الحديث الخامس عشر

الحَدِيثُ الخَامِسَ عَشَرَ: وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللهِ ، رَضِيَ اللهُ عَنه قال: قال رسول الله : “لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَد أَضَلَّهُ فِي أَرضٍ فَلاةٍ” متفقٌ عليه.

وفي رواية لمُسْلمٍ: ” لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى راحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وَقَد أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قَائِمةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: اللَّهُمَّ أَنت عبْدِي وأَنا ربُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرح”

راوي الحديث هو أبو حمزةَ الصحابيُّ الجليلُ أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ ضَمْضَمٍ بْنِ زَيْدِ بنِ حَرَامِ بنِ جُنْدُبِ بنِ عَامِرِ بنِ غَنْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيُّ. الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَتِلْمِيذُهُ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا في البَصرَة، وَأُمُّه أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وهي أمُ أَخِيهِ البَراءِ بن مالكٍ. وَخَالَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ، وَزَوْجُهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ رضي الله عنهم جميعا.

رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْماً جَمّاً، وَعَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاذٍ، وَأُسَيْدِ بنِ الحُضَيْرِ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيرِهِم.

وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنْهُمُ الحَسَنُ البصري، وَابْنُ سِيْرِيْنَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ وغيُرهُم.

وَقَدْ سَرَدَ بعضُ الحفاظِ نَحْوَ مائَتَيْ نَفْسٍ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ. وَكَانَ أَنَسٌ يَقُوْلُ: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِيْنَ، فَصَحِبَ أَنَسٌ نَبِيَّهُ ﷺ أَتَمَّ الصُّحْبَةِ، وَلاَزَمَهُ أَكْمَلَ المُلاَزَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ، وَإِلَى أَنْ مَاتَ، وَغَزَا مَعَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّهُ قَيلَ لأَنَسٍ: أَشَهِدْتَ بَدْراً؟ فَقَالَ: لاَ أُمَّ لَكَ، وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ راوي الحديث خَرَجَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ يَخْدُمُهُ، ولَمْ يَعُدَّهُ أَصْحَابُ المَغَازِي فِي البَدْرِيِّيْنَ؛ لِكَوْنِهِ حَضَرَهَا صَبِيّاً، فإنه مَا قَاتَلَ، بَلْ بَقِيَ فِي رِحَالِ الجَيْشِ.

وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حَمْزَةَ بِبَقْلَةٍ اجْتَنَيْتُهَا. وقال: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي، فَانْطَلَقَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلاَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلاَّ وَقَدْ أَتْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لاَ أَقْدِرُ عَلَى مَا أُتْحِفُكَ بِهِ إِلاَّ ابْنِي هَذَا، فَخُذْهُ، فَلْيَخْدُمْكَ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَمَا ضَرَبَنِي، وَلاَ سَبَّنِي، وَلاَ عَبَسَ فِي وَجْهِي.

قَالَ أَنسٌ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: مَا شَمِمْتُ عَنْبَراً قَطُّ وَلاَ مِسْكاً وَلاَ شَيْئاً أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللّهِ. وَلاَ مَسِسْتُ شَيْئاً قَطُّ دِيبَاجًا وَلاَ حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللّهِ.

قَالَ ثَابِتٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ: أَلَسْتَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَأَنَّكَ تَسْمَعُ إِلَى نَغَمَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُولَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ قَالَ: “خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا غُلَامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ لِي فِيهَا: أُفٍّ، وَمَا قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا، أَوْ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا”.

وَفِي مُسلِمٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا. وَمَا هُوَ إِلاَّ أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي. فَقَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ» فِي غَيْرِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ. ثُمَّ دَعَا لَنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللّهِ خُوَيْدِمُكَ. ادْعُ اللهَ لَهُ. قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ. وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ». قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ. وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْو الْمِائَةِ الْيَوْمَ.

قَالَ بعض التابعين: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيْهَ رَيْحَانٌ يَجِيْءُ مِنْهُ رِيحُ المِسْكِ.

وَفِي البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: فَإِنِّي لَمِنْ أكثَرِ الأَنصَارِ مَالًا. وَحَدَّثَتْنِي ابنَتِي أُمَينَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبي مَقْدَمَ الحَجّاجِ البَصرةَ بِضعٌ وعِشرونَ ومائة». وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ أَنَّه دَفَنَ مِن أَولَادِهِ قَبلَ مَقدَمِ الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ مِائَةً وَعِشرِينَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهُ ﷺ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ وَفِيهِ هَذَا الْأَدَبُ البَدِيعُ وَهُو أَنَّهُ إِذَا دَعَا بِشَيءٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدُّنْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إِلَى دُعَائِهِ طَلَبَ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَةِ وَنَحْوِهِمَا وَكَانَ أَنَسٌ وَوَلَدُهُ رَحْمَةً وَخَيْرًا وَنَفْعًا بِلَا ضَرَرٍ بِسَبَبِ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَقَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشبَهَ بِصَلاَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ -يَعْنِي: أَنَسًا. وَقَالَ أَنَسُ بنُ سِيْرِيْنَ: كَانَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَحسَنَ النَّاسِ صَلاَةً فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ.

قال ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: جَاءَ قَيِّمُ أَرْضِ أَنَسٍ، فَقَالَ: عَطِشَتْ أَرَضُكَ. فَتَرَدَّى أَنَسٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ صَلَّى، وَدَعَا، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ، وَغَشِيَتْ أَرْضَهُ، وَأَمَطَرَتْ، حَتَّى مَلأَتْ صِهْرِيْجَهُ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَهْلِهِ، فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتْ؟ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلاَّ يَسِيْراً. قَالَ الذَّهَبِيُّ: هَذِهِ كَرَامَةٌ بَيِّنَةٌ ثَبَتَتْ بِإِسْنَادَيْنِ.

وَحَصَلَت بَينَهُ وَبَينَ الحَجَّاجِ قِصَّةٌ وَهِيَ: دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِيهٍ إِيهٍ يَا أُنَيْسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الشَّأْفَةُ (وَهِي مَا يُقَالُ فِيهِ مِسمَارُ اللَّحمِ)، وَلَأَدْمَغَنَّكَ كَمَا تُدْمَغُ الصَّمْغَةُ (أَي لَأُزِيلَنَّكَ كَمَا يُزَالُ الصِّمغُ، وَيُزَالُ بِالقَلعِ الشَّدِيدِ). وَلَأَعصُبَنَّكَ عَصبَ السَّلَمَةِ (وَهِيَ نَوعٌ مِنَ الشَّجَرِ يَعصِبُونَه) فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ يَعْنِي الْأَمِيرُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ، سَكَّ اللَّهُ سَمْعَكَ. قَالَ أَنَسٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَوْلَا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا بَالَيْتُ أَيَّ قِتْلَةٍ قُتِلْتُ، وَلَا أَيَّ مِيتَةٍ مِتُّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَّاجِ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَ أَنَسٍ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَصَفَّقَ عَجَبًا، وَتَعَاظَمَ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ كِتَابُ أَنَسٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِي هُجْرًا، وَأَسْمَعَنِي نُكْرًا، وَلَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَخُذْ لِي عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنِّي خَادِمُ  رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. 

فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ وَكَانَ مُصَادِقًا لِلْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ: دُونَكَ كِتَابَيَّ هَذَيْنِ فَخُذْهُمَا، وَارْكَبِ الْبَرِيدَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَابْدَأْ بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَادْفَعْ كِتَابِي إِلَيْهِ، وَأَبْلِغْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمَلْعُونِ كِتَابًا، إِذَا قَرَأَهُ كَانَ أَطْوَعَ لَكَ مِنْ أَمَتِكَ. وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ شِكَايَتِكَ الْحَجَّاجَ، وَمَا سَلَّطْتُهُ عَلَيْكَ، وَلَا أَمَرْتُهُ بِالْإِسَاءَةِ إِلَيْكَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا اكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ أُنْزِلْ بِهِ عُقُوبَتِي، وَتَحْسُنْ لَكَ مَعُونَتِي، وَالسَّلَامُ. 

فَلَمَّا قَرَأَ أَنَسٌ كِتَابَهُ وَأُخْبِرَ بِرِسَالَتِهِ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي خَيْرًا، وَعَافَاهُ وَكَفَاهُ، فَهَذَا كَانَ ظَنِّي بِهِ وَالرَّجَاءَ مِنْهُ. 

ثُمَّ خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا رَآهُ الْحَجَّاجُ قَالَ: مَرْحَبًا بِرَجُلٍ أُحِبُّهُ وَكُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَهُ. فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَكَ فِي غَيْرِ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ. فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْحَجَّاجِ، وَقَالَ: مَا أَتَيْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: فَارَقْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكَ غَضَبًا وَمِنْكَ بُعْدًا. قَالَ: فَاسْتَوَى الْحَجَّاجُ جَالِسًا مَرْعُوبًا فَرَمَى إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بِالطُّومَارِ (الصَّحِيفَةُ)، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَيَعْرَقُ، وَيَنْظُرُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ أُخْرَى، فَلَمَّا نَقَضَهُ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَبِي حَمْزَةَ نَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَنَتَرَضَّاهُ. وَكَانَ فِي الطُّومَارِ (الصَّحِيفَةِ): إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الْأُمُورُ (أَي عَلَت وَارتَفَعَت) فَسَمَوْتَ فِيهَا، وَعَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، وَرَكِبْتَ دَاهِيَةً إِدًّا (العَجَبُ وَالأَمرُ الفَظِيعُ العَظِيمُ)، فَلَعَنَكَ اللَّهُ عَبْدًا أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ (الخَفَشُ: ضَعفٌ فِي البَصَرِ)، مَنْقُوصَ الْجَاعِرَتَيْنِ (الجَاعِرَتَانِ: حَرفَا الوَرِكَينِ المُشْرِفَانِ عَلَى الفَخِذَينِ)، أَنَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ، وَحَفْرَهُمُ الْآبَارَ، وَنَقْلَهُمُ الصُّخُورَ عَلَى ظُهُورِهِمْ فِي الْمَنَاهِلِ (أَمَاكِنِ الشُّربِ) وَاللَّهِ لَأَغْمِزَنَّكَ (لَأَعْصِرَنَّكَ) غَمْزَ اللَّيْثِ الثَّعْلَبَ (يَعنِي لَأَقتُلَنَّكَ كَمَا يَقتُل اللَّيثُ الثَّعلَبَ)، وَالصَّقْرِ الْأَرْنَبَ (لَأَقتُلَنَّكَ كَمَا يَقتُلُ الصَّقرُ الأَرنَبَ)، وَثَبْتَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمْ تَقْبَلْ لَهُ إِحْسَانَهُ، وَلَمْ تُجَاوِزْ لَهُ إِسَاءَتَهُ، ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى رَأَتْ رَجُلًا خَدَمَ عُزَيْرًا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَعَظَّمَتْهُ وَشَرَّفَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، فَكَيْفَ وَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَ سِنِينَ، يُطْلِعُهُ عَلَى سِرِّهِ، وَيُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا أَصْحَابِهِ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَكُنْ أَطْوَعَ لَهُ مِنْ خُفِّهِ وَنَعْلِهِ، وَإِلَّا أَتَاكَ مِنِّي سَهْمٌ مُثْكَلٌ بِحَتْفٍ قَاضٍ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. 

وَبَعدَ ذَلِكَ ذَهَبَ الحَجَّاجُ إِلَيهِ يَعتَذِرُ إِلَيهِ.

قَالَ الذَّهبِيُّ: ثَبَتَ مَوْلِدُ أَنَسٍ قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِعَشْرِ سِنِيْنَ. وَأَمَّا مَوْتُهُ: فَاخْتَلَفُوا فِيْهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ. وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ. وَقَالَ عِدَّةٌ (وَهُوَ الأَصَحُّ): مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ. فَيَكُوْنُ عُمُرُهُ عَلَى هَذَا: مائَةً وَثَلاَثَ سِنِيْنَ.

مُسْنَدُهُ أَلْفَانِ وَمائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُوْنَ. اتَّفَقَ لَهُ البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى مائَةٍ وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثاً. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَمَانِيْنَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ بِتِسْعِيْنَ.

وَقَالَ ابنُ عَلَّانَ: تُوُفِّيَ عَلَى نَحوِ فَرسَخٍ وَنِصفٍ مِنَ البَصرَةِ فِي مَوضِعٍ يُعرَفُ بِقَصرِ أَنَسٍ، وَهُوَ آخِرُ مَن مَاتَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ.

وَلَمَّا مَاتَ قِيلَ ذَهَبَ اليَومَ نِصفُ العِلمِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهلَ الأَهوَاءِ كَانُوا إِذَا خَالَفُونَا فِي الحَدِيثِ نَقُولُ لَهُم تَعَالَوا إِلَى مَن سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.

قَالَ المُثَنَّى بنُ سَعِيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُوْلُ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلاَّ وَأَنَا أَرَى فِيْهَا حَبِيبِي (يَعنِي النَّبِيَّ ﷺ) ثُمَّ يَبْكِي.

وَكَانَ يُعَظِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِآثَارِهِ وَيَحمِلُ مَعَهُ شَيئًا مِن شَعَرِهِ الشَّرِيفِ يُبَرِّكُ النَّاسَ بِهَا، وَيُروَى عَن عُبَيدَةَ السَّلمَانِيِّ وَهُو مِن تَلَامِيذِ أَنَسٍ وَمِن كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.

قال بعضُ الحُفَّاظِ: هَذَا الْقَوْلُ مِنْ عُبَيْدَةَ هُوَ مِعْيَارُ كَمَالِ الْحُبِّ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ شَعْرَةً نَبَوِيَّةً عَلَى كُلِّ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِأَيْدِي النَّاسِ. وَمِثْلُ هَذَا يَقُولُ هَذَا الْإِمَامُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسِينَ سَنَةً، فَمَا الَّذِي نَقُولُهُ نَحْنُ فِي وَقْتِنَا لَوْ وَجَدْنَا بَعْضَ شَعْرِهِ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ، أَوْ شِسْعَ نَعْلٍ كَانَ لَهُ، أَوْ قُلَامَةَ ظُفْرٍ، أَوْ شَقَفَةً مِنْ إِنَاءٍ شَرِبَ فِيهِ. فَلَوْ بَذَلَ الْغَنِيُّ مُعْظَمَ أَمْوَالِهِ فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، أَكُنْتَ تُعِدُّهُ مُبَذِّرًا أَوْ سَفِيهًا؟ كَلا.

الشرح والتعليق على هذا الحديث: وعنْ أبي حَمْزَةَ أَنَس بنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ خَادِمِ رسولِ الله ﷺ، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوبَةِ عَبْدِهِ (قال ابن حجر: وَإِطْلَاقُ الْفَرَحِ فِي حَقِّ اللَّهِ مَجَازٌ عَنْ رِضَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ أَرْضَى بِالتَّوْبَةِ وَأَقْبَلُ لَهَا وَالْفَرَحُ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ  إِنَّمَا هَذَا مِثلُ قَوْلِهِ تَعَالَى كُلُّ حِزبٍ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ أَي رَاضُونَ.

وَقَالَ ابنُ فُورَكَ: الْفَرَحُ فِي اللُّغَةِ السُّرُورُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَطَرِ وَمِنْهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَعَلَى الرِّضَا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُسَرُّ بِشَيْءٍ وَيَرْضَى بِهِ يُقَالُ فِي حَقِّهِ فَرِحَ بِهِ.

قَالَ ابنُ الْعَرَبِيِّ: كُلُّ صِفَةٍ تَقْتَضِي التَّغَيُّرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِحَقِيقَتِهَا فَإِنْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِسَبَبِهِ أَوْ ثَمَرَتِهِ الْحَاصِلَةِ عَنْهُ فَإِنَّ مَنْ فَرِحَ بِشَيْءٍ جَادَ لِفَاعِلِهِ بِمَا سَأَلَ وَبَذَلَ لَهُ مَا طَلَبَ فَعَبَّرَ عَنْ عَطَاءِ الْبَارِي وَوَاسِعِ كَرَمِهِ بِالْفَرَحِ.

وَقَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ: كُنِّيَ عَنْ إِحْسَانِ اللَّهِ لِلتَّائِبِ وَتَجَاوُزِهِ عَنْهُ بِالْفَرَحِ لِأَنَّ عَادَةَ الْمَلِكِ إِذَا فَرِحَ بِفِعْلِ أَحَدٍ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الْفَرَحُ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ اهْتِزَازٌ وَطَرَبٌ يَجِدُهُ الشَّخْصُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ ظَفَرِهِ بِغَرَضٍ يَسْتَكْمِلُ بِهِ نُقْصَانَهُ وَيَسُدُّ بِهِ خُلَّتَهُ أَوْ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا أَوْ نَقْصًا وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْكَامِلُ بِذَاتِهِ الْغَنِيُّ بِوُجُودِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ لَكِنَّ هَذَا الْفَرَحَ لَهُ عِنْدَنَا ثَمَرَةٌ وَفَائِدَةٌ وَهُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَفْرُوحِ بِهِ وَإِحْلَالُهُ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصِحُّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَعَبَّرَ عَنْ ثَمَرَةِ الْفَرَحِ بِالْفَرَحِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ وَهَذَا الْقَانُونُ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ وَكَذَا مَا ثَبَتَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) (تنبيهٌ: كلامُ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ وغيرِه في تأويلِ هذا الحديثِ بهذِهِ الأَلفَاظِ دَلِيلٌ على جَوازِ تَأوِيلِ أَحَاديثِ الصِّفاتِ، وأنه يستحيل أخذها بالظاهر فالأخذ بالظاهر فيه نسبة النقائص إلى الله، فيه نسبة الجسميةِ وصفاتِ الأجسامِ لِرَبِّ العالَمِين وهو مُحال لا يلِيقُ بِربِّنا عزَّ وجلَّ)

مِنْ أَحَدِكُمْ سقطَ عَلَى بعِيرِهِ (قَال ابن الأثير: أَيْ يَعُثُر عَلَى مَوْضِعِهِ ويَقَع عَلَيْهِ، كَمَا يَسْقُطُ الطائرُ عَلَى وكْرِه) وقد أَضلَّهُ (أي ضَيَّعَهُ، وهنا يُعلمُ تفسير قوله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾. فليس معنى ضالًّا الضلال في العقيدة والعياذ بالله فهذا محال على النبي ﷺ.

قال المُفسّر أبو حيّان الأندلسي (المتوفى سنة 754 هـ) في تفسيره البحر المحيط: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك. قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، ثم رده الله إلى جده عبد المطلب. وقيل: ضلاله مِن حليمةَ مرضعته. وقيل: ضلَّ في طريقِ الشام حينَ خرج به أبو طالب. 

وَقَال المُفسِّر أبو البَركات عبدُ الله بنُ أحمدَ النَّسَفِي (المتوفى سنة 710هـ) فِي تفسِيرهِ مَدَارِكِ التنزيل وحقائق التأويل: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي غَيرَ عالِم ولا وَاقِفٍ على مَعالِمِ النبوةِ وأحكامِ الشريعةِ وما طريقُه السمعُ ﴿فَهَدَىٰ﴾ فَعَرَّفَك الشرائِعَ والقُرآنَ. ولا يجوز أن يُفهَمَ بِهِ عُدولٌ عَن حَقٍّ وَوُقُوعٌ في غَيٍّ فقد كان عليه الصلاة السلام مِن أَوَّلِ حَالِهِ إلى نُزُول الوحي عليهِ معصُومًا من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.

قَالَ المُفسِّر محمدُ الطاهر بنُ عاشور التونُسي (المتوفى سنةَ 1393هـ) في تفسيرهِ التحرير والتنوير: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ هُنَا اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْإِشْرَاكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسَالَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ عُلَمَاؤُنَا يَجْعَلُونَ مَا تَوَاتَرَ مِنْ حَالِ اسْتِقَامَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، بَلْ قَدْ شَافَهَ الْقُرْآنُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يُونُس: 16] وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 69]، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَفْحَمُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَسَاوِي أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنَا.)

فِي أَرضٍ فَلاةٍ (أي: فِي أَرضٍ وَاسِعَةٍ لَيسَ فِيهَا أَحَدٌ)”متفقٌ عليه.

نصيحة تابعة لذكر هذا الحديث وزيادة بيان: روى مسلم والبيهقي أنَّ رسول الله ﷺ قال: “إنَّ الإسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء” قيل: وَمَنْ هُمْ الغُرَبَاءُ يَا رَسُول الله قَال: “الذِينَ يُصْلِحُونَ مِنْ سُنَّتِي مَا أَفْسَدَ النَّاسُ” وسنَّة الرَّسول هي شريعَتُه، أي العقيدة والأحكامُ.

في هذا الحديثِ بِشَارَةٌ لمن يَتَمَسَّك في هذا الزَّمنِ الذي فسدَت الأمةُ فيه بسنَّة الرَّسول أي شَرِيعَتِه. فليُعلم أنَّ القُرءَانَ الكَرِيمَ فِيهِ ءاياتٌ محكمات وءاياتٌ مُتَشابِهات.

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران] والآيات المحكَمة هي ما عُرِف بِوُضُوحِ المَعنَى المُرادِ منهُ كقَولِه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية 11]. وأما المتشابِهُ فَهُو مَا احتَمَل أوجُهًا عديدَةً واحتَاج إلى النَّظر لِحَملِهِ على الوَجهِ المطابقِ . فلا يجوز أن يُفَسِّر إنسانٌ القُرآنَ بِرَأيهِ بلْ يَسأَلُ أهلَ المَعرِفَة حتَّى لا يَقَع فِي التَّشبِيه المُهْلِك.

فيجبُ ردُّ تفسيرِ الآيَاتِ المتشابِهَةِ إلى الآياتِ المُحكَمَةِ.

والدّليلُ من الحَديثِ عَلى جَوازِ تأويلِ المتشابِهِ مِن الآياتِ وَالأحَادِيثِ: مَا رَوَى مُسلِم في صحيحِهِ عن أبي هريرَةَ أن رسُول الله ﷺ قال: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي“.

قال الإمام النّووي في شرح هذا الحديث: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَضَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْمُرَادُ الْعَبْدُ تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ. قَالُوا: وَمَعْنَى “وَجَدْتنِي عِنْدَهُ” أَيْ وَجَدْتَ ثَوَابِي وَكَرَامَتِي ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ: “لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، لَوْ أَسْقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي” أَيْ ثَوَابَهُ.

ويقال في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد] إنَّ اللهَ عَالِمٌ بِكُم أَينَمَا كنتُم. قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي بِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعِلْمِهِ ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ أَعْمَالَكُمْ وَيَرَاهَا ولا يخفى عليه شي مِنْهَا. وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ وَبَيْنَ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وَالْأَخْذُ بِالظَّاهِرَيْنِ تَنَاقُضٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ التَّأْوِيلِ اعْتِرَافٌ بِالتَّنَاقُضِ.

وَالحَاصِل مَن وَفَقَّه اللهُ للفَهمِ وَأرشَدَه للحَقِّ عَلِمَ أنَّ عَقِيدَةَ الإسلَامِ هِيَ تَنـزِيهُ اللهِ عن مشابَهةِ المخلوقِينَ وأنَّه تعالى موجودٌ بِلَا كيفَ وَلا مَكَان. وَقالَ الإمامُ النَّوَوِي فِي شَرحِه على مُسلِمٍ مَا نَصَّه: “قال القَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ بينَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهِهِم وَمُحَدِّثِهِم وَمُتَكَلِّمِهِم ونُظَّارِهم وَمُقَلِّدِهِم أَنَّ الظَّوَاهِر الوَارِدَة بذكرِ اللهِ تعَالَى فِي السَّماء كقولِهِ تعالَى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وَنَحوِه لَيسَت عَلى ظَاهِرِهَا بَل مُتَأَوِّلَة عِندَ جَمِيعِهِم” انتهى.

وَفِي روايَةٍ لمُسْلمٍ: “لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا (أَي يَرضَى كَمَا ذَكرنَا) بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ (تَوبةً صَحِيحَةً تَامَّةً) حِينَ يَتُوبُ إِلْيهِ (مِن ذَنبِهِ وَمَعصِيتِهِ) مِنْ أَحَدِكُمْ (وَهَذَا علَى سَبِيل التَّمثِيل لِتَقرِيبِ فَضلِ التَّائِبِ وعِظَمِ أَمرِهِ وَأَهَمِّيَتِهِ) كَانَ عَلَى راحِلَتِهِ (دَابَّتِهِ الَّتِي يَركَبُهَا) بِأَرْضٍ فَلَاةٍ (خَالِيَةٍ لَيسَ فِيهَا أَحَدٌ)، فانْفَلَتَتْ مِنْهُ (أَي هَرَبَت مِنهُ) وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ (وَهَذَا الحَال يُؤذِنُ بِالهَلَاك وَالمَوتِ) فَأَيِسَ مِنْهَا (أَي أَيِسَ أَن تَرجِعَ إِلَيهِ وَأَيِسَ مِنَ الحُصُولِ عَلَيهَا)، فأَتَى شَجَرةً (وَجَدَهَا فِي طَرِيقِهِ) فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا (لِيُخَفِّفَ عَن نَفسِهِ وَطأَةَ الأَلَمِ الذِي سَيَحصُلُ لَه بِانقِطَاعِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ)، وَقَد أَيِسَ مِنْ رَاحِلتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ (عَلَى حَالِهِ مِنَ اليَأسِ وَفَقدِ الدَّابَةِ وَالمَطعَمِ وَالمَشرَبِ) إِذْ (فَجأَةً) هُوَ بِها قَائِمةً عِنْدَهُ (جَاءَتهُ رَاجِعَةً بَعدَ انقِطَاعِ الأَمَلِ بِعَودَتِهَا وَرُجُوعِهَا)، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا (قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: خِطَامُ الْبَعِيرِ أَنْ يُؤْخَذَ حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ أَوْ شَعرٍ أَوْ كَتَّانٍ فيُجْعَل فِي أحَدِ طَرَفَيهِ حَلْقَةٌ ثُمَّ يُشَدَّ فِيهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ حَتَّى يَصِيرَ كالحلقَةِ، ثُم يُقَادَ البَعير. وَأَمَّا الَّذِي يُجْعل فِي الْأَنْفِ دَقِيقاً فَهُوَ الزِّمَامِ) ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: اللَّهُمَّ أَنت عبْدِي وأَنا ربُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرح”. وَهِىَ (حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ أَىْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَىْ بِلَفْظٍ كُفْرِىٍّ (مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ بَلْ جَرَى) الْكَلامُ (عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَقُولَهُ بِالْمَرَّةِ) وَذَلِكَ كَأَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَقُولَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيَسْبِقَ لِسَانُهُ إِلَى النُّطْقِ بِمَا لَمْ يُرِدِ النُّطْقَ بِهِ فَيَقُولَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ). 

فائدة: وفي الحديث ما لا يخفى من ظهور الْفَرَجِ بَعْدَ الْبُؤْسِ وَالامْتِحَانِ: وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.