المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم يَا رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، سُبْحَانَكَ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ، جلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم.
الحَمْدُ للهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَالَمْ نَعْلَمْ، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، عَدَدَ خَلَائِقِهِ كُلِّهِمْ مَا عَلِمْنَا مِنْهُمْ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى، وَرَسُولُهُ المُجْتَبَى، وَحَبِيبُهُ المُرْتَضَى، خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الصَّادِقُ الوَعْدِ الأَمِينُ، اللهم إنَّا نَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّكَ وَرَسُولَكَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وتَرَكَنَا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِك.
اللهم فَصَلِّ وَسَلِّمْ مِنَّا عَلَيْهِ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
وصلنا في كتاب حِلية البشر إلى قوله:
بَابٌ فِى فَضْلِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا) [سورة الأحزاب/ الآية 56].
أوّلًا:أُنبّه وأُبيّن أنّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ تَعْظِيمٌ وَرِفْعَةُ قَدْرٍ لمقامه الشريف عليه الصلاة والسلام، وَالصَّلاةُ مِنَ الْمَلائِكَةِ دُعَاءٌ بالخير.
فليس معنى قولنا: “اللهم صلِّ على محمد” أنّ الله يصلي حقيقة الصلاةَ التي نعرفها، فهذا لا يجوز كما نطق به بعض الجهال مما سمعناه في زماننا هذا.
الله تعالى لا يوصف بصفات البشر، الله تعالى ليس جسما ولا يحتاج إلى خلقه، وخلقه لا يستغنون عنه عزّ وجلّ. الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لذلك لا يجوز وصف فعله بفعل المخلوقات ولا وصف صفاته بصفات المخلوقات، ومن فَعَلَ هذا فقد كذب القرآن ولا يكون من المسلمين، وقد قال الإمام الطحاوي رحمه الله في بيان عقيدة المسلمين في حقّ الله تعالى: “وَتَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَرْكَانِ وَالأَدَوَاتِ لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ”. أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ حَدٌّ؛ وَالْحَدُّ مَعْنَاهُ نِهَايَةُ الشَّىْءِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالْمِسَاحَةُ وَالْمِقْدَارُ فَنَفْىُ الْحَدِّ عَنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْىِ الْحَجْمِ.
وَمَعْنَى “الْغَايَاتِ” النِّهَايَاتُ وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ. وَمَعْنَى “الأَرْكَانِ” الْجَوَانِبُ، وَمَعْنَى “الأَعْضَاءِ” جَمْعُ عُضْوٍ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الأَجْسَامِ، وَمَعْنَى “الأَدَوَاتِ” الأَجْزَاءُ الصَّغِيرَةُ كَاللَّهَاةِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: “لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ” أَىْ لا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَهِىَ فَوْقٌ وَتَحْتٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ وَقُدَّامٌ وَخَلْفٌ لِأَنَّ هَذِهِ لا تَصِحُّ إِلَّا لِمَنْ هُوَ جِرْمٌ، ونَقْلُ الطَّحَاوِىِّ هَذَا فِيهِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ.
قال القاضي عياض في الشفا: “قَال اللَّه تَعَالَى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا)، قَال ابْنُ عَبَّاس مَعْنَاه أَنّ اللَّه وَمَلَائِكَتَه يُبَارِكُون عَلَى النَّبِيّ، وَقَال أبو بَكْر الْقُشَيْرِيّ: الصَّلَاة مِن اللَّه تَعَالَى لِمَن دُون النَّبِيّ ﷺ رَحْمة وللنبِيّ ﷺ تَشْرِيف وَزِيَادَة تَكْرِمَة، وَقَال أَبُو الْعَالِيَة: صَلَاة اللَّه ثَنَاؤُه عَلَيْه عِنْد الْمَلَائِكَة، وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الدُّعَاء”.اهـ
“وَأَمَّا التَّسْلِيم الَّذِي أمر اللَّه تَعَالَى بِه عِبَادَه، فَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر بن بُكَيْر: نزلت هَذِه الآيَة عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَأَمَر اللَّهُ أصْحَابَه أن يُسَلّمُوا عَلَيْه، وَكَذَلِك من بعْدَهُم أُمِرُوا أن يُسَلّمُوا عَلَى النَّبِيّ ﷺ عِنْد حُضُورِهِم قَبْرَه وعند ذِكْرِه”. ومعنى قوله تعالى: (وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا) أَيْ قولوا: اللهم سلِّم على محمد، فمعنى: “اللهم صل وسلم على سيدنا محمد” اللهم زد محمدا شرفا وتعظيما وسلّمه مما يخافه على أمته.
وأقول بعد ذلك: إِنّ أحسنَ الحَدِيث كتابُ الله الْكَرِيم وَخيرَ الْهدي مَا نُقل عَن الْمَوْصُوف بالخُلق الْعَظِيم، فالسعيد من امتثل أوَامِر كِتَابه وَرَسُوله واقتفى من أثرهما مَا يبلغ بِهِ غَايَة قَصده،
وفقنا الله لاتباع محبته ومراضيه وهدانا فِيمَا بَقِي من الْعُمر، وَعَفا عَمَّا جرى فِي ماضيه بِمَنّه وقوّته وَحَوله، وإن ربنا عز وجل أنزل على حبيبه المصطفى ﷺفي كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قولَه تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا)،
قال الحافظ ابن الجوزي: “اعلموا عباد الله رحمكم الله أَنّ الله تبَارك وَتَعَالَى لَطَفَ بعباده الْمُؤمنِينَ وَأمرهمْ بِالصَّلَاةِ على سيد الْمُرْسلين؛ ليستنقذهم بهَا من الْعَذَاب الدَّائِم المهين، فصلّى عَلَيْهِ رَبنَا ومولانا تَشْرِيفًا وتكريما وصلّت عَلَيْهِ مَلَائكَته تَفْضِيلًا وتعظيما، وَأمر عباده أَن يصلوا عَلَيْهِ ليُبيح لَهُم من الْجنَّة مقَاما كَرِيمًا، فَقَالَ من لم يزل سميعا عليما عليا عَظِيما: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا) فاجتهدوا بِنَا يَا معاشر الْإِسْلَام فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام على مُحَمَّد خير الْأَنَام فَعَسَى أَن يُشفّعه فِينَا يَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام،
ذُكر فِي بعض الْأَخْبَار مَا من عبد سَأَلَ الله مَوْلَاهُ حَاجَة لَهُ فِيهَا الصلاة على النبي ﷺ إِلَّا قضى الله حَاجته وَصرف عَنهُ عِنْد صلَاته على مُحَمَّد ﷺ سبعين نوعا من الْبلَاء فِي بدنه وَفِي دينه وَفِي مَاله وَفِي أَهله وَرفع لَهُ سبعين دَرَجَة”.
اللَّهُمَّ صلِّ على النَّبِي مُحَمَّد الْمُخْتَار وَسيد الْأَنْبِيَاء والأبرار وزَين الْمُرْسلين الأخيار وَأكْرم من أظلم عَلَيْهِ اللَّيْل وأشرق النَّهَار أبي الْقَاسِم الأوّاب الْمُخْتَار، وأنشدوا:
صَلَّى الْإِلَهُ وَكُلُّ عَبْدٍ صَالِــــــحِ *** وَالطَّيِّبُوْنَ عَلَى السِّرَاجِ الْوَاضِحِ
الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْأَنَامِ مُحَمَّــــــدٍ *** الطَّاهِرِ الْعَلَمِ الضِّيَاءِ اللَّائِــــــحِ
زَيْنِ الْأَنَامِ الْمُرْتَضَى عَلَمِ الْهُدَىْ *** الصَّــادِقِ الْبَرِّ الْوَفِيِّ النَّاصِــــحِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا هَبَّـــــتْ صَبَـا *** وَتَجَاوَبَتْ وِرْقُ الْحَمَامِ النَّائِــــحِ
فاجتهدوا فِي الصَّلَاة على مُحَمَّد يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وتحصّنوا بهَا من الْعَذَاب الشَّديد.
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺأَنه قَالَ: «أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فَإِنِّي أشفعُ لكم على قَدْرِ ذَلِك».
ورَوَى التِّرْمِذِىُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَىَّ». رَغِمَ أَنْفُ فُلانٍ فِى الأَصْلِ مَعْنَاهُ جُعِلَ فِى الرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ؛ وَالْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا فَوَّتَ خَيْرًا كَثِيرًا. قال ابن الأثير: يُقَالُ رَغِمَ يَرْغَمُ، ورَغَمَ يَرْغَمُ رَغْماً ورِغْماً ورُغْماً، وأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ: أَيْ ألصَقه بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ. هَذَا هُوَ الأصلُ، ثُمَّ استُعْمل فِي الذُّل وَالْعَجْزِ عَنِ الانْتصاف، والانْقياد على كُرْه.
ومعنى الحديث السابق: أي خابَ وخَسِر مَن قَدِر علَى أن يُصلِّي على النبيّ ﷺ حِين ذُكِر عِندَه فَتَرَك الصلاة عليه لِغَير عُذر، لأنّ مَن فَوَّتَ على نَفسِه أجرَ الصلاة والسلام على النبيّ ﷺ فلا شَكَّ خاسِرٌ أمرًا عَظِيمًا بِتَفوِيتِه عَلَى نَفْسِه الخَيرَ والبَرَكةَ لَكِنّهُ لا يَكونُ عاصِيًا ءاثِمًا بذلك.
الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا زينَ الخلائِقِ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا خاتم النبيين يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا زَيْنَ المرْسَلينَ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا إِمامَ المتَّقينَ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا حَبيبَ المحبوبِ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا بُغْيَةَ المطْلوبِ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا إِمَامَ الأَبْرارِ يا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا سيدي يا رسول الله. فمن كان لرسول الله محبًّا كان مكثرًا للصلاة عليه وكان مكثرًا من ذكره عليه الصلاة والسلام وكان معظمًا له ﷺ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» أَيْ: عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَالْمَعْنَى رَحِمَهُ وَضَاعَفَ أَجْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَا) [سورة الأنعام/ الآية 160].
وهذه الأحاديث وغيرها مما سنذكره تدلّ على عظيم فضل الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإنّ لذلك أجرا عظيما وخيرا عظيما وفضلا كبيرا، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دليل على شدة تعلّق القلب به عليه الصلاة والسلام وكثرة محبته صلى الله عليه وسلم، ومحبة الله عزّ وجلّ ومحبة نبيه الكريم ﷺ ما جاورت قلب عبد إلا أفلح بإذن الله، وقد بيّن القرآن الكريم أهميتها فقال عز وجل: (قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ) [سورة التوبة/ الآية 24] فكفى بهذه الآية حضًّا وتنبيها ودلالة وحجة على لزوم وفرْضية محبته ﷺ وعظم قدرها.
هنيئا لمن كان راسخًا في حب الله وحب نبيه ﷺ، ولهذا الحب علامات؛ ومنها كثرة ذكر المحب للنبي ﷺ وكثرة الصلاة عليه لأنّ من أحب شيئا أكثر من ذكره في كثير من أحواله، يقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رواه البيهقي، ويقول ﷺ: «البَخِيْلُ الذي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رواه الترمذي، فأكثروا يا أحباب محمد ﷺ من الصلاة عليه فالصلاة عليه ترياق العارفين ولذة عباد الله الصالحين، وهي نعمة عظيمة من الله عز وجل على عباده المؤمنين، جعل الله فيها الهناء والسرور، والفرح والحبور وتيسير الأمور، وهي سيرة مرضية تمحى بها الآثام والذنوب وتنشرح بها الصدور، وتكشف بها الهموم، وتنجلي بها الغموم، وتُدفع بها العاهات وتقضى بها الحاجات، وترفع بها الدرجات، وتكفر بها الخطيئات والزلات وتكثر بها الأرزاق، وهي وسيلة خير مباركة تنال بها بإذن الله تعالى شفاعة الرسول الأعظم ﷺ يوم القيامة.
وقد قيل:
هذا النبي محمدٌ خيرُ الـــورى *** ونبيُهم وبــــــه تشرّف ءادمُ
هو في المدينة ثاويًا بضريحـه *** حقًا ويسمعُ مَن عليـــه يسلّمُ
وإذا توسل مستضامٌ باسمـــــه *** زال الذي من أجلــــه يَتوهّمُ
صلى عليه اللهُ جــــلّ جلالـــه *** ما راحَ حادٍ باسمـــــه يترنمُ
اللهم صلِّ على محمد بعدد من صلى عليه من خلقك، وصلِّ عليه بعدد من لم يصلِّ عليه من خلقك، وصلِّ على محمد كما تنبغي الصلاة عليه، وصلِّ على محمد كما أمرتنا بالصلاة عليه.
اللهم اجعل صلواتِك وبركاتِك ورحمتَك على سيدِ المرسلين وإمام المتقين محمدٍ عبدِك ورسولِك إمام الخير وقائدِ الخير ورسولِ الرحمة، اللهم فكما أمرتنا بالصلاة عليه بلّغ صلاتنا إليه يا رب العالمين واجمعنا به في جنات النعيم مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقد جاء في فضيلة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ ﷺ والتسليم عَلَيْهِ الآيات والأحاديث الكثيرة:
روى مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلِيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لي الوسيلة، فإنها مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوسيلة حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ»،
وَرَوَى البيهقي عن أَنَس بن مَالِك أَنّ النَّبِيّ ﷺ قال: «من صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ» وَفِي رِوَايَة: «وَكَتَب لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ».
وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِي فَقَال: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَرَفَعَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ)).
وَمِن رِوَايَة عَبْد الرَّحْمن بن عَوْف عَنْه ﷺ: «لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي إِنِّي أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ».
وعن زَيْد بن الْحُبَاب سَمِعْت النَّبِيّ ﷺ يَقُول: «مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي».
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً».
وَعَن أبي هريرة عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغَفِرْ لَهُ مَا بَقِي اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ».
وَعَن عامِر بن رَبِيعَة سَمِعْت النبي ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى صَلَاة صَلَّت عَلَيْه الْمَلَائِكَة مَا صَلَّى عَلَيّ فَلْيُقلّ من ذَلِك عَبْد أَو لِيُكْثِر».
وَعَن أبَيّ بن كَعْب كَان رَسُول اللَّه ﷺ إذَا ذَهَب رُبُع اللَّيْل قَام فَقَال: «يَا أيُّهَا النَّاس اذْكُرُوا اللَّه جَاءَت الرَّاجِفَة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة جاءَ الْمَوْت بِمَا فِيه» فَقَال أُبَيّ بن كَعْب: يَا رَسُول اللَّه إنّي أُكْثِر الصَّلَاة عَلَيْك فكم أَجْعَل لَك من صَلَاتِي؟ قَال: «مَا شِئْت». قَال: الرّبْع؟ قَال: «مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ» قَال: الثُّلُث؟ قَال: «مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ». قَال: النّصْف؟ قَال: «مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ» قَال: الثُّلُثَيْن؟ قَال: «مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ». قَال: يَا رَسُول اللَّه فَاجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا لَك. قَال: «إذًا تُكْفَى همّك وَيُغْفَر ذَنْبُكَ».
وَعَن أَبِي طلحة قال: دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَرَأيْت من بِشْره وطلاقته ما لم أرَه قَطّ فَسَألْتُه، فقال: «وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ خَرَجَ جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَتَانِي بِبِشَارَةٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي إِلَيْكَ أُبَشِّرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُصَلِّي عَلَيْكَ إِلَّا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ بِهَا عَشْرًا»،
وَعَن جَابِر بن عَبْد اللَّه قَال: قَال النَّبِيّ ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَعَن سَعْد بن أَبِي وَقَّاص: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ».
وَرَوَى ابن وَهْب أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال: «مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عَشْرًا فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً».
وَفِي بَعْض الآثار: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ مَا أَعْرِفُهُمْ إِلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ عَلَيَّ» وَعَنْ أَبِي بَكْر الصديق رضي الله عنه: “الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ ﷺ أَمْحَقُ لِلذُّنُوب مِن الْمَاء الْبَارِد لِلنَّار، وَالسَّلَامُ عليه أفْضَل من عِتْق الرّقَاب”.
وعَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصْبَحْتَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ، يُرَى فِي وَجْهِكَ الْبِشْرُ، قَالَ: «أَجَلْ، أَتَانِي آتٍ مِنْ عندِ -ليس فيه نسبة المكان لله ومعناه من المكان المشرف عند ربي كما قال الله تعالى في القرآن إخبارا عن السيدة آسيا بنت مزاحم (رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ) [سورة التحريم/ الآية 11] أي في المكان المشرف عندك فالله لا يحتاج إلى المكان سبحانه- رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَاةً -أي طلب لك من الله دوام التشريف ومزيد التعظيم- كَتَبَ اللهُ لَهُ -أي في صحيفته، فإضافة الكتابة لله عز وجل إذ الكاتب الملائكة- بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ -أي ثوابَها مضاعفا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة-، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا» رواه أحمد.
قال ابن الجوزي في بستان الواعظين: وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَنّ فِي الصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد ﷺ عشرَ كرامات: إِحْدَاهُنَّ صَلَاةُ الْملك الْجَبَّار، وَالثَّانيِة شَفَاعَة النَّبِي الْمُخْتَار، وَالثَّالِثَة الِاقْتِدَاء بِالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَار، وَالرَّابِعَة مُخَالفَة الْمُنَافِقين وَالْكفَّار، وَالْخَامِسَة محو الْخَطَايَا والأوزار، وَالسَّادِسَة قَضَاء الْحَوَائِج والأوطار، وَالسَّابِعَة تنوير الظَّوَاهِر والأسرار، وَالثَّامِنَة النجَاة من عَذَاب دَار الْبَوَار، والتاسعة دُخُول دَار الرَّاحَة والقرار، والعاشرة سَلام الْملك الْغفار. وَلم يُقسم الله بحياة أحد إِلَّا بحياة مُحَمَّد ﷺ.
رُوِيَ عَن عبد الْوَاحِد بن زيد أَنه قَالَ: خرجت حَاجًا إِلَى بَيت الله الْحَرَام فصحبني رجل فِي الطَّرِيق كَانَ لَا يقوم وَلَا يقْعد وَلَا يَجِيء وَلَا يذهب وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يتَطَهَّر وَلَا ينَام وَلَا يتَصَرَّف فِي شَيْء إِلَّا أَكثر من الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ. فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: أحَدثك بعجب عَجِيب، خرجت مرّة إِلَى مَكَّة معي وَالِدي، فنزلنا منزلا فِي مَوضِع من منَازِل الطَّرِيق فَنمت، فَإِذا أَنا بهاتف يَهْتِف بِي وَهُوَ يَقُول: يَا فلَان قُم فقد أمات الله والدك وَقد سود وَجهه. فانتبهت فَزعًا مَرْعُوبًا مِمَّا سَمِعت، فَإِذا هُوَ رَاقِد، وَقد غطي وَجهه، فَكشفت الثَّوْب عَن وَجهه فَإِذا هُوَ ميت وَوَجهه أسود.
فَاشْتَدَّ حزني لذَلِك وتحيّرت فِي أمره فغلب عَليّ النّوم، فَإِذا أَنا بأَرْبعَة سودان عِنْد رَأسه، وَأَرْبَعَة عِنْد رجلَيْهِ بِأَيْدِيهِم أعمدة من حَدِيد من نَار، وهم يُرِيدُونَ عَذَابه، فَبَيْنَمَا أَنا أنظر فِيمَا يكون من أَمر وَالِدي مَعَ السودَان، إِذا بِرَجُل قد جَاءَ فأشرق من نور وَجهه الْموضعُ كُله الَّذِي كُنَّا فِيهِ، وَأَقْبل على السودَان وَقَالَ تنحوا عَنهُ، فَتنحّى السودَان عَنهُ من ساعتهم وغابوا عني فَلم أرهم، ثمَّ أقبل على وَالِدي، فَمسح بِيَدِهِ على وَجهه، فَإِذا هُوَ أَشدُ بَيَاضًا من الثَّلج، والنورُ قد علا وَجهه، ثمَّ أقبل عَليّ، فَقَالَ لي: بيّض الله وَجه أَبِيك وَزَالَ عَنهُ السوَاد. فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ فجزاك الله عَنهُ خيرا. قَالَ: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله. فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله ﷺ مَا كَانَ السَّبَب فِي مجيئك إِلَيْهِ؟ فَقَالَ ﷺ: أمَّا والدك فَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه غير أَنه كَانَ يكثر من الصَّلَاة عَليّ، فَلَمَّا نزل بِهِ مَا نزل اسْتَغَاثَ بِي وَأَنا غياثٌ لمن أَكثر الصَّلَاة عَليّ.
فَقُمْت من نومي فَكشفت الثَّوْب عَن وَجهه فَإِذا هُوَ قد ابيض، فَأخذت فِي أمره وشرعت فِي دَفنه، فَمَا تركت الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ بعد ذَلِك.
وقال أيضا: فَإِذا كَانَت الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ تورث تنوير الْوَجْه بعد الْمَمَات فَأولى أن تورث تنوير الْقُلُوب فِي الْحَيَاة، وَقد سَمَّاهُ فِي كِتَابه سِرَاجًا منيرا وَوصف من اتبع أمره وسنته وأحبه بِنور الْقلب، قَالَ الله تَعَالَى: (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِ) [سورة الزمر/ الآية 22]، وَوصف من خَالف دينه وَمن لم يُؤمن بِهِ بظلمة الْقلب قَالَ تَعَالَى: (وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ) [سورة النور/ الآية 40]، فمالكم عباد الله غافلون عَن هَذِه الْفَضِيلَة وَالنعْمَة الدائمة الجزيلة، عباد الله تَعَاهَدُوا الصَّلَاة على حبيبنا مُحَمَّد ﷺ لِأَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خيرا يسّر لِسَانه للصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ، وَإِذا أَرَادَ بِعَبْدِهِ شرا حبس لِسَانه عَن الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ فَيكون ذَلِك سَببا لسواد وَجهه كَمَا أَن الصَّلَاة سبب لتنوير الْقلب.
وقد قيل:
حب النَّبِي على الْأَنَام فَرِيضَة *** وَلَا تنس ذكر الْهَاشِمِي الأكرم
إِنّ الصَّلَاة على النَّبِي وَسِيلَـة *** فِيهَـــا النجَاة لكل عبد مُسلــــم
صلوا على الْقَمَر الْمُنِير فَإِنَّهُ *** نور تبدى فِي الْغَمَــــام المظلم
رحم الْعبادَ بِهِ عَزِيــز قَـــادر *** فالشكر لله الْعلــــــــي الْمُنعـــم
اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد مَا اتَّصَلت عين بِنَظَر، وتزخرفت أَرض بمطر، وَحجّ حَاج وَاعْتمر، ولبى وَنحر وَحلق وَقصّر وَطَاف بِالْبَيْتِ وَقبّل الْحجر، اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ وعَلى آله اللهم صلِّ عَلَيْهِ عدد من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَعدد من لم يصلِّ عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وصلِّ عَلَيْهِ عدد الذَّاكِرِينَ وغفلة الغافلين، واحشرنا فِي زمرته يَوْم الدّين، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم.
روى البيهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ الثَّوَابِ» معناه يقول ياليتني ما فَوَّتُّ ذلك لِعِظَمِ الثواب الذي يرى لمن فعل ذلك.
وَحَكى أَبُو عِيسَى التَرْمِذيّ عَن بَعْض أَهْل الْعِلْم قَال: إذَا صَلَّى الرَّجُل عَلَى النَّبِيّ ﷺ مَرَّة فِي المَجْلِس أجْزَأ عَنْه مَا كَان فِي ذَلِك المَجْلِس.
ذَكَر أَبُو بَكْر بن أَبِي شَيْبَة عَن أَبِي هُرَيْرَة قَال، قَال رسول الله ﷺ: «مَن صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ»،
وَعَنِ ابن مَسْعُود: «إنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»،
وَفِي حَدِيث أوْس: «أكْثِروا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»،
وَعَنْ سُلَيْمَان بن سُحَيْم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤْلَاءِ الَّذِينَ يَأتُونَكَ فَيُسَلَّمُونَ عَلَيْكَ أَتَفْقَهُ سَلامَهُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ».
وَعَن ابن شِهَاب: بَلَغَنَا أَنّ رَسُول اللَّه ﷺ قَال: «أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِي اللَّيْلَةِ الزَّهْرَاءِ -ليلة الجمعة- وَالْيَوْمِ الْأَزْهَرِ -يوم الجمعة- فَإِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ عَنْكُمْ، وَإِنَّ الأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا حَمَلَهَا مَلَكٌ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إِلَيَّ وَيُسَمِّيهِ حَتَّى إِنَّه لَيَقُولُ: إِنَّ فُلانًا يَقُولُ كَذَا وَكَذَا».
ومن علامات محبته ﷺ كثرة الشوق إلى لقائه وكثرة تعظيمه عند ذكره وإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه ﷺ، ولقد قيل إن أصحاب المصطفى ﷺ وكذلك كثير من التابعين بعد وفاة النبي ﷺ إذا ذكروه خشعوا واقشعرّت جلودهم وبكوا بكاء شديدًا محبة وشوقًا إليه ﷺ، ومنهم من كان يفعل ذلك تهيبًا وتوقيرًا له ﷺ، وكيف لا يكون ذلك منهم والرسول الأعظم ﷺ قد حاز وجمع جمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق وطهارة الباطن، وله ﷺ فضل عظيم على أمته من حيث إحسانُه وإنعامُه عليهم من أوصافٍ وصفه الله تبارك وتعالى بها في القرآن الكريم، فما أعظمَ وأجلّ نبيّنا المصطفى ﷺ.
يقول أحد العاشقين العارفين بتعظيم جاه وقدر النبي الأعظم ﷺ:
أرى كلّ مَدحٍ في النّبي مُقصرا *** وإنْ بالَغَ المُثْني عليه وأَكثــــرا
إذا الله أثنى في الكتاب المُنــزل *** عليه فما مقدار ما تمدح الورى
وكان الشيخ بدر الدين الحسني يُصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة وأوصى بها كل يوم (7) مرات ويوم الجمعة (10) مرات، ولها من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله:
اللهم صلِّ على سيدنا محمد صلاة تُحَسِّن بها الأخلاق، وتُيَسِّر بها الأرزاق، وتدفع بها المَشاق، وتملأ منها الآفاق، وعلى آله وصحبه وسلم صلاةً دائمةً من يومَ خَلقتَ الدنيا إلى يوم التَّلاق، واسترنا بين يديك يا عزيز يا خَلّاق.
والله تعالى أعلم وأحكم