بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للَّهِ رَبِّ الأَربَابِ، مُسَبِّبِ الأَسبَابِ، مُنَزِّلِ الكِتَابِ، حَفِظَ الأَرضَ بِالجِبَالِ مِنَ الاضطِرَابِ، وَقَهَرَ الجَبَّارِينَ وَأَذَلَّ الصِّعَابَ، وَسَمِعَ خَفِيَّ النُّطقِ وَمَهمُوسَ الخِطَابِ، وَأَبصَرَ فَلَم يَستُر نَظَرَهُ حِجَابٌ، أَنزَلَ القُرآنَ يَحُثُّ فِيهِ عَلَى اكتِسَابِ الثَّوَابِ، وَزَجَرَ عَن أَسبَابِ العِقَابِ،﴿كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبَابِ﴾
ابتَلَى بعضَ الناسِ بِالذُّنُوبِ لِيُعلَمَ أَنَّهُ تَوَّابٌ، أَحمَدُهُ عَلَى رَفعِ الشَّكِّ وَالارتِيَابِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى سَترِ الخَطَايَا وَمَا يُعَابُ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوحِيدِ إِقرَارًا نَافِعًا يَومَ الحِسَابِ، وَأَعتَرِفُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَيِّدُ أَصحَابِ الأَلبَابِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ خَيرِ الأَصحَابِ، وَعَلَى عُمَرَالَّذِي إِذَا ذُكِرَ فِي مَجلِسٍ طَابَ، وَعَلَى عُثمَانَ المَقتُولِ ظُلمًا وَمَا تَعَدَّى الصَّوَابَ، وَعَلَى عَلِيٍّ البَدرِ يَومَ بَدرٍ وَالصَّدرِ يَومَ الأَحزَابِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِلحِسَابِ.
كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَنِ الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ، وَشَرَحنَا بَعضَهَا، وَمِنهَا مَا سَنَذكُرُهُ إِن شَاءَ اللهُ فِي هَذَا الدَّرسِ:
حَدِيثُ «مَن قَالَ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ: بِسمِ اللهِ»
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَغَيرُهُم عَن أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«مَن قَالَ — أَى إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ —: بِسمِ اللَّهِ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ، لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالَ لَهُ: كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَهُدِيتَ، وَتَنَحَّى عَنهُ الشَّيطَانُ»
شَرحُ الحَدِيثِ
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي شَرحِ المِشكَاةِ: “إِنَّ الإِنسَانَ إِذَا خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ لَا بُدَّ أَن يُعَاشِرَ النَّاسَ وَيُزَاوِلَ الأَمرَ فَيُخَافُ أَن يَعدِلَ عَنِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ فِي أَمرِ الدِّينِ فَلَا يَخلُو مِن أَن يَضِلَّ أَو يُضِلَّ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ فِي أَمرِ الدُّنيَا فَإِمَّا بِسَبَبِ جَرَيَانِ المُعَامَلَةِ مَعُهُم بِأَن يَظلِمَ أَو يُظلَم، وَإِمَّا بِسَبَبِ الِاختِلَاطِ وَالمُصَاحَبَةِ، فَإِمَّا أَن يَجهَلَ أَو يُجهَلَ عَلَيهِ”.
مَعنَى «بِسمِ اللهِ»
«بِسمِ اللَّهِ» — جَرَت عَادَةُ السَّلَفِ وَالخَلَفِ عَلَى تَصدِيرِ مَكَاتِيبِهِم ومُؤَلَّفَاتِهِم بِالبَسمَلَةِ، حَيثُ إِنَّهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى سُورَةِ “بَرَاءَة” أَيِ التَّوبَةِ. وَلِبَرَكَةِ البَسمَلَةِ نَبدَأُ بِهَا، وَلِفَضلِهَا، وَلِأَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الفَاتِحَةِ نَبدَأُ بِهَا فِي قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ، كَأَنَّ القَارِئَ هُنَا يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا أَستَعِينُ بِكَ مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِكَ الأَعظَمِ وَأَنتَ يَا رَبِّ مَوصُوفٌ بِأَنَّكَ رَحمَنٌ رَحِيمٌ، فَهَذَا الدُّعَاءُ وَالجَهدُ مِنِّي بِتَوفِيقِكَ وَعَلَيكَ التُّكلَانُ وَبِكَ الِاستِعَانَةُ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، فَأَنتَ القَائِلُ سُبحَانَكَ:﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 12] فَهَذِهِ المَعَانِي مِن خُلَاصَةِ التَّوحِيدِ وَالِاعتِمَادِ وَالتَّوَجُّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ المَخلُوقَاتِ سُبحَانَهُ.
وَالِابتِدَاءُ بِالبَسمَلَةِ سُنَّةٌ غَيرُ وَاجِبٍ — فِي غَيرِ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ — فِي كُلِّ أَمرٍ لَهُ شَرَفٌ شَرعًا سِوَى مَا وَرَدَ فِيهِ غَيرُهَا، كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُبدَأُ بِالتَّكبِيرِ، وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يُبدَأُ بِالحَمدَلَةِ، وَمَا كَانَ غَيرَ قُربَةٍ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ حَرُمَ ابتِدَاؤُهُ بِالبَسمَلَةِ، فَلا يَجُوزُ البَدءُ بِهَا عِندَ شُربِ الخَمرِ، بَل قَالَ بَعضُ الحَنَفِيَّةِ: إِنَّ بَدءَ شُربِ الخَمرِ بِهَا كُفرٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ التَّفصِيلُ وَهُوَ أَن يُقَالَ: مَن كَانَ يَقصِدُ بِهَا التَّبَرُّكَ فِي شُربِ الخَمرِ كَفَرَ، وَإِن كَانَ القَصدُ السَّلَامَةَ مِن ضَرَرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيسَ كُفرًا، وَالبَدءُ بِالبَسمَلَةِ عِندَ المَكرُوهِ مَكرُوهٌ.
لَفظُ الجَلَالَةِ «اللهُ»
وَلَفظُ الجَلَالَةِ «اللهُ» هُوَ اسمُ اللهِ المُفرَدُ الأَعظَمُ بِالإِجمَاعِ، وَهُوَ أَجمَلُ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ، فَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ كَانَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«بِسمِ اللهِ، وَبِاللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ»
وَأَمَّا الإِجمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرنَا مِن أَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ فَقَد نَقَلَهَ الإِمَامُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي شَرحِهِ عَلَى الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا غَيرُ وَاحِدٍ مِن فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ كَالزَّركَشِيِّ فِي تَشنِيفِ المَسَامِعِ، وَمِن فُقَهَاءِ المَالِكِيَّةِ المَردَاوِيُّ فِي التَّحبِيرِ شَرحِ التَّحرِيرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيضًا عَن أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا نَصَّ عَلَيهِ الفَقِيهُ ابنُ عَابِدِينَ الدِّمَشقِيُّ الحَنَفِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ رَدِّ المُحتَارِ.
يَقُولُ سِيبَوَيهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي يُسَمَّى «الكِتَابَ»: اللهُ أَعرَفُ المَعَارِفِ. لِأَنَّ كُلَّ شَىءٍ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ، فَلَا شَىءَ مَعرُوفٌ يَشهَدُ بِوُجُودِهِ كُلُّ شَىءٍ إِلَّا اللهُ، وَقَد رُؤِيَ سِيبَوَيهِ بَعدَ مَوتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِقَولِي: اللهُ أَعرُفُ المَعَارِفِ.
كَلِمَةُ «اسمٍ» مُشتَقَّةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الرِّفعَةُ، لِأَنَّ التَّسمِيَةَ تَنوِيهٌ بِالمُسَمَّى وَإِشَادَةٌ بِذِكرِهِ، وَهِيَ مِنَ الأَسمَاءِ الَّتِي بَنَوا أَوَائِلَهَا عَلَى السُّكُونِ، كَالِابنِ وَالِابنَةِ وَغَيرِهِمَا، فَإِذَا نَطَقُوا بِهَا فِي الِابتِدَاءِ زَادُوا هَمزَةَ الوَصلِ لِتَعَذُّرِ الِابتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ، وَإِذَا وَقَعَت فِي أَثنَاءِ الكَلَامِ لَم تَفتَقِر إِلَى زِيَادَةِ شَىءٍ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُسلِمٍ: قَالَ الكُتَّابُ مِن أَهلِ العَرَبِيَّةِ إِذَا قِيلِ: «بِاسمِ اللهِ» تَعَيَّنَ كَتبُهُ بِالأَلِفِ، وَإِنَّمَا تُحذَفُ الأَلِفُ إِذَا كُتِبَ «بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ» بِكَمَالِهَا.
مُصطَلَحَاتُ النَّحتِ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ
وَقَالَ القُرطُبِيُّ: المَشهُورُ عَن أَهلِ اللُّغَةِ قَولُهُم:
- بَسمَلَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ: بِسمِ اللهِ
- حَوقَلَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ
- هَلَّلَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
- سَبَّحَ إِذَا قَالَ: سُبحَانَ اللهِ
- حَمدَلَ إِذَا قَالَ: الحَمدُ للهِ
- حَيصَلَ إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ
- حَيفَلَ إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَّاحِ
- طَبقَلَ إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ
- دَمعَزَ إِذَا قَالَ: أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ
مَعنَى البَسمَلَةِ وَلَفظِ الجَلَالَةِ
وَقَولُنَا «بِاسمِ اللهِ» أَيِ البَسمَلَةُ مَعنَاهَا: أَبتَدِئُ أَو أَقرَأُ أَو أَتلُو مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا حَلَّ وَارتَحَلَ فَقَالَ بِاسمِ اللهِ كَانَ المَعنَى بِاسمِ اللهِ أَحُلُّ وَبِاسمِ اللهِ أَرتَحِلُ، وَكَذَا الذَّابِحُ يَقُولُ بِاسمِ اللهِ أَذبَحُ، فَفِيهِ تَعلِيمٌ لِلعِبَادِ كَيفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسمِ خَالِقِهِم عَزَّ وَجَلَّ وَكَيفَ يَستَعِينُونَ بِهِ وَيُعَظِّمُونَهُ.
وَلَفظُ الجَلَالَةِ «اللهُ» مَعنَاهُ مَن لَهُ الأُلُوهِيَّةُ، وَهِيَ القُدرَةُ عَلَى الخَلقِ، فَهُوَ القَادِرُ عَلَى إِبرَازِ المَعدُومَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، لَم يَخلُقِ الخَلقَ لِحَاجَةٍ بِهِم، فَهُوَ مُستَغنٍ عَنِ العَالَمِينَ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر/ الآية 15] وَهَذَا هُوَ أَصلُ دِينِ الإِسلَامِ.
كَلِمَةُ التَّوحِيدِ
وَكَلِمَةُ التَّوحِيدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، هِيَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 24]
فَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ؛ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنَّهَا أَطيَبُ الكَلَامِ وَأَحسَنُهُ، وَمَعنَاهَا أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ، مُنَزَّهٌ عَن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، خَلَقَ المَكَانَ وَالزَّمَانَ، وَكَانَ مَوجُودًا قَبلَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ بِدُونِهِ، وَلَمَّا خَلَقَهُمَا لَم يَتَغَيَّر فَهُوَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ.
مَعنَى «تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ»
«تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ» — المُؤمِنُ الكَامِلُ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ دَائِمًا فِي كُلِّ أَحوَالِهِ، فِي الشِدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَنَا فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ الأَمثِلَةُ الكَثِيرَةُ، وَمِن ذَلِكَ مَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصفِ المُؤمِنِينَ:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة آل عمران/ 173-174]
قَالَ ابنُ عَاشُورٍ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ أَنَّ اللهَ كَفَى المُسلِمِينَ بَأسَ عَدُوِّهِم بَعدَ يَومِ أُحُدٍ بِعَامٍ إِنجَازًا لِوَعدِهِم مَعَ أَبِي سُفيَانَ، إِذ قَالَ أبو سفيان: مَوعِدُكُم بَدرٌ فِي العَامِ القَابِلِ، وَكَانَ أَبُو سُفيَانَ قَد كَرِهَ الخُرُوجَ إِلَى لِقَاءِ المُسلِمِينَ فِي ذَلِكَ الأَجَلِ، وَكَادَ لِلمُسلِمِينَ لِيُظهِرَ إِخلَافَ الوَعدِ مِنهُم لِيَجعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الإِرجَافِ بَينَ العَرَبِ بِضَعفِ المُسلِمِينَ، فَجَاعَلَ رَكبًا مِن عَبدِ القَيسِ مَارِّينَ بِمَرِّ الظَّهرَانِ قُربَ مَكَّةَ قَاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلمِيرَةِ أَن يُخبِرُوا المُسلِمِينَ بِأَنَّ قُرَيشًا جَمَعُوا لَهُم جَيشًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَ الرَّكبِ نُعَيمُ بنُ مَسعُودٍ الأَشجَعِيُّ، فَأَخبَرَ نُعَيمٌ وَمَن مَعَهُ المُسلِمِينَ بِذَلِكَ، فَزَادَ ذَلِكَ المُسلِمِينَ استِعدَادًا وَحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وَخَرَجُوا إِلَى المَوعِدِ وَهُوَ بَدرٌ، فَلَم يَجِدُوا المُشرِكِينَ، وَانتَظَرُوهُم هُنَاكَ، وَكَانَت هُنَاكَ سُوقٌ، فَاتَّجَرُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَيرَ مَذمُومِينَ.
﴿حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾ — كَلِمَةٌ لَعَلَّهُم أُلهَمُوهَا أَو تَلَقَّوهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَسبُ أَي كَافٍ، وَهُوَ اسمٌ جَامِدٌ بِمَعنَى الوَصفِ لَيسَ لَهُ فِعلٌ، قَالُوا: وَمِنهُ اسمُهُ تَعَالَى الحَسِيبُ. وَالوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعنَى مَفعُولٍ أَي مَوكُولٍ إِلَيهِ، يُقَالُ: وَكَلَ حَاجَتَهُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا اعتَمَدَ عَلَيهِ فِي قَضَائِهَا وَفَوَّضَ إِلَيهِ تَحصِيلَهَا، فَالوَكِيلُ هُوَ القَائِمُ بِشَأنِ مَن وَكَّلَهُ.
آيَاتُ التَّوَكُّلِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ
وَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالتَّوَكُّلِ فِي خَمسَةَ عَشَرَ مَوضِعًا مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
- إِن طَلَبتُمُ النَّصرَ وَالفَرَجَ فَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ: > ﴿إِن يَنصُركُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُم وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾[سورة آل عمران/ الآية 160]
- إِذَا أَعرَضتَ عَن أَعدَاءِ اللهِ فَليَكُن رَفِيقُكَ التَّوكُّلَ: > ﴿فَأَعرِض عَنهُم وَتَوَكَّل عَلَى اللهِ﴾ [سورة النساء/ الآية 81]
- إِذَا أَعرَضَ عَنكَ الخَلقُ اعتَمِد عَلَى التَّوَكُّلِ: > ﴿فَإِن تَوَلَّوا فَقُل حَسبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ﴾ [سورة التوبة/ الآية 129]
- إِذَا تُلِيَ القُرآنُ عَلَيكَ فَاستَنِد عَلَى التَّوَكُّلِ: > ﴿وَإِذَا تُلِيَت عَلَيهِم آيَاتُهُ زَادَتهُم إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 2]
- إِذَا طَلَبتَ الصُّلحَ وَالإِصلَاحَ: > ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 61]
- إِذَا وَصَلَت قَوَافِلُ القَضَاءِ استَقبِلهَا بِالتَّوَكُّلِ: > ﴿قُل لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَولَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ [سورة التوبة/ الآية 51]
- إِذَا نَصَبَتِ الأَعدَاءُ حِبَالَ المَكرِ: > ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلتُ﴾ [سورة يونس/ الآية 71]
- إِذَا عَرَفتَ أَنَّ مَرجِعَ الكُلِّ إِلَى اللهِ: > ﴿فَاعبُدهُ وَتَوَكَّل عَلَيهِ﴾ [سورة هود/ الآية 123]
- إِذَا عَلِمتَ أَنَّ اللهَ هُوَ الوَاحِدُ عَلَى الحَقِيقَةِ: > ﴿قُل هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ﴾ [سورة الرعد/ الآية 30]
- إِذَا عَرَفتَ أَنَّ هَذِهِ الهِدَايَةَ مِن عِندِي لَاقِهَا بِالشُّكرِ وَالتَّوَكُّلِ: > ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَد هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾[سورة إبراهيم/ الآية 12]
- إِذَا خَشِيتَ بَأسَ الشَّيطَانِ الغَدَّارَ: > ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 99]
- إِن أَرَدتَ أَن يَكونَ اللهُ وَكِيلَكَ فِي كُلِّ حَالٍ: > ﴿وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 3]
- إِن أَرَدتَ أَن يَكُونَ الفِردَوسُ الأَعلَى مَنزِلَكَ: > ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 42]
- إِن شِئتَ النُّزُولَ فِي مَحَلِّ المَحَبَّةِ: > ﴿فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 159]
- إِن أَرَدتَ أَن تُكفَى كُلَّ شَيءٍ: > ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 3]، ﴿فَتَوَكَّل عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [سورة النمل/ الآية 79]، ﴿وَتَوَكَّل عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّح بِحَمدِهِ﴾ [سورة الفرقان/ الآية 58]
مَعنَى «لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»
«لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» — قَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ عَن هَذِهِ الكَلِمَةِ: وَرَدَ في ثوابِهَا عَن رَسُولِ اللهِ ثَوَابٌ وَنَفعٌ كَبِيرٌ.
- ثَوَابُهَا: فَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ أَنَّهَا: «كَنزٌ تَحتَ العَرشِ» أَي ذُخرٌ كَبِيرٌ مِنَ الثَّوَابِ يَدَّخِرُهُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤمِنِ الَّذِي يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الشَّرِيفَةَ.
- فَائِدَتُهَا: أَنَّهَا تُزِيلُ الهَمَّ، إِذَا إِنسَانٌ مُصَابٌ بِالهَمِّ فَمِن أَفضَلِ مَا يشتَغِلُ بِهِ هذهِ الكَلِمَةُ، وَهَذِهِ الكَلِمَةُ أيضًا تَنفَعُ لِمَن ابتُلِيَ بالوَسوَسَةِ حَتَّى صَارَ في نَفسِهِ وَحشَةٌ وَضِيقٌ شَدِيدٌ.إِن وَاظَبَ وثَبَتَ عَلَيهَا فَلَا بُدَّ أَن يَرَى الفَرَجَ ويَنقَلِبَ عُسرُهُ يُسرًا.
- مَعنَاهَا: تَوحِيدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَستَطِيعُ أَن يَفعَلَ الخَيرَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا بِعَونِ اللهِ وَأَنَّهُ لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَن يُعصَمَ مِنَ الشَرِّ إِلَّا بِحِفظِ اللَّهِ، فَمَهمَا كَانَ الإِنسَانُ نَشِيطًا فِي عَمَلِ الخَيرِ فَإِنَّ هَذَا النَّشَاطَ هُوَ نِعمَةٌ مِنَ اللهِ. فَإِن لَاحَظَ أَنَّ هَذَا الخَيرَ الَّذِي يَعمَلُهُ هُوَ بِتَقدِيرِ اللَّهِ ابتَعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ وَكَانَ قَرِيبًا مِن حَالِ المُخلِصِينَ للهِ تَعَالَى.
مَعنَى «كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَهُدِيتَ»
«يُقَالَ لَهُ» أَي تَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ «كُفِيتَ» أَي كُفِيتَ هَمَّكَ «وَوُقِيتَ» أَي وُقِيتَ شَرَّ الأَشرَارِ «وَهُدِيتَ» أَي هُدِيتَ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ.
دُعَاءُ اللهِ بِهَذِهِ الأَدعِيَةِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ خَالِقُ العِبَادِ وَأَعمَالِهِم، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذنِهِ، لَيسَ مَعَهُ مُدَبِّرٌ فِي الخَلقِ وَلَا شَرِيكٌ فِي المُلكِ، عَقِيدَةُ المُسلِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يَحصُلُ فِي هَذَا العَالَمِ إِنَّمَا يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ، وَالدَّلِيلُ مِنَ القُرءَانِ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96] فَأَثبَتَ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِلعِبَادِ أَعمَالًا وَأَخبَرَ عَن نَفسِهِ بِأَنَّهُ خَالِقٌ لِأَعمَالِهِم.
وَالأَعمَالُ الِاختِيَارِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَقَعُ بِقَصدِ الإِنسَانِ كَتَحرِيكِ اليَدِ وَالرِّجلِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَبِهَا يَكُونُ التَّكلِيفُ، وَغَيرُ الِاختِيَارِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مِن غَيرِ قَصدٍ بَل بِالِاضطِرَارِ كَنَبضِ القَلبِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَالكُلُّ بِخَلقِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ الشِّيرَازِيُّ: فَإِن قِيلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّا لَا نَخلُقُ أَفعَالَنَا وَهِيَ وَاقِعَةٌ بِحَسَبِ قَصدِنَا وَإِرَادَتِنَا؟ فَقُل: لِأَنَّا لَا نَعلَمُ عَدَدَ أَجزَائِهَا وَلَا نَقدِرُ عَلَى أَن نُعِيدَهَا دُونَ نَقصٍ أَو زِيَادَةٍ، وَلَيسَت هَذِهِ صِفَةُ مَن يَخلُقُ وَيَختَرِعُ، وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 162-163]
مَعنَى «وَتَنَحَّى عَنهُ الشَّيطَانُ»
«وَتَنَحَّى عَنهُ الشَّيطَانُ» أَيِ انصَرَفَ عَنهُ الشَّيطَانُ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِالغَوَايَةِ، أَى مَالَ عَنهُ.
وَرَوَى ابنُ السُّنِّيِّ مِن حَدِيثِ مَيمُونَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: «بِاسمِ اللهِ» قَالَ المَلَكُ: «هُدِيتَ»، وَإِذَا قَالَ: «تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ» قَالَ لَهُ المَلَكُ: «كُفِيتَ»، وَإِذَا قَالَ: «لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» قَالَ لَهُ المَلَكُ: «وُقِيتَ».
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ العَبدَ إِذَا استَعَانَ بِاللهِ وَبِاسمِهِ المُبَارَكِ فَإِنَّ اللهَ يَهدِيهِ وَيُرشِدُهُ وَيُعِينُهُ فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنيَوِيَّةِ، وَإِذَا تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَفَوَّضَ أَمرَهُ إِلَيهِ كَفَاهُ، فَيَكُونُ هُوَ حَسبَهُ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 3]
وَمَن قَالَ: «لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» وَقَاهُ اللهُ شَرَّ الشَّيطَانِ وَلَا يُسَلَّطُ عَلَيهِ.
حَدِيثُ ذِكرِ اللهِ عِندَ دُخُولِ البَيتِ وَعِندَ الطَّعَامِ
وَرَوَى مُسلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺيَقُولُ:
«إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى عِندَ دُخُولِهِ وَعِندَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُم وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَم يَذكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِندَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: أَدرَكتُمُ المَبِيتَ، وَإِذَا لَم يَذكُرِ اللهَ تَعَالَى عِندَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدرَكتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ»
شَرحُ الحَدِيثِ
«إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى عِندَ دُخُولِهِ» أَي قَالَ: بِاسمِ اللهِ، عِندَ دُخُولِهِ المَسكَنَ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذكَارِ: يُستَحَبُّ أَن يَقُولَ: بِاسمِ اللهِ، وَأَن يُكثِرَ مِن ذِكرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَن يُسَلِّمَ سَوَاءٌ كَانَ فِي البَيتِ آدَمِيٌّ أَم لَا، لِقَولِ اللهِ تَعَالَى:﴿فَإِذَا دَخَلتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُم تَحِيَّةً مِن عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبة﴾[سورة النور/ الآية 61]
قَالَ القُرطُبِيُّ: وَوَصَفَهَا بِالبَرَكَةِ لِأَنَّ فِيهَا الدُّعَاءَ وَاستِجلَابَ مَوَدَّةِ المُسَلَّمِ عَلَيهِ، وَوَصَفَهَا أَيضًا بِالطَّيِّبِ لِأَنَّ مَن سَمِعَهَا يَستَطِيبُهَا.
قَالَ الوَاحِدِيُّ: هَذَا فِي دُخُولِ الرَّجُلِ بَيتَ نَفسِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى أَهلِهِ وَمَن فِي بَيتِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلتَ بَيتَكَ فَسَلِّم عَلَى أَهلِكَ فَهُم أَحَقُّ مَن سَلَّمتَ عَلَيهِ، فَإِذَا دَخَلتَ بَيتًا لَا أَحَدَ فِيهِ فَقُلِ:السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، حُدِّثنَا أَنَّ المَلَائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ المَسجِدُ، إِذَا دَخَلتَهُ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ.
وَفِي النَّهرِ لِأَبِي حَيَّانٍ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: المَسَاجِدُ إِذَا دَخَلتُمُوهَا فَسَلِّمُوا عَلَى مَن فِيهَا، وَإِن لَم يَكُن فِيهَا أَحَدٌ قَالَ: السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَقِيلَ: يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيكُم، يَعنِي المَلَائِكَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ.
رَوَى الوَاحِدِيُّ بِإِسنَادِهِ إِلَى جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:«إِذَا دَخَلتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا، وَإِذَا طَعِمَ أَحَدُكُم طَعَامًا فَليَذكُرِ اسمَ اللهِ عَلَى طَعَامِهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُم لَم يَدخُل بَيتَهُ، وَإِذَا ذَكَرَ اسمَ اللهِ عَلَى طَعَامٍ قَالَ: لَا مَبِيتَ لَكُم وَلَا عَشَاءَ»
مَعنَى «لَا مَبِيتَ لَكُم وَلَا عَشَاءَ»
«قَالَ الشَّيطَانُ» أَي لِأَتبَاعِهِ. وَهُنَا تَذكِيرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنَّ الشَّيطَانَ يَتَرَبَّصُ بِنَا يُرِيدُ أَن يُهلِكَنَا.
«لا مَبِيتَ لَكُم» أَي لَا مَوضِعَ بَيتُوتَةٍ «وَلا عَشَاءَ»، مَعنَاهُ: قَالَ الشَّيطَانُ لِإِخوَانِهِ وَأَعوَانِهِ مِنَ الجِنِّ: إِنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ لَكُم مَبِيتٌ اللَّيلَةَ فِي هَذَا البَيتِ وَلَا عَشَاءَ لَكُم مِنَ الأَكلِ دَاخِلَهُ. وَالعَشَاءُ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤكَلُ فِي العَشِيَّةِ.
قَالَ القَاضِي: المُخَاطَبُ بِهِ أَعوَانُهُ، أَي لَا حَظَّ وَلَا فُرصَةَ لَكُمُ اللَّيلَةَ مِن أَهلِ هَذَا البَيتِ فَإِنَّهُم قَد أَحرَزُوا عَنكُم أَنفُسَهُم وَطَعَامَهُم، وَتَحقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ انتِهَازَ الشَّيطَانِ فُرصَةً مِنَ الإِنسَانِ إِنَّمَا يَكُونُ حَالَ الغَفلَةِ وَالنِّسيَانِ عَن ذِكرِ الرَّحمَنِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَيَقِّظًا مُحتَاطًا ذَاكِرًا لِلَّهِ فِي جُملَةِ حَالَاتِهِ لَم يَتَمَكَّن مِن إِغوَائِهِ وَتَسوِيلِهِ، وَأَيِسَ عَنهُ بِالكُلِّيَّةِ.
دُعَاءُ دُخُولِ البَيتِ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَليَقُل: اللهم أَسأَلُكَ خَيرَ المَولَجِ وَخَيرَ المَخرَجِ، بِاسمِ اللهِ وَلَجنَا، وَبِاسمِ اللهِ خَرَجنَا، وَعَلَى اللهِ رَبِّنَا تَوَكَّلنَا، ثُمَّ ليُسَلِّم عَلَى أَهلِهِ»
فَضلُ ذِكرِ اللهِ عِندَ الدُّخُولِ وَالطَّعَامِ
يَظهَرُ لَنَا مِن هَذَا الحَدِيثِ مَا لِبَرَكَةِ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سِيَّمَا عِندَ دُخُولِ البَيتِ، قَالَ ابنُ عَلَّانٍ: وَفِي تَفسِيرِ القَاضِي البَيضَاوِيِّ: وَعَن أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «مَتَى لَقِيتَ أَحَدًا مِن أُمَّتِي فَسَلِّم عَلَيهِ يَطُل عُمُرُكَ، وَإِذَا دَخَلتَ بَيتَكَ فَسَلِّم عَلَيهِم يَكثُر خَيرُ بَيتِكَ، وَصَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الأَوَّابِينَ الأَبرَارِ»
وَقَالَ ﷺ لِأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلتَ عَلَى أَهلِكَ فَسَلِّم يَكُن بَرَكَةً عَلَيكَ وَعَلَى أَهلِ بَيتِكَ» قَالَ التِّرمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الضَّامِنِينَ عَلَى اللهِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَرُوِّينَا عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ — وَاسمُهُ صُدَيُّ بنُ عَجلَانَ — عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَلاثةٌ كلُّهُم ضَامِنٌ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: رَجل خَرَجَ غازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَتَوَفاهُ فَيُدخِلَهُ الجَنَّةَ أَو يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِن أَجرٍ وَغَنِيمَةِ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى المَسجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدخِلَهُ الجَنَّةَ أَو يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِن أَجرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُل دَخَلَ بَيتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
وَمَعنَى «ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى» أَي صَاحِبُ ضَمَانٍ، وَالضَّمَانُ: الرِّعَايَةُ لِلشَّيءِ. فَمَعنَاهُ أَنَّهُ فِي رِعَايَةِ اللهِ تَعَالَى.
وَقَالَ العَارِفُ ابنُ أَبِي جَمرَةَ: وَالضَّمَانُ مِنَ اللهِ ضَمَانُ إِمكَانٍ لَا ضَمَانُ وُجُوبٍ، فَإِنَّ مَعنَاهُ تَأكِيدَ التَّصدِيقِ بِحُصُولِ الأَجرِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ، لِأَنَّ الوُجُوبَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُستَحِيلٌ.
والله تعالى أعلم وأحكم