ذكر الاستيقاظ: الواحد القهار وقصة عزير

حلية البشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمدُ للهِ الَّذِي قَصَمَ بِالمَوتِ رِقَابَ الجَبَابِرَةِ، وَكَسَرَ بِهِ ظُهُورَ الأَكَاسِرَةِ، وَقَصَّرَ بِهِ ءَامَالَ القَيَاصِرَةِ، الَّذِينَ لَم تَزَل قُلُوبُهُم عَن ذِكرِ المَوتِ نَافِرَةً، حَتَّى جَاءَهُمُ الوَعدُ الحَقُّ فَأَردَاهُم فِي الحَافِرَةِ، فَنُقِلُوا مِنَ القُصُورِ إِلَى القُبُورِ، وَمِن ضِيَاءِ المُهُودِ إِلَى ظُلمَةِ اللُّحُودِ، وَمِن مُلَاعَبَةِ الجَوَارِي وَالغِلمَانِ إِلَى مُقَاسَاةِ الهَوَامِّ وَالدِّيدَانِ، وَمِنَ التَّمَتُّعِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى التَّمَرُّغِ فِي التُّرَابِ، وَمِن أُنسِ العِشرَةِ إِلَى وَحشَةِ الوِحدَةِ، فَانظُرُوا وَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللهُ، هَل وَجَدُوا مِنَ المَوتِ حِصنًا وَعِزًّا، أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ حِجَابًا وَحِرزًا، فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ المَوتَ مُخَلِّصًا لِلأَتقِيَاءِ، وَمَوعِدًا فِي حَقِّهِم لِلِّقَاءِ، وَجَعَلَ القَبرَ سِجنًا لِلأَشقِيَاءِ وَحَبسًا ضَيِّقًا عَلَيهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالقَضَاءِ، 

وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِ الأَنبِيَاءِ وَأَعظَمِ الشُّفَعَاءِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَبِي القَاسِمِ وَالزَّهرَاءِ، وَعَلَى صَاحِبِه أَبِي بَكرٍ رَفِيقِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَخشَى رَبَّهُ فِي العَلَنِ وَفِي الخَفَاءِ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي كَانَت تَستَحِي مِنهُ المَلَائِكَةُ الكُرَمَاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي استَقَى مِن عِلمِهِ العُلَمَاءُ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم وَمَشَى عَلَى سُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَاللِّقَاءِ، 

أَمَّا بَعدُ:

وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَابنُ السُّنِّىِّ فِى عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ عَن عَائِشَةَ أَيضًا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا العَزِيزُ القَهَّارُ – في كل الروايات في الكتب المذكورة وغيرها: الغفار-». قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ: أَىِ استَيقَظَ بِاللَّيلِ عِندَ تَقَلُّبِهِ، العَزِيزُ: هُوَ القَوِىُّ الَّذِى لا يُغلَبُ، وَالقَهَّارُ: مَعنَاهُ الَّذِى قَهَرَ المَخلُوقَاتِ بِالمَوتِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَابنُ السُّنِّىِّ فِى عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ وَالحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ عَن عَائِشَةَ أَيضًا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ: أَىِ استَيقَظَ بِاللَّيلِ عِندَ تَقَلُّبِهِ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الوَاحِدُ الوَاحِدُ: أَي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الأَزَلِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ، فَاللهُ وَاحِدٌ لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ وَلَكِن مِن طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كِتَابِهِ «الفِقهِ الأَكبَرِ».

وَوَحدَانِيَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَوحِيدُهُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي دَعَا إِلَيهِ كُلُّ أَنبِيَاءِ اللهِ، قَدِيمًا كَانَ البَشَرُ جَمِيعُهُم عَلَى دِينِ الإِسلَامِ، فِي زَمَنِ نَبِيِّ اللهِ ءَادَمَ كَانُوا كُلُّهُم عَلَى الإِسلَامِ، لَم يَكُن بَينَهُم كَافِرٌ، وَإِنَّمَا حَدَثَ الشِّركُ وَالكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى بَعدَ النَّبِيِّ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلَامُ.

وَحَفِظَ اللهُ تَعَالَى أَنبِيَاءَهُ مِنَ الشِّركِ، وَحَذَّرَ أُمَمَهُم مِنهُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يَعنِي الرُّسُلَ الَّذِينَ جَاءُوا بَعدَ إِدرِيسَ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ أَي لَئِن أَشرَكَ وَاحِدٌ مِن أُمَّتِكَ ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أَي عَمَلُهُ ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 65] يَعنِي الَّذِي أَشرَكَ يَكُونُ مِنَ الخَاسِرِينَ.اهـ فَهَذَا التَّحذِيرُ لِأُمَمِ الأَنبِيَاءِ وَلَيسَ لِلأَنبِيَاءِ، فَالأَنبِيَاءُ هُم صَفوَةُ الخَلقِ، اللهُ تَعَالَى فَضَّلَهُم عَلَى العَالَمِينَ وَحَفِظَهُم مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا.

وَالمَبدَأُ أَيِ الأساسُ الجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهلِ الإِسلَامِ مِن لَدُن ءَادَمَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَحدَهُ، أَي أَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ لَا يَصِحُّ إِيمَانُهُم إِلَّا أَن يُؤمِنُوا بِنَبِيِّ عَصرِهِم، هَذَا المَبدَأُ جَمَعَ أَهلَ الإِسلَامِ كُلَّهُم، هَذَا المَعنَى يَشمَلُهُم لِأَنَّهُم كُلَّهُم يَعبُدُونَ اللهَ وَحدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 25]، 

وَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «خَيرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ، وَخَيرُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ».اهـ فَكُلُّ أَنبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى دَعَوا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ

القَهَّارُ هُوَ الَّذِي قَهَرَ المَخلُوقَاتِ بِالمَوتِ، فَاللهُ تَعَالَى قَاهِرٌ وَقَهَّارٌ، وَهُوَ الَّذِي قَهَرَ وَقَصَمَ ظُهُورَ الجَبَابِرَةِ، الَّذِينَ عَتَوا وَتَكَبَّرُوا فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَتَجَبَّرُوا، وَاللهُ تَعَالَى غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَنصُرُ المُؤمِنِينَ وَيَقهَرُ أَعدَاءَهُم، فَالمُؤمِنُ مَنصُورٌ مَعنًى دَائِمًا، مَنصُورٌ بِإِيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ للهِ تَعَالَى، وَإِن كَانَ حِسًّا يَقهَرُهُ هَؤُلَاءِ المُشرِكُونَ وَيَغلِبُونَهُ وَيَكِيدُونَ لَهُ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ مُنتَصِرٌ بِإِذنِ اللهِ، غَالِبٌ بِإِيمَانِهِ، مَنصُورٌ دَائِمًا لَم يُغلَب أَبَدًا، لِأَنَّ اللهَ نَصَرَهُ، فَلَا يُقَالُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَسِرَ فِي مَعرَكَةِ أُحُدٍ أَو فِي غَيرِهَا، كَيفَ يُقَالُ هَذَا وَهُوَ أَخَذَ بِالأَسبَابِ وَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَبِهَذَا هُوَ مَنصُورٌ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، مَهمَا أُوذِيَ، وَمَهمَا ابتُلِيَ، وَمَهمَا كَادَ المُشرِكُونَ لَهُ، اللهُ تَعَالَى قَاهِرٌ يَنصُرُهُ وَيُمَكِّنُ دَعوَتَهُ، هَا هُوَ ﷺ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وَقتَ الهِجرَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَنَصَرَهُ اللهُ وَقَهَرَ عَدُوَّهُ وَرَدَّ كَيدَ المُشرِكِينَ فِي نُحُورِهِم، فَاللهُ تَعَالَى قَاهِرٌ لِأَعدَاءِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [سورة غافر/ الآية 51]، فَبِقُدرَتِهِ سُبحَانَهُ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى، وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا، فَعَلَت كَلِمَةُ التَّوحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ بِوَقتٍ يَسِيرٍ، فَفِي أَقَلَّ مِن تِسعِينَ سَنَةً بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ انتَشَرَ الإِسلَامُ فِي بِلَادِ السِّندِ وَالهِندِ وَمَا بَعدَهَا مِنَ المَشرِقِ، وَفِي أَقصَى المَغرِبِ حَتَّى وَصَلَ الأَندَلُسَ، فَسُبحَانَ القَاهِرِ الَّذِي قَهَرَ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَمَكَّنَ دَعوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَعلَى نِدَاءَ الحَقِّ فِي أَغلَبِ بِلَادِ الدُّنيَا

رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّبُّ: هُوَ السَّيِّدُ المَالِكُ، وَلَا يُقَالُ الرَّبُ أَي بِالأَلِفِ وَاللَّامِ إِلَّا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعنَى المَالِكِ الخَالِقِ، وَأَمَّا مُجَرَّدًا عَنِ اللَّامِ مُضَافًا فَقَد يَأتِي لِمَعَانٍ أُخرَى يَجُوزُ استِعمَالُهَا فِي حَقِّ المَخلُوقِ، نَحوُ قَولِنَا: رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَرَبُّ هَذَا العَبدِ، أَي صَاحِبُهُمَا وَمَالِكُهُمَا، وَيَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ تَعَالَى: “رَبُّ الأَربَابِ” بِمَعنَى مَالِكِ المُلَّاكِ، فَمَن مَلَكَ شَيئًا فَهُوَ رَبُّهُ بِمَعنَى مَالِكُهُ.

وَرَبُّ كُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 164]، وَكُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِذَلِكَ جَاءَتِ الإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي القُرآنِ وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَكَثِيرًا مَا نَجِدُ قَولَهُ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا، مَعنَاهُ: هُوَ خَالِقُهُمَا وَهُوَ أَبرَزَهُمَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَآمِنُوا بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاعتَقِدُوا عَدَمَ مُشَابَهَتِهِ لِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، فَهُوَ رَبُّنَا وَمَالِكُنَا وَخَالِقُنَا، لَا خَالِقَ غَيرُهُ سُبحَانَهُ.

فاللهُ تَعَالَى العَظِيمُ القَادِرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَيَنبَغِي عَلَينَا أَن نَتَفَكَّرَ فِي عَظِيمِ قُدرَتِهِ، وَنَنظُرَ فِي مَلَكُوتِهِ، فَبِالنَّظَرِ بِعَينِ الِاعتِبَارِ فِي الخَلقِ تَستَدِلُّ عَلَى الخَالِقِ، مَن تَبَصَّرَ فِي الكَونِ وَجَدَ آيَاتٍ وَعَلَامَاتٍ وَإِشَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الَّذِي يَجِبُ عَلَينَا أَن نَعبُدَهُ وَنُعَظِّمَهُ وَنُؤمِنَ بِهِ وَبِصِفَاتِهِ، كَالعِلمِ وَالسَّمعِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالحَيَاةِ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ الخَلقِ، كَلَامُهُ لَيسَ كَكَلَامِ البَشَرِ، البَشَرُ يَتَكَلَّمُونَ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ فَكَلَامُهُم مَخلُوقٌ، وَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا يُشبِهُ كَلَامَ البَشَرِ، وَكَذَا سَمعُهُ وَبَصَرُهُ وَحَيَاتُهُ وَبَقَاؤُهُ وَسَائِرُ صِفَاتِهِ، جَلَّت عَظَمَتُهُ، وَتَنَزَّهَ عَن كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ.

فَمَن نَظَرَ فِي السَّمَاءِ وَعِظَمِ خَلقِهَا، وَنَظَرَ فِي الأَرضِ وَانبِسَاطِهَا، وَتَفَكَّرَ فِي الجَنَّةِ وَاتِّسَاعِهَا وَكَثرَةِ نَعِيمِهَا، وَتَذَكَّرَ النَّارَ وَشِدَّةَ عَذَابِهَا، وَسَمِعَ وَصفَ الزَّبَانِيَةِ فِيهَا وَوَصَفَ دَرَكَاتِهَا، عَلِمَ أَنَّ لِهَذَا الخَلقِ رَبًّا قَادِرًا عَلَيهِ لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَمَن قَرَأَ السِّيَرَ وَالتَّارِيخَ وَأَخبَارَ القُرُونِ المَاضِيَةِ وَمَشَى عَلَى هَذِهِ الأَرضِ مُتَفَكِّرًا بِهَذَا مُتَدَبِّرًا بِهِ يَسأَلُ نَفسَهُ: أَينَ شَدَّادٌ؟ وَأَينَ عَادٌ؟ أَينَ فِرعَونُ؟ وَأَينَ قَارُونُ؟ أَينَ الجَبَابِرَةُ الَّذِينَ طَغَوا فِي البِلَادِ؟ أَينَ المَدِينَةُ الَّتِي قَالَ عَنهَا رَبُّنَا فِي القُرآنِ العَظِيمِ: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾؟ [سورة الفجر/ الآية 8] أَينَ الَّذِينَ ضَرَبُوا الأَرضَ بِأَرجُلِهِم مُتَكَبِّرِينَ عَلَى خَلقِ اللهِ؟ أَينَ الَّذِينَ مَشَوا عَلَى ظَهرِ الأَرضِ وَنَسُوا أَنَّهُم سَيَنزِلُونَ بَطنَهَا؟ مِنهُم مَن دَكَّتهُ الأَرضُ، وَمِنهُم مَن أَخَذَتهُ الصَّيحَةُ، وَمِنهُم مَن أدركَهُ الغَرَقُ، وَمِنهُم مَن خُسِفَت بِهِ الأَرضُ، وَاقرَأ إِن شِئتَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ، وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 38-40] بِمَاذَا تَعَلَّقُوا؟ وَعَلَى أَيِّ شَيءٍ اتَّكَلُوا؟ وَنَسُوا أَنَّ اللهَ خَلَقَهُم وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيهِم، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ يَقضِي بِالحَقِّ، وَمَشِيئَتُهُ نَافِذَةٌ فِي خَلقِهِ، هُوَ القَادِرُ المُقتَدِرُ الَّذِي لَا يَلحَقُ قُدرَتَهُ عَجزٌ سُبحَانَهُ، تَعَلَّقُوا بِأَوهَامِهِم، وَمَشُوا وَرَاءَ شَهَوَاتِهِم، وَغَرَّتهُمُ الأَمَانِيُّ، إِنَّمَا تَعَلَّقُوا بِشَيءٍ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ، هُوَ أَضعَفُ مِمَّا ظَنُّوا، وَفِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 41]، وَبَعدَ كُلِّ هَذِهِ الآيَاتِ يَأتِي قَولُهُ تَعَالَى لِيُذَكِّرَنَا بِأَنَّ اللهَ خَالِقٌ قَادِرٌ مُقتَدِرٌ، لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 43].

فَيَا عَبدَ اللهِ تَفَكَّر فِي خَلقِ اللهِ، لِتَذكُرَ وَتَتَذَكَّرَ إِشَارَاتٍ وَعَلَامَاتٍ وَدِلَالَاتٍ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى، فَيَزِيدَ بَعدَ ذَلِكَ إِيمَانُكَ، وَيَقوَى يَقِينُكَ وَالتِزَامُكَ بِأَحكَامِ شَرعِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ 

العَزِيزُ هُوَ القَوِيُّ الَّذِي لَا يُغلَبُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ، فَهُوَ العَزِيزُ الَّذِي لَا غَالِبَ وَلَا قَاهِرَ لَهُ سُبحَانَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ: اللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ لِأَنَّهُ لَا غَالِبَ لَهُ، فَمَن جَعَلَ اللهَ يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ فَهَذَا لَيسَ مُسلِمًا، أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم/ الآية 47]، أَي وَعدًا مِنَّا، فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي لَا حَامِلَ لَهُ عَلَى فِعلِ شَيءٍ، وَلَا مُلجِئَ لَهُ.

مَكتُوبٌ فِي الكِتَابِ: ((القَهَّارُ))، وَالصَّوَابُ: ((الغَفَّارُ)) أَي هُوَ الَّذِي يَغفِرُ الذُّنُوبَ وَالمَعَاصِيَ، فَيَنبَغِي عَلَى المُؤمِنِ أَن يَبقَى دَائِمًا مُتَذَكِّرًا مُستَحضِرًا التَّوبَةَ للهِ وَلَا يُخلِيَ يَومًا مِن تَوبَةٍ للهِ، وَأَن يَحرِصَ أَن تَكُونَ تَوبَتُهُ نَصُوحًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الصَّالِحُونَ، فَإِنَّهُم دَائِمًا مُتَذَكِّرُونَ التَّوبَةَ للهِ تَعَالَى، 

يَروِي ابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُ فِي حَالِهِم رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ أَحَدَ طُلَّابِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللَّهِ، هَذِهِ القَصَائِدُ الرِّقَاقُ الَّتِي فِي ذِكرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَيَّ شَيءٍ تَقُولُ فِيهَا؟ فَقَالَ: مِثلُ أَيِّ شَيءٍ؟ قُلتُ: يَقُولُونَ:

إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي

فَقَالَ: أَعِد عَلَيَّ، فأَعَدتُ عَلَيهِ، فَقَامَ وَدَخَلَ بَيتَهُ وَرَدَّ البَابَ، فَسَمِعتُ نَحِيبَهُ مِن دَاخِلِ البَيتِ وَهُوَ يَقُولُ:

إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي

وَتُروَى بِأَتَمَّ مِن هَذَا، فَقَد قَالَ:

إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي
فَكَيـــفَ أُجِيبُ يَا وَيحِي وَمَن ذَا سَوفَ يَحمِينِي

أُسَلِّي النَّفسَ بِالآمَالِ               مِن حِينٍ إِلَى حِينِ

وَأَنسَى مَا وَرَاءَ المَوتِ        مَاذَا بَعدَ تَكفِينِي

كَأَنِّي قَد ضَمِنتُ العَيــشَ       لَيسَ المَوتُ يَأتِينِي

وَجَاءَت سَكرَةُ المَوتِ       الـشَدِيدَةُ مَن سَيَحمِينِي

نَظَرتُ إِلَى الوُجُوهِ      فَلَيــسَ مِنهُم مَن سَيَفدِينِي

سَأُسأَلُ مَا الَّذِي قَدَّمــتُ         فِي دُنيَايَ يُنجِينِي

فَكَيفَ إِجَابَتِي مِن بَعــدِ       مَا فَرَّطتُ فِي دِينِي

وَيَا وَيحِي أَلَم أَسمَع           كَلَامَ اللهِ يَدعُونِي

أَلَم أَسمَع لِمَا قَد جَاءَ         فِي قَافٍ وَيَاسِينِ

أَلَم أَسمَع بِيَومِ الفَصــلِ        يَومِ الحَشرِ وَالدِّينِ

أَلَم أَسمَع مُنَادِي المَوتِ         يَدعُونِي يُنَادِينِي

فَيَا رَبَّاهُ عَبدٌ تَائِبٌ           مَن ذَا سَيُؤوِينِي

سِوَا رَبٍّ غَفُورٍ وَاسِعٍ لِلحَقِّ يَهدِينِي

أَتَيتُ إِلَيكَ فَارحَمنِي         وَثَقِّلْ لِي مَوَازِينِي

وَخَفِّف فِي جَزَائِيَ        أَنــتَ أَرجَى مَن يُجَازِينِي

نَسأَلُ اللهَ مَغفِرَةَ الذُّنُوبِ وَحُسنَ الخِتَامِ.

قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

الحَدِيثُ وَالبَابُ الَّذِي بَعدَهُ:

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا استَيقَظَ مِن مَنَامِهِ

رَوَى البُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «بِاسمِكَ اللَّهُمَّ أَحيَا وَأَمُوتُ»، وَإِذَا استَيقَظَ قَالَ: «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحيَانَا بَعدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيهِ النُّشُورُ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا البَابِ وَالحَدِيثِ:

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا استَيقَظَ مِن مَنَامِهِ

وَالمُرَادُ هُنَا لَيسَ كَمَا جَاءَ فِي البَابِ السَّابِقِ مِن أَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ إِذَا استَيقَظَ لَيلًا، وَإِنَّمَا المَقصُودُ مَاذَا يَقُولُ مَنِ استَيقَظَ صُبحًا مِن نَومِهِ

رَوَى البُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ أَي لِلنَّومِ قَالَ: «بِاسمِكَ اللَّهُمَّ أَحيَا وَأَمُوتُ»، أَي بِذِكرِ اسمِكَ أَحيَا مَا حَيِيتُ وَعَلَيهِ أَمُوتُ، وَقَالَ بَعضُهُم: بِاسمِكَ المُحيِي أَحيَا وَبِاسمِكَ المُمِيتِ أَمُوتُ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الذِّكرَ قَبلَ نَومِهِ، فَفِيهِ تَذكِيرٌ بِأَنَّ العَبدَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُقبِلٌ عَلَى المَوتِ فَليَتَجَهَّز لَهُ، وَيَتَذَكَّرُ العَبدُ أَنَّ اللهَ هُوَ المُحيِي سُبحَانَهُ، أَي هُوَ الَّذِي يُحيِي النُّطفَةَ المَيتَةَ فَيُخرِجُ مِنهَا النَّسَمَةَ الحَيَّةَ وَيُحيِي الأَجسَامَ البَالِيَةَ بِإِعَادَةِ الأَروَاحِ إِلَيهَا عِندَ البَعثِ، قال الجُنَيدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: اعلَم يَا ابنَ ءَادَمَ أَنَّ طَلَبَ الآخِرَةِ أَمرٌ عَظِيمٌ لَا يُقَصِّرُ فِيهِ إِلَّا المَحرُومُ الهَالِكُ، فَلَا تَركَبِ الغُرُورَ وَأَنتَ تَرَى سَبِيلَهُ، وَأَخلِص عَمَلَكَ، وَإِذَا أَصبَحتَ فَانتَظِرِ المَوتَ، وَإِذَا أَمسَيتَ فَكُن عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَإِنَّ أَنجَى النَّاسِ مَن عَمِلَ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِي الرَّخَاءِ وَالبَلَاءِ.اهـ

وَيُروَى عَن سَهلِ بِنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ جِبرِيلُ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ:«يَا مُحَمَّدُ: عِش مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعمَل مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحبِب مَن شِئتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعلَم أَنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ قِيَامُ اللَّيلِ، وَعِزَّهُ استِغنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ». رَوَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمِهِ الأَوسَطِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.اهـ 

وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 185]، 

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجمعة/ الآية 8]، 

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكثِرُوا مِن ذِكرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعنِي المَوتَ، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. 

وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنكِبِي ﻓَﻘَﺎلَ: «كُن فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابنُ عُمرَ يَقُولُ: “إِذَا أَﻣﺴَﻴﺖَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصبَحتَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ المَسَاءَ، وَخُذ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوتِكَ”. فَمَن عَلِمَ أَنَّ المَوتَ حَقٌّ لَا بُدَّ أَن يَستَعِدَّ لَهُ.

وَإِذَا استَيقَظَ قَالَ: «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحيَانَا بَعدَمَا أَمَاتَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ»، وَلَن يَتَيَسَّرَ الِاستِعدَادُ لِلشَّيءِ إِلَّا عِندَ تَجَدُّدِ ذِكرِهِ عَلَى القَلبِ، وَلَا يَتَجَدَّدُ ذِكرُهُ إلَّا عِندَ التَّذَكُّرِ بِالإِصغَاءِ إِلَى المُذَكِّرَاتِ لَهُ وَالنَّظَرِ فِي المُنَبِّهَاتِ عَلَيهِ، فَقَد قَرُبَ لِمَا بَعدَ المَوتِ الرَّحِيلُ، فَمَا بَقِيَ مِنَ العُمُرِ إِلَّا القَلِيلُ، وَالخَلقُ عَنهُ غَافِلُونَ، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 1]، فَسُبحَانَ المُحيِي المُمِيتِ الَّذِي قَهَرَ عِبَادَهُ بِالمَوتِ، فَسُبحَانَ المُحيِي المُمِيتِ القَادِرِ عَلَى بَعثِ مَن يَشَاءُ وَعَلَى إِمَاتَتِهِ، وَلَا يُعجِزُهُ ذَلِكَ سُبحَانَهُ، وَدَلَائِلُ قُدرَةِ اللهِ عَلَى هَذَا بَينَ النَّاسِ كَثِيرَةٌ، كَمَا حَصَلَ مَعَ عُزَيرٍ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَقَد أَمَاتَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا وَأَحيَاهُ بَعدَ مِائَةِ سَنَةٍ.

قِصَّةُ عُزَيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ:

وَرَدَت قِصَّةُ عُزَيرٍ – وَهُوَ رَجُلٌ مُسلِمٌ صَالِحٌ مِن بَنِى إِسرَائِيلَ – مُوجَزَةً فِى سُورَةِ البَقَرَةِ مِنَ القُرءَانِ الكَرِيمِ، وَهَا نَحنُ نُورِدُهَا مُفَصَّلَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَتَوفِيقِهِ لِمَا فِيهَا مِن إِظهَارٍ لِعَظِيمِ قُدرَةِ اللَّهِ تَعَالَى:

انقَسَمَ بَنُو إِسرَائِيلَ إِلَى عِدَّةِ أَقسَامٍ، فَمِنهُم مَن كَانَ مُؤمِنًا مُسلِمًا مُتَّبِعًا لِلإِسلامِ حَقَّ الِاتِّبَاعِ، وَمِنهُم مَن كَفَرُوا وَأَدخَلُوا التَّحرِيفَ عَلَى الدِّينِ زَاعِمِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ الحَقُّ، مِمَّا أَدَّى إِلَى حُدُوثِ فِتَنٍ عَظِيمَةٍ كَانَت تُؤَدِّى أَحيَانًا بِحَيَاةِ بَعضِ الأَنبِيَاءِ الكِرَامِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى أَيدِي هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَلاعِين.

وَلَمَّا تَكَاثَرَ فَسَادُهُم وَطَغَوا وَبَغَوا وَكَانُوا قَد قَتَلُوا نَبِيَّينِ كَرِيمَينِ عَلَى اللَّهِ هُمَا سَيِّدُنَا زَكَرِيَّا وَوَلَدُهُ سَيِّدُنَا يَحيَى عَلَيهِمَا السَّلامُ سَلَّطَ اللَّهُ المُنتَقِمُ عَلَيهِم حَاكِمًا كَافِرًا هُوَ بُختَنَصَّر، أَتَى مِن نَاحِيَةِ العِرَاقِ بِجَيشٍ جَرَّارٍ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ فِى فِلَسطِينَ، فَغَزَا بَنِى إِسرَائِيلَ فِي عُقرِ دَارِهِم وَقَتَلَ مِنهُمُ الكَثِيرَ وَأَسَرَ البَاقِينَ وَهَرَبَ القَلِيلُونَ، ثُمَّ أَمَرَ جُندَهُ بِجَلبِ كَمِيَّاتٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الأَترِبَةِ وَوَضعِهَا عَلَى المَدِينَةِ حَتَّى صَارَت كَالجَبَلِ العَظِيمِ إِمعَانًا فِى إِذَاقَتِهِمُ الذُّلَّ وَالهَوَانَ.

وَأَخَذَ بُختَنَصَّر الأَسرَى مَعَهُ إِلَى بَابِلَ، وَكَانَ بَينَهُم بَعضُ عُلَمَاءِ بَنِى إِسرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الإِسلامِ، وَقَد دَفَنُوا التَّورَاةَ الأَصلِيَّةَ قَبلَ خُرُوجِهِم مِن بَيتِ المَقدِسِ فِى مَكَانٍ عَرَفُوا مَوضِعَهُ وَحدَهُم، وَكَانَ مِنهُم عُزَيرُ بنُ شَرخِيَا الَّذِى استَطَاعَ العَودَةَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ بَعدَ فَترَةٍ، لَكِنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى حَالَتِهِ البَالِيَةِ وَقَد دُمِّرَ مَا تَبَقَّى مِن بُيُوتٍ وَدُورٍ وَحَولَهَا الجُثَثُ المُمَزَّقَةُ وَالأَطرَافُ المُتَفَرِّقَةُ وَالعِظَامُ المُقَطَّعَةُ، فَمَرَّ بَينَهُم مُتَعَجِّبًا مِن حَالِهِم، وَكَانَ يَجُرُّ وَرَاءَهُ حِمَارَهُ، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَسَاتِينِ هَذِهِ المَدِينَةِ رَءَاهَا عَامِرَةً بِالفَاكِهَةِ النَّضِرَةِ الطَّرِيَّةِ، فَزَادَت دَهشَتُهُ إِذِ الأَشجَارُ مُثمِرَةٌ وَالنَّاسُ مَيِّتُونَ، فَقَالَ وَقَد أَثَّرَت فِيهِ العِبرَةُ: «سُبحَانَ اللَّهِ القَادِرِ عَلَى إِحيَاءِ هَذِهِ المَدِينَةِ وَأَهلِهَا بَعدَمَا أَصبَحُوا عَلَى هَذِهِ الحَالِ»، ثُمَّ تَنَاوَلَ مِن تِلكَ الأَشجَارِ عِنَبًا وَتِينًا وَمَلَأَ مِنهُمَا سَلَّةً لَهُ، ثُمَّ عَصَرَ عِنَبًا فِى وِعَاءٍ وَشَرِبَ مِنهُ قَلِيلًا، وَقَعَدَ يَستَرِيحُ تَحتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَمَا هِىَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحَجَبَهُ عَن عُيُونِ النَّاسِ وَالسِّبَاعِ وَالطُّيُورِ.

وَبَعدَ سَبعِينَ سَنَةً مِن مَوتِ عُزَيرٍ أَرسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إِلَى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ لُوسِك، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكَ أَن تَنهَضَ بِقَومِكَ فَتَقصِدَ بَيتَ المَقدِسِ لِتُعَمِّرَهُ وَمَا حَولَهُ مِنَ الأَرَاضِى حَتَّى يَعُودَ أَحسَنَ مِمَّا كَانَ»، فَأَمَرَ المَلِكُ لُوسِك عَشَرَاتِ الأُلُوفِ مِن مَملَكَتِهِ بِالخُرُوجِ لِتَعمِيرِ المَدِينَةِ، وَعَادَ مَن بَقِىَ مِن بَنِى إِسرَائِيلَ إِلَيهَا فَعَمَرُوهَا فِى ثَلاثِينَ سَنَةً، وَكَثُرُوا حَتَّى كَانُوا كَأَحسَنِ حَالٍ مِن رَخَاءِ عَيشٍ.

وَبَعدَ اكتِمَالِ مِائَةِ عَامٍ عَلَى مَوتِ عُزَيرٍ أَحيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدرَتِهِ العَظِيمَةِ، وَكَانَ قَد أَمَاتَهُ صَبَاحًا ثُمَّ بَعَثَهُ قَبلَ الغُرُوبِ بَعدَ مُرُورِ هَذِهِ الفَترَةِ الطَّوِيلَةِ، فَأَحيَا مِنهُ أَوَّلَ مَا أَحيَا قَلبَهُ لِيُدرِكَ بِهِ وَعَينَيهِ لِيَرَى بِهِمَا كَيفِيَّةَ بَعثِ الأَجسَادِ فَيَقوَى يَقِينُهُ، ثُمَّ رَأَى عُزَيرٌ سَائِرَ جَسَدِهِ كَيفَ يُرَكَّبُ مِن جَدِيدٍ، ثُمَّ أَتَاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَالَ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَأَجَابَهُ عُزَيرٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَوَقَّعَهُ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ ثُمَّ رَأَى أَنَّ الشَّمسَ لَم تَغرُب كُلُّهَا بَعدُ فَقَالَ: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَأَوضَحَ لَهُ المَلَكُ الكَرِيمُ قَائِلًا ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ فَنَظَرَ إِلَى سَلَّةِ التِّينِ وَالعِنَبِ مَا زَالَت كَمَا قَطَفَهَا طَازِجَةً نَضِرَةً، وَإِلَى الشَّرَابِ فِى الوِعَاءِ لَم يَتَعَفَّن، ثُمَّ قَالَ لَهُ المَلَكُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة/ الآية 259]، فَنَظَرَ إِلَيهِ حَيثُ رَبَطَهُ بِالشَّجَرَةِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَعِظَامُهُ قَد أَصبَحَت بَيضَاءَ نَخِرَةً، وَقَد تَفَرَّقَت أَطرَافُهُ وَبَلِيَت، وَسَمِعَ صَوتَ مَلَكٍ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ «أَيَّتُهَا العِظَامُ البَالِيَةُ تَجَمَّعِى بِإِذنِ اللَّهِ»، فَانضَمَّت أَجزَاءُ العِظَامِ إِلَى بَعضِهَا، ثُمَّ التَصَقَ كُلُّ عُضوٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الضِّلَعُ إِلَى الضِّلَعِ، وَالذِّرَاعُ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ جَاءَ الرَّأسُ إِلَى مَوضِعِهِ، وَرُكِّبَتِ الأَعصَابُ وَالعُرُوقُ، ثُمَّ أَنبَتَ اللَّهُ اللَّحمَ الطَّرِىَّ عَلَى الهَيكَلِ العَظمِىِّ، وَكَسَاهُ بِالجِلدِ الَّذِى انبَسَطَ عَلَى اللَّحمِ، ثُمَّ خَرَجَ الشَّعَرُ مِنَ الجِلدِ، وَعِندَهَا جَاءَ مَلَكٌ فَنَفَخَ الرُّوحَ بِإِذنِ اللَّهِ فِى مِنخَرَىِ الحِمَارِ فَقَامَ يَنهَقُ، فَهَبَطَ عُزَيرٌ إِلَى الأَرضِ سَاجِدًا لِلَّهِ بَعدَ أَن شَاهَدَ ءَايَةً مِن ءَايَاتِ اللَّهِ تَعَالَى العَجِيبَةِ البَاهِرَةِ وَهِىَ إِحيَاءُ المَوتَى، وَقَالَ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة/ الآية 259]، لَيسَ لِأَنَّهُ كَانَ شَاكًّا بِقُدرَةِ اللهِ، بَل قَد زَادَ يَقِينُهُ بَعدَ رُؤيَةِ هَذِهِ الآيَةِ.

وَرُوِىَ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عُزَيرٌ قَبلَ مِائَةِ عَامٍ كَانَ عُمُرُهُ أَربَعِينَ عَامًا أَسوَدَ الشَّعَرِ قَوِىَّ البُنيَةِ، وَقَد تَرَكَ زَوجَتَهُ حَامِلًا، فَلَمَّا مَاتَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ عُمُرُهُ مِائَةَ عَامٍ عِندَمَا عَادَ أَبُوهُ إِلَى الحَيَاةِ، فَرَكِبَ عُزَيرٌ حِمَارَهُ وَأَتَى مَحَلَّتَهُ حَيثُ كَانَ يَسكُنُ فَلَم يَعرِفهُ أَحَدٌ مِن أَهلِهِ وَلَم يَعرِفهُم، إِذ قَد وُلِدَ أُنَاسٌ وَمَاتَ أُنَاسٌ، وَقَصَدَ مَنزِلَهُ فَوَجَدَ عَجُوزًا عَميَاءَ مُقعَدَةً كَانَت خَادِمَةً عِندَهُم وَهِىَ بِنتُ عِشرِينَ عَامًا، فَقَالَ لَهَا: «أَهَذَا مَنزِلُ عُزَيرٍ» قَالَت: «نَعَم»، وَبَكَت بُكَاءً غَزِيرًا وَأَكمَلَت قَائِلَةً: «لَقَد ذَهَبَ عُزَيرٌ مُنذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ وَنَسِيَهُ النَّاسُ، وَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا ذَكَرَ عُزَيرًا إِلَّا الآنَ»، قَالَ: «أَنَا عُزَيرٌ، أَمَاتَنِى اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ وَهَا قَد بَعَثَنِى» فَاضطَرَبَ أَمرُ هَذِهِ العَجُوزِ ثُمَّ قَالَت: «إِنَّ عُزَيرًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُستَجَابَ الدَّعوَةِ لا يَدعُو لِمَرِيضٍ أَو صَاحِبِ بَلاءٍ إِلَّا تَعَافَى بِإِذنِ اللَّهِ، فَادعُ اللَّهَ أَن يُعَافِىَ جَسَدِى وَيَرُدَّ بَصَرِى»، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا هِىَ ذَاتُ بَصَرٍ حَادٍّ وَوَجهٍ مُشرِقٍ قَد قَامَت وَاقِفَةً عَلَى رِجلَيهَا كَأَنَّهُ مَا أَصَابَهَا ضُرٌّ، قَائِلَةً: «أَشهَدُ أَنَّكَ عُزَيرٌ».

ثُمَّ انطَلَقَت بِهِ إِلَى بَنِى إِسرَائِيلَ وَبَينَهُم أَولادُهُ وَأَحفَادُهُ، وُرُءُوسُهُم وَلِحَاهُم أَبيَضُ مِنَ الثَّلجِ، وَمِنهُم مَن بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَمِنهُم مَن قَارَبَ الخَمسِينَ، وَبَينَ القَومِ بَعضُ أَصدِقَائِهِ الَّذِينَ أَتعَبَ الزَّمَانُ أَجسَادَهُم فَانحَنَوا وَأَذَابَ جُلُودَهُم، وَصَاحَت: «إِنَّ عُزَيرًا الَّذِى فَقَدتُمُوهُ مُنذُ مِائَةِ عَامٍ قَد رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا قَوِيًّا يَمشِى مِشيَةَ الشَّبَابِ الكَامِلِينَ»، وَظَهَرَ لَهُم عُزَيرٌ بَهِىَ الطَّلعَةِ سَوِىَّ الخَلقِ شَدِيدَ العَضَلاتِ أَسوَدَ الشَّعَرِ فَلَم يَعرِفُوهُ، وَلَكِنَّهُم أَرَادُوا أَن يَمتَحِنُوهُ، فَأَتَى ابنُهُ وَقَالَ لَهُ: «لَقَد كَانَت أُمِّى تُخبِرُنِى أَنَّهُ كَانَ لِأَبِى شَامَةٌ سَودَاءُ مِثلُ الهِلالِ بَينَ كَتِفَيهِ، فَأَرِنَا إِيَّاهَا» فَكَشَفَ عُزَيرٌ عَن ظَهرِهِ فَظَهَرَتِ الشَّامَةُ، ثُمَّ أَرَادُوا أَن يَتَيَقَّنُوا أَكثَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَبِيرٌ بَينَهُم: «أَخبَرَنَا أَجدَادُنَا أَنَّ بُختَنَصَّر لَمَّا هَاجَمَ بَيتَ المَقدِسِ أَحرَقَ التَّورَاةَ وَلَم يَبقَ مِمَّن حَفِظَهُ غَيبًا إِلَّا القَلِيلُ وَمِنهُم عُزَيرٌ فَإِن كُنتَ هُوَ فَاتلُ عَلَينَا مَا كُنتَ تَحفَظُ»، فَقَامَ وَلَحِقُوا بِهِ إِلَى المَوضِعِ الَّذِى دَفَنَ فِيهِ التَّورَاةَ عِندَ هُجُومِ بُختَنَصَّر فَأَخرَجَهَا، وَكَانَت مَلفُوفَةً بِخِرقَةٍ فَتَعَفَّنَ بَعضُ وَرَقِهَا، وَجَلَسَ فِى ظِلِّ شَجَرَةٍ وَبَنُو إِسرَائِيلَ حَولَهُ، فَأَمسَكُوا بِالتَّورَاةِ يُتَابِعُونَ مَا سَيَتلُو، وَتَلا التَّورَاةَ لَم يَترُك ءَايَةً مِنهَا وَلَم يُحَرِّف جُزءًا وَلَم يُنقِص حَرفًا، عِندَ ذَلِكَ صَافَحُوهُ مُصَدِّقِينَ وَأَقبَلُوا عَلَيهِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَلَكِنَّهُم لِجَهلِهِم لَم يَزدَادُوا إِيمَانًا، بَل كَفَرُوا وَقَالُوا: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.اهـ

فَهَؤُلَاءِ اليَهُودُ – وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِن حَالِهِم وَمِن مُعتَقَدِهِمُ الفَاسِدِ – هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِنِسبَةِ الوَلَدِ للهِ، فَقَالُوا عَن عُزَيرٍ: ابنُ اللهِ، كَمَا قَالَت النَّصَارَى عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامِ: إِنَّهُ ابنُ اللهِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالأُبُوَّةِ وَلَا بِالبُنُوَّةِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة/ الآية 18]. 

وَاعلَم أَنَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحذِيرًا مِن قَولِ الكُفَّارِ: نَحنُ أَبنَاءُ اللهِ، وَمِن قَولِ كُلِّ مَن نَسَبَ للهِ سُبحَانَهُ الوَلَدَ وَلَو كَانَ مَازِحًا أَو غَاضِبًا أَو عَن غَيرِ اعتِقَادٍ أَو زَعَمَ لِلكَلِمَةِ مَعنًى آخَرَ أَو قَالَ: أَرَدتُ مَعنًى مَجَازِيًّا، فَإِنَّ هَذَا الكَلَامَ كُفرٌ لَا تَأوِيلَ لَهُ، يخرج من الدّين مَن قَالَهُ وَيخرج من الدّين مَن شَكَّ فِي كُفرِ قَائِلِهِ أَيضًا، وَلَا اعتِبَارَ لِقَولِ بَعضِ هَؤُلَاءِ: نَحنُ لَا نَقصِدُ البُنُوَّةَ بِمَعنَى الوِلَادَةِ، إِنَّمَا نَقصِدُ العِنَايَةَ وَالعَطفَ وَالرَّحمَةَ.

قَالَ الفَقِيهُ المُفَسِّرُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ الحَقِّ بنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ المَالِكِيُّ (ت542هـ) فِي كِتَابِهِ «المُحَرَّرِ الوَجِيزِ فِي تَفسِيرِ الكِتَابِ العَزِيزِ» عِندَ شَرحِهِ لِلآيَةِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾: إِنَّ إِطلَاقَ نِسبَةِ البُنُوَّةِ إِلَى اللهِ وَلَو قُصِدَ بِهِ الحَنَانُ كُفرٌ، قَالَ: وَالبُنُوَّةُ فِي قَولِهِم هَذَا بُنُوَّةُ الحَنَانِ وَالرَّأفَةِ.

وَقَالَ المُفَسِّرُ الفَقِيهُ شَمسُ الدِّينِ القُرطُبِيُّ المَالِكِيُّ فِي «الجَامِعِ لِأَحكَامِ القُرآنِ» مَا نَصُّهُ: «قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَيُقَالُ إِنَّ بَعضَهُم يَعتَقِدُهَا بُنُوَّةَ حُنُوَّةٍ وَرَحمَةٍ، وَهَذَا المَعنَى أَيضًا لَا يَحِلُّ أَن تُطلَقَ البُنُوَّةُ عَلَيهِ، وَهُوَ كُفرٌ»، انتَهَى.

وَقَد نَقَلَ القَرَافِيُّ المَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ «الفُرُوقِ» وَبِهَامِشِهِ «أَدرَارُ الشُّرُوقِ عَلَى أَنوَاءِ الفُرُوقِ» عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ المَالِكِيِّ الإِجمَاعَ عَلَى تَكفِيرِ مَن نَسَبَ الأُبُوَّةَ أَوِ البُنُوَّةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

ثُمَّ إِنَّ نِسبَةَ الوَلَدِ لِلرَّبِّ سُبحَانَهُ شَتمٌ للهِ تَعَالَى، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيرُهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «كَذَبَنِي ابنُ آدَمَ وَلَم يَكُن لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَم يَكُن لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَولُهُ: لَن يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيسَ أَوَّلُ الخَلقِ بِأَهوَنَ عَلَيَّ مِن إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتمُهُ إِيَّايَ فَقَولُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ لَم أَلِد وَلَم أُولَد وَلَم يَكُن لِي كُفُوًا أَحَدٌ».

قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ مَا نَصُّهُ: “قَولُهُ: ((وَأَمَّا شَتمُهُ إِيَّايَ)) إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنقِيصِ”.

فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَليَرجِع إِلَى الحَقِّ مَنِ ارتَدَّ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ نِسبَةُ البُنُوَّةِ إِلَى اللهِ بِالمَعنَى المَجَازِيِّ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ بعض أدعياء العلم، وَتَبِعَهُ فِي هَذِهِ الضَّلَالَةِ غَيرُهُ مِن أَشبَاهِ المَشَايِخِ، نَسأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ السَّلَامَةَ مِنَ الفِتَنِ.

وَقَد قَالَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الوَرِعُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي جَمرَةَ الأَندَلُسِيُّ (ت699هـ) فِي كِتَابِهِ بَهجَةِ النُّفُوسِ: «وَقَد قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَا يَقَعُ فِي القَلبِ فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي القَلبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إِنَّمَا هُوَ خَلقٌ مِن خَلقِ اللهِ، فَكَيفَ يُشبِهُ الخَالِقُ المَخلُوقَ».اهـ 

وَإِلَيهِ النُّشُورُ» قَالَ ابنُ حَجَرٍ: “قَولُهُ: ‌«وَإِلَيهِ ‌النُّشُورُ»، أَيِ البَعثُ يَومَ القِيَامَةِ وَالإِحيَاءُ بَعدَ الإِمَاتَةِ، يُقَالُ: نَشَرَ اللَّهُ المَوتَى فَنُشِرُوا أَي أَحيَاهُم فَحَيُوا”.اهـ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى يَومُ القِيَامَةِ بِيَومِ البَعثِ وَالنُّشُورِ، فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِيَومِ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُهُ مِن خُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم إِلَى دُخُولِ أَهلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهلِ النَّارِ النَّارَ، وَفِيهِ مِنَ المَوَاقِفِ العَظِيمَةِ وَالأَهوَالِ الشَّيءُ الكَثِيرُ: فَفِيهِ الحِسَابُ وَهُوَ عَرضُ أَعمَالِ العِبَادِ عَلَيهِم، وَالثَّوَابُ وَهُوَ الجَزَاءُ الَّذِي يُجَازَاهُ المُؤمِنُ فِى الآخِرَةِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ، وَالعَذَابُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ العَبدَ ذَلِكَ اليَومَ مِن دُخُولِ النَّارِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ العُقُوبَاتِ عَلَى المَعَاصِى، وَالمِيزَانُ وَهُوَ مَا تُوزَنُ بِهِ أَعمَالُ العِبَادِ يَومَ القِيَامَةِ، وَالنَّارُ أَى جَهَنَّمُ وَهِىَ الدَّارُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِتَعذِيبِ الكَافِرِينَ وبَعضِ عُصَاةِ المُسلِمِينَ وَهِىَ مَخلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ، وَالصِّرَاطُ وَهُوَ جِسرٌ يُمَدُّ عَلَى ظَهرِ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ وَتَجرِي بِهِم أَعمَالُهُم أَحَدُ طَرَفَيهِ فِى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ وَالطَّرَفُ الآخَرُ فِيمَا يَلِي الجَنَّةَ بَعدَ النَّارِ، وَالحَوضُ وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهلِ الجَنَّةِ يَشرَبُونَ مِنهُ بَعدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ قَبلَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُم بَعدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ، وَالشَّفَاعَةُ فَيَطلُبُ الشُّفَعَاءُ فِى الآخِرَةِ مِنَ اللَّهِ إِسقَاطَ العِقَابِ عَن بَعضِ العُصَاةِ مِنَ المُسلِمِينَ وَهِىَ لا تَكُونُ إِلَّا لِلمُسلِمِينَ، وَالجَنَّةُ وَهِىَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِتَنعِيمِ المُؤمِنِينَ وَهِىَ مَخلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ.

نَحنُ عِندَمَا نَقرَأُ وَنَشرَحُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَالأَذكَارَ النَّبَوِيَّةَ يَنبَغِي أَن نَتَذَكَّرَ وَنُذَكِّرَ بَعضَنَا بِأُمُورِ الآخِرَةِ المُقبِلَةِ عَلَينَا، وَنَحنُ صَائِرُونَ إِلَيهَا،

لِذَلِكَ عِندَمَا نَجُولُ بِأَسمَاعِنَا وَقُلُوبِنَا فِي التَّفَكُّرِ وَفِي تَذَكُّرِ آخِرِ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي نَعِيشُهَا وَهِيَ الحَيَاةُ الدُّنيَا، نَتَذَكَّرُ مَوَاقِفَ لَا بُدَّ أَن تَجرِيَ عَلَينَا كُلِّنَا، وَنَصِفُ أَزمَانًا سَتَمُرُّ عَلَينَا جَمِيعًا، وَهِيَ آخِرُ أَيَّامِنَا وَآخِرُ لَحَظَاتِنَا فِي هَذِهِ الدُّنيَا، كَيفَ تَنتَهِي الدُّنيَا الفَانِيَةُ؟ وَكَيفَ تَبدَأُ الآخِرَةُ البَاقِيَةُ؟ وَمَاذَا سَيَجرِي فِي القُبُورِ؟ وَمَاذَا سَيَحصُلُ بَعدَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ؟ وَكَيفِيَّةُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، وَنَمُرُّ ذَاكِرِينَ لِمَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَنَسمَعُ وَصفَ ذَلِكَ، وَبَعدَهَا الخُلُودُ الأَبَدِيُّ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ لِمَن رَحِمَهُ اللهُ وَالمُقَامُ الأَبَدِيُّ فِي دَارِ العَذَابِ المُقِيمِ لِمَن سَاءَ حَالُهُ وَكَفَرَ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَلِذَلِكَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن نَحذَرَ الدُّنيَا وَأَن نَثبُتَ فِيهَا عَلَى الإِيمَانِ مَعَ مَشَقَّةِ الثَّبَاتِ وَخُصُوصًا فِي أَيَّامِ الفِتَنِ، وَلَكِن لَا بُدَّ مِنَ الثَّبَاتِ، فَإِنَّ الجَنَّةَ حُفَّت بِالمَكَارِهِ وَالنَّارَ حُفَّت بِالشَّهَوَاتِ.

إِنَّ أَعمَارَنَا جَمِيعًا طَالَت أَو قَصُرَت وَلَو عَاشَ الوَاحِدُ مِنَّا أَلفَ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يُلَخِّصُهَا قَولُهُ تَعَالَى فِي ذِكرِ وَصفِ خَلقِ الإِنسَانِ: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [سورة عبس/ الآية 19-22]،

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ مُخَاطِبًا بَعضَ العُصَاةِ: يَا مَن يَرجُو الثَّوَابَ بِغَيرِ عَمَلٍ، وَيُرجِئُ التَّوبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ، أَتَقُولُ فِي الدُّنيَا قَولَ الزَّاهِدِينَ وَتَعمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ؟ لا بِقَلِيلٍ مِنهَا تَقنَعُ، وَلا بِكَثِيرٍ مِنهَا تَشبَعُ، تَكرَهُ المَوتَ لأَجلِ ذُنُوبِكَ وَتُقِيمُ عَلَى مَا تَكرَهُ المَوتَ لَهُ، تَغلِبُكَ نَفسُكَ عَلَى مَا تَظُنُّ وَلا تَغلِبُهَا عَلَى مَا تَستَيقِنُ، لَا تَثِقُ مِنَ الرِّزقِ بِمَا ضُمِنَ لَكَ، وَلا تَعمَلُ مِنَ العَمَلِ مَا فُرِضَ عَلَيكَ، تَستَكثِرُ مِن مَعصِيَةِ غَيرِكَ مَا تُحَقِّرُهُ مِن نَفسِكَ، أَمَا تَعلَمُ أَنَّ الدُّنيَا كَالحَيَّةِ؟ لَيِّنٌ لَمسُهَا، وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوفِهَا، يَهوِي إِلَيهَا الصَّبِيُّ الجَاهِلُ، وَيَحذَرُهَا ذُو اللُّبِّ العَاقِلُ، كَيفَ تَقَرُّ بِالدُّنيَا عَينُ مَن عَرَفَهَا، وَمَا أَبعَدَ أَن يُفطَمَ عَنهَا مَن أَلِفَهَا، وَقَد قِيلَ:

حَقِيقٌ بِالتَّوَاضُعِ مَن يَمُــوتُ وَحَسبُ المَرءِ مِن دُنيَـاهُ قُوتُ
فَمَا لِلمَرءِ يُصبِــحُ ذَا اهتِمَامٍ وَحُــــزنٍ لا تَقُــومُ بِهِ النُّعُوتُ
فَيَـــا هَذَا سَتَرحَلُ عَن قَرِيبٍ إِلَى قَـــــــومٍ كَلامُهُمُ السُّكُوتُ

مَا أَعظَمَ الثَّبَاتَ عَلَى الطَّاعَةِ، الثَّبَاتَ عَلَى الإِسلَامِ، الثَّبَاتَ عَلَى التَّقوَى، الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ، إِلَى المَمَاتِ،

طُوبَى لِمَن تَنَبَّهَ مِن رُقَادِهِ، وَبَكَى عَلَى مَاضِي فَسَادِهِ، وَخَرَجَ مِن دَائِرَةِ المَعَاصِي إِلَى دَائِرَةِ سَدَادِهِ، عَسَاهُ يَمحُو بِصَحِيحِ اعتِرَافِهِ قَبِيحَ اقتِرَافِهِ، قَبلَ أَن يَقُولَ فَلا يَنفَعُ، وَيَعتَذِرَ فَلا يُسمَعُ، قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: لَا يَنتَظِرِ امرُؤٌ بِتَوبَتِهِ غَدًا، فَإِنَّ بَينَكَ وَبَينَ غدٍ يَومًا وَلَيلَةً، وَأَمرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحُ، بَادِر أَيُّهَا الشَّابُّ قَبلَ الهَرَمِ، وَاغتَنِم أَيُّهَا الشَّيخُ الصِّحَّةَ قَبلَ السَّقَمِ، قَبلَ أَن يَتَمَكَّنَ مِن بَدَنِكَ الأَلَمُ، وَيَقُولَ لِسَانُ العِتَابِ: أَلَم أَقُل لَكَ؟ أَلَم؟ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ فيما رواه البخاري: «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ».اهـ

والله تعالى أعلم وأحكم