَ، ودبَّرَ الزمانَ، لا يتقَيَّدُ بالزمانِ، ولا يتخصَّصُ بالمكانِ، ولا يشغَلُهُ شأْنٌ عن شأْنٍ، ولا يلحقُهُ وهمٌ ولا يكتنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بالذّهنِ، ولا يتمثَّلُ في النفسِ، ولا يُتَصَوّرُ في الوهمِ، ولا يتكيّفُ في العقلِ، لا تَلْحَقُهُ الأوهامُ والأفكارُ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]. تنزَّه ربّي عن الجلوسِ والقعودِ والاستقرارِ والمحاذاةِ، الرّحمـٰنُ على العرشِ استوى استواءً منزهًا عن المماسةِ والاعوجاجِ، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِهِ ولم يتَّخِذه مكانًا لذاتِهِ، ومن اعتقدَ أنَّ اللهَ جالسٌ على العرشِ فهو كافرٌ، الرّحمـٰنُ على العرشِ استوى كما أخبرَ لا كما يخطرُ للبشرِ، فهو قاهرٌ للعرشِ مُتَصرِّفٌ فيه كيف يشاءُ، تنزَّهَ وتقدَّسَ ربّي عن الحركةِ والسكونِ، وعن الاتصالِ والانفصالِ والقُربِ والبُعدِ بالحِسِّ والمسافةِ، وعن التَّحوُّلِ والزّوالِ والانتقالِ، جلَّ ربّي لا تُحيطُ به الأَوهامُ ولا الظُّنونُ ولا الأفهامُ، لا فِكرةَ في الرَّبِّ، لا إلـٰه إلا هو، تقدَّسَ عن كلِّ صفاتِ المخلوقينَ وسِمَاتِ المحدَثينَ، لا يَمَسُّ ولا يُمَسُّ ولا يُحَسُّ ولا يُجَسُّ، لا يُعرَفُ بالحواسِّ ولا يُقاسُ بالناس، نُوَحِّدُه ولا نُبَعِّضُه، ليس جسمًا ولا يتَّصِفُ بصفاتِ الأجسام، فالمجسِّم كافر بالإجماع وإن قال: «الله جسمٌ لا كالأجسام» وإن صامَ وصلَّى صورةً، فاللهُ ليسَ شبحًا، وليسَ شخصًا، وليسَ جوهرًا، وليسَ عَرَضًا، لا تَحُلُّ فيه الأعراضُ، ليس مؤلَّفًا ولا مُرَكَّبًا، ليس بذي أبعاضٍ ولا أجزاءٍ، ليس ضوءًا وليس ظلامًا، ليس ماءً وليس غَيمًا وليس هواءً وليس نارًا، وليس روحًا ولا له روحٌ، لا اجتماعَ له ولا افتراقَ، لا تجري عليه الآفاتُ ولا تأخذُه السِّنَاتُ، منزّهٌ عن الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ والسَّمْكِ والتركيبِ والتأليفِ والألوانِ، لا يَحُلُّ فيه شىء، ولا يَنْحَلُّ منه شىء، ولا يَحُلُّ هو في شىء، لأنه ليس كمثله شىء، فمن زعم أن الله في شىء أو من شىء أو على شىء فقد أشرك، إذ لو كان في شىء لكان محصورًا، ولو كان من شىء لكان مُحدَثًا أي مخلوقًا، ولو كان على شىء لكان محمولًا، وهو معكم بعلمه أينما كنتم لا تخفى عليه خافية، وهو أعلم بكم منكم، وليس كالهواء مخالطًا لكم. وكلَّم الله موسى تكليمًا، وكلامُه كلامٌ واحدٌ لا يتبعض ولا يتعدد ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً، ليس مُبتَدَأً ولا مُختَتَمًا، ولا يتخلله انقطاع، أزليٌ أبديٌ ليس ككلام المخلوقين، فهو ليس بفم ولا لسان ولا شفاه ولا مخارج حروف ولا انسلال هواء ولا اصطكاك أجرام. كلامُه صفةٌ من صفاتِه، وصفاتُه أزليةٌ أبديةٌ كذاتِه، وصفاته لا تتغيَّر لأنَّ التغيُّرَ أكبرُ علاماتِ الحدوثِ، وحدوثُ الصفةِ يستلزمُ حدوثَ الذاتِ، والله منزَّهٌ عن كل ذلك، مهما تصوّرت ببالك فالله لا يشبه ذلك، فصونوا عقائدَكم من التَّمَسُّكِ بظاهِرِ ما تشابه من الكتابِ والسنَّةِ فإنَّ ذلك من أصولِ الكفر،﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة النحل/ الآية 74]، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النحل/ الآية 60]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 65]، ومن زعم أن إلـٰهنا محدودٌ فقد جَهِلَ الخالقَ المعبودَ، فالله تعالى ليس بقدر العرش ولا أوسع منه ولا أصغر، ولا تصِحُّ العبادة إلا بعد معرفة المعبود، وتعالى ربّنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد خرج من الإسلام وكفر. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 2]، ما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن، وكلّ ما دخل في الوجود من أجسامٍ وأجرامٍ وأعمالٍ وحركاتٍ وسكناتٍ ونوايا وخواطرَ وحياةٍ وموتٍ وصحةٍ ومَرَض ولذّة وألَمٍ وفَرَح وحزنٍ وانزعاجٍ وانبساطٍ وحرارةٍ وبُرودةٍ ولُيونة وخشونةٍ وحلاوةٍ ومرارة وإيمانٍ وكفر وطاعة ومعصية وفوز وخسران وتوفيق وخذلان وتحركات وسكنات الإنس والجن والملائكة والبهائم وقطرات المياه والبحار والأنهار والآبار وأوراق الشجر وحبات الرمال والحصى في السهول والجبال والقفار فهو بخلق الله، بتقديره وعلمه الأزلي، فالإنس والجن والملائكة والبهائم لا يخلقون شيئًا من أعمالهم، وهم وأعمالهم خلق لله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، ومن كذَّبَ بالقدر فقد كفر. ونشهد أن سَيِّدَنا ونبيَّنا وعظيمنا وقائدَنا وقُرَّة أعينِنا وغوثنا ووسيلتنا ومعلمنا وهادينا ومرشدنا وشفيعنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، مَن أرسَلَه اللهُ رحمةً للعالمين، جاءنا بدين الإسلام ككُلِّ الأنبياء والمرسلين، هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه قمرًا وهَّاجًا وسِراجًا مُنيرًا، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين، فعَلَّمَ وأرشدَ ونصحَ وهدى إلى طريق الحقِّ والجنَّة، ﷺ وعلى كلِّ رسولٍ أرسَلَه، ورضي الله عن ساداتنا وأئمتنا وقدوتنا وملاذنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر العشرة المبشرين بالجنة الأتقياء البررة وعن أمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات النقيات المبرآت، وعن أهل البيت الأصفياء الأجلاء وعن سائر الأولياء وعباد الله الصالحين عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِىَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِى حِرْزٍ أَيْ: في حِفْظٍمِنَ كُلِّ مَكْرُوهٍ مِنَ الْآفَاتِوَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ وهذا تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِكَمَالِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ. الشيطان: العاتي المتمرّد، من شاط احترق، أو من شَطَنَ بَعُد، والرجيم فعيل بمعنى مفعول: أي المبعد من رحمة الله.اهـ وليعلم كذلك أن إبليس لعنهُ اللهُ، لم يكن ملَكا كما يتوهمُ بعضُ الناسِ فإنَّ بعضَ الناسِ يظنونَ أنَّ إبليسَ كان من الملائكةِ ثم عصى أمر اللهِ تعالى، حتى إنَّ بعضهم يظنون أنه كان طاووسَ الملائكةِ، والحقيقةُ كما قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الكهفِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف/ الآية 50]. فإبليس كانَ من الجنِّ، وكان في أولِ أمرِهِ مؤمِنا يعبُدُ اللهَ مع الملائكةِ فلذلكَ لحقَهُ الأمرُ بالسجودِ لآدَمَ عليه السلام، ولكنَّهُ فسَقَ عن أمرِ ربِّهِ ورفَضَ السجودَ واعتَرَضَ على اللهِ والعياذُ باللهِ فطُرِدَ من رحمةِ اللهِ ولُعِنَ إلى أبدِ الآبِدين. وليُعْلَمْ أنَّإبْليسَ كافرٌ بِدَليلِ قَولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 34]. ومن قال بخلاف ذلك فقد كذّب القُرآنَ
وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ أَيْ: يُهْلِكَهُ وَيُبْطِلَ عَمَلَهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِذَنْبٍ يُذْنَبُ أَنْ يُدْرِكَ الْقَائِلَ وَيُحِيطَ بِهِ وَيَسْتَأْصِلَهُ، سِوَى الشِّرْكِ. وهو أشد الذنوب والعياذ بالله تعالى، فيجب على العبد اجتنابه في كل الأحيان، وهو أقسام كما ذكر ذلك العلماء كالنووي وغيره، الكفر القولي: كَالَّذِى يَسُبُّ اللَّهَ أَوِ الْقُرْءَانَ أَوِ الإِسْلامَ أَوِ الصَّلاةَ أَوِ الصِّيَامَ أَوِ الْكَعْبَةَ أَو نَحوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعَظَّمٌ فِي الشَّرِع. الكفر الاعتقادى: كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ أَوْ ضَوْءٌ أَوْ رُوحٌ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ فِى جِهَةٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ. الكفر الفعلي: كَرَمْىِ الْمُصْحَفِ أَو وَرَقَةٍ فِيهَا ءَايَةٌ أَو حَدِيثٌ أَو اسمٌ مُعَظَّمٌ فِى الْقَاذُورَاتِ، أَوْ سُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ السُّجُودِ لِإِبْلِيسَ أَوْ كِتَابَةِ الْقُرْءَانِ بِالْبَوْلِ أَوْ دَمِ الْحَيْضِ. فَمَنْ وَقَعَ فِى شَىْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ الْعَوْدُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. قَالَ التِّرْمِذِىُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِى بَعْضِ النُّسَخِ صَحِيحٌ. وفي رواية: «وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ» ومعناه: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْعُو بِهِ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِدُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ.
والله تعالى أعلم وأحكم