بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَرشَدَ الخَلقَ إِلَى أكمَلِ الآدَابِ، وَفَتَحَ لَهُم مِن خَزَائِنِ رَحمَتِهِ وَجُودِهِ كُلَّ بَابٍ، أنَارَ بَصَائِرَ المُؤمِنِينَ فَأَدرَكُوا الحَقَائِقَ وَطَلَبُوا الثَّوَابَ، وَأَعمَى بَصَائِرَ المُعرِضِينَ عَن طَاعَتِهِ فَصَارَ بَينَهُم وَبَينَ الحَقِّ حِجَابٌ، هَدَى أُولَئِكَ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ، وَأَضَلَّ الآخَرِينَ بِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ،﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ العَزِيزُ الوَهَّابُ، الَّذِي أَنزَلَ القَطرَ مِنَ السَّمَاءِ فَفَاضَتِ الأَودِيَةُ وَالهِضَابُ، تَنَزَّهَ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَمَا يَقُولُهُ أَهلُ الشَّكِّ وَالِارتِيَابِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِأَجَلِّ العِبَادَاتِ وَأَكمَلِ الآدَابِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى الآلِ وَالأصحَابِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ مُقَدَّمِ الأَصحَابِ، وَعَلَى الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ المِحرَابِ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيفًا بَعدُ مِن قِرَابٍ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَآبِ، وَسَلَّم تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الأَذكَارِ الَّتِي كَانَ يَقُولُهَا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا استَيقَظَ فِي اللَّيلِ.
حديث دعاء الاستيقاظ من الليل
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا استَيقَظَ مِنَ اللَّيلِ قَالَ:
«لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ، اللَّهُمَّ أَستَغفِرُكَ لِذَنبِى وَأَسأَلُكَ رَحمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدنِى عِلمًا وَلا تُزِغ قَلبِى بَعدَ إِذ هَدَيتَنِى وَهَب لِى مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ» .لا تُزِغ قَلبِى أَى لا تُمِلهُ عَنِ الحَقِّ وَالهُدَى.
التوحيد: لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا استَيقَظَ مِنَ اللَّيلِ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ هَذِهِ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ فِي أَغلَبِ أَذكَارِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَا هَذَا إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا وَأَهَمِّيَّةِ تَرسِيخِهَا فِي قُلُوبِ أَبنَاءِ المُسلِمِينَ.
وَمَعنَاهَا: لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ، أَى أَنَّهُ لا يَستَحِقُّ أَحَدٌ أَن يُعبَدَ أَي أَن يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ، إِذ إِنَّ مَعنَى العِبَادَةِ فِى اللُّغَةِ أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الحَافِظُ اللُّغَوِىُّ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبكِىُّ، فَيُعلَمُ مِن هَذَا أَنَّهُ لَيسَ مَعنَى العِبَادَةِ مُجَرَّدَ الطَّاعَةِ أَوِ النِّدَاءِ أَوِ الِاستِغَاثَةِ أَوِ الِاستِعَانَةِ أَوِ الخَوفِ أَوِ الرَّجَاءِ كَمَا يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ. وقَالَ إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ فِي مَعنَاهَا: أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، فَهُوَ القَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ وَهُوَ الخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخلُوقٌ.
فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ وَالأَعمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى العَرشِ، وَمِن كُلِّ حَرَكَةٍ لِلعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلقِ اللَّهِ، لَم يَخلُقهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ، لا طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ، بَل دُخُولُهُ فِي الوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدرَتِهِ، بِتَقدِيرِهِ وَعِلمِهِ الأَزَلِيِّ، لِقَولِ اللَّهِ تَعَالَى:﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الفرقان/ الآية 2]
أَي أَحدَثَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَلا خَلقَ بِهَذَا المَعنَى لِغَيرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]
التنزيه: سُبحَانَكَ
سُبحَانَكَ، أَي تَنَزَّهتَ يَا رَبَّنَا عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَكُنَّا فِي الدَّرسِ المَاضِي ذَكَرنَا القَاعِدَةَ عِندَ الفُقَهَاءِ فِي تَأوِيلِ المُتَشَابِهَاتِ، وَأَنَّهُ إِذَا وَرَدَ نَصٌّ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ التَّشبِيهَ أَنَّهُ يُؤَوَّلُ تَأوِيلًا يَدفَعُ التَّشبِيهَ وَالتَّعطِيلَ وَيُوَافِقُ التَّنزِيهَ وَالتَّعظِيمَ لِرَبِّ العِزَّةِ سُبحَانَهُ، إِمَّا بِتَفوِيضِ المَعنَى إِلَى اللهِ كَمَا هُوَ مَذهَبُ أَغلَبِ السَّلَفِ أَو بِتَعيِينِ المَعنَى اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ مَذهَبُ أَغلَبِ الخَلَفِ.
تأويل آيات الصفات
- وَمِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا ذَكَرَ لَكُم أَحَدُهُم قَولَهُ تَعَالَى:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 210]
فَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يَأتِي حَقِيقَةً وَلَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الخَلقِ مِنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِانتِقَالِ وَالتَّحَيُّزِ فِي مَكَانٍ، بَل قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ عَطِيَّةَ: يَنظُرُونَ مَعنَاهُ يَنتَظِرُونَ، وَالمَعنَى يَأتِيَهُم حُكمُ اللهِ وَأَمرُهُ وَنَهيُهُ وَعِقَابُهُ إِيَّاهُم.
- وَقَولُهُ تَعَالَى:﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 56]
كَذَلِكَ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ يَتَّصِفُ بِالجَنبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ جُزءٌ مِنَ الإِنسَانِ، وَلَا يَتَّصِفُ بِأَيِّ عُضوٍ أَو جُزءٍ آخَرَ، بَل قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾: فِيهِ أَقوَالٌ:
- فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالَهُ الحَسَنُ
- فِي حَقِّ اللهِ، قَالَهُ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ
- فِي أَمرِ اللهِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ
- وَقَولُهُ تَعَالَى:﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر/ الآية 67]
لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ يَدًا جَارِحَةً يَقبِضُ بِهَا عَلَى الأَرضِ كَمَا قَد يَتَوَهَّمُ بَعضُ النَّاسِ، بَل قَالَ الطَّبَرِيُّ وَابنُ فُورَكَ: إِنَّهَا فِي مَقدُورِهِ.
- وَقَولُهُ تَعَالَى:﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر/ الآية 67]
كَذَلِكَ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَهُ يَدٌ يَطوِي بِهَا السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ، بَل قَالَ ابنُ فُورَكَ: ذُكِرَتِ اليَمِينُ لِلمُبَالَغَةِ فِي الِاقتِدَارِ.
تأويل أحاديث الصفات
وَكَذَلِكَ مِثلُ بَعضِ مَا وَرَدَ فِي أَحَادِيثِهِ ﷺ، مِثلُ مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الذي رواه مسلم في صحيحه:«يَا ابنَ ءَادَمَ مَرِضتُ فَلَم تَعُدنِي»
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَد فَسَّرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَعنَى المَرَضِ، وَأَنَّ المُرَادَ بِهِ مَرَضُ العَبدِ المَخلُوقِ.وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي وَالمُنَاوِيُّ: قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَضَافَ المَرَضَ إِلَيهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَالمُرَادُ العَبدُ تَشرِيفًا لِلعَبدِ — أَيِ العَبدِ المُؤمِنِ المَرِيضِ، وَفِيهِ فَضلُ زِيَارَةِ المَرِيضِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ وَالَّذِي فِيهِ:«يَطوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ»
- قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: أَرَادَ أَنَّهُ يَطوِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِقُدرَتِهِ.
- وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا إِطلَاقُ اليَدَينِ للهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى القُدرَةِ.
- وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: قَالَ أَصحَابُ التَّأوِيلِ: المُرَادُ بِاليَدِ اليُمنَى وَالشِّمَالِ القُدرَةُ، وَالمُرَادُ مِنَ الطَّيِّ التَّسخِيرُ التَّامُّ وَالقَهرُ الكَامِلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ الآنَ أَيضًا، وَلَكِن فِي القِيَامَةِ يَكُونُ أَظهَرَ، وَنَسَبَ طَيَّ السَّمَاوَاتِ إِلَى اليَمِينِ وَطَيَّ الأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ تَنبِيهًا لِمَا بَينَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ بَعدَ أَن نَزَّهَ ذَاتَهُ سُبحَانَهُ مِن نِسبَةِ الشِّمَالِ إِلَيهِ بِقَولِهِ:«وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ» رواه مسلملِأَنَّ الشِّمَالَ نَاقِصٌ فِي القُوَّةِ عَادَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّقصَانِ وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ الحَدَثَانِ.
الاستغفار
اللَّهُمَّ أَي يَا اللهُ أَستَغفِرُكَ لِذَنبِى — التَّوبَةُ مَعنَاهَا الرُّجُوعُ، وَهِىَ فِى الغَالِبِ تَكُونُ مِن ذَنبٍ سَبَقَ لِلخَلاصِ مِنَ المُؤَاخَذَةِ بِهِ فِى الآخِرَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَينًا مِنَ الكَبِيرَةِ وَمِنَ الصَّغِيرَةِ فَورًا.
وَقَد تُطلَقُ التَّوبَةُ لِغَيرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِثلُ مَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِى عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ وَابنُ مَاجَه فِى سُنَنِهِ عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«إِنِّى لَأَستَغفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ فِى اليَومِ مِائَةَ مَرَّةٍ»
أَي لَا مِن ذَنبٍ سَبَقَ لِلخَلَاصِ مِنَ المُؤَاخَذَةِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ مَأمُونُ العَاقِبَةِ يَومَ القِيَامَةِ، وَإِنَّمَا مَعنَى الحَدِيثِ أَنَّهُ يَفعَلُ ذَلِكَ لِلتَّرَقِّي فِي الدَّرَجَاتِ. قَالَ العَينِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ يَستَغفِرُ هَذَا المِقدَارَ مَعَ أَنَّهُ مَعصُومٌ وَمَغفُورٌ لَهُ لِأَنَّ الِاستِغفَارَ عِبَادَةٌ، أَو هُوَ تَعلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، أَو قَالَهُ تَوَاضُعًا.
عصمة الأنبياء
وَمِثلُ هَذَا الحَدِيثِ وَغَيرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآيَاتِ استَدَلَّ بِهَا العُلَمَاءُ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ المَعصِيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ عَلَى الأَنبِيَاءِ. فَإِنَّ لِعُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ قَولَينِ فِي جَوَازِ صُدُورِ المَعصِيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا خِسَّةَ فِيهَا وَلَا دَنَاءَةَ مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَقَد ذَهَبَ إِلَى تَجوِيزِ ذَلِكَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ وَالإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ وَغَيرُهُمَا. وَبَيَّنَ العُلَمَاءُ أَنَّ فِعلَ ذَنبٍ أَوِ اثنَينِ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا دَنَاءَةَ فِيهَا لَا يُسقِطُ العَدَالَةَ وَلَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالأَمَانَةِ وَلَا يُسقِطُ الشَّخصَ مِن أَعيُنِ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا مَعَ التَّوبَةِ وَالإِسرَاعِ بِالإِنَابَةِ، وَهَذَا إِجمَاعٌ بِلَا خِلَافٍ أَنَّهُ لَا يُسقِطُ العَدَالَةَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِ مُسلِمٍ: “وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم، فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم، وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ التَّحقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِن أَئِمَّتنَا إِلَى عِصمَتِهِم مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصمَتِهِم مِنَ الكَبَائِرِ، وَأَنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَن مُوَاقَعَتِهَا وَعَن مُخَالَفَةِ اللهِ تَعَالَى عَمدًا”.
وَمِمَّا اختَلَفَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد/ الآية 19]
- فَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ المُرَادُ بِالذَّنبِ هُنَا المَعصِيَةُ الَّتِي فِيهَا إِثمٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الذَّنبَ فِيهَا هُوَ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: وَسَلهُ غُفرَانَ ذَنبِكَ وَعَفوَهُ لَكَ عَنهُ وَذُنُوبِ أَهلِ الإِيمَانِ بِكَ مِن رِجَالٍ وَنِسَاءٍ.
- وَقَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: وَالعِصيَانُ خِلَافُ الطَّاعَةِ.
- وَقَالَ القُشَيرِيُّ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ ذَنبٌ.
قَالَ العَارِفُ بِاللهِ ابنُ أَبِي جَمرَةَ فِي أَثنَاءِ كَلَامٍ لَهُ عَلَى حَدِيثِ: «لَن يَدخُلَ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، مَا لَفظُهُ: لَا يَخطُرُ بِخَاطِرِ أَحَدٍ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ بِفَضلِهِ غَفَرَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن قَبِيلِ مَا نَقَعُ نَحنُ فِيهَا، مَعَاذَ اللهِ، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ مَعصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ بِالإِجمَاعِ، وَمِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا رَذَائِلُ، أَمَّا الصَّغَائِرُ الَّتِي لَيسَ فِيهَا رَذَائِلُ فَفِيهَا خِلَافٌ بَينَ العُلَمَاءِ.
الاستغفار بمعنى طلب الإسلام
وَقَد وَرَدَ ذِكرُ الِاستِغفَارِ فِى القُرءَانِ بِمَعنَى طَلَبِ مَحوِ الذَّنبِ بِالإِسلامِ، وَذَلِكَ كَالَّذِى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى القُرءَانِ عَن نُوحٍ أَنَّهُ قَالَ:﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [سُورَةَ نُوح/ الآية 10]
فَإِنَّ قَومَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُم بِقَولِهِ ﴿استَغفِرُوا رَبَّكُم﴾ مُشرِكُونَ، فَمَعنَاهُ اطلُبُوا مِن رَبِّكُمُ المَغفِرَةَ بِتَركِ الكُفرِ الَّذِى أَنتُم عَلَيهِ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحدَهُ فِى استِحقَاقِ الأُلُوهِيَّةِ وَالإِيمَانِ بِنُوحٍ أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَيكُم.
الرحمة
وَأَسأَلُكَ رَحمَتَكَ — رَحمَةُ اللهِ تَعَالَى وَاسِعَةٌ، وَالرَّحَمَاتُ مِنهَا مَا هُوَ خَاصٌ وَمِنهَا مَا هُوَ عَامٌ.
الرحمة الخاصة
فَمِنَ الرَّحَمَاتِ مَا هُوَ خَاصٌّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلمُؤمِنِينَ، كَالرَّحمَةِ الَّتِي تَنزِلُ عَلَى المُصَلِّي فِي أَثنَاءِ صَلَاتِهِ، فَقَد روى أحمد وأبو داود عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ:
«كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى»
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ». وَهُوَ ﷺ الَّذِي حَثَّ عَلَيهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ، فَقَد روى أحمد وأبو داود عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ:«أَرِحنَا بِهَا يَا بِلَالُ»
الرحمة العامة
وَمِنَ الرَّحَمَاتِ مَا هُوَ عَامٌّ يَعُمُّ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ فِي الدُّنيَا، كَبَعضِ المَطَرِ يَنزِلُ فَيُصِيبُ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ، فَلَيسَ المَطَرُ خَاصًّا بِالمُؤمِنِينَ فَقَط، فَشَربَةُ المَاءِ البَارِدِ رَحمَةٌ لِلكَافِرِ فِي الدُّنيَا. وَقَد روى الترمذي في سننه عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لَو كَانَتِ الدُّنيَا تَعدِلُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنهَا شَربَةَ مَاءٍ»
فضل العلم
اللهم زِدنِى عِلمًا — النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو بِالِازدِيَادِ مِنَ العِلمِ، وَهُوَ بِهَذَا يُنَفِّذُ أَمرَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ أَن يَدعُوَ بِالزِّيَادَةِ مِنَ العِلمِ فَقَالَ:﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه/ الآية 114]
وليُعلَم أَنَّ العِلمَ أَشرَفُ مَا رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُ، وَأَفضَلُ مَا طَلَبَ وَجَدَّ فِيهِ الطَّالِبُ، وَأَنفَعُ مَا كَسَبَهُ وَاقتَنَاهُ الكَاسِبُ، لِأَنَّ شَرَفَهُ يُثمِرُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفَضلَهُ يُنمِي عَلَى طَالِبِهِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 9] فَمَنَعَ المُسَاوَاةَ بَينَ العَالِمِ العَامِلِ وَالجَاهِلِ لِمَا قَد خُصَّ بِهِ العَالِمُ مِن فَضِيلَةِ العِلمِ.
وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 43]
فَنَفَى أَن يَكُونَ غَيرُ العَالِمِ يَعقِلُ عَنهُ أَمرًا أَو يَفهَمُ مِنهُ زَجرًا كَمَا يَعقِلُهُ العَالِمُ. فَنَفَى أَن يَكُونَ غَيرُ العَالِمِ يَعقِلُ عَنهُ أَمرًا أَو يَفهَمُ مِنهُ زَجرًا كَمَا يَعقِلُهُ العَالِمُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:«أُوحِيَ إلَى إبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنِّي عَلِيمٌ أُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ»
وَرَوَى الترمذي والدارمي عن أَبي أُمَامَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا عَالِمٌ وَالآخَرُ عَابِدٌ، فَقَالَ ﷺ:«فَضلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِي عَلَى أَدنَاكُم رَجُلًا»
أقوال السلف في فضل العلم
- قَالَ مُصعَبُ بنُ الزُّبَيرِ: تَعَلَّمِ العِلمَ، فَإِن يَكُن لَك مَالٌ كَانَ لَك جَمَالًا، وَإِن لَم يَكُن لَك مَالٌ كَانَ لَك مَالًا.
- وَقَالَ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروَانَ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ تَعَلَّمُوا العِلمَ، فَإِن كُنتُم سَادَةً فُقتُم، وَإِن كُنتُم وَسَطًا سُدتُم.
- وَقَالَ بَعضُ الأُدَبَاءِ: العِلمُ أَفضَلُ خَلَفٍ، وَالعَمَلُ بِهِ أَكمَلُ شَرَفٍ.
- وَقَالَ بَعضُ البُلَغَاءِ: تَعَلَّمِ العِلمَ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُكَ وَيُسَدِّدُكَ صَغِيرًا، وَيُقَدِّمُكَ وَيُسَوِّدُكَ كَبِيرًا، وَيُصلِحُ زَيفَكَ وَفَاسِدَكَ، وَيُرغِمُ عَدُوَّكَ وَحَاسِدَكَ، وَيُقَوِّمُ عِوَجَكَ وَمَيلَكَ، وَيُصَحِّحُ هِمَّتَكَ وَأَمَلَكَ.
- وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: “قِيمَةُ كُلِّ امرِئٍ مَا يُحسِنُ”، فَأَخَذَهُ الخَلِيلُ فَنَظَمَهُ شِعرًا فقال:
| لَا يَكُـــونُ العَلِـــيُّ مِثـــلَ الدَّنِيِّ | لَا وَلَا ذُو الذَّكَاءِ مِثلَ الغَبِيِّ | |
| قِيمَةُ المَرءِ قَدرُ مَا يُحسِنُ المَرءُ | قَضَــــــــاءٌ مِن الإِمَامِ عَلِيِّ |
وَلَيسَ يَجهَلُ فَضلَ العِلمِ إلَّا أَهلُ الجَهلِ، لِأَنَّ فَضلَ العِلمِ إنَّمَا يُعرَفُ بِالعِلمِ، فَلَمَّا عَدِمَ الجُهَّالُ العِلمَ الَّذِي بِهِ يَتَوَصَّلُونَ إلَى فَضلِ العِلمِ جَهِلُوا فَضلَهُ وَاستَرذَلُوا أَهلَهُ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ مَا تَمِيلُ إلَيهِ نُفُوسُهُم مِن الأَموَالِ المُقتَنَاةِ وَالطُّرَفِ المُشتَهَاةِ أَولَى أَن يَكُونَ إقبَالُهُم عَلَيهَا وَأَحرَى أَن يَكُونَ اشتِغَالُهُم بِهَا.
وَقَد قَالَ ابنُ المُعتَزِّ فِي مَنثُورِ الحِكَمِ: العَالِمُ يَعرِفُ الجَاهِلَ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا، وَالجَاهِلُ لَا يَعرِفُ العَالِمَ لِأَنَّهُ لَم يَكُن عَالِمًا، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلِأَجلِهِ انصَرَفَ الجُهَّال عَن العِلمِ وَأَهلِهِ انصِرَافَ الزَّاهِدِينَ، وَانحَرَفُوا عَنهُ وَعَنهُمُ انحِرَافَ المُعَانِدِينَ، لِأَنَّ مَن جَهِلَ شَيئًا عَادَاهُ.
تقليب القلوب
وَلا تُزِغ قَلبِى بَعدَ إِذ هَدَيتَنِى — وَهَذَا كَحَدِيثِهِ ﷺ الذي رواه مسلم:
«اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»
أَي يَا مُقَلِّبَهَا، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى، فَاللهُ تَعَالَى يُقَلِّبُ القَلبَ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، يُقَلِّبُهُ مِن مَحَبَّةٍ إِلَى كُرهٍ، أَو مِن كُرهٍ إِلَى مَحَبَّةٍ، أَو مِن إِيمَانٍ إِلَى كُفرٍ، أَو مِن كُفرٍ إِلَى إِيمَانٍ، مُصَرِّفُهَا تَارَةً إِلَى الطَّاعَةِ، وَتَارَةً إِلَى المَعصِيَةِ.فَالقلب كَالمَلِكِ، وَالأَعضَاءُ كَالرَّعِيَّةِ، فَمِن أَهَمِّ الأُمُورِ مُرَاعَاتُهُ، فَإِن صَدَرَ عَنهُ إِرَادَةٌ صَالِحَةٌ تَحَرَّكُ الجَسَدُ حَرَكَةً صَالِحَةً، وَبِالعَكسِ.
وَالقَلبُ لُغَةً صَرفُ الشَّيءِ إِلَى عَكسِهِ، وَمِنهُ القَلبُ، سُمِّيَ بِهِ لِكَثرَةِ تَقَلُّبِهِ. وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ آخَرَ: «مَثَلُ القَلبِ كَرِيشَةٍ في أَرضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهرًا لِبَطنٍ» رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكثِرُ أَن يَقُول: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ »، وَقَد قَالَ الشَّاعِرُ:
| قَـد سُمِّيَ القَلبُ قَلبًا مِن تَقَلُّبِـهِ | فَاحذَرعَلَـى القَلبِ مِن قَلـبٍ وَتَحوِيلِ |
وَفِي الأحَادِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَلَاحَ القَلبِ إِنَّمَا هُوَ بِأَن يَتَغَذَّى بِالحَلَالِ فَيَصفُوَ وَيَتَنَوَّرَ، فَيَنعَكِسَ نُورُهُ إِلَى الجَسَدِ، فَيَصدُرَ مِنهُ الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ، وَهُوَ المَعنِيُّ بِصَلَاحِهَا. وَإِذَا تَغَذَّى بِالحَرَامِ يَصِيرُ مَرتَعًا لِلشَّيطَانِ وَالنَّفسِ، فَيَتَكَدَّرُ القَلبُ فَيُظلِمُ، وَتَنعَكِسُ ظُلمَتُهُ إِلَى البَدَنِ فَلَا يَصدُرُ مِنهُ إِلَّا المَعَاصِي، وَهُوَ المُرَادُ بِفَسَادِهَا.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ لِيُعَلِّمَنَا، وَلَيسَ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ، فَهُوَ أَثبَتُ النَّاسِ قَلبًا عَلَى دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَبعَدُ النَّاسِ عَن أَن يُفتَنَ، فَهُوَ مَعصُومٌ عَنِ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا.
اسم الله الوهّاب
وَهَب لِى مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ — اسمُ اللهِ تَعَالَى الوَهَّابُ، مِنَ الفِعلِ: وَهَبَ يَهَبُ، وَ“وَهَّابٌ” صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يَجُودُ بِالعَطَاءِ مِن غَيرِ استِثَابَةٍ، أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُثِيبُ الطَّائِعِينَ فَضلًا مِنهُ وَكَرَمًا، لَا دَافِعَ لِمَا قَضَى، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعطَى، يَفعَلُ فِي مُلكِهِ مَا يُرِيدُ، وَيَحكُمُ فِي خَلقِهِ بِمَا يَشَاءُ، لَا يَرجُو ثَوَابًا وَلَا يَخَافُ عِقَابًا، أَي لَا يَرجُو مِن عِبَادِهِ ثَوَابًا أَو مَنفَعَةً.
هبة الله لسليمان عليه السلام
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَرَمِ اللهِ تَعَالَى وَفَضلِهِ وَهِبَاتِهِ لِعِبَادِهِ أَنَّ سَيِّدَنَا سُلَيمَانَ بنَ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ دَعَا رَبَّهُ بِأَن يَرزُقَهُ مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعدِهِ، كَمَا أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص/ الآية 35-39]
فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ. قَالَ القُرطُبِيُّ: وَحَاشَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَكُونَ سُؤَالُهُ طَلَبًا لِنَفسِ الدُّنيَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ وَالأَنبِيَاءُ أَزهَدُ خَلقِ اللهِ فِيهَا، وَإنَّمَا سَأَلَ مَملَكَتَهَا للهِ، كَمَا سَأَلَ نُوحٌ دَمَارَهَا وَهَلَاكَهَا للهِ؛ فَكَانَا مَحمُودَينِ مُجَابَينِ إِلَى ذَلِكَ، فَأُجِيبَ نُوحٌ فَأُهلِكَ مَن عَلَيهَا، وَأُعطِيَ سُلَيمَانُ المَملَكَةَ.
هبة الله لإبراهيم عليه السلام
وَمِن هِبَاتِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ رَزَقَ سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ وَزَوجَتَهُ سَارَةَ وَلَدَهُمَا إِسحَاقَ بَعدَ أَن بَلَغَت زَوجَتُهُ سَارَةُ سِنَّ اليَأسِ، وَهُوَ السِّنُّ الَّذِي لَا تَلِدُ المَرأَةُ فِيهِ عَادَةً، وَكَانَتِ امرَأَةً عَقِيمًا، وَكَانَ عُمُرُهَا تِسعِينَ سَنَةً، رَزَقَهَا اللهُ وَرَزَقَ زَوجَهَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابنًا نَجِيبًا عَلِيمًا، صَارَ بَعدَ ذَلِكَ نَبِيًّا كَرِيمًا كَأَخِيهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ.
والله تعالى أعلم وأحكم