المقدمة
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَصَبَ مِنْ كُلِّ كَائِنٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بُرْهَانًا، وتفضَّلَ عَلَى خَلْقِهِ كَمَا شَاءَ عِزًّا وَسُلْطَانًا، وَاخْتَارَ الْمُتَّقِينَ فَوَهَبَ لَهُمْ بِنِعْمَتِهِ أَمْنًا وَإِيمَانًا، وعَمَّ بعضَ الْمُذْنِبِينَ بِرَحْمَتِهِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، وَلَمْ يَقْطَعْ أَرْزَاقَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ جُودًا وَامْتِنَانًا، حَكَمَ فِي بَرِيَّتِهِ فَأَمَرَ وَنَهَى، وَأَقَامَ بِمَعُونَتِهِ مَا ضَعُفَ وَوَهَى، وَأَيْقَظَ بِمَوْعِظَتِهِ مَنْ غَفَلَ وَسَهَا، أَرْسَلَ الرياحَ شَمَالا وَجنوبًا، فَأَنْشَرَ زَرْعًا لَمْ يَكُنْ مَنْشُورًا، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْقَمَرَ نُورًا، لَيْسَ بِجِسْمٍ فَيُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، وَلا تحدثُ لَهُ صِفَةٌ فَيَتَطَرَّقُ عَلَيْهَا انْعِدَامٌ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْجَهْمِيَّ والمشبِّه أُولي الكفرِ والآثام، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ لِرَبِّهِ مُعْتَذِرٍ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، وَأُقِرُّ بِتَوْحِيدِهِ إِقْرَارَ مُخْلِصٍ مِنْ قَلْبِهِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُرْبِهِ، وَعُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيْطَانُ فِي سِربه؛ وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ لا فِي صَفِّ حَرْبِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَرْبِهِ، وَعَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ عَلَى أَهْلِهِ وَحِزْبِهِ، أما بعد:
الشرح
فنكمل في هذا الحديث العظيم والأخير من باب المجاهدة في كتاب رياض الصالحين، ونختمه في هذا المجلس بعون الله وتوفيقه، وهو حديث قدسي عظيم النفع كنا تكلمنا في شرحه في عدة مجالس.
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: يَا عِبَادِيْ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ (أَيْ: مِنَ الْمَوْجُودِينَ) وَآخِرَكُمْ (مِمَّنْ سَيُوجَدُ، وَقَالَ بعضهم: أَيْ: مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُكُمْ) وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ (تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلتَّأْكِيدِ،. والإنس سموا بذلك لظهورهم أو أنهم يؤنسون. والجن سموا به لاجتنانهم أي اختفائهم) كَانُوْا عَلَىْ أتْقَىْ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ (أَيْ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى غَايَةِ التَّقْوَى بِأَنْ تَكُونُوا جَمِيعًا عَلَى تَقْوَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، أَيْ: كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ) مَا زَادَ ذلِكَ فِيْ مُلْكِيْ شَيْئًا (أي: لا يعود نفع ذلك إلى الله بأن يزيد في ملكه، بل نفعه قاصر على فاعله) (وهو كقوله تعالى: [لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا]. أي لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها المُتَصَدَّقُ بها، وَلا دِماؤُها المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم) (والمعنى كذلك أنه مهما فعلتم أو قدمتم من طاعات فإنها لن تزيد في ملك الله شيئا، أي أن الله لا ينتفع بطاعة الطائعين، فنفع الطاعة راجع على المطيع وليس راجعا إلى الله عز وجل، فهو غني عن العالمين) (وفي هذا الجزء من الحديث والذي بعده إشارة إلى أن الطاعات والمعاصي كلها من خلق الله تعالى وملكه وليس للعبد ملك حقيقي بل المالك الحقيقي للعباد ولأفعالهم سواء كانت خيرا أم شرا مالكها الحقيقي هو الله عز وجل وهذا كقوله تعالى: [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]، فالعبد وأعماله وما يملك ملك لله عز وجل) يَا عِبَادِيْ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ (أي جميع بني آدم) وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ (أي كل الثقلين، فهم الذين يصدر منهم الذنوب والطاعات والملائكة لا يصدر منهم إلا الطاعات) كَانُوْا عَلَىْ أفْجَرِ (قال ملا علي القاري: أَيْ: فُجُورِ أَفْجَرِ، أَوْ عَلَى أَفْجَرِ أَحْوَالِهِمْ. وقال ابن الأثير: الفُجَّار: جَمْعُ فَاجِر، وَهُوَ المُنْبَعِث فِي المَعاصِي والمحَارِم.) قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ (أي: على صورته) مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِيْ شَيْئًا (أي ولو كان الجنُّ والإنسُ كلُّهم عصاةً فجرةً قلوبُهم على قلبِ أفجرِ رجلٍ منهم، فإنَّه سبحانه الغنيُّ بذاته عمَّن سواه، وله صفات الكمالُ التي تليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، فَمُلكُهُ ملكٌ كاملٌ لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أيِّ وجهٍ كان. وفي هذا الكلام دليلٌ على أنَّ الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقى برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»، وأشار إلى صدره) يَا عِبَادِيْ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ قَامُوْا فِيْ صَعِيْدٍ وَاحِدٍ (أي: أرض واحدة ومقام واحد) فَسَأَلُوْنِيْ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِيْ إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ (قال النووي في شرحه لمسلم: الْمِخْيَطُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ هُوَ الْإِبْرَةُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا تَقْرِيبٌ إِلَى الْأَفْهَامِ وَمَعْنَاهُ لَا يُنْقِصُ شَيْئًا أَصْلًا لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ نَقْصٌ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ الْمَحْدُودَ الْفَانِيَ وَعَطَاءُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمَا نَقْصٌ فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمِخْيَطِ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ بِمَا شَاهَدُوهُ فَإِنَّ الْبَحْرَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَرْئِيَّاتِ عِيَانًا وَأَكْبَرِهَا وَالْإِبْرَةُ مِنْ أَصْغَرِ الْمَوْجُودَاتِ مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَاءٌ. والمرادُ بهذا ذكرُ كمال قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وإنَّ مُلكَهُ وخزائنَه لا تَنفَدُ، ولا تَنقُصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثٌّ للخلق على سؤالِه وطلب حوائجهم منه. وفي ” الصحيحين ” عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «يَدُ الله ملأى [كِنَايَةٌ عَنْ مَحَلِّ عَطَائِهِ أَيْ: خَزَائِنُهُ]، لا تَغِيضُها [أَيْ: لَا تُنْقِصُهَا] نفقةٌ، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ،) [كناية عن كثرة العَطاءِ في كُلِّ الأوقاتِ؛ فلا يتوهم انقطاع هذا العطاء منه سبحان] أفرأيتم ما أنفقَ منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يَده». أي لم ينقص من عطاءه شيء. وفي بعض الآثار: يقول الله عز وجل: أيُؤَمَّلُ غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحيُّ القيُّوم؟ ويُرجى غيري، ويُطرق بابُه بالبكرات، وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أمَّلني لنائبة فقطعت به؟ أو مَنْ ذا الذي رجاني لعظيمٍ، فقطعت رجاءه؟ أو مَنْ ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ فكيف تنقطعُ الآمالُ دوني؟ أبخيلٌ أنا فيبخِّلُني عبدي؟ [وهذا استفهام إنكاري، معناه أن الله لا يوصف بالبخل] أليس الدُّنيا والآخرة والكرم والفضلُ كُلُّه لي؟ فما يمنع المؤمِّلين أنْ يؤمِّلوني؟ لو جمعتُ أهل السماوات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغْتُ كلَّ واحدٍ منهم أملَه، لم يَنقُصْ ذلك مِنْ مُلكي عضو ذرَّةٍ، كيف يَنقُصُ ملكٌ أنا مالكه؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثَّب على محارمي. أليس الله يقول: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ}، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وهكذا طعامُ الجنَّة وما فيها، فإنَّه لا ينفدُ، كما قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ}، وقد جاء: «أنَّه كلَّما نُزِعت ثمرةٌ، عاد مكانها مثلُها» وروي: «مثلاها»، فهي لا تنقُصُ أبدًا ويشهد لذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ في خطبة الكسوف: «وأريتُ الجنَّة، فتناولتُ منها عنقودًا، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا» خرَّجاه في ” الصحيحين ” من حديث ابن عباس، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابرٍ، ولفظه: «ولو أتيتكم به لأكل منه مَنْ بينَ السَّماء والأرض، لا يَنقصُونَه شيئًا». وهكذا لحمُ الطَّيرِ الذي يأكلُه أهل الجنَّة يُستخلف ويعودُ كما كان حياً لا ينقص منه شيءٌ، وقد روي هذا عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ. وقد بيَّن في الحديث الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجَه السبب الذي لأجله لا ينقصُ ما عندَ الله بالعطاء بقولِهِ: «ذَلِكَ بأنِّي جوادٌ ماجدٌ، أفعلُ ما أُريدُ») يَا عِبَادِيْ، إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا (يعني: أنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ عبادِه، ثمَّ يُوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، وقوله: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، وقوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}، وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ}) (وَإِذَا عَلِمْتَ هذا وعلمت أَنَّهُ عَلَيْكَ مَلَائِكَةٌ كَتَبَةٌ يَحْفَظُوْنَ عَلَيْكَ مَا تَفْعَلُهُ وَتَقُوْلُهُ وَتَعْتَقِدُهُ فِي صَحِيْفَةِ أَعْمَالِكَ إِلَى أَنْ تَمُوْتَ فَتُطْوَى صَحِيْفَتُك فَـكُنْ عَلَى ذُكْرٍ وَاسْتِحْضَارٍ لِذَلِكَ وَحَاسِبِ النَّفْسَ أَيْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ فِي أَرْضِ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: [وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ] أَيْ لِيَنْظُرِ الْمَرْءُ فِي دُنْيَاهُ وَأَوَانِهِ مَا يُعِدُّ وَيُقَدِّمُ لِغَدِهِ أَيِ لآخِرَتِهِ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ فَوَاتِهِ وَخُرُوْجِهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا دَارَ العَمَلِ إِلَى دَارِ الحِسَابِ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “اليَوْمَ العَمَلُ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا الحِسَابُ وَلَا عَمَل”، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ” أَيِ الْعَاقِلُ الْحَازِمُ الْمُحْتَاطُ فِي الْأُمُورِ هُوَ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ، حَاسَبَ أَعْمَالَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَقْوَالَهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَجَدَّ فِي العَمَلِ، وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا تَابَ مِنْهَا وَاسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهَا وَعَمِلَ عَمَلًا نَافِعًا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْعُقْبَى. وَفِي ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي السُّنَنِ. وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فَكَانَ فِي ءَاخِرِ كِتَابِهِ: “أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرِّضَاءِ وَالْغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ وَشَغَلَهُ هْوَاهُ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ، فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ لِكَيْ تَنْتَهِيَ عَمَّا تُنْهَى عَنْهُ”. حَاسِبْ نَفْسَكَ عِنْدَ كُلِّ نَظْرَةٍ وَكَلِمَةٍ وَخَطْوَةٍ، فَإِنَّكَ مَسْئُوْلٌ، وَاللهُ فِي كِتَابِهِ يَقُوْلُ: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] وَيَقُوْلُ: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ]، وَالْأولَى بِالْمَرْءِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حِسَابِ نَفْسِهِ وَلَا يُسَوِّفُ أَوْ يُؤَجِّلُ، فَمَا رَءَاهُ مِنْ تَقْصِيْرٍ فِي يَوْمِهِ ذَلِك تَدَارَكَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالإِصْلَاحِ. وَقَالَ بَعْضُ الأَكَابِرِ: “مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ”. وَقَالَ شَيْخُ القُرَّاءِ ابْنُ الجَزَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الوَعْظِ وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ كَلَامًا نَفِيْسًا وَنَصُّهُ: إِخْوَانِي، لِلدُّنْيَا تَخْدُمُوْنَ، وَبِاللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِكُم تَنَامُوْنَ، ثُمَّ تَقُوْلُوْنَ وَأَنْتُم لَا تَفْعَلُوْنَ، وَكَمْ تُعَاهِدُوْنَ وَتَنْقُضُوْنَ، وَكَم تُشَاهِدُوْنَ اليُسْرَ وَلَا تَعْتَبِرُوْنَ. يَا مُضَيّعُوْنَ الأَعْمَارَ فِي الغَفْلَةِ عَلَى مَاذَا تَتَّكِلُوْنَ؟! وَالْمَوْتُ وَالحُسَامُ بَيْنَ أَيْدِيْكُم، أَمَا تَعْلَمُوْنَ؟! كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ، هُنَالِكَ تَطْلُبُوْنَ الإِقَالَةَ فَلَا تُقَالُوْنَ، وَتَطْلُبُوْنَ الرَّجْعَةَ فَلَا تُرْجَعُوْنَ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ.اهـ وَقَالَ الحَسَنُ البِصْرِيُّ: “عَجِبْتُ لِأَقْوَامٍ أُمِرُوا بِالزَّادِ وَنُوْدِيَ فِيْهِم بِالرَّحِيْلِ وَهُم يَلْعَبُوْنَ”. وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَدْهَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “دَخَلْتُ عَلَى بَعْضِ إِخْوَانِي أَعُوْدُهُ، فَجَعَلَ يَتَنَفَّسُ وَيَتَأَسَّفُ، فَقُلْتُ لَهُ: عَلَى مَاذَا تَتَنَفَّسُ وَتَتَأَسَّفُ، فَقَالَ: مَا تَأَسُّفِي عَلَى البَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنْ تَأَسُّفِي عَلَى لَيْلَةٍ نِمْتُهَا، وَيَوْمٍ أَفْطَرْتُهُ، وَسَاعَةٍ غَفَلْتُ فِيْهَا عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى”. وَقِيْلَ: كَانَ بَعْضُ الصَّالِحْيَن رَضِيَ اللهُ عَنْهُم كُلَّمَا عَمِلَ شَيْئًا كَتَبَهُ فِي لَوْحٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَضَعَ اللَّوْحَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحَاسَبَ نَفْسَهُ، فَلَا يَزَالُ بَاكِيًا نَادِمًا إِلَى الصَّبَاح. فَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ النَّفِيسَةَ، وَاحْتَفِظْ بِأَوْقَاتِك الْعَزِيزَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ حَيَاتِك مَحْدُودَةٌ، وَأَنْفَاسَك مَعْدُودَةٌ، فَكُلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْ حَيَاتِكَ البَاقِيَةِ، وَالْعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيرٌ، وَالْبَاقِي مِنْهُ هُوَ الْيَسِيرُ. فَلَا تُضَيِّعْ جَوَاهِرَ عُمْرِك النَّفِيسَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تُذْهِبُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاجْتَهِدْ أَنْ لَا يَخْلُوَ نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِك إلَّا فِي عَمَلِ طَاعَةٍ أَوْ قُرْبَةٍ تَتَقَرَّبُ بِهَا إلى اللهِ جَلَّ وَعَزَّ. فَإِنَّك لَوْ كَانَتْ مَعَك جَوْهَرَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الدُّنْيَا لَسَاءَك ذَهَابُهَا، فَكَيْفَ تُفَرِّطُ فِي سَاعَاتِك وَأَوْقَاتِك، وَكَيْفَ لَا تَحْزَنُ عَلَى عُمْرِك الذَّاهِبِ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وذَكَرَ عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيْلِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الكِتَّانِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، فَحَسَبَ يَوْمًا سِنِيْهِ فَوَجَدَهَا سِتِّينَ سَنَةً، فَحَسَبَ أَيَّامَهَا فَوَجَدَهَا وَاحِدًا وَعشْرِيْنَ أَلْفَ يَوْمٍ وَخَمْسَمائَةِ يَوْمٍ، فَصَرَخَ صَرْخَةً وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: يَا وَيْلَتَاهُ، أَنَا ءَاتِي رَبِّي بِوَاحِدٍ وَعِشْرِيْنَ أَلْفَ ذَنْبٍ وَخَمْسَمائَةِ ذَنْبٍ، هَذَا لَوْ كَانَ ذَنْبٌ وَاحِدٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَكَيْفَ بِذُنُوْبٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، ثُمَّ قَالَ: ءَاهٍ عَلَيَّ، عَمَرْتُ دُنْيَايَ وَخَرَّبْتُ أُخْرَايَ وَعَصَيْتُ مَوْلَايَ وَكَيْفَ أَشْتَهِي النُّقْلَةَ إِلَى دَارِ الْكِتَابِ وَالحِسَابِ وَالعِتَابِ وَالْعَذَابِ بِلَا عَمَلٍ وَلَا ثَوَابٍ، وَأَنْشَدَ:
مَنَازِلَ دُنْيَاكَ شَيَّدْتَهَا ***** وَخَرَّبَتْ دَارَكَ فِي الْآخِرَةْ
فَأَصْبَحْتَ تَكْرَهُهَا لِلْخَرَابْ ***** وَتَرْغَبُ فِي دَارِكَ العَامِرَةْ
ثمَّ شَهِقَ شَهْقَةً عَظِيْمَةً فَحَرَّكُوْهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ.اهـ
فلذلك ينبغي علينا أن نقصر الأمل فَكَمْ مِنْ مُغْتَرٍّ بِطُوْلِ الأَمَلِ تَرَكَ مُحَاسَبَةَ نَفْسِهِ حَتَّى قُضِيَ الأَجَلُ، فَعَنْ يَحْيَى بنِ مُعَاذٍ قَال: إِنَّ الَّذِي حَجَبَ النَّاسَ عَنِ التَّوْبَةِ طُوْلُ الأَمَلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]. فَالْمَوْتُ قَرِيْبٌ مِنَّا وَلَا بُدَّ ان تَأْتِيَ لَحْظَةُ نَزْعِ الرُّوْحِ، قَالَ تَعَالَى: [وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ]. وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاحة لَا تُنَالُ بِالرَّاحَةِ، وَمَعَالِي الْأُمُورِ لَا تُنَالُ بِالفتور. وقال عليٌّ رضي الله عنه: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه. اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا وَأَهْلِيْنَا وَأَحْبَابَنَا الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَشَايِخَنَا وَأَهْلَ الفَضْلِ عَلَيْنَا مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَأَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا جَمِيْعًا)، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُوْمَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (قال بعض المفسرين: إنْ كان المرادُ: مَنْ وجدَ ذلك في الدُّنيا، فإنَّه يكونُ حينئذٍ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاءِ الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدُّنيا كما قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فَعَلَتْ من الذُّنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار. وفي ” المسند ” و” سنن أبي داود ” عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ المؤمنَ إذا أصابه سَقَمٌ، ثمَّ عافاه الله منه، كان كفَّارةً لما مضى مِنْ ذُنوبه، وموعظةً له فيما يستقبلُ من عمره، وإنَّ المنافق إذا مرض وعوفي، كان كالبعيرِ عَقَلَه أهلُه، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه ولا لِمَ أطلقوه»، وإنْ كان المرادُ من وجد خيرًا أو غيرَه في الآخرة، كان إخبارًا منه بأنَّ الذين يجدون الخيرَ في الآخرة يحمَدُونَ الله على ذلك، وأنَّ مَنْ وجدَ غير ذلك يلوم نفسه حين لا ينفعُهُ اللومُ، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنَّة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ}، وقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}، وأخبر عن أهل النار أنَّهم يلومون أنفسهم، ويمقُتونها أشدَّ المقت، فقال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}، وقد كان السَّلفُ الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذرًا من لوم النفس عندَ انقطاع الأعمال على التقصير) (قال ابن علان: فلا يلومن إلا نفسه. فإنها آثرت شهواتها ومستلذاتها على رضا مولاها: فاستحقت أن يعاملها بمظهر عدله، وأن يحرمها مزايا جوده وفضله، نسأل الله العافية من ذلك، وأن يمن علينا بالسلامة من النار، إلى أن نلقاه آمنين). قَالَ سَعِيْدٌ (وهو أحد رواة الحديث وكنا تكلمنا في ترجمته رحمه الله تعالى): كَانَ أَبُوْ إِدْرِيْسَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيْثِ جَثَا (أي جلس) عَلَىْ رُكْبَتَيْهِ (تعظيما لهذا الحديث وإجلالا لما فيه). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرُوِّيْنَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ، قَالَ: لَيْسَ لِأَهْلِ الشَّامِ حَدِيْثٌ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا الْحَدِيْثِ.
موعظة وعبرة وخاتمة: هذا الحديث فيه تأكيد على العباد أنهم مفتقرون إلى خالقهم عز وجل وهو الغني عنهم وعن عبادتهم لا ينتفع بهم طرفة عين فالله تعالى لا يتشرف بشيء من مخلوقاته، ومن عرف هذا ينبغي أن يلجأ إلى الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة في كل أمر يَعْرِضُ له في هذه الدنيا، فقد قال تعالى: (فَفِرُّوْا إِلَىْ اللهِ إِنِّيْ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُبِيْنٌ)، أي التجؤوا إليه سبحانه، اعتمدوا عليه، ارجعوا إلى طاعته، اثبتوا على طريق التوبة، إياكم والمعصية والذنوب فإنها مُهْلِكة للعبد، وما أحوجنا إلى هذه المعاني السامية وخصوصا في هذه الأيام التي اشتد كرب المسلمين فيها، اشتد الكرب على إخواننا المسلمين في فلسطين وفي غزة، فنقول لهم فِرُّوا إلى الله التجؤوا إليه سبحانه كما التجأ إليه الأنبياء والمرسلون وعباد الله الصالحون فرفع عنهم البلاء، اللهم إنَّا نلتجئ إليك لترفع البلاء عن أمة الإسلام فقد طال وكثرت أيامه، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه نوح فنجاه من قومه الذين سخروا منه وأنقذه منهم وأغرقهم بالطوفان، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه الخليل إبراهيم فأنقذه الله من نار النمرود بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه يعقوب وبعد أن اشتد كربه بفراق ولده يوسف الصدِّيق أربعين سنة فرده الله إليه ورد إليه بصره، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه سيدنا يوسف فأنقذه الله من البئر ومن مكر إخوته ومن مكر امرأة العزيز ومن مكر النسوة ومَلَّكَه خزائن الأرض ورده لأبيه يعقوب عليهما السلام، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه أيوب عليه السلام فشفاه الله من مرض غيرِ منفِّر نزل به ثمانية عشر عاما ورد له ماله وولده وبيته، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه يونس فأنقذه الله من ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل ورده إلى قومه وهداهم أجمعين، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه موسى بأن أنقذه الله من سحرة فرعون وهداهم لدين الإسلام وأهلك فرعون وحزبَه ونجا موسى والمؤمنين معه، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه عيسى عليه السلام فأنجاه الله من اليهود المعتدين ورفعه إلى السماء الثانية يعبد ربه مع الملائكة الكرام، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه محمد صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى الطائف وانقطت به الأسباب الأرضية وسلَّط عليه المشركون سفهاءهم وأولادهم يرمونه بالحجارة فقال ملتجئا إلى ربه عز وجل: “اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي. التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه محمد ﷺ في الهجرة فقال لصاحبه الصدِّيق: لا تحزن إن الله معنا. أي حافظنا وناصرنا. التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه محمد ﷺ في بدر وأحد والأحزاب وفي فتح مكة وخيبر وفي تبوك فنصره الله وأعلى كلمته، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه أبو بكر رضي الله عنه وبعد أن ارتد أكثر العرب ومنع بعضهم الزكاة فنصر الله أصحاب النبي ﷺ، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه صلاح الدين فنصره الله، التجؤوا إلى الله كما التجأ إليه السطان المظفر قطز في معركة عين جالوت وكانت أغلب البلاد الإسلامية احتُلت من التتار المعتدين فصاح السلطان قطز صيحته المشهورة في عين جالوت قائلا: واإسلاماه واإسلاماه واإسلاماه فنصره الله عليهم وأخرجهم من بلاد المسلمين.
خاتمة باب المجاهدة:
أحبابي: ها نحن الآن نتكلم في ختام باب المجاهدة أي مجاهدةِ النفس والهوى، وقد أحسن النووي رحمه الله إذ ختم هذا الباب بهذا الحديث الشريف، فإن معاني هذا الحديث الشريف العظيم ترشدنا أن نتوجه ونلتجئ إلى الله القادر العزيز الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن لا نركن إلى الدنيا فالدنيا مهما كثرت فهي قليلة ومهما عظمت فهي إلى زوال، ومهما ملكنا منها فالمصير معروف وهو أن نتركها ونمضي إلى الآخرة الباقية ولنا في التاريخ عبر كثيرة، روى ابن الجوزي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَا هُوَ فِي صَحَارَى عَدَنِ أَبْيَنَ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ إِذْ هُوَ قَدْ وَقَعَ عَلَى حِصْنٍ، حَوْلَ ذَلِكَ الْحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا ظَنَّ أَنَّ فِيهَا أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَنْ إِبِلِهِ فَإِذَا لا خَارِجَ وَلا دَاخِلَ. فَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ فَعَقَلَهَا ثُمَّ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ فَإِذَا هُوَ بِبَابَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَمْ يَرَ فِي الدنيا شيئا أَعْظَمَ مِنْهُمَا وَلا أَطْوَلَ، وَفِي الْبَابَيْنِ نُجُومٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَبْيَضَ وَيَاقُوتٍ أَحْمَرَ تُضِيءُ الْبَابَيْنِ مَا بَيْنَ الْحِصْنِ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ أَعْجَبَهُ وَتَعَاظَمَهُ الأَمْرُ فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، فَإِذَا هُوَ فِي قُصُورٍ كُلُّ قَصْرٍ مُعَلَّقٌ تَحْتَهُ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ. وَمِنْ فَوْقِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا غُرَفٌ. وَمِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، وَكُلُّ مَصَارِيعِ تِلْكَ الْقُصُورِ وَتِلْكَ الْغُرَفِ مِثْلُ مَصَارِعِ بَابِ الْمَدِينَةِ بِالْيَاقُوتِ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ، مَفْرُوشَةٌ تِلْكَ الْقُصُورُ وَتِلْكَ الْغُرَفُ بِاللُّؤْلُؤِ وَبَنَادِقُ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانُ، فَلَمَّا عَايَنَ الرَّجُلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ أَحَدًا هَالَهُ ذَلِكَ وَأَفْزَعَهُ ثُمَّ نَظَرَ فِي الأَزِقَّةِ فَإِذَا هُوَ بِشَجَرٍ فِي كُلِّ زُقَاقٍ مِنْهَا قَدْ أَثْمَرَ، وَتَحْتَ الأَشْجَارِ أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي مَاؤُهَا فِي قَنَوَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ هَذِهِ لَلْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ عز وجل. ثُمَّ حَمَلَ مَعَهُ مِنْ لُؤْلُئِهَا وَزَبَرْجَدِهَا ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ فَأَظْهَرَ مَا كَانَ مَعَهُ وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَمْرَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَكَتَبَ إِلَى صَنْعَاءَ فَجِيءَ بِهِ فَسَأَلَهُ عَمَّا رَأَى فَأَخْبَرَهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَرَاهُ مَا قَدْ أَخَذَ مِنْهَا لُؤْلُؤًا قَدِ اصْفَرَّ وَبَنَادِقَ مِسْكٍ لَمْ يَجِدْ لَهَا رِيحًا فَفَتَّهَا فَإِذَا رِيحُ الْمِسْكِ، فَبَعَثَ إِلَى كَعْبٍ وَقَالَ: إِنِّي دَعَوْتُكَ إِلَى شَيْءٍ رجَوْتُ أَنْ يَكُونُ عِلْمُهُ عِنْدَكَ هَلْ بَلَغَكَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةً مَبْنِيَّةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَمَدُهَا زَبَرْجَدٌ وَيَاقُوتٌ وَحَصْبَاؤُهَا لُؤْلُؤٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ الَّتِي بَنَاهَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ. قَالَ حَدِّثْنَا حَدِيثَهَا. فَقَالَ: إِنَّ عَادًا الأَوَّلَ كَانَ لَهُ ابْنَانِ شَدِيدٌ وَشَدَّادٌ فَهَلَكَ عَادٌ وَمَلَكَ ابْنَاهُ الْبِلادَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إلا فِي طَاعَتِهِمَا ثُمَّ مَاتَ شَدِيدٌ فَمَلَكَ شَدَّادٌ وَحْدَهُ فَكَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا جَمِيعًا وَكَانَ مُولَعًا بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَكُلَّمَا مَرَّ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَبْنِيَ مِثْلَهَا عُتُوًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل، فَأَمَّرَ عَلَى صَنْعَتِهَا مِائَةَ قَهْرَمَانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ أَلْفٌ مِنَ الأَعْوَانِ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى أَطْيَبِ فَلاةٍ فِي الأَرْضِ وَأَوْسَعِهَا فَاعْمَلُوا لِي مَدِينَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ تَحْتَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَفَوْقَ الْقُصُورِ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ وَاغْرِسُوا تَحْتَ تِلْكَ الْقُصُورِ فِي أَزِقَّتِهَا أَصْنَافَ الثِّمَارِ وَأَجْرَوْا تَحْتَهَا الأَنْهَارَ فَإِنِّي أَسْمَعُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ الْجَنَّةِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ مِثْلَهَا فِي الدُّنْيَا. فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْدِرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ لَنَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُلْكَ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِيَدِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ فَانْطَلِقُوا إِلَى مَعَادِنِ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَخُذُوا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَى كُلِّ مَلِكٍ فِي الدُّنْيَا يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي بِلادِهِ مِنْ جَوْهَرِهَا وَيَحْفِرُ مَعَادِنَهَا، فَجَمَعُوا ذَلِكَ فِي عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ عَدَدُ الْمُلُوكِ مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَلِكًا وَخَرَجَ الْفَعَلَةُ فَتَبَدَّدُوا فِي الصَّحَارَى فَوَقَعُوا عَلَى صَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ الْجِبَالِ وَالتِّلالِ فَإِذَا هُمْ بِعُيُونٍ مُطَّرِدَةٍ فَقَالُوا: صِفَةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا، فَأَخَذُوا بِقَدْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَأَجْرَوْا قَنَوَاتِ الأَنْهَارِ وَوَضَعُوا الأَسَاسَ وَأَرَسْلَتْ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ والفضة واللؤلؤ والجوهر وأقاموا في ذلك ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سَنَةٍ فَلَمَّا أَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِفَرَاغِهِمْ مِنْهَا قَالَ: انطلقوا فاجعلوا عليها حِصْنًا وَاجْعَلُوا حَوْلَ الْحِصْنِ أَلْفَ قَصْرٍ عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ أَلْفُ عَلَمٍ يَكُونُ فِي كُلِّ قَصْرٍ وَزِيرٌ مِنْ وُزَرَائِي. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَخْبَرُوهُ فَأَمَرَ أَلْفَ وَزِيرٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَنْ يَثِقُ به أن يتهيأوا لِلنُّقْلَةِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ وَأَمَرَ مَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ وَخَدَمِهِ بِالْجَهَازِ فَأَقَامُوا فِي جَهَازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ سَارَ بِمَنْ أَرَادَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَدْخُلْ إِرَمَ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يعثر عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى السَّاعَةِ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عُلَمَاءِ حِمْيَرَ قَالُوا: لَمَّا هَلَكَ شَدَّادُ بْنُ عَادٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّيْحَةِ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ ابْنُ شَدَّادٍ وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ خَلَّفَهُ بِحَضْرَمَوْتَ عَلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ فَأَمَرَ بِحَمْلِ أَبِيهِ مِنْ تِلْكَ الْمَغَارَةِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَأَمَرَ فَحُفِرَتْ لَهُ حَفِيرَةٌ فِي مَغَارَةٍ فَوضعه فِيهَا عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سَبْعِينَ حُلَّةً مَنْسُوجَةً بِقُضْبَانِ الذَّهَبِ وَوَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا عَظِيمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَتَبَ عَلَيْهِ:
اعْتَبِرْ بِي أَيُّهَا المغرور … بالعمر المديد
أنا شدادبنُ عَادٍ … صَاحِبُ الْحِصْنِ الْمَشيدِ
وَأَخُو الْقُوَّةِ وَالْبَأْسَاءِ … وَالْمُلْكِ الْحشِيدِ
دَانَ أَهْلُ الأَرْضِ طرا لِي … مِنْ خَوْفِ الوَعِيدِ
وَمَلَكْتُ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ … بِسُلْطَانٍ شَدِيدِ
فَأَتَى هُودٌ وَكُنَّا … فِي ضَلالٍ قَبْلَ هُودِ
فَدَعَانَا لَوْ قبلناه … الى الأمر الرشيد
فعصيناه ونادى… ما لكم هل مِنْ مَحيد
فَأَتَتْنَا صَيْحَةٌ تَهْوِي … مِنَ الأُفْقِ الْبَعِيدِ
فَتَوَافَيْنَا كَزَرْعٍ … وَسَط بَيْدَا حَصِيدِ