مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا صُنْعًا، وَتَصَرَّفَ كَمَا شَاءَ إِعْطَاءً وَمَنْعًا، أَنْشَأَ الآدَمِيَّ مِنْ نطفةٍ فَإِذَا هُوَ يَسْعَى، وَخَلَقَ لَهُ عَيْنَيْنِ لِيُبْصِرَ الْمَسْعَى، وَوَالَى لَدَيْهِ النِّعَمَ وَتْرًا وَشَفْعًا، أَحْمَدُهُ مَا أَرْسَلَ سَحَابًا وَأَنْبَتَ زَرْعًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ نَبِيٍّ عَلَّمَ أُمَّتَهُ شَرْعًا، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَتْ نَفَقَتُهُ لِلإِسْلامِ نَفْعًا، وَعَلَى عُمَرَ ضَيْفِ الإِسْلامِ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ الْمُسْتَدْعَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي ارْتَكَبَ مِنْهُ الْفُجَّارُ بِدَعًا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يُحِبُّهُ أَهْلُ السُّنَّةِ طَبْعًا.
أما بعد، فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:
بَابُ أَذْكَارِ الرُّكُوع
كيفية الركوع
الركوع ركن من أركان الصلاة، الرُّكْنُ الْخَامِسُ من أركان الصلاة هُوَ الرُّكُوعُ وَيَحْصُلُ بِالِانْحِنَاءِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي تَنَالُ – أَيْ تَبْلُغُ – الرَّاحَتَانِ رُكْبَتَيْهِ لَوْ وَضَعَهُمَا عَلَيْهِمَا مَعَ اعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ، وَالرَّاحَتَانِ هُمَا مَا عَدَا الأَصَابِعَ مِنَ الْكَفَّيْنِ وَالرَّاحَةُ مُقَعَّرُ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَالسَّاعِدِ. ويُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِانْحِنَاءُ بِلا انْخِنَاسٍ أَيْ ثَنْيِ الرُّكْبَتَيْنِ كَثِيرًا، وَلا يَكْفِي بُلُوغُ الأَصَابِعِ دُونَ الرَّاحَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِاعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ طَوِيلَ الرَّاحَتَيْنِ فَانْحَنَى بِقَدْرِ مَا تَصِلُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُعْتَدِلًا لَمْ تَصِلا فَلا يَكْفِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ فَالشَّرْطُ فِي صِحَّةِ رُكُوعِهِ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَوْ كَانَ مُعْتَدِلًا، وَيُشْتَرَطُ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ فَلَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ هَذَا الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ لَمْ يَصِحَّ رُكُوعُهُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الرُّكُوعِ عَدَمُ وُجُودِ الصَّارِفِ، وَالصَّارِفُ هُوَ الشَّىْءُ الَّذِي يَصْرِفُ هَذَا الْهُوِيَّ عَنْ كَوْنِهِ رُكُوعًا إِلَى غَيْرِهِ كَقَصْدِهِ سُجُودَ التِّلاوَةِ فَهَوَى بِهَذَا الْقَصْدِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ رُكُوعًا فَهُنَا لا يَصِحُّ هَذَا الْهُوِيُّ لِوُجُودِ الصَّارِفِ وَهُوَ قَصْدُ سُجُودِ التِّلاوَةِ فَمَنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ بِالْهُوِيِّ بِنِيَّةِ سُجُودِ التِّلاوَةِ أَنْ يَتْرُكَ سُجُودَ التِّلاوَةِ إِلَى الرُّكُوعِ فَلا بُدَّ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعَ. هَذَا حَدُّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ،
وَأَمَّا الْكَمَالُ فِي الرُّكُوعِ فَهُوَ أَنْ يَمُدَّ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ كَالصَّفِيحَةِ مَعَ نَصْبِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ، وَلا يَضُرُّ ثَنْيُ الرُّكْبَتَيْنِ ثَنْيًا خَفِيفًا بِالإِجْمَاعِ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَخْذِ الرُّكْبَتَيْنِ بِالرَّاحَتَيْنِ مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ وَبَيْنَ الرِّجْلَيْنِ شِبْرًا وَبَيْنَ الأَصَابِعِ تَفْرِيقًا وَسَطًا هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسَنُّ لَهَا أَنْ تُقَارِبَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا.
وَمِنْ كَمَالِ الرُّكُوعِ قَوْلُ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم» ثَلاثًا وَهَذَا غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى رِضَا الْمَأْمُومِينَ، أَمَّا مَا زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فَفِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا مَأْمُومِينَ مَحْصُورِينَ أَيْ لا يَأْتِي إِلَيْهِمْ غَيْرُهُم، فَإِنْ زَادَ وَهُمْ لا يَرْضَوْنَ فَهُوَ خِلافُ الأَوْلَى،
ولا بد من الطمأنينة في الركوع، فالرُّكْنُ السَّادِسُ من أركان الصلاة هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ في الركوع وَالْمُرَادُ بِالطُّمَأْنِينَةِ اسْتِقْرَارُ الأَعْضَاءِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
الحديث
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ:«اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ ءَامَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي».
الشرح
المشهور الذي نعرفه جميعًا أنّ المصلي يقول في ركوعه في الصلاة: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم»، وورد رواياتٌ أخرى بأذكار أخرى في الركوع سنذكر بعضها إن شاء الله. أما معنى قولنا: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم» أي تنزّه الله العظيم قدرا ومكانة لا حجما وجسما فهو عز وجل لا يوصف بالجسمية ولا بصفات الأجسام، فَهُوَ عَظِيمُ الشَّأنِ مُنَزَّهٌ عَن صِفَاتِ الأَجسَامِ، فَاللهُ أَعظَمُ قَدرًا مِن كُلِّ عَظِيمٍ،قال تعالى:﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255]، أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَظِيمٌ وَأَعظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ، وَمَعنى العَظَمَةِ وَالعُلُوِّ وَالعِزَّةِ وَالرِّفعَةِ وَالفَوقِيَّةِ وَاحِدٌ وَهُوَ اِستِحقَاقُ نُعُوتِ الجَلَالِ وَذَلِكَ تَقَدُّسُهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقينَ وَتَنَزُّهُهُ عَن سِمَاتِ المُحَدَثِينَ وَعَنِ الحَاجَةِ وَالنَّقصِ وَاِتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الإِلَٰهِيَّةِ كَالقُدرَةِ الشَّامِلَةِ لِلمَقدُورَاتِ وَالإِرَادَةِ النَّافِذَةِ فِي المُرَادَاتِ وَالعِلمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعلُومَاتِ وَالجُودِ البَسِيطِ – أَيِ الوَاسِعِ الكَثِيرِ – وَالرَّحمَةِ الوَاسِعَةِ وَالنِّعمَةِ السَّابِغَةِ وَالسَّمعِ وَالبَصَرِ وَالقَولِ القَدِيمِ.اهـ
فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَعظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ قَدرًا وَعَظَمَةً وَرُتبَةً وَشَأنًا وَمَنزِلَةً، وَلَيسَ حَجمًا وَلَا جُثَّةً وَلَا كَمِّيَّةً، إِذ إِنَّ مَن وَصَفَ اللهَ بِالحَجمِيَّةِ وَالجِسمِيَّةِ أَو عُلُوِّ المَكَانِ وَالمَسَافَةِ أَوِ الجِهَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللهِ العَظِيمِ جَاهِلٌ بِهِ، وَمَعنَى سُبحَانَ رَبِّيَ الأَعلَى وَسُبحَانَ رَبَّيَ العَظِيمِ تَقدِيسٌ وَتَمجِيدٌ وَتَعظِيمٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيسَ عَلَى مَا يَعتَقِدُهُ الكُفَّارُ مِن نِسبَةِ المكَانِ أَوِ الحَجمِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَلَيسَ عِظَمُ اللهِ تَعَالَى مِن حَيثُ الجِسمِيَّةُ وَالتَّركِيبُ مِن أَجزَاءَ، فَالمُرَكَّبُ مُحتَاجٌ لِمَن رَكَّبَهُ وَمُحتَاجٌ لِمَن حَدَّهُ بِذَلِكَ الحَدِّ وَمُحتَاجٌ لِمَن قَدَّرَهُ بِمِقدَارِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيهِ، كَثِيرًا كَانَ أَو قَلِيلًا، وَكُلُّ مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى مَحدُودَةٌ، هُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَدَّهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 8]، وقال الله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]، فَمَن نَظَرَ فِي هَاتَينِ الآيَتَينِ عَلِمَ أَنَّ العَالَمَ وَمَا فِيهِ لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ، مِنهُ العَظِيمُ المِقدَارِ وَمِنهُ القَلِيلُ المِقدَارِ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيسَ لَهُ مِقدَارٌ لَا كَبِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَو كَان لَهُ مِقدَارٌ لِكَانَ شَبَهًا لِأَجزَاءِ العَالَمِ المقَدَّرَةِ المَحدُودَةِ.
ومن خواص اسم الله العظيم: وَجُودُ العَافِيَةِ وَالبُرءِ مِنَ المَرَضِ لِمَن يُكثِرُ مِن ذِكرِهِ وَلَم يَكُن حَضَرَ أَجَلُهُ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ)) أي أنا أخصك بالعبادة يا رب العالمين، والركوع مظهر عظيم من مظاهر التذلل لله تعالى وَبِكَ ءَامَنْتُ النبي مؤمن بالله طول عمره عليه الصلاة والسلام، ليس معناه أنه آمن الآن أو أنه كان على الكفر والضلال ثم آمن، لا، بل هو مؤمن بالله أُلهِمَ أصل الإيمان طول عمره الشريف عليه الصلاة والسلام، فأنبياء الله جميعا على الإيمان لم يكفروا بالله ولم يكونوا على غير الإيمان طرفة عين، يستحيل عليهم الكفر قبل النبوة وبعدها، سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم ويونس وغيرهم من الأبنياء كلهم مؤمنون بالله لم يكونوا طرفة عين على الكفر والعياذ بالله، وأما ما ورد في قوله تعالى عن نبيه يونس عليه السلام: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 87]. فقوله تعالى: ﴿وذَا النُّونِ﴾ يعني يونس بن متى عليه السلام و(النُّونِ) أي الحوت وأضيف عليه السلام إليه لابتلاعه إياه، وقوله تعالى:﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي ذهب مغاضبًا لقومه من أهل نَينَوى الذين كانوا في أرض الموصل بالعراق لأنهم كذبوه ولم يؤمنوا بدعوته وأصرّوا على كفرهم وشركهم. ولا يجوز اعتقاد أن نبي الله يونس عليه السلام ذهب مُغاضبًا لله، لأنّ هذا فيه نسبه الكفر لنبي الله يونس والعياذ بالله، ومعلوم أنّ الله عصم الأنبياء من الكفر، فمن نسب إلى يونس عليه السلام أنّه ذهب مغاضبًا لله فقد افترى على نبي الله ونسب إليه الجهل بالله والكفر به وهو كفر.
وأما قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي ظنَّ أن الله تعالى لن يُضيّق عليه بتركه لقومه قبل أن يؤمر بذلك، ولا يجوز أيضًا أن يعتقد أن نبي الله يونس عليه السلام ظنّ أنّ الله تعالى لا يقدر عليه. فأنبياء الله تعالى جميعهم عارفون بالله وهم أفضل خلق الله وقد عصمهم الله تعالى من الجهل به ومن كل فعل وقول واعتقاد ينافي العصمة.
وَلَكَ أَسْلَمْتُ أي استسلمت، وهذا هو المعنى اللغوي للإسلام، معناه أنا أستسلم لك يا رب العالمين، أخضع لك، أنقاد لك يا الله، أَيْ: لَكَ ذَلَلْتُ وَانْقَدْتُ، أَوْ لَكَ أَخْلَصْتُ وَجْهِي، أَوْ لَكَ خَذَلْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ أَهْوَاءَهَا.
والإسلام لغة الانقياد، وشرعًا انقيادٌ مخصوص، وهو الانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالنطق بالشهادتين. أصله الانقياد بالنطق بالشهادتين وكمال الانقياد بأداء الواجبات واجتناب المحرمات. والإيمان لغة التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا﴾ [سورة يوسف/ الآية 17] أي وما أنت بمصدق لنا. وشرعًا تصديق مخصوص، وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يبيّن أنّ الإسلام لغة يطلق على الاستسلام والخضوع، قوله عز وجل: ﴿وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 83] أي استسلموا وخضعوا وليس المعنى أنهم كلهم مسلمين،
والإسلام والإيمان متلازمان لا يُقبل أحدهما بدون الآخر، ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غير مؤمن أو مؤمنا غير مسلم فهو ضالّ من الضالين الجاهلين باللغة والدين. ولا يكفي نطق من غير اعتقاد وتصديق ولا يكفي اعتقاد من غير نطق بالشهادتين، لابد أن يجتمعا وإن كانا مختلفين من حيث معنياهما الأصليان.
فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: “لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن”
لأن الظهر لا يوجد إلا مع وجود بطنه والعكس كذلك فهما متلازمان فبطن الشيء لا يوجد إلا بوجود ظهره. من صدّق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهذا ما زال كافرا.
فإذًا الإيمان لا ينفصلُ عن الإسلام والإسلام لا ينفصل عن الإيمان، فمَن ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدّق ذلك بالنطق بالشهادتين بلسانه فهو مسلم مؤمن، إن مات على ذلك لا بُدَّ أن يدخلَ الجنّة. وقولنا لا بد لما ورد في الحديث، فإذا قلنا بأمر مثل هذا وإن كان عنده بعض الكبائر. الفهم السقيم الذي يفهمه البعض يقولون أنتم كالمرجئة تشجّعون على فعل الكبائر تقولون موتوا على الكبائر تدخلون الجنة!!! نحن نقول المسلم العاصي لا بد أن يدخل الجنة لما جاء في الأحاديث بل بالإجماع ينقله العلماء، لا نحثّ الناس أن يقعوا في الكبائر هذا فهم مغلوط، ولكن من سوء النفوس يتهموننا إذا تكلمنا بمثل هذا. نحن نقول إنّ الذي يموت على الإسلام ولو كان عنده كبائر لا بد أن يرحمه الله، لا يعني افعلوا الكبائر!!! معناه حافظوا على الأصل، أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لسيدنا أبي ذر رضي الله عنه فيما رواه البخاري: ((مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). فهل معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يشجع على الزنى وعلى السرقة؟ معناه يُشجّع على حفظ الأصل الذي به ينجو من الخلود الأبدي في النار.
وأمّا قول الله عزّ وجلّ: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ [سورة الحجرات/ الآية 14] هذا المراد به الإسلام اللغوي، يعني قولوا نحن انقدنا ظاهرا، وأما من حيث الحقيقة فما صح لهم لا إسلام ولا إيمان، كانوا على النفاق، الله نفى عنهم الإيمان بمعنى الإيمان الشرعي ولكنهم انقادوا للإسلام لغة خوفا من القتل، فالمرادُ بـ “أسلمنا” الإسلامُ اللغويُّ الذي هو الانقيادُ لا الشرعيُّ، حيث إنّ هؤلاء الأعرابَ كانوا يُظهرون للنّاس أنهم يحبّون الرسولَ صلى الله عليه وسلم وأنهم مُنقادون له خوفًا من القتلِ وفي قلوبهم كرهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
كانوا يكرهون رسول الله ولكن حتى لا يقاتلون كانوا يظهرون هذا، الله تعالى فضحهم.
خَشَعَ لَكَ الخشوع في الصلاة من شروط قبولها، حتى يكون للمصلي أجر في صلاته لا بدّ له أن يخشع فيها ولو لحظة، فَإِحْضَارُ الْقَلْبِ أَيْ أَنْ يَخْشَعَ لِلَّهِ وَلَوْ لَحْظَةً، فَمَنْ لَمْ يَخْشَعْ لِلَّهِ لَحْظَةً فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِلا ثَوَابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
وَالْخُشُوعُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالأَسْبَابِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ. وَمِنْ هَذِهِ الأَسْبَابِ الإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَلا سِيَّمَا عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلاةِ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ «لَعَلَّ هَذِهِ الصَّلاةَ ءَاخِرُ صَلاتِي» أَيْ لَعَلِّي لا أَعِيشُ بَعْدَهَا فَيَصِيرُ فِي قَلْبِهِ خَوْفٌ مِنَ اللَّهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ)) أَيْ قَاطِعِ اللَّذَّاتِ.
وَمَعْنَى الْخُشُوعِ هُوَ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَقْصُودُ خَوْفُ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيمِ، أَمَّا مُجَرَّدُ اسْتِحْضَارِ الْخَوْفِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلا يُسَمَّى خُشُوعًا لِأَنَّ الْخُشُوعَ لِلَّهِ لَيْسَ الْخَوْفَ مِنَ النَّارِ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي مُخِّي أَيِ السَّائِلُ دَاخِلَ الْعَظْمِ، وَعَصَبِي أَيِ الْوَاحِدُ مِنْ أَطْنَابِ الْمَفَاصِلِ. وجاء تَخْصِيصُهُمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْآفَاتِ بِهِمَا، فَإِذَا خَشَعَتَا قَلَّتِ الْوَسَاوِسُ.
حديث آخر من حلية البشر:
الحديث
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ)).
الشرح
((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ)) سُبُّوحٌ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَعَيْبٍ، وَقُدُّوسٌ الْبَلِيغُ فِي النَّزَاهَةِ عَنِ النَّقَائِصِ. القُدُّوسُ: هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَالوَلَدِ وَصِفَاتِ الخَلقِ كَالحَاجَةِ لِلمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ فَهُوَ خَالِقُهُمَا وَمَا سِوَاهُمَا، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى المُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الطَّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ﴾ [سورة الحشر/ الآية 23]، وَقَد وَرَدَ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَقُولُونَ فِي تَسبِيحِهِم: سُبُّوحٌ قٌدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 30]، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ،
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعَ اعتِقَادِنَا الجَازِمِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى ليس كمثله شيء، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَجَسُّمِ وَالِانتِقَالِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقِ.اهـ
وَصِفَاتُ الأَجسَامِ نَحوٌ مِن أَربَعِينَ صِفَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنهَا فَهُوَ قُدُّوسٌ مُنَزَّهٌ عَنِ القَبَائِحِ لَا يَحتَاجُ إِلَى المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَلَا إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَصفُهُ بِصِفَةِ نَقصٍ أَو قُبحٍ كَالمَكرِ وَالخِدَاعِ وَالنِّسيَانِ وَالمَلَلِ وَالِاستِهزَاءِ وَالفَرَحِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ كَمَا المَخلُوقُ وَالغَضَبِ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ الخَلقِ.
فالقاعدة عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة هي تنزيه الله عزّ وجلّ عن مشابهة المخلوقات، وإثبات تنزّه الله عزّ وجلّ عن الشريك والشبيه والمثل، وأما إذا مررت بآية يوهم ظاهرها نسبة النقص إليه عزّ وجلّ فاعلم أن الظاهر غير مراد وأن لها معنًى لائقا بالله سبحانه، قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 84]، أَي هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ، وَهُوَ المَعبُودُ فِي السَّمَاءِ مِن قِبَلِ المَلَائِكَةِ وَالمَعبُودُ فِي الأَرضِ مِن قِبَلِ الإِنسِ وَالجِنِّ المُسلِمِينَ. كما قال الرازي في تفسيره.
وكقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ﴾ [سورة الممتحنة/ الآية 13]،فَالغَضَبُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَكُونُ عَلَى مَعنَى إِرَادَةِ الِانتِقَامِ. كما قال العيني في شرحه للبخاري.
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 57]، وَمَعنَاهُ: يُؤذُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ. كما قال النسفي في تفسيره.
وكقوله تعالى:﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾[سورة الملك/ الآية 16]، قَالَ المُفَسِّرُ البَيضَاوِيُّ: يَعنِي المَلَائِكَةَ.
وقال الرازي: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشَبِّهَةَ احْتَجُّوا عَلَى إِثْبَاتِ الْمَكَانِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي السَّمَاءِ يَقْتَضِي كَوْنَ السَّمَاءِ مُحِيطًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، فَيَكُونُ أَصْغَرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ أَصْغَرُ مِنَ الْعَرْشِ بِكَثِيرٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا حَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُحَالٌ،
وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 12] فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ وَهَذَا مُحَالٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ.اهـ
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 54]، أَي قَهَرَ العَرشَ وَحَفِظَهُ مِن أَن يَسقُطَ فَيُدَمِّرَ مَا تَحتَهُ. كما قال الرازي.
وقال الرازي: إنّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ تَعَالَى مِنْ مُوسَى عليه السلام وَلَمْ يَزِدْ مُوسَى عليه السلام عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ الْخَلَّاقِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 23]فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 24]وَفِي الثَّانِيَةِقَالَ: ﴿قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 26] وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 28] وَكُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخَلَّاقِيَّةِ. وَأَمَّا فِرْعَوْنُ لعنه اللَّه فإنه قال: ﴿يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦ أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ [سورة غافر/ الآية 36-37] فَطَلَبَ الْإِلَهَ فِي السَّمَاءِ فَعَلِمْنَا أَنَّ وَصْفَ الْإِلَهِ بِالْخَلَّاقِيَّةِ وَعَدَمَ وَصْفِهِ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ دِينُ مُوسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَوَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الْكَفَرَةِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 210]، قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ عَطِيَّةَ: يَنظُرُونَ مَعنَاهُ يَنتَظِرُونَ، وَالمَعنَى يَأتِيَهُم حُكمُ اللهِ وَأَمرُهُ وَنَهيُهُ وَعِقَابُهُ إِيَّاهُم.
وقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 56]، قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ الجَوزِيِّ: فِيهِ أَقوَالٌ، أَحَدُهَا: فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالَهُ الحَسَنُ، وَالثَّانِي: فِي حَقِّ اللهِ، قَالَهُ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَالثَّالِثُ: فِي أَمرِ اللهِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ، وَالرَّابِعُ: فِي ذِكرِ اللهِ، قَالَهُ عِكرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا﴾ [سورة الفجر/ الآية 22]، قَالَ المُفَسِّرُ الخَازِنُ: فَلَا بُدَّ مِن تَأوِيلِ الآيَةِ، فَقِيلَ فِي تَأوِيلِهَا: وَجَاءَ أَمرُ رَبِّكَ بِالمُحَاسَبَةِ وَالجَزَاءِ، وَقِيلَ: جَاءَ أَمرُ رَبِّكَ وَقَضَاؤُهُ، وَقِيلَ: وَجَاءَ دَلَائِلُ ءَايَاتِ رَبِّكَ.اهـ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَمرُهُ وَقَضَاؤُهُ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 50]، قَالَ أَبُو القَاسِمِ القُشَيرِيُّ وَتَاجُ القُرَّاءِ الكِرمَانِيُّ: يَخَافُونَ اللهَ أَن يُنزِلَ عَلَيهِم عَذَابًا مِن فَوقِ رُءُوسِهِم، وَلَيسَ قَولُهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، حَالًا مِن رَبِّهِم، تَعَالَى اللهُ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ،
وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَقَولُهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، يَحتَمِلُ مَعنَيَينِ، أَحَدُهُمَا: الفَوقِيَّةُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا اللهُ تَعَالَى فَهِيَ فَوقِيَّةُ القَدرِ وَالعَظَمَةِ وَالقَهرِ وَالسُّلطَانِ، وَالآخَرُ: أَن يَتَعَلَّقَ قَولُهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، بِقَولِهِ: ﴿يَخَافُونَ﴾ أَي يَخَافُونَ عَذَابَ رَبِّهِم مِن فَوقِهِم، وَذَلِكَ أَنَّ عَادَةَ عَذَابِ الأُمَمِ إِنَّما أَتَى مِن جِهَةِ فَوق.اهـ
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 55]،
قَالَ البَيضَاوِيُّ: إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي.اهـ
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: ﴿إِلَيَّ﴾، إِضَافَةُ تَشرِيفٍ، وَالمَعنَى إِلَى سَمَائِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي، وَقَد عُلِمَ أَنَّ البَارِئَ تَعَالَى لَيسَ بِمُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ، وَقَد تَعَلَّقَ بِهَذَا المُشَبِّهَةُ فِي ثُبُوتِ المَكَانِ لَهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: إِلَى مَحَلِّ ثَوَابِي.اهـ.
وكذلك الحال عند ذكر الأحاديث المتشابهة الثابتة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقَولِهِ ﷺ الذي رواه مسلم: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي ءَادَمَ كُلَّهَا بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ، كَقَلبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيثُ يَشَاءُ)). قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ: أَي أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحَسَبِ قُدرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يُعتَرَضُ عَلَيهِ وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ،
وقَالَ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: هَذَا يَستَحِيلُ – أي الاتصاف بالجارحة – عَلَى اللهِ فَيَنبَغِي أَن يُرَدَّ إِلَى قَانُونِ التَّأوِيلِ.اهـ
وَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رواه مسلم وفِيهِ: ((لَا أَحَدَ أَغيَرُ مِنَ اللهِ))، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: الغَيرَةُ مُشتَقٌّ مِن تَغَيُّرِ حَالِ الغَيرَانِ لِمَا رَءَاهُ مِن قَبِيحِ فِعلِ مَن غَارَ عَلَيهِ، وَتَغَيُّرِّ قَلبِهِ وَهَيَجَانِ حَفِيظَتِهِ بِسَبَبِ هَتكِ حَرِيمِهِ لَدَيهِ عَنهُم وَمَنعِهِم مِن ذَاكَ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَقَدَّس عَن تَغَيُّرِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَغَيرَتُهُ مَا غَيَّرَهُ مِن حَالِ العَاصِي بِانتِقَامِهِ مِنهُ وَأَخذِهِ لَهُ وَمُعَاقَبَتِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الذي رواه مسلم: ((يَا ابن ءَادَمَ مَرِضتُ فَلَم تَعُدنِي))، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَد فَسَّرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَعنَى المَرَضِ، وَأَنَّ المُرَادَ بِهِ مَرَضُ العَبدِ المَخلُوقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي وَالمُنَاوِيُّ: قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَضَافَ المَرَضَ إِلَيهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَالمُرَادُ العَبدُ تَشرِيفًا لِلعَبدِ.
وَالحَدِيثُ الذي في البخاري: ((يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امتَلَأتِ؟ وَتَقُولُ: هَل مِن مَزِيدٍ؟، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيهَا فَتَقُولُ: قَطٍ قَطٍ))، قَالَ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَعنَى قَدَمِهِ خَلقٌ مِن خَلقِهِ يُسَمَّى قَدَمًا، أضَافَهُ إِضَافَةَ المِلكِ إِلَى نَفسِهِ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ وَبَدرُ الدِّينِ العَينِيُّ: المُرَادُ بِالقَدَمِ الفَرَطُ السَّابِقُ، أَي يَضَعُ اللهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِن أَهلِ العَذَابِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الذي في مسلم وَالَّذِي فِيهِ: ((يَطوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ))، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: أَرَادَ أَنَّهُ يَطوِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِقُدرَتِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا إِطلَاقُ اليَدَينِ للهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى القُدرَةِ.
وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: قَالَ أَصحَابُ التَّأوِيلِ: المُرَادُ بِاليَدِ اليُمنَى وَالشِّمَالِ القُدرَةُ، وَالمُرَادُ مِنَ الطَّيِّ التَّسخِيرُ التَّامُّ وَالقَهرُ الكَامِلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ الآنَ أَيضًا، وَلَكِن فِي القِيَامَةِ يَكُونُ أَظهَرَ، وَنَسَبَ طَيَّ السَّمَاوَاتِ إِلَى اليَمِينِ وَطَيَّ الأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ تَنبِيهًا لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المَقبُوضَينِ مِنَ التَّفَاوُتِ بَعدَ أَن نَزَّهَ ذَاتَهُ سُبحَانَهُ مِن نِسبَةِ الشِّمَالِ إِلَيهِ بِقَولِهِ: ((وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ)) لِأَنَّ الشِّمَالَ نَاقِصٌ فِي القُوَّةِ عَادَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّقصَانِ، وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ الحَدَثَانِ.
أَمَّا مَعنَى مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الذي في البخاري: ((فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لاَ تَجعَلنِي أَشقَى خَلقِكَ، فَيَضحَكُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنهُ))، قَالَ ابنُ فُورَكَ: أَصلُ مَعنَى الضَّحِكِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الظُّهُورُ وَالبُرُوزُ وَالإِيضَاحُ عَلَى وَجهٍ مَخصُوصٍ مِنهُ، يقَالُ: ضَحِكَتِ الأَرضُ بِالنَّبَاتِ إِذَا ظَهَرَ نَبَاتُهَا، وَمِنهُ قَولُ القَائِل: وَالأَرضُ تَضحَكُ مِن بُكَاءِ السَّمَاءِ وَسَقيِهَا أَي بِظُهُورِ زَهرَتِهَا وَنُورِهَا مِن مَطَرِ السَّمَاءِ وَسَقيِهَا، وَأَنَّ مَعنَى وَصفِ اللهِ جَلَّ ذِكرُهُ بِهِ مِنَ الضَّحِكِ فَهُوَ عَلَى مَعنَى إِظهَارِ أَلطَافِهِ وَفَوَائِدِهِ وَمِنَنِهِ وَنِعَمِهِ، وَكَذَلِكَ مَعنَاهُ فِي هَذَا الخَبَر أَن يُظهِرَ نِعَمَهُ وَمِنَنَهُ لهَذَا الدَّاخِلِ أَخِيرًا الجنَّةَ.
وَقَالَ بَدرُ الدِّينِ العَينِيُّ: وَهُوَ الرِّضَا مِنهُ وَإِرَادَةُ الخَيرِ لَهُ، لِأَنَّ إِطلَاقَ حَقِيقَةِ الضَّحِكِ عَلَى اللهِ تَعَالَى لَا يُتَصَوَّرُ.
وَقَالَ ابنُ الدَّمَامِينِيِّ: مَعنَاهُ عِندَ العُلَمَاءِ: الرِّضَا، لَا ضَحِكٌ بِلَهَوَاتٍ وَتَعَجُّبٍ كَمَا هُوَ مِنَّا. وَقَالَ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ: وَهُوَ رِضَاهُ وَإِرَادَتُهُ الخَيرَ.
والله تعالى أعلم وأحكم