ما يقال عند الخروج من البيت للصلاة – دعاء وأجر عظيم

الدرس ٢ من ٢ في هذا البابحلية البشر مدة الدرس ١:١١:٣٦

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والعفوِ والكمال، القادرِ الغافرِ الظاهر، الذي ليس له شريك يضاهيه، ولا وزير يواليه، جل جلاله، وتعاظمت أفعاله، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبيِّ الأمّي الذي ختم به العاجلة، واستفتح به الآجلة، وجعله في المَحَلِّ رفيعًا، وفي المقام شفيعًا، وأنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا مبينًا، وحظر فيه حرامه، وأباح فيه حلاله، وأنار به أعلامه، وبيَّن فيه أحكامه، فنسأل الذي بالفضل حبانا، وللإسلام هدانا، أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير، أما بعد: 

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

الحديث

وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلا بَطَرًا وَلا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِى مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ)). قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى تَخْرِيجِ الأَذْكَارِ: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ”.

الشرح والتعليق على الحديث

قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ ليس شرطا أن يكون رجلا بل لو خرجت امرأة كذلك تقول هذا الذِّكر لكن هذا للتغليب، لأن الذي يخرج لصلاة الجماعة الرجال غالبا مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلاةِ أي إلى صلاة الجماعة في المسجد سواء كانت جمعةً أم غيرها فَقَالَ: اللَّهُمَّ أي يا الله إِنِّي أَسْأَلُكَ أي أطلب منك وأرجوك أن تجيب دعائي بتحقيق المراد والمطلوب مما سأذكره بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ قوله: “بحق” أي بجاه المذكورين، أي بمكانتهم عندك يا رب، وليس معناه أن الله عليه حق واجب، فالله لا يجب عليه شيء، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ لا يَجِبُ شَىْءٌ عَلَى اللَّهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لِأَحَدٍ حَقٌّ لازِمٌ عَلَيْهِ أَيْ أَمْرٌ يَلْزَمُهُ وَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَهُ يَكُونُ ظَالِمًا، اللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا اللَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُكْرِمَهُمْ إِنْ هُمْ أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ، وهذا مثل قَوْلِه تَعَالَى: ﴿‌وَكَانَ ‌حَقًّا ‌عَلَيۡنَا ‌نَصۡرُ ‌ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة الروم/ الآية 47] أَيْ أَنَّنَا نَتَفَضَّلُ وَنَتَكَرَّمُ عَلَيْهِمْ، وقيل: أَي وَعدًا مِنَّا، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ وَلَا يُقَالُ عَن شَيءٍ هَذَا حَرَامٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، أَمَّا مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الذي رواه مسلم في صحيحه: ((إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي)) فَمَعنَاهُ: إِنِّي تَنَزَّهتُ عَنِ الظُّلمِ، إِنِّي مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلمِ، فَالتَّحرِيمُ فِي اللُّغَةِ مَعنَاهُ المَنعُ، أَي أَنَا لَا أَتَّصِفُ بِالظُّلمِ، لِأَنَّ الظُّلمَ فِي لُغَةِ العَرَبِ يُطلِقُونَهُ عَلَى أَحَدِ أَمرَينِ: إِمَّا مُجَاوَزَةِ الحَدِّ، أَوِ التَّصَرُّفِ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ،

 قَالَ البَيهَقِيُّ: حَقِيقَةُ الظُّلمِ هُوَ تَعَدِّي الحَدِّ وَالرَّسمِ الَّذِي يَرسُمُهُ الآمِرُ الَّذِي لَا آمِرَ فَوقَهُ.اهـ

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: ((إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي))، قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَاهُ تَقَدَّستُ عَنهُ وَتَعَالَيتُ، وَالظُّلمُ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كَيفَ يُجَاوِزُ سُبحَانَهُ حَدًّا وَلَيسَ فَوقَهُ مَن يُطِيعُهُ؟ وَكَيفَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلكِ غَيرِهِ وَالعَالَمُ كُلُّهُ فِي مِلكِهِ وَسُلطَانِهِ؟ وَأَصلُ التَّحرِيمِ فِي اللُّغَةِ المَنعُ، فَسَمَّى تَقَدُّسَهُ عَنِ الظُّلمِ تَحرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ لِلمَمنُوعِ فِي أَصلِ عَدَمِ الشَّيءِ.اهـ، ، 

وَخَالَفَ أَهلَ السُّنَّةِ فِي هَذَا المُعتَزِلَةُ فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَفعَلَ الأَصلَحَ لِلعَبدِ، فَرَدَّ عَلَيهِم أَهلُ السُّنَّةِ بِقَولِهِم: مَا كَانَ أَصلَحَ لِلعَبدِ فَلَيسَ وَاجِبًا عَلَى اللهِ، 

قَالَ مُحَمَّدُ مَيَّارَةَ المَالِكِيُّ فِي الدُّرِّ الثَّمِينِ وَالمَورِدِ المَعِينِ: إِذ لَو وَجَبَ عَلَيهِ تَعَالَى فِعلُ الصَّلَاحِ وَالأَصلَحِ لِلخَلقِ كَمَا تَقَوَّلَهُ المُعتَزِلَةُ لَمَا وَقَعَت مِحنَةُ دُنيَا وَأُخرَى وَلَمَا وَقَعَ تَكلِيفٌ بِأَمرٍ وَلَا نَهيٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالمُشَاهَدَةِ.اهـ

قال ابن علان في شرح الأذكار: وفيه التوسل بحق أرباب الخير على سبيل العموم من ‌السائلين ومثلهم بالأولى الأنبياء والمرسلون. ورواه ابن الجوزي: ((بحق السائلين عَليك وبحق الراغبين إليك))

 إذًا، ففي هذا الحديث جواز التوسل حتى بالصالحين وليس بالأنبياء والمرسلين فقط،

فَمَا مَعْنَى التَّوَسُّلِ مِنْ حَيْثُ الُّلغَةُ وَالشَّرْعُ؟ قَالَ الفَيْرُوْزْأَبَادِيُّ: وَسَلَ إِلَيْهِ: تَقَرَّبَ، وَالْوَسِيْلَةُ: التَّوَصُّلُ إِلَى الشَّىْءِ بِرَغْبَةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿‌وَٱبۡتَغُوٓاْ ‌إِلَيۡهِ ‌ٱلۡوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 35].

وقَالَ صَاحِبُ الْعُبَاب: الْوَسِيْلَةُ، وَالْوَاسِلَةُ: الْمَنْزِلَةُ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَالدَّرَجَةُ، وَالْقُرْبَةُ. وَوَسَّلَ إِلَى اللهِ وَسِيْلَةً: عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ، كَتَوَسَّل.اهـ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيْرِ: فِيْ حَدِيْثِ الْأَذَانِ ((الَّلهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيْلَة)) – رواه البخاري – هِيَ فِي الْأَصْلِ: مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّىْء وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَجَمْعُهَا: وَسَائِلُ. يُقَالُ: وَسَلَ إِلَيْهِ وَسِيْلَةً، وَتَوَسَّلَ. وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيْثِ الْقُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى.اهـ والْقُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَىْ لَا يَكُوْنُ بِالْمَسَافَةِ وَالْمَكَانِ وَإِنَّمَا هُوَ قُرْبٌ بِالطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ، فَاللهُ تَعَالَىْ لَا يَحْوِيْهِ مَكَانٌ وَلَا يَجْرِيْ عَلَيْهِ زَمَانٌ، 

قَالَ الْإِمَامُ أَبُوْ حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ‌وَلَيْسَ ‌قُرْبُ اللهِ تَعَالَى وَلَا بُعْدُهُ مِنْ طَرِيْقِ طُوْلِ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا وَلَكِنْ عَلَىْ مَعْنَىْ الْكَرَامَةِ وَالْهَوَانِ وَالْمُطِيْعُ قَرِيْبٌ مِنْهُ بِلَا كَيْفَ وَالْعَاصِيْ بَعِيْدٌ مِنْهُ بِلَا كَيْفَ وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ وَالْإِقْبَالُ يَقَعُ عَلَىْ الْمُنَاجِيْ.اهـ

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْوَسِيْلَةُ كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.اهـ

وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ: الْوَسِيْلَةُ هِيَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ وَيُتَقَرَّب.اهـ 

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: الْوَسِيْلَةُ: الْقُرْبَةُ، وَهِيَ فَعِيْلَةٌ مِنْ توَسَّلَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا؛ أَيْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ، وَجَمْعُهَا وَسَائِل.اهـ 

يَظْهَرُ لَنَا مِمَّا سَبَقَ أَنَّ التَّوَسُّلَ إِلَى اللهِ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الْوَارِدِ فِيْ الشَّرْعِ وَالذِيْ لَا يُخَالِفُ الدِّيْنَ وَلَا يَقْدَحُ فِيْ التَّوْحِيْدِ، وَقَدْ يَكُوْنُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَخْذًا بِالْأَسْبَابِ كَحَدِيْثِ الثَّلَاثَةِ الذِّيْنَ تَقَرَّبُوْا إِلَى اللهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِمْ فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُم، فقد صحَّ عن ‌نَافِعٍ، عَنِ ‌ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ، أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ ‌صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ، 

وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ، حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ. رواه البخاري

وَقَدْ يَكُوْنُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِيْ حَدِيْثِ الْأَعْمَىْ، وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ كَثِيْرٌ بَيْنَ النَّاسِ فِيْ حَيَاتِهِمْ وَلَيْسَ قَادِحًا فِي التَّوْحِيْدِ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ، فَالْمَرِيْضُ يَذْهَبُ لِلطَّبِيْبِ لِيُشْفَىْ وَاعْتِقَادُهُ أَنَّ اللهَ هُوَ الشَّافِيْ الْمُعَافِيْ، وَأَنَّ الْطَّبِيْبَ وَالدَّوَاءَ سَبَبَانِ، وَاللهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ فِيْ عَمَلِ الْخَيْرَاتِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَيْهَا، فَهَذَا لَا يُنَافِيْ مَبْدَأَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ، فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ لَيْسَ عِبَادَةً لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخْذٌ بِالْأَسْبَابِ، فَاللهُ هُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ عَلَى الْحَقِيْقَةِ، فَالتَّوَسُّلُ بِالْمَعْنَى الذِيْ ذَكَرْتُ عَمَلٌ مِنَ الدِّيْنِ، وَقَدْ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَعْمَىْ، فَهُوَ لَيْسَ بِدْعَةً قَبِيْحَةً تُخَالِفُ دِيْنَ اللهِ. 

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الدُّنْيَا عَلَى الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ بِمَشِيْئَتِهِ، وَمُنْكِرُو التَّوَسُّلِ يَقُوْلُوْنَ: لِمَاذَا تَجْعَلُوْنَ وَاسِطَةً بِقَوْلِكُمُ اللهم إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِعَبْدِكَ فُلَان؟ اللهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَاسِطَةٍ. 

يُقَالُ لَهُمْ: الْوَاسِطَةُ قَدْ تَأْتِيْ بِمَعْنَى الْمُعِيْنِ وَالْمُسَاعِدِ وَهُوَ مُحَالٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، أَمَّا الْوَاسِطَةُ بِمَعْنَى السَّبَبِ، فَالشَّرْعُ وَالْعَقْلُ لَا يَنْفِيَانِهِ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، جَعَلَ الْأَدْوِيَةَ أَسْبَابًا لِلشِّفَاءِ، وَهُوَ خَالِقُ الْأَدْوِيَةِ وَخَالِقُ الشِّفَاءِ، لِذَلِكَ تَجِدُ فِيْ كِتَابِ اللهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿‌وَإِذَا ‌مَرِضۡتُ ‌فَهُوَ ‌يَشۡفِينِ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 80]، وَهَذِهِ الْآيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الشِّفَاءِ عَلَى الْحَقِيْقَةِ وَهَذَا اعْتِقَادُ الْمُسْلِمِيْنَ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ فِيْ كِتَابِ اللهِ كَثِيْرَةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيْ حَقِّ مَلَكِ الْمَوْتِ: ﴿‌قُلۡ ‌يَتَوَفَّىٰكُم ‌مَّلَكُ ‌ٱلۡمَوۡتِ ‌ٱلَّذِي ‌وُكِّلَ ‌بِكُمۡ﴾ [سورة السجدة/ الآية 11] فَهُنَا أَخْبَرَ أَنَّ الذِيْ يُبَاشِرُ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ هُوَ مَلَكُ الْمَوْتِ لَا عَلَى مَعْنَى الْخَلْقِ، بَلْ عَلَى مَعْنَى السَّبَبِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِيْ ءايَةٍ أُخْرَىْ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿‌ٱللَّهُ ‌يَتَوَفَّى ‌ٱلۡأَنفُسَ ‌حِينَ ‌مَوۡتِهَا﴾ [سورة الزمر/ الآية 42] لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ لِلْمَلَائِكَةِ تَدْبِيْرًا خَاصًّا بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ کَمَا قَالَ: ﴿‌فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ ‌أَمۡرٗا﴾ [سورة النازعات/ الآية 5] فَهِيَ أَسْبَابٌ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا إِنَّمَا تُدَبِّرُ نُزُوْلَ الْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللهِ وَكَذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يَقُوْلُ: ﴿‌فَلَمۡ ‌تَقۡتُلُوهُمۡ ‌وَلَٰكِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌قَتَلَهُمۡۚ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17] مَعَ أَنَّ الصَّحَابَةَ هُمْ مَنْ بَاشَرُوْا قَتْلَ الْمُشْرِكِيْنَ فِيْ الْمَعَارِكِ، وَلَكِنَّ اللهَ أَفْهَمَنَا أَنَّهُ هُوَ خَالِقُ الْمَوْتِ؛ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ التِيْ تُفِيْدُ هَذَا الْمَعْنَىْ، وَفِيْ الْقُرْءَانِ مَوَاضِعُ كَثِيْرَةٌ تُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَىْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِدُ مَعْنَاهُ صَرِيْحًا وَوَاضِحًا وَسَاطِعًا فِيْ بَعْضِ قَصَصِ الْقُرْءَانِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوْزُ اعْتِقَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ تَخْلُقُ بِذَاتِهَا الْمُسَبَّبَاتِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ فِيْهَا التَّأْثِيْرَ وَالنَّفْعَ وَالضَّرَرَ خَلْقًا وَإِيْجَادًا، كَالذِيْ يَكُوْنُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرْعَ الْحَنِيْفَ جَعَلَ أَسْبَابًا تُقَوِّيْ الرِّزْقَ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوْ الْقُوَّةِ الْمَتِيْنُ وَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿‌وَفِي ‌ٱلسَّمَآءِ ‌رِزۡقُكُمۡ ‌وَمَا ‌تُوعَدُونَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 22] وَلَكِنْ هَذَا لَا يُعَارِضُ أَنْ يَسْعَى الشَّخْصُ فِيْ طَلَبِ الرِّزْقِ أَخْذًا بِالْأَسْبَابِ وَأَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَٱمۡشُواْ ‌فِي ‌مَنَاكِبِهَا ‌وَكُلُواْ ‌مِن ‌رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [سورة الملك/ الآية 15]. أَضِفْ إِلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ وُجُوْدَ الْأَسْبَابِ فِي الدُّعَاءِ فَهُنَاكَ أَسْبَابٌ تُقَوِّيْ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ الذِيْ يُجِيْبُ الدُّعَاءَ هُوَ اللهُ سَوَاءٌ أَخَذْتَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ أَمْ لَا، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الدُّعَاءَ أَقْوَىْ فِيْ الْإِجَابَةِ إِذَا دَعَوْتَ اللهَ تَعَالَى فِيْ الْحَجِّ فِيْ عَرَفَةَ وَقَدْ أَرْشَدَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لِهَذَا فَقَالَ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ)) رواه الترمذي في سننه، مَعَ أَنَّ الذِيْ يُجِيْبُ الدُّعَاءَ هُوَ اللهُ سَوَاءٌ دَعَوْتَ اللهَ فِيْ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَمْ دَعَوْتَ اللهَ فِيْ بِلَادِكَ فِيْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، فَاللهُ لَا يَسْتَعِيْنُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ لِإِجَابَةِ دُعَائِكَ بَلْ جَعَلَهُ سَبَبًا أَقْوَىْ فِيْ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ التَّوْحِيْدَ وَلَا يَقْدَحُ فِيْ الدِّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُنْكِرُ أَحَدُنَا أَنَّ الدُّعَاءَ فِيْ آخِرِ الَّليْلِ فِيْ وَقْتِ السَّحَرِ لَيْسَ كَالدُّعَاءِ فِيْ النَّهَارِ مَثَلًا لِمَا ثَبَتَ مِنَ التَّرْغِيْبِ فِيْ الدُّعَاءِ فِيْ آخِرِ الَّليْلِ وَالذِيْ يُجِيْبُ الدُّعَاءَ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِإِجَابَةِ دُعَائِنَا، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِيْ السُّجُوْدِ فَهُوَ مُرَغَّبٌ فِيْهِ لِحَدِيْثِ مسلم وأحمد: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ ‌الْعَبْدُ ‌مِنْ ‌رَبِّهِ، ‌وَهُوَ ‌سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))، وَكُلُّ هَذِهِ أَسْبَابٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَتُقَوِّيْ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ، مَعَ أَنَّ الذِيْ يُجِيْبُ الدُّعَاءَ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ أَمْ لَا، وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَاب دُعَاءُ اللهِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ. 

فَمِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، يُعْلَمُ حَقَّ الْعِلْمِ أَنَّنَا فِيْ قَوْلِنَا إِنَّ التَّوَسُّلَ جَائِزٌ- وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ – لَا نَحُوْمُ حَوْلَ الشِّرْكِ وَلَا نَدْنُوْ مِنْهُ، لَأَنَّنَا نَعْتَقِدُ جَزْمًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُؤَثِّرُخَلْقًا فِيْ هَذِهِ الْأُمُوْرِ بَادِيْهَا وَخَافِيْهَا، وَهَذَا الاعْتِقَادُ سَالِكٌ مِنَّا مَسْلَكَ الرُّوْحِ فِيْ الْجَسَدِ، وَلَوْلَا أَنَّ التَّوَسُّلَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الانْتِفَاعِ مَا عَلَّمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ الْأَعْمَىْ التَّوَسُّلَ بِهِ؛ ثُمَّ اللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ التَّوَسُّلِ وَخَالِقُ النَّفْعِ الذِيْ يَحْصُلُ بِهِ بِإِذْنِ اللهِ، فَالتَّوَسُّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَهُوَ جَائِزٌ وَسَائِغٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقَ، بَلْ إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إِذْ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ فِيْهِ أَدْنَىْ شَبَهٍ بِالشِّرْكِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمَدْعُوُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ فِيْ الْخَلْقِ وَالتَّأْثِيْرِ، فَمَا مِنْ ضَرَرٍ يَلْحَقُ الدَّاعِيَ وَلَا مِنْ شُبَهٍ تَمَسُّ عَقِيْدَةَ التَّوْحِيْدِ فِيْهِ، وَكُلُّ شُبْهَةٍ تَحُوْمُ حَوْلَ تَحْرِیْمِ التَّوَسُّلِ مَحْضُ تَوَهُّمٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّوَهُّمِ.

وَالْأَسْبَابُ إِمَّا ضَرُوْرِيَّةٌ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَإِمَّا غَيْرُ ضَرُوْرِيَّةٍ كَالتَّوَسُّلِ، وَكُلٌّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ، وَالْمُؤْمِنُ الذِيْ يَتَوَسَّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ يَسْتَعِيْنُ بِهِمْ فِيْ إِيْصَالِ النَّفْعِ لِلْمُتَوَسِّلِ، بَلْ يَرَاهُمْ أَسْبَابًا جَعَلَهَا اللهُ لِحُصُوْلِ النَّفْعِ بِإِذْنِهِ. هُوَ إِذَا قَالَ الشَّخْصُ: “اللهم اقْضِ حَاجَتِي” “اللهم فَرِّجْ كُرْبَتِي” بِدُوْنِ تَوَسُّلٍ بِنَبِيٍّ أَوْ وَلِىٍّ جَائِزٌ وَمَقْبُوْلٌ. وَإِنْ قَالَ: “اللهم اقْضِ حَاجَتِي بِجَاهِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ” أَوْ بِجَاهِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ بِجَاهِ عُثْمَانَ جَائِزٌ. الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ: “اللهم اقْضِ حَاجَتِي” هَذَا هُوَ أَكْثَرُ أَحْوَاْلِ الْمُسْلِمِيْنَ لَكِنْ هَذَا التَّوَسُّلُ لَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيْثِ الرَّسُولِ ﷺ، الْمُسْلِمُوْنَ أَحْيَانًا يَتَوَسَّلُوْنَ بِالرَّسُوْلِ وَأَحْيَانًا يَدْعُوْنَ مِنْ دُونِ تَوَسُّلٍ، هَذَا جَائِزٌ وَهَذَا جَائِز.اهـ

ثُمَّ إِنَّ مَقْصُوْدَ الْمُتَوَسِّلِ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، كَمَا أَنَّ الذِيْ يَتَدَاوَىْ بِالْأَدْوِيَةِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ الشِّفَاءُ بِهَا وَقَدْ لَا يَحْصُلُ. فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِيْنَ لِمَ تَجْعَلُوْنَ وَسَائِطَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَلِمَ لَا تَطْلُبُوْنَ حَاجَاتِكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ لِلْمُؤْمِنِ بَيْنَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللهِ حَاجَتَهُ بِدُوْنِ تَوَسُّلٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَطْلُبَ حَاجَتَهُ مَعَ التَّوَسُّلِ، فَالذِيْ يَقُوْلُ: “اللهم إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ” أَوْ بِجَاهِ نَبِيِّكَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ سَأَلَ اللهَ، كَمَا أَنَّ الذِيْ يَقُوْلُ: “اللهم إِنِّيْ أَسْأَلُكَ كَذَا وَكَذَا” قَدْ سَأَلَ اللهَ، فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ سُؤَالٌ مِنَ الْعَبْدِ رَبَّهَ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ تَحْتَ حَدِيْثِ الترمذي: ((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ)) فَالْأَمْرُ لَيْسَ کَمَا يَزْعُمُ مَنْ يَرْمِيْ النَّاسَ بِالضَّلَالَةِ لِمُجَرَّدِ التَّوَسُّلِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ. الذِيْ يَقُوْلُ عَمَّنْ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ عَبَدَ النَّبِيَّ وَالْعِيَاذُ بِاللهْ نَقُوْلُ لَهُ: مَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيْ لُغَةِ الْعَرَبِ؟! الْعَرَبُ السَّلِيْقِيُّوْنَ عَلَى أَيِّ شَىْءٍ كَانُوْا يُطْلِقُوْنَ لَفْظَ الْعِبَادَةِ؟! الْعَرَبُ السَّلِيْقِيُّوْنَ انْقَرَضُوْا مُنْذُ مِئَاتِ السِّنِيْنَ، فَالْفَاصِلُ بَيْنَنَا هُمْ عُلَمَاءُ الُّلغَةِ، فَنَقُوْلُ: الْعِبَادَةُ كَمَا عَرَّفَهَا عُلَمَاءُ الُّلغَةِ كَالسُّبْكِيِّ: أَقْصَىْ غَايَةِ الْخُشُوْعِ وَالْخُضُوْع.اهـ

وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ الْقَارِي: وَقَدْ قَالُوْا: )الْعِبَادَةُ هِيَ أَقْصَىْ غَايَةِ الْخُضُوْعِ وَالتَّذَلُّلِ( وَلِذَلِكَ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا للهِ تَعَالَى.اهـ

وَقَالَ الْخَازِنُ: فَقَوْلُ الْعَبْدِ: {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ} [سورة الفاتحة/ الآية 5] مَعْنَاهُ لَا أَعْبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ، وَالْعِبَادَةُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ مِنَ الْعَبْدِ وَنِهَايَةُ التَّعْظِيْمِ لِلرَبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ الْعَظِيْمُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ الْعِبَادَةُ إِلَّا فِيْ الْخُضُوْعِ للهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَوْلَى أَعْظَمِ النِّعَمِ وَهِيَ إِيْجَادُ الْعَبْدِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُوْدِ ثُمَّ هَدَاهُ إِلَىْ دِيْنِهِ فَكَانَ الْعَبْدُ حَقِيْقًا بِالْخُضُوْعِ وَالتَّذَلُّ لِلَه.اهـ  

وَقَالَ ابْنُ مَنْظُوْرٍ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ} [سورة الفاتحة/ الآية 5]: أَيْ نُطِيْعُ الطَّاعَةَ التِيْ يُخْضَعُ مَعَهَا، وَقِيْلَ: إِيَّاكَ نُوَحِّدُ، وَقَالَ: وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيْ الُّلغَةِ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوْع.اهـ إِذًا تَبَيَّن مِمَّا سَبَقَ مِنَ النُّقُوْلِ عَنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيْرِ وَالُّلغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ تَوَسُّلًا وَالتَّوَسُّلَ لَيْسَ عِبَادَةً لِغَيْرِ اللهِ.

ولأجل هذه المعاني التي ذكرت وهي لا تخالف الكتاب ولا السنة نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الأعمى أن يتوسل به، فقد روى الطبراني وغيره عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ إِلَيَّ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ، فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ، فَشَكَا عَلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَتَصْبِرُ؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ)) قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرَرٌ قَطُّ”، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. انْتَهَـىْ كَلَامُ الطَّبَرَانِيِّ 

ولهذه المعاني التي ذكرت أيضا نجد أن أمر التوسل جائز في سلف هذه الأمة وخلفها بالإجماع لم ينكر ذلك إلا بعض الجفاة النفاة من القرن السابع وتبعهم في هذه الأيام بعض التكفيريين فتوصلوا بذلك إلى تكفير أمة محمد صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله تعالى.

 سُئل الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ الْحَافِظُ الْفَقِيْهُ تَقِيُّ الدِّيْنِ الْسُّبْكِيُّ عَنْ حُكْمِ التَّوَسُّلِ بِهِ ﷺ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوْزُ وَيَحْسُنُ التَّوَسُّلُ وَالاسْتِعَانَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِ ﷺ إِلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَوَازُ ذَلِكَ وَحُسْنُهُ مِنَ الْأُمُوْرِ الْمَعْلُوْمَةِ لِكُلِّ ذِيْ دِيْنٍ، الْمَعْرُوْفَةِ مِنْ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَسِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِيْنَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ ذَلِكَ.اهـ أَيْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِيْنَ. 

وَقَالَ الْكَوْثَرِيُّ فِيْ إِثْبَاتِ التَّوَسُّلِ: وَعَلَى التَّوَسُّلِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا جَرَتِ الْأُمَّةُ طَبَقَةً فَطَبَقَةً.اهـ 

وَقَالَ السَّمْهُوْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الاسْتَغَاثَةَ وَالتَّشَفُّعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِجَاهِهِ وَبَرَكَتِهِ إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَسِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِيْنَ، وَاقِعٌ فِيْ كُلِّ حَالٍ، قَبْلَ خَلْقِهِ ﷺ وَبَعْدَ خَلْقِهِ، فِيْ حَيَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَمُدَّةِ الْبَرْزَخِ وَعَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.اهـ

وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا أي ممشاي إلى المسجد فهو ممشًى مباركٌ لمن أخلص نيته وقُبل عمله بإذن الله تعالى. 

الْإِمَامُ أَبُوْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُجِيْزُ التَّوَسُّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، فَعَلَىْ هَذَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا نَقَلَ تَقِيُّ الدِّيْنِ السُّبْكِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِيْ حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ “أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ”، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ تَحْرِيْمَ التَّوَسُّلِ عَلَىْ الْإِطْلَاقِ فِيْ جَمِيْعِ صُوَرِهِ وَأَلْفَاظِهِ، إِنَّمَا كَرِهَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ: “بِحَقِّ فُلَانٍ”، كَمَا قَالَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ، لِأَنَّهَا تُوْهِمُ أَنَّ لِلْعِبَادِ حَقًّا عَلَىْ اللهِ لَازِمًا، وَهَذَا الْمَعْنَىْ مَوْجُوْدٌ فِيْ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ الَّتِيْ هِيَ مِنْ أَشْهَرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِيْنَ، وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ أَدْرَىْ بِكَلَامِهِ، فَالْحَنَفِيَّةُ مَا زَالُوْا يَتَوَسَّلُوْنَ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ قُرْبَةً إِلَىْ اللهِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيْفَةَ مَا بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيْثُ الَّذِيْ فِيْهِ التَّوَسُّلُ بِلَفْظِ بِحَقِّ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَالْعَمَلُ عَلَىْ جَوَازِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَىْ لَا يُقَدِّمُوْنَ كَلَامَهُمْ عَلَىْ كَلَامِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَلِذَلِكَ عَمِلَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ عَلَىْ اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِيْ التَّوَسُّلِ، مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْهُمْ يَسْتَنْكِرُ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ بِحَقِّ فِيْ التَّوَسُّلِ، وَالَّذِيْ يَعْتَقِدُهُ كُلُّ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيْثُ فَهُوَ مَذْهَبِيْ. ومن بعض ما ورد في توسل علماء الحنفية بالنبي صلى الله عليه وسلم ما قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته المشهورة: فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَىْ التَّوْفِيْقَ وَالْقَبُوْلَ، ‌بِجَاهِ الرَّسُولِ.اهـ وَفِيْ سِيَاقِ دُعَائِهِ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَامَ فِيْ عِزٍّ وَإِنْعَامٍ، وَمَجْدٍ وَاحْتِرَامٍ، ‌بِجَاهِ مَنْ هُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ خِتَامٌ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ السَّادَةِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، فِي الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ. 

وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ فِيْ حَاشِيَةِ رَدِّ الْمُحْتَارِ عَلَىْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَيْضًا: يَقُوْلُ أَسِيْرُ الذُّنُوْبِ جَامِعُ هَذِهِ الْأَوْرَاقِ رَاجِيًا مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيْمِ، مُتَوَسِّلًا بِنَبِيِّهِ الْعَظِيْمِ وَبِكُلِّ ذِيْ جَاهٍ عِنْدَهُ تَعَالَىْ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ كَرَمًا وَفَضْلًا بِقَبُوْلِ هَذَا السَّعْيِ وَالنَّفْعِ بِهِ لِلْعِبَادِ فِيْ عَامَّةِ الْبِلَادِ، وَبُلُوْغِ الْمَرَامِ بِحُسْنِ الْخِتَامِ وَالِاخْتِتَامِ، آمِيْنَ.اهـ

وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ زَاهِدٍ الْكَوْثَرِيُّ الْحَنَفِيُّ فِيْ كِتَابِ “مَحْقِ التَّقَوُّلِ فِيْ مَسْأَلَةِ التَّوَسُّلِ”: وَعَلَىْ التَّوَسُّلِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا جَرَتِ الْأُمَّةُ طَبَقَةً فَطَبَقَةً.اهـ

وَقَالَ نُوْرُ الدِّيْنِ مُلَّا عَلِيٌّ الْقَارِي الْحَنَفِيُّ مَا نَصُّهُ: قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا عَلَّامَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَبَحِّرِيْنَ شَمْسُ الدِّيْنِ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِيْ مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيْحِ: إِنِّيْ زُرْتُ قَبْرَهُ بِنَيْسَابُوْرَ وَقَرَأْتُ بَعْضَ الصَّحِيْحِ عَلَىْ سَبِيْلِ التَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ آثَارَ الْبَرَكَةِ وَرَجَاءَ الْإِجَابَةِ فِيْ تُرْبَتِهِ.اهـ

فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا قال ابن الأثير: الأَشَر البَطَر، وَقِيلَ أشَدُّ البَطر، والمقصود مِشْيَةُ التَّكَبُّرِ وَلا بَطَرًا قال ابن الأثير: البَطَر: الطُّغْيان عِنْدَ النّعْمة وطُولِ الْغِنَى. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الذي رواه مسلم: ((الكِبْر بَطَر الْحَقِّ)) هُوَ أَنْ يجْعل مَا جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا مِنْ تَوْحِيده وَعِبَادَتِهِ بَاطِلًا. وَقِيلَ هُوَ أَنْ يتَجبَّر عِنْدَ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا. وَقِيلَ هُوَ أَنْ يتكبَّر عَنِ الْحَقِّ فَلَا يقبلُه. 

والتكبر منهي عنه في الإسلام وهو خلق مذموم، ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشدَّ الناس تواضعًا، فكان صلى الله عليه وسلم يمشي في سكينة وتؤدة وتواضع مع قوة المشي، لا يمشي مشية الكبر والخيلاء عَلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَرِفْعَةِ رُتْبَتِهِ، وورد في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض المالكي “أنّه صلى الله عليه وسلم كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَعْدَمَهُمْ كِبْرًا، وَحَسْبُكَ أَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا، أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا أي كآحاد الناس ليس له ملك، مع أنه حصلت له السيادة بعد ذلك، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، فَقَالَ لَهُ إِسْرَافِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ بِمَا تَوَاضَعْتَ لَهُ أَنَّكَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، وأول شافع.

وعن أبي أمامة قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا، فَقُمْنَا لَهُ، فَقَالَ: ((لَا تقوموا كما يقوم الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا))، وَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ))، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ أصحابه، لا كما يفعل الملوك من أنه يركب أحسن الدواب ولا يردف أحدا خلفه، وَكان صلى الله عليه وسلم يَعُودُ الْمَسَاكِينَ، وَيُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مُخْتَلِطًا بِهِمْ، حَيْثُمَا انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ، وفي حديث عمر رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))، وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن تعظيمه التعظيم الواجب، إنما ينهى عن أن يتجاوز أحد الحد في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ جَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، قَالَ: ((اجْلِسِي يا أم فلان، فبأَيِّ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسُ إِلَيْكِ حَتَّى أَقْضِيَ حَاجَتَكِ))، قَالَ: فَجَلَسَتْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهَا حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حاجتها، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ فَيُجِيبُ، وَحَجَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ مَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دراهم، فقال: ((اللهم اجعله حجا مبرورًا، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةً))، هَذَا وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَأَهْدَى فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مئة بدنة، وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمسّ قَادِمَتَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى.

وكان في بيته في مهنة أهله، يغسل ثَوْبَهُ، وَيَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ، وَيَعْقِلُ الْبَعِيرَ، وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ، وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ، وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ.

وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَصَابَتْهُ مِنْ هَيْبَتِهِ رِعْدَةٌ، فَقَالَ لَهُ: ((هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قريش تأكل القديد))”، ولا يريد تنقيص نفسه أو تنقيص أمه، إنما يريد أن يقول إنّما أنا بشر .

وَلا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً الرياء معصية من الكبائر فينبغي الحذر منه وهو من معاصي القلب، وهو أن يقصِدَ الإنسانُ بأعمالِ البِرّ كالصّوم والصلاةِ وقراءةِ القرءانِ والحجّ والزكاةِ والصّدقَات والإِحسانِ إلى الناس مَدْحَ الناسِ وإجلالَهُم له، والرِياءُ يُحبِطُ ثَوابَ العَملِ الذي قَارنَه ولا يكونُ لهُ ثواب، فأيُّ عَمل مِنْ أعمالِ البِرّ دخَلَه الرِياءُ فلا ثوابَ فيه ومعنى أعمال البر كُلُّ عملٍ من أعمالِ الخير، من عَمِلَهُ بقصدِ أن يمدحَهُ الناس لأجلِ أن يمدحَهُ الناس فقد وقع في الرياء، يعني وقعَ في الإثم الذي هو كبيرةٌ من الكبائر حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم شبههُ بالشرك كما في مسند أحمد: ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ ‌الشِّرْكُ ‌الْأَصْغَرُ)) قَالُوا: وَمَا ‌الشِّرْكُ ‌الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الرِّيَاءُ)) شبّههُ بالشرك الذي يُخرجُ من الإسلام، ليس معناهُ فاعِلُهُ يكفر لكن وقع بالذنب العظيم، هذا العملُ الحسن الذي عَمِلَهُ ليس لهُ فيه ثواب ولا ذرة واحدة من الثواب لأن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وقع في الإثم وخَسِرَ الثواب، انظروا معصية الرياء كم شؤمُها كبير تُوقِعُ في الذنب وتُحبِطُ ثواب العمل.

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما رواه النسائي في سننه: ((أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لهمْ يومَ القيامة ثلاثة: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فأُتِيَ بهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟؟ – والله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله -، قال: قاتلتُ فيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قال: كَذَبْتَ ولكنَّك قاتلتَ ليُقَالَ فلانٌ جَرِيْءٌ فقد قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ، ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأَ القرءانَ فأُتِيَ بهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟؟ – كما في الموضع السابق فالله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله -، قال: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ وقَرَأْتُ فيكَ القرءانَ. قال: كَذَبْتَ ولكنَّك تَعَلَّمْتَ العِلْمَ ليقالَ عَالِمٌ وقَرَأْتَ القُرْءانَ ليقالَ قارئٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ، ورَجُلٌ وَسَّعَ الله عليهِ وأعطاهُ مِنْ أصنافِ المالِ كُلِّهِ فأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ – وكما في الموضع السابق من الحديث فالله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله -، قال: ما تَرَكْتُ مِنْ سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فيها إلَّا أَنْفَقْتُ فيها لَكَ، قال: كَذَبْتَ ولكنَّك أنفقتَ مَالَكَ ليقالَ إنهُ جَوَادٌ فقد قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ)).

والمعنى من الحديث الشريف أن المرائي محرومٌ من الثَّواب، وفوقَ ذلكَ عليه عقوبةٌ وعَذَابٌ في الآخرةِ إذا لم يسامحه الله.

وعن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله بنِ سُفْيَانَ، رضيَ الله عنه قال، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ ومَنْ يُرائي يُرائي الله به)) رواه البُخَارِيُّ في صحيحه في كتاب الرِّقاق، ومن رِوايةِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضيَ الله عنهما، بلفظ: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ ومَنْ راءى راءى اللهُ به)) رَوَاهُ مسلمٌ في صحيحه في كتاب الزُّهد والرَّقائق. 

ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((سَمَّعَ)) بتشديدِ الميم، أي أَظْهَرَ هذا المرائي عَمَلَهُ للنَّاسِ رِياءً طلبا للثناء والمدح منهم. ((سَمَّعَ الله به)) معناه فَضَحَهُ يومَ القيامة، وهذا من جملة العذاب يوم القيامة وهو الفضيحة على رؤوس الأشهاد أي أمام الخلائق نسأل الله السلامة.وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلام: ((مَنْ راءَى)) معناه مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ العَمَلَ الصَّالِحَ الذي يعمله ليَعْظُمَ عندَهم ولينال مدحَهم. ((راءى اللـهُ به)) معناه أَظْهَرَ سَرِيرَتَهُ على رُؤُوسِ الخلائق معناه فَضَحَهُ وهذا من شؤم الرياء والعياذ بالله تعالى.

خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ أي خوفا من آثار عقابك وعذابك يا رب، وخوفا من النار. 

قال الطحاوي رضي الله عنه: “والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى”. فيجب إثبات صفة الغضب وصفة الرضى لله مع تنزيهه تعالى من أن يكون غضبه ورضاه تأثُّرًا بل هما صفتان أزليتان قديمتان أبديتان، أما ما ورد فى الحديث الذى رواه البخارىُّ من أنَّ ءادمَ وغيرَه يقولون: ((إِنَّ رَبِّي قَدْ ‌غَضِبَ ‌الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)) فالمرادُ بذلك ءاثارُ الغضبِ وليس المرادُ الصفةَ لأن الصفةَ أزليةٌ أبديةٌ ليست طارئةً لله بل معناه أن الله تعالى أعدَّ فى ذلك اليوم من ءاثار الغضب ما لم يسبق قبل ذلك ولا يكون بعد ذلك ما هو أشدُّ منه لأن الله تعالى شاء أن يحصُل ذلك اليومَ من ءاثار الغضب منتهى الآثار التِى شاء أن تكون مع أنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق ما هو أشدُّ من ذلك لكنه لم يشأْ ولا يفعلُ فالعذابُ الذى أعَدَّهُ لأعدائِهِ وشاء فى الأزل أن يصيبَهم فى الآخرةِ لا يتجاوزُ ذلك الحدَّ، هذا معنى ما ورد فى حديث الشفاعة وليس معناه أنه تأثَّرَ لأنَّ الذِى يطرأ عليه تأثُّرٌ لا بدَّ أن يكون حادثًا وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ أي طلبًا لعظيم نعيمك وطلبًا لجنتك يا رب أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ)).

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى تَخْرِيجِ الأَذْكَارِ: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ”.

والله تعالى أعلم وأحكم