الحديث الرابع والعشرون

الحديث

قال الحافظ النووي: وَعَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “يَضْحَكُ اللَّهُ سبْحَانُه وتَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيْلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الشرح

وَعَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “يَضْحَكُ اللَّهُ سبْحَانُه وتَعَالَى (وفي رواية: أَنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ، قال النوويُّ: قَالَ الْقَاضِي الضَّحِكُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ فِي حَقِّنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ الْأَجْسَامِ وَمِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْحَالَاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الرِّضَا بِفِعْلِهِمَا وَالثَّوَابُ عَلَيْهِ وَحَمْدُ فِعْلِهِمَا وَمَحَبَّتُهُ لِأَنَّ الضَّحِكَ مِنْ أَحَدِنَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ مُوَافَقَتِهِ مَا يَرْضَاهُ وَسُرُورِهِ وَبِرِّهِ لِمَنْ يَلْقَاهُ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا ضَحِكُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ لِقَبْضِ رُوحِهِ وَإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ كَمَا يُقَالُ قَتَلَ السُّلْطَانُ فُلَانًا أَيْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.اهـ وَقَالَ الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر عِنْدَمَا يستخفهم الْفَرح أَو يستفزهم الطَّرب غير جَائِز على الله عز وَجل وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَه لهَذَا الصُّنْعِ الَّذِي هُوَ مَكَان التَّعَجُّبِ عِنْد الْبشر، وَفِي صفة الله تَعَالَى الْإِخْبَارُ عَن الرِّضَا بِفعل أحد هذَيْن وَالْقَبُولُ للْآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الْجنَّةَ مَعَ اخْتِلَاف أحوالهما، وتباينُ مقاصدهما، وَمَعْلُومٌ أَن الضحكَ يدل على الرِّضَا وَقبُولِ الْوَسِيلَة وإنجاحِ الطّلبَة، أَو يكون مَعْنَاهُ: تضحك مَلَائِكَة الله من صنيعهما، وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه: يُرِيد: أضْحك الله مَلَائكَته من وجود مَا قضى. وَقَالَ ابْن فورك: أَي: يُبْدِي الله من فَضله تَوْفِيقًا لهذين الرجلَيْن، كَمَا تَقول الْعَرَب: ضحِكت الأَرْضُ من النَّبَات إِذا ظهر فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا للطَّلْعِ إِذا انْفَتَقَ عَنهُ: لأجل أَن ذَلِك يَبْدُو مِنْهُ الْبيَاضَ الظَّاهِرَ كبياضِ الثغرِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرَادَ قبُول أعمالهما ورحمتهما وَالرِّضَا عَنْهُمَا.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ نَفْيَ الجِسْمِيَّةِ عَنِ اللهِ مِمّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ ومِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ فَالإِمامُ أَحْمَدُ أَنْكَرَ عَلى مَنْ قالَ بِالجِسْمِ فى حَقِّ اللهِ وَقالَ إِنَّ الأَسْماءَ – أَيْ أَسْماءَ الأَشْياءِ – مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ، وأَهْلُ اللُّغَةِ وَضَعُوا هَذا الاِسْمَ – أَيِ الجِسْمَ – لِذِي طُولٍ وَعَرْضٍ وَسَمْكٍ وتَرْكِيبٍ وَصُورَةٍ وتَأْلِيفٍ، وَاللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ – أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ – وَلَمْ يَجِئْ ذَلِكَ في الشَّرِيعَةِ – أَيْ وَلَمْ يَرِدْ إِطْلاقُ الجِسْمِ عَلَى اللهِ فى الشَّرْعِ – فَبَطَلَ – أَىْ إِطْلاقُ ذَلِكَ على اللهِ شَرْعًا وَلُغَةً اهـ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو الفَضْلِ التَّمِيمِيُّ البَغْدادِيُّ رَئِيسُ الحَنابِلَةِ فى بَغْدادَ فى زَمانِهِ وَابْنُ رَئِيسِها” ومَعْنَى كَلامِهِ إِجْمالا أَنَّ أَسْماءَ الأَشْيَاءِ تُعْرَفُ إِمَّا مِنَ اللُّغَةِ وإِمّا مِنَ الشَّرْعِ، فَهُناكَ أَشْيَاءُ عُرِفَتْ أَسْمَاؤُها مِنَ اللُّغَةِ كَالرَّجُلِ والفَرَسِ وأَشْيَاءُ عُرِفَتْ أَسماؤُها مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ مِثْلُ الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالجِسْمُ في اللُّغَةِ يُطْلَقُ على ما لَهُ طُولٌ وعَرْضٌ وسَمْكٌ وتَرْكِيبٌ وصُورَةٌ وتَأْلِيفٌ وَاللهُ لا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وإِلاَّ لَكانَ مُشابِهًا لِخَلْقِهِ وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ﴾ ثُمَّ لَوْ كانَ اللهُ جِسْمًا ذا طُولٍ وعَرْضٍ وسَمْكٍ وتَرْكِيبٍ وصُورَةٍ وتَأْلِيفٍ لاحْتاجَ لِمَنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ الطُّولِ وذَلِكَ العَرْضِ وذلِكَ السَّمْكِ وذلِكَ التَّرْكِيبِ وتِلْكَ الصُّورَةِ، وَالْمُحْتاجُ لا يَصِحُّ فى العَقْلِ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا فَمَعْنَى الجِسْمِ لا يَجُوزُ وَصْفُ اللهِ بِهِ شَرْعًا وَلا عَقْلا وَاللَّفْظُ أَيْ لَفْظُ الجِسْمِ لَمْ يَرِدْ في الشَّرْعِ إِطْلاقُهُ عَلَيْهِ ولا يَجُوزُ في الشَّرْعِ تَسْمِيَةُ اللهِ إِلا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ أَيْ إِلا بِمَا ثَبَتَ فى الشَّرْعِ تَسْمِيَتُهُ بِهِ كَما ذَكَرَ إِمامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وغَيْرُهُ وَلا يُوصَفُ تَعالى إِلا بِما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَبَطَلَ إِطْلاقُ اسْمِ الجِسْمِ عَلى اللهِ تَعالى بَلْ نَقَلَ صاحِبُ الخِصالِ عَنِ الإِمامِ أَحْمَدَ نَفْسِهِ تَكْفِيرَ مَنْ قالَ اَللهُ جِسْمٌ لاَ كَالأَجْسَامِ وَالزَّرْكَشِيُّ نَقَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَهَذا مُوافِقٌ لِمَا جاءَ عَنْ بَاقِي الأَئِمَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَكْفِيرُ الْمُجَسِّمِ كَما نَقَلَ عَنْهُ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ في الأَشْباهِ وَالنَّظائِرِ بَلْ في الْمِنْهاجِ القَوِيمِ لاِبْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ أَنَّ القَرَافِيَّ وغَيْرَهُ حَكَوْا عَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأَحْمَدَ وأَبِي حَنِيفَةَ القَوْلَ بِكُفْرِ القائِلِينَ بِالجِهَةِ والتَّجْسِيمِ أَيْ بِكُفْرِ مَنْ يَنْسُبُ إِلى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى الجِسْمِيَّةَ أَوِ الكَوْنَ فى جِهَةٍ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مَعانِي البَشَرِ وَفِيْ شَرْحِ المشكَاةِ لِمُلَّا عَليٍّ القارِيِّ نَقْلٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ قَدْ ذَكَرَ الإِمامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فى عَقِيدَتِهِ الَّتِى بَيَّنَ أَنَّها بَيَانٌ لِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعانِى البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ اهـ وَالجِسْمِيَّةُ وَالتَّرْكِيبُ والصُّورَةُ والهَيْئَةُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ مَعانِي البَشَرِ فَمَنْ نَسَبَ إِلى اللهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كافِرٌ قَطْعًا وقَدْ قالَ الإِمامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ فى كِتابِ النَّوادِرِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسْمٌ فَهُوَ غَيْرُ عارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّهُ كافِرٌ بِهِ اهـ) إِلَى رَجُلَيْنِ (عُدِّيَ: بإلى، لتَضَمّنه معنى الإقبال، يُقَال: ضحِكتَ إِلَى فلَان إِذا تَوَجَّهتَ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ طَلْق، وَأَنتَ عَنهُ راضٍ) يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا (أي الواحدُ منهما) الآخَرَ (أي صاحبَه) يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ (أي مآلهما في النهاية دخولُ الجنة) (قالَ ابنُ حجرٍ: قَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا قُلْتُ وَهُوَ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْبُخَارِيُّ، وفي روايةٍ قِيلَ كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا كَافِرًا فَيَقْتُلُ الْآخَرَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيَغْزُو فَيُقْتَلُ)، يُقَاتِلُ هَذَا (أي المسلمُ) فِي سَبِيْلِ اللَّهِ (أي لإعلاءِ كلمةِ الله، وقيل: أي في طاعةِ الله بالنفس والمال، وأحيانا تطلق كلمة سبيلِ الله ويرادُ بها الجهادُ، وأحيانًا تطلق ويرادُ بها شيء آخر، الله تعالى يقول في القران: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ] فهنا معنى سبيل الله أي الغزاة المتطوعون أي المؤمنون المتطوعون الذين خرجوا للغزو وليس لهم بدل خروجهم هذا مال يأخذونه كبقية الجند فهؤلاء يُعطَونَ من مال الزكاة وليس المراد بسبيل الله هنا أي جهة خيرية وأي وجه خيري كمن يستدل بها لدفع الزكاة للمساجد أو المستشفيات وغيرها، قال النووي: “وفي سبيل الله” فإن المراد به بعضهم، وهم المتطوعون الذين لا حق لهم في الديوان ولم يذكروا باسمهم الخاص.اهـ وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قَالَ مَالِكٌ: سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هَاهُنَا الْغَزْوُ مِنْ جُمْلَةِ سَبِيلِ اللَّهِ.اهـ وقال ابن قدامة المقدسي: هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو.اهـ وقال الزبيدي: وقولُه: فِي سَبِيلِ اللهِ أُرِيدَ بِهِ الَّذِي يُرِيدُ الْغَزْوَ، وَلَا يَجِدُ مَا يُبَلِّغُهُ مَغْزَاهُ، فيُعْطَى مِن سَهْمِهِ.اهـ) فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ (وفي رواية فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ، قال ابن علان: فيه إشارة إلى حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ إذ لا مانع لما أراد سبحانه، وإلى أنه لا يمكث بعد إسلامه زمنا يقترف فيه شيئا من موبقات الذنوب بل عقب إسلامه استشهد فعمل قليلا وحاز خيرا جليلا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في دخول الجنة تساويهما في المنزلة، فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب الأعمال)” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(قَالَ بعضُ الحفَّاظ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ). 

والمراد من قتل شهيدا في سبيل الله فهو في الجنة كما أخبرت بذلك الآيات والأحاديث النبوية، وشهيد المعركة هو أعلى مراتب الشهادة وأنبلها وثبت أن له مائةَ درجة في الجنة بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، وغير ذلك من البشائر التي سنأتي على ذكرها بإذن الله تعالى. 

وقال ابن علان: وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن الله هو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثر عدده إذا قوبل بفضل الله وعفوه كان حقيرًا يسيرًا، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} وقال البوصيري:

يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ
إنَّ الكَبائرَ في الغُفرانِ كاللَّمَمِ

لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حينَ يَقْسمُها
تَأْتي عَلَى حَسَبِ العِصْيانِ في القِسَم

يا رَبِّ واجْعَلْ رَجائي غَيرَ مُنْعَكِسٍ
لَدَيْكَ وَاجعَلْ حِسابِي غَيرَ مُنْخَزِمِ 

وَالْطُفْ بِعَبْدِكَ في الدَّاريْنِ إنَّ لَهُ
صَبْرًا مَتى تَدْعُهُ الأهْوالُ يَنْهَزمِ 

وَائْذَنْ لِسُحْبِ صلاةٍ مِنكَ دائمةٍ
عَلَى النَّبيِّ بِمُنْهَلٍّ ومُنْسَجِمِ

وقد قيل: 

إِذَا كَثُرَتْ مِنْكَ الذُّنُوبُ فَدَاوِهَا
بِرَفْعِ يَدٍ فِي اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ

وَلا تَقْنَطَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّمَا
قُنُوطُكَ مِنْهَا مِنْ خَطَايَاكَ أَعْظَمُ

فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنِيْنَ كَرَامَةٌ
وَرَحْمَتُهُ لِلْمُذْنِبِيْنَ تَكْرُمُ

ينبغي على العاقل أن لا يقنط من رحمة الله بل أن يسارع للتوبة ولا يؤخرها وليعتبر بمن فات ومضى كيف أخَّر بعضهم التوبة فَفَجَأهم الموت فانقطع بهم السبيل وصاروا وحدهم بلا معين من الأهل والأصحاب والولد والأحباب، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربكم} لَقَدْ دَعَاكُمْ إِلَى الْبِدَارِ مَوْلاكُمْ , وَفَتَحَ بَابَ الإِجَابَةِ ثُمَّ اسْتَدْعَاكُمْ , وَدَلَّكُمْ عَلَى مَنَافِعِكُمْ وَهُدَاكُمْ , فَالْتَفِتُوا عَنِ الْهَوَى فَقَدْ آذَاكُمْ , وَحُثُّوا حَزْمَ جَزْمِكُمْ , وَصُبُّوا ذُنُوبَ الْحُزْنِ عَلَى ذَنْبِكُمْ , وَسَارِعُوا إلى مغفرة من ربكم. بَابُهُ مَفْتُوحٌ لِلطَّالِبِينَ , وَفَضْلُهُ يُنَادِي: يَا غَافِلِينَ، وَإِحْسَانُهُ يُنَادِي الْجَاهِلِينَ , فَاخْرُجُوا مِنْ دَائِرَةِ الْمُذْنِبِينَ , وَبَادِرُوا مُبَادَرَةَ التَّائِبِينَ , وَتَعَرَّضُوا لِنَسَمَاتِ الرَّحْمَةِ وتَخَلَّصُوا مِنْ كَرْبِكُمْ , وَسَارِعُوا إِلَى مغفرة من ربكم. كَمْ شُغِلْتُمْ بِالْمَعَاصِي فَذَهَبَ الْفَرْضُ , وَبَارَزْتُمْ بِالْخَطَايَا وَنَسِيتُمُ الْعَرْضَ , وَحَضَّكُمْ عَلَى اكْتِسَابِ حَظِّكُمْ فَمَا نَفَعَ الْحَضُّ , وَطَالَتْ آمَالُكُمْ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ الشَّبَابُ الْغَضُّ , وَرَأَيْتُمْ سَلْبَ الْقُرَنَاءِ وَلَقَدْ أُنْذِرَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ , فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنْ سِجْنِ الْهَوَى فَقَدْ ضَاقَ طُولُهُ وَالْعَرْضُ , وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض.