المقدمة
الحمدُ لله المطَّلعِ على ظاهِر الأمْرِ ومكنونِه، العالم بسرِّ العبدِ وجهرهِ وظنونِه، المُتَفرِّدِ بإنْشَاءِ العالَمِ وإبْداعِ فُنُونِه، المدبِّر لكلٍّ منهُمْ في حركتِه وسُكُوْنِه، أحْسَنَ كلَّ شَيْءٍ خَلق، وفتَق الأسماع وشقَّ الحَدَق، وأحْصَى عَدَدَ ما في الشَّجَرِ من وَرَق، في أعْوادِه وغُصُونِه، مد الأرْضَ ووضعَها وأوْسَعَ السماءَ وَرفعَها، وسَيَّرَ النجومَ وأطْلعهَا، في حِنْدسِ اللَّيلِ ودُجُوْنه، أنزل القطْر رَذاذًا، فأنْقَذَ به البِذْر من اليُبْسِ إنْقاذًا، ﴿هَـذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، أحْمُده على جوده وإحسْانِه، وأشْهد أن لا إِله إِلَّا الله وحْدَه لا شريكَ له في أُلُوهِيَّتِهِ وسُلْطانِه، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّدُ ببُرهانِه، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ في جميع شأنه، وعلى عُمرَ مُقْلقِ كِسْرى في إيوانِه، وعلى عثمانَ ساهرِ ليْلِهِ في قرآنِه، وعلى عليٍّ قالعِ بابِ خيْبرَ ومُزَلْزِل حُصونِه، وعلى آلِهِ وأصحابه المجتهدِ كلٌ منهم في طاعةِ ربِّه في حركتِه وسكونِه، وسَلَمَ تسليمًا كثيرا، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الحادي عشر: وعَنْهُ عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «لَقدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِينَ». رواه مسلم. وفي رواية: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنْحِيَنَّ هَذَا عَنِ المُسْلِمينَ لا يُؤذِيهِمْ، فَأُدخِلَ الجَنَّةَ». وفي رواية لهما: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوكٍ عَلَى الطريقِ فأخَّرَه فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الحادي عشر (أي الحديث الحادي عشر من باب في بيان كثرة طرق الخير، وهو الحديث السابع والعشرون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): وعَنْهُ (أي عن أبي هريرة رضي الله عنه) عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «لَقدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ (أَيْ: يَمْشِي ويَتَرَدَّدُ وَيَتَنَعَّمُ) في الجَنَّةِ (والمعنى: يعني يذهب منها حيث شاء؛ كما يقال: يتقلب المسافر في الأرض) (نال نعيم الجنة بسبب عمل صغير سهل متيسر لأي واحد من المؤمنين غالبا، وهذا يدل على عظيم رحمة الله عز وجل وسَعة فضله، ونعيم الجنة غالٍ عظيم لا ينقطع ولا يفنى ولا ينفد ليس كنعيم الدنيا، قد تناله بسبب إماطة غصن من طريق المسلمين كما فعل هذا الرجل.
والنبي ﷺ يذكره لنا هنا ليحثنا على الازدياد من الخيرات وأن لا يستقل الواحد من الفضائل فإنك لا تدري بأي الفضائل ستدخل الجنة، فقد يعمل العبد عملا كبيرا لا يُقبل ولا يدخل الجنة بسببه وقد يعمل العبد عملا قليلا صغيرا يكون سببا في دخول الجنات كهذا الرجل المذكور في هذا الحديث ويكون سببا في الرفعة إلى أعالي الدرجات، فلذلك لا ينبغي أن يستقل العبد من عمل الخيرات، وإذا كان هذا الرجل المذكور في هذا الحديث نال نعيم الجنة الأبدي بسبب غصن نحَّاه عن طريق المسلمين فكيف بالذي يشتغل بعمل الأنبياء والمرسلين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاشتغال بعلم الدين تَعَلُّمًا وتعليمًا، فهذا لا شك في فضيلته ورفعة مقام صاحبه مخلصا لله عز وجل.
ولذلك يا أحبابي «عَلَيْكُمْ بِالِازْدِيَادِ مِنْ بَذْلِ الْجُهْدِ مِنْ عَمَلِ البِرِّ وَمِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْيَوْمَ نَشْرُ عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ لأَنَّ الجَهْلَ بِهَذَا العِلْمِ فَشَا، عَلَيْكُمْ بِزِيَادَةِ الهِمَّةِ فِي ذَلِكَ وَلا تَلْهَوْا وَلَا تَفْتُرُوا، اللهُ يُجَنِّبُكُمُ الكَسَلَ».
«ومَنْ عَرَفَ قَدْرَ الْآخِرَةِ هَانَ عَلَيْهِ التَّعَبُ».
وإن الجنة ينبغي أن يتعب الواحد منا لينالها، ولا يكون الوصول إليها بالكسل عن الفضائل، وقدْ كانَ السلفُ الصالحُ رحمَهُمُ اللهُ يُحبونَ جمعَ كلِّ فضيلةٍ ويبكونَ على فواتِ واحدةٍ منهَا، وهذا حالُ الباحثينَ عن أعلى المراتبِ والباحثينَ عن الترقي في طريقِ الآخرة، فإنه يروى عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْمَوْتُ جَعَلَ يَبْكِي. قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «قِلَّةُ الزَّادِ.اهـ
وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: ” مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى شَيْءٍ تَرَكْتُهُ بَعْدِي إِلَّا ثَلَاثَ خِصَالٍ: ظَمَإِ الْهَاجِرَةِ أَوْ لَيْلَةٍ أَبِيتُ فِيهَا أُرَاوِحُ بَيْنَ جَبْهَتِي وَقَدَمَيَّ، أَوْ غَدْوَةٍ وَرَوْحَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.اهـ
وقد قَال ابنُ الجوزيِّ في مَعنى هذا في صيدِ الخَاطِرِ: ينبغي للعاقلِ أن يَطلُبَ الغَايَةَ في العلمِ، فإن قَوِيَتْ همتُهُ، أَوصَلَتْهُ إلى أَعَالِي الدرجاتِ، ثم ينبغي أن يَطلبَ الغايةَ في معرفةِ اللهِ تعالى [معناه: يزداد في علم الدين ولا سيما في علم التوحيد فهو العلم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف علوم الدين وأفضلها عند الله تعالى]، وفي الجملةِ لا يَترُكُ فضيلةً يُمكِنُ تحصيلُها إلَّا حَصَّلَهَا؛ فإنَّ القُنُوعَ بالدُّونِ [يعني بالقليل] حالُ قَاصِرِي الهِمَمِ، وقد قيل:
فكُن رَجُلًا رِجلُهُ في الثَّرَى … وهامة همته في الثُّرَيَّا
ولو أَمكَنَكَ عُبُورُ كُلِّ أحدٍ من العلماءِ والزُّهادِ فافعلْ، وما قَعَدَ مَن قَعَدَ إلّا لِقلةِ الهِمّةِ، واعلمْ أنّك في مَيدانِ سباقٍ، والأوقاتُ تُنْتَهَبُ، ولا تَخلُدْ إلى كَسَلٍ، فما فَاتَ مَن فَاتَ إلا بالكَسَلِ، ولا نال من نَال إلا بالجِدِّ والعزمِ، وإنّ الهِمّةَ لَتَغلِي في القُلُوبِ غَلَيَانَ مَا في القُدُورِ، والكسلُ عنِ الفضائلِ بئسَ الرفيقُ.اهـ
والكسل هو ضعفُ الهمةِ في الخيرِ، روى البخاريُّ في صحيحه فقال: قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». (فالرسولُ ﷺ استعاذَ باللهِ مِنَ الجبنِ واستعاذَ باللهِ مِنَ الكسلِ، وكانَ أهل الفضل من مشايخنا دائمًا يوصون بتركِ الكسلِ، فقدْ قَالوا في ذلك: «الْكَسَلُ يُنَافِي تَحْصِيلَ الْعِلْمِ، تَحْصِيلُ الْعِلْمِ لَا يَتَّفِقُ مَعَ الْكَسَلِ، مَاتَتِ الْهِمَمُ الْيَوْمَ، صَلَاحُ الدِّينِ الأيُّوبِيُّ رضي الله عنه كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْءَانَ وَكِتَابَ التَّـنْبِيهِ فِي الْفِقْهِ الشَّافِعِيِّ وَكِتَابَ الْحَمَاسَةِ وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ» وكان شديد الابتلاء بالأمراض، فقد ابتُلي في بدنه بأن كثرت عليه الدمامل في بدنه، ومع ذلك ما تراه يكاد يفارق صهوة جواده مجاهدا في سبيل الله، ويروى عنه أنه ما حج في حياته للانشغال بتوحيد بلاد المسلمين وفتح البلاد المحتلة وتوحيد بلاد الشام ومصر ثم بلاد فلسطين، حتى أكرمه الله بفتح عظيم على الصليبيين في حطين ثم فتح بيت المقدس حررها الله، كل هذا بسبب همته العظيمة في طلب الآخرة وليس في طلب الدنيا، هذا السلطان العظيم إلى ما قبل موته بقليل وهو يستدين من بعض وزرائه لنفقة عياله وأزواجه، مات ولم يجدوا في خزانته إلا القليل من الدراهم، وهو من هو بين المسلمين، كان سلطان مصر والشام بما يشمل سوريا وفلسطين والأردن ولبنان واليمن والحجاز، ومع ذلك كان زاهدا عالما فقيها من فقهاء الشافعية، بسبب عظيم همَّته للآخرة وقلة التفاته للدنيا فتح الله عليه البلاد ووحَّد حوله قلوب العباد، حتى دانت له البلاد شرقها وغربها، هذا السلطان الناصر رضي الله عنه لو كان ملتفتا للدنيا وراكضا وراءها، هل يُنجَزُ كل هذا على يديه، لا، وقبله بكثير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، خالد بن الوليد، من نصر إلى نصر ومن فتح إلى فتح، لم يُهزم في معركة واحدة بعد أن أسلم وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفَ الله المسلول، في آخر حياته كان مثخنا بالجراح والأمراض وهو في حمص يمسك المصحف الشريف ويبكي ويقول: شغَلَنا عنك الجهاد في سبيل الله.
ليس كحال أكثر الناس في هذه الأيام، ماذا شغلهم عن المصحف وماذا شغلهم عن مجالس العلم، إلا الدنيا الفانية، إلا تتبع التطبيقات على الهواتف والمسلسلات والمعاصي ومضيعة الأوقات والعياذ بالله، ليس هذا حالَ من أراد الرُّقي في درجات الآخرة، بل من أراد الجنة يبتعد عن الكسل.
ولذلك مِنْ أَسْبَابِ الْخِذْلانِ وَالتَّدَهْوُرِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا الْكَسَلُ أَيْ ضعْفُ الْهِمَّةِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَالْعَجْزُ أَيْ سُوْءُ الْفَهْمِ لِطُرُقِ الْمَصَالِحِ.اهـ
فالْإِكْثَـارُ مِـنْ ذِكْرِ الْـمَوْتِ، يُسَاعِدُ عَلَى تَرْكِ الْكَسَلِ».
فالصَّحَابَةُ كَانُوا يُكَابِدُونَ الْمَشَاقَّ مَشَاقَّ الْأَسْفَارِ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ لِنَشْرِ دِينِ اللهِ فَفَلَاحُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ».
فكُونُوا فِي ازْدِيَادٍ مِنَ الرَّغْبَةِ بِالعِلْمِ فِي تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِيَّاكُمْ وَالكَسَلَ فَإِنَّ الكَسَلَ سَبَبُ الحِرْمَانِ وَفَوَاتِ المقْصُودِ». نسأل الله أن يرزقنا الهمة لنيل أعالي الدرجات ونعيم الجنات)
في شَجَرَةٍ (أي: في أمرِ شجرةٍ وسببها؛ يعني: إذا أَبعدَ شجرًا أو غصنَ شجرٍ عن طريق المسلمين، فأُدخِلَ الجنةَ) قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ (أَيْ يَتَنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ بِمَلَاذِهَا بِسَبَبِ قَطْعِهِ الشَّجَرَةَ) ( كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِينَ» (أَيْ يَتَأَذَّوْنَ بِهَا)
فإذا كان هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بسبب خوفه على المسلمين من غصن شجرة وإزالته من طريقهم جوزي بالجنة فكيف بالذي يذب الغيبة عن المسلمين ويحمي أعراضهم في حضورهم وفي غيابهم، فقد روى ابن أبي شيبة وغيره عَنِ ابْنٍ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ رَجُلًا، وَقَعَ فِي رَجُلٍ فَرَدَّ عَنْهُ آخَرُ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، وفي رواية أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ».
وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَمَى عِرْضَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا بَعَثَ اللَّهُ عز وجل مَلَكًا – يَوْمَ الْقِيَامَةِ – يَحْمِيهِ عَنِ النَّارِ».
وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلَ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ فَيُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عز وجل فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَتُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ».
وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا وُقِعَ فِي الرَّجُلِ وَأَنْتَ فِي مَلَأٍ فَكُنْ لِلرَّجُلِ نَاصِرًا وَلِلْقَوْمِ زَاجِرًا، أَوْ قُمْ عَنْهُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}.اهـ
وروي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رضي الله عنه، قَالَ: «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِالْغَيْبِ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
وقد روي أنه كَانَ بَيْنَ سَعْدٍ، وَخَالِدٍ كَلَامٌ فَذَهَبَ رَجُلٌ يَقَعُ فِي خَالِدٍ عِنْدَ سَعْدٍ فَقَالَ: «مَهْ إِنَّ مَا بَيْنَنَا لَمْ يَبْلُغْ دِينِنَا».
وقد قَالَ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: رَآنِي عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ وَأَنَا مَعَ رَجُلٍ وَهُوَ يَقَعُ فِي آخَرَ فَقَالَ: ” لي: «وَيْلَكَ – وَلَمْ يَقُلْهَا لِي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا – نَزِّهْ سَمْعَكَ عَنِ اسْتِمَاعِ الْخَنَا أي فحش الكلام كَمَا تُنَزِّهُ لِسَانَكَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى شَرِّ مَا فِي وِعَائِهِ فَأَفْرَغَهُ فِي وِعَائِكَ
وقد «كَانَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ من التابعين لَا يَغْتَابُ وَلَا يَدَعُ أَحَدًا عِنْدَهُ يَغْتَابُ يَنْهَاهُ فَإِنِ انْتَهَى وَإِلَّا قَامَ».
وإذا كان هذا الأجر المذكور هو أجرَ من يذبُّ الغيبة والكلام عن آحاد المسلمين فكيف بالذي يحمي أعراض العلماء ويدافع عنهم ويذب عنهم الكلام الفاسد والغيبة والقدح، فلا شك أن أجره عظيم عند الله عز وجل، فتخيلوا معي: هذا الرجل المذكور في الحديث الله تعالى أدخله الجنة بسبب غصن شجرة أزاله من طريق المسلمين حتى لا يتأذَّوا به، فإن حماية عِرض المسلمين أعظمُ أجرا، وبناء على ذلك فإن حماية أعراض العلماء أجره أعظم عند الله عز وجل، لأنهم حماة الشريعة ونقلة الهدي النبوي، كما نرى اليوم من يطعن بالأئمة الأربعة وفي الإمام الأشعري والبخاري ومسلم وغيرهم من علماء المسلمين رحمهم الله تعالى، وقد قال ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري [وهذا كتاب ألفه في الدفاع عن شيخ أهل السنة الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه]: قال ابن عساكر في هذا الكتاب: وكل من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بالطعن ابتلاه اللَّه عز وجل قبل مَوته بِمَوْت الْقلب.
وروى عن بعض الناس قَالَ ذكرت يَوْمًا عِنْد الْحسن ابْن ذكْوَان رجلا بِشَيْء فَقَالَ مَه لَا تذكر الْعلمَاء بِشَيْء فيميت الله قَلْبك
فأحيا اللَّه الْكَرِيم قلوبنَا بَنُور الْإِيمَان وَالْحكمَة وَغفر لنَا حوبنَا بحب إخواننَا الَّذين سبقونَا بِالْإِيمَان من الْأَئِمَّة وَكفر عنَّا ذنوبنَا كَمَا منَّ علينَا بإسباغ النِّعْمَة وَستر عيوبنا بذبنا عَن أَعْرَاض سلف الْأمة وأنجز لنَا مَا وعد على لِسَان نبيه الْمُصْطَفى الحبيب.
وقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ رَحِمهُ اللهُ: وَاعْلَم يَا أَخِيْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَخْشَاهُ وَيَتَّقِيْهِ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنَّ لُحُوْمَ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ مَسْمُومَةٌ وَعَادَةَ الله [أَيِ الْعَادَةَ الَّتِيْ أَجْرَاهَا اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ] فِيْ هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيْهِمْ مَعْلُوْمَةٌ لِأَنَّ الْوَقِيْعَةَ فِيْهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أَمْرُهُ عَظِيْمٌ وَالتَّنَاوُلَ لِأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّوْرِ وَالِافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيْمٌ وَالِاخْتِلَاقَ [أَيِ افْتِرَاءَ الْكَذِبِ] عَلَىْ مَنِ اخْتَارَهُ اللهُ مِنْهُمْ لِنَشْرِ الْعِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيْمٌ وَالِاقْتِدَاءَ بِمَا مَدَحَ اللهُ بِهِ قَوْلَ الْمُتَّبِعِيْنَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَهُمْ وَصْفٌ كَرِيْمٌ إِذْ قَالَ مُثْنِيًا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَضِدِّهَا عَلِيْمٌ: {وَالَّذين جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم} وَإِنَّ الِارْتِكَابَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الِاغْتِيَاب وَسَبِّ الْأَمْوَات [قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِيْ مَعْنَىْ هَذَا الْحَدِيْثِ: أَنَّ اللَّامَ فِي الْأَمْوَاتِ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُوْنَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِسَبِّهِمْ.اهـ] جَسِيْمٌ [أي عظيم] فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِيْمَنْ كَتَمَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ عِنْدَ لَعْنِ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا مَا لَهُ مِنَ الْوِزْرِ وَالْإِثْمِ وَذَلِكَ فِيْمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (إِذَا لَعَنَتْ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ فَإِنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَوْمَئِذٍ كَكَاتِمِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ).
وَرُوِيَ عَنْ أَبِيْ بَرْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مُخَاطِبًا الْمُنَافِقِيْنَ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمَّا يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، لَا تَتَّبِعُوْا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِيْنَ وَلَا عَثَرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللهُ عَثْرَتَه [ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيْلِ الْمُشَاكَلَةِ أَيْ: يَكْشِفُ عُيُوبَهُ، وَمِنْ أَقْبَحِهَا مَنْ تَتَّبَعَ عَوْرَةَ الْأَخِ الْمُسْلِمِ.اهـ]، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَثْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ). ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِيْ خِتَامِ كَلَامِهِ: وَهَذَا الْقَدْرُ فِيْ هَذَا الْمَعْنَىْ كَافٍ وَلِصَدْرِ مَنْ وُفِّقَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ شَافٍ.اهـ
وقد قال الحافظ النووي في كتابه الأذكار: اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرَه بيده، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناه أكثر.اهـ
وقال النووي رحمه الله بعدها: اعلم أن سوء الظنّ حرام مثلُ القول، فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تسئ الظنّ به، قال الله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ)).
رواه مسلم.
وفي رواية: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنْحِيَنَّ (من التنحية: الإزالة: أي: لأزيلنّ هذا) هَذَا (والمقصود بـ هذا: أي الشيء المضر للمسلمين) عَنِ المُسْلِمينَ لا يُؤذِيهِمْ (أي: إرادة أن لا يؤذيهم) (إذا كان هذا الأمر مما يثاب عليه صاحبه بهذا الفضل العظيم بأن يدخل الجنة، فإن هذا يبين ما للمسلم على المسلم من الحقوق ويبين ما ينبغي أن يكون المسلمون عليه من التكاتف والتكافل والتعاون والخوف على بعضهم البعض ونبذ الفرقة والخلاف البغيض وأسباب الحقد والعداوة بين المسلمين، فالمسلمون كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وينبغي نبذ الحقد وأسباب الكراهية بين المسلمين، وينبغي نشر الأُلفَة بين أفراد المسلمين، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من التحاقد والبغضاء بين المسلمين فقد قال ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلاَ أُنْبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكمْ: أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ».
وقد صح عَنْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا بِوَجْهِهِ، وَهَذَا بِوَجْهِهِ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».
وخرَّج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إيَّاكم والحسد، فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحطب، أو قال: العُشبَ».
وخرَّج الحاكم وغيرُه من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «سيُصيبُ أُمَّتي داءُ الأمم»، قالوا: يا نبيَّ الله، وما داءُ الأمم؟ قال: «الأشرُ والبَطَرُ، والتَّكاثرُ والتَّنافسُ في الدُّنيا، والتَّباغُض، والتَّحاسدُ حتى يكونَ البغيُ ثمَّ الهرجُ».
ولقد كان ذنبُ إبليس حيث حسدَ آدم عليه السلام لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأنْ خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها.
وقد وصف الله اليهودَ بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ}، وقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ})، فَأُدخِلَ الجَنَّةَ (وظاهر هذه الرواية أنه أُدخِل الجنة لأجل نيته، والروايات الأخرى تبين أنه فعل ذلك)»
(وهذا فيه الحذر من إيذاء المسلمين، فإذا كان الأمر هكذا فكيف يأتي في هذه الأيام وأيام سابقة أناس ينتحلون الإسلام ويستحلون قتل المسلمين وإراقة دمائهم والعياذ بالله. قالَ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، ولذلكَ نجدُ أنَّه جاءَ فِي الشريعةِ الإسلاميةِ وجوبُ تحسينِ الظنِّ بالمسلمينَ وتحريمُ إيذائِهم والاعتداءِ عليهمْ بغيرِ حقٍّ وتتبعِ عوراتِهم وفضحِهم والعياذُ باللهِ تعالَى لأن كل هذا من الإيذاء، فالمسلمُ الكاملُ لَا يَفرحُ بخطأ إخوانِه مِنَ المسلمينَ، ولَا يتتبَّعُ زلَّاتِهم وهفواتِهم ليشفيَ غِلَّ صدرِه وقلبِه، بل ينبغي أنْ يكونَ سليمَ الصدرِ نقيَ القلبِ، يحبُّ الخيرَ لإخوانِه كمَا يحبُّه لنفسِه، ويكرهُ لهم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، فلَا يجوزُ انتهاكُ حُرُمَاتِ المسلمِ وبثُّ عيوبِه وإشاعتُها أمامَ الناسِ، لأنه طريقٌ لوقوعِ المفاسدِ وإشاعةِ البغضاءِ فِي المجتمعِ. وتوعَّدَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى هذهِ الفئةَ بالعقوبةِ الشديدةِ فِي الدنيَا والآخرةِ، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقالَ ﷺ: «لا يسْتُرُ عَبْدٌ عبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقيامَةِ»، وكانَ سيدُ الخلقِ وصاحبُ الخلقِ العظيمِ محمدٌ ﷺ إذا رأى عيبًا يبادرُ إلى إصلاحِه بالكلمةِ الحسنةِ واللينِ والرفقِ، فعَنْ بعضِ الصحابةِ أنَّه أخطأَ في صلاتِه، وصارَ يحدِّثُ عن تعاملِ النبيِّ ﷺ معَه، فقالَ: بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. فينبغي علينا إذا رأينا هفوةً مِنْ مسلمٍ أنْ ننصَحَهُ لَا أنْ نفضَحَهُ وأنْ نشفِقَ عليهِ لَا أنْ نفرَحَ بمعصيَتِهِ فالفرحُ بالمعصيةِ معصيةٌ كذلكَ.
ونقلَ النوويُّ عنْ بعضِ الفقهاءِ أنَّهُ قالَ: ومهمَا عرفْتَ هفوةَ مُسلمٍ بحجةٍ لَا شكَّ فيهَا، فانصَحْهُ فِي السرِّ، ولَا يخدَعَنَّكَ الشيطَانُ فيدعوكَ إلَى اغتِيابِهِ، وإذَا وَعَظْتَهُ فَلَا تَعِظْهُ وأَنتَ مسرورٌ باطِّلاعِكَ علَى نقصِهِ، فينظرَ إليكَ بعينِ التعظيمِ، وتنظرَ إليهِ بالاستصغارِ، ولكنْ اقصِدْ تخليصَهُ مِنَ الإِثمِ وأنتَ حزينٌ كمَا تخزَنُ علَى نفسِكَ إذَا دخلَكَ نقصٌ، وينبغِي أنْ يكونَ تَرْكُهُ لذلكَ النقصِ بغيرِ وعظِكَ أحبَّ إليكَ مِنْ تركِهِ بوعظِكَ.
ومِنْ صورِ إيذاءِ المسلم الاستطالةُ فِي عرضِ المسلمِ بالقذفِ أو الغيبةِ أو النميمةِ أو التجسسِ أو الهمزِ أو اللمزِ أو السخريةِ وقدْ نهى الشرعُ عن ذلكَ كلِّهِ فروَى مسلمٌ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَحاسدُوا ولا تناجشُوا ولا تَباغَضُوا ولا تَدابرُوا ولا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يَظلِمُه ولا يَحْقِرُهُ ولا يَخْذُلُهُ التَّقْوَى هَاهُنا -ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مرَّاتٍ- بِحسْبِ امْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المسلمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ»، ورُويَ عنِ الإمامِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ:
إذَا شئْتَ أَنْ تَحْيَا سلِيْمًا مِنَ الأَذَى … وَحَظُّكَ مَوْفُوْرٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ
لِسَانَكَ، لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ … فَفيك عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاس أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا … فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى … وَفَارِقْ وَلَكِنْ بِالتِي هِيَ أحْسَنُ
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مخاطبا الأمة الإسلامية فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، فأعادها مرارا، ثم قال: “اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت“، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب، هذه رسالة إلى كل من يتجرأ على إراقة الدماء اليوم بغير حق وقد غابت عنه هذه الآيات والأحاديث، وغفل حتى فاتته المواعظ، وما ذلك إلا خذلان وخسران.
فالمسلم الكامل هو الذي لا يؤذي الآخرين بغير حق، استمعوا معي إلى توجيه نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيحين حيث قال: «الْمُسْلِمُ مِنْ سَلِمَ الناس مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، وفي رواية النّسائي وأحمد: «المسلمُ مَنْ سَلِم النّاسُ مِنْ لسانه ويده، والمؤمنُ مَن أَمِنَهُ النّاس على دمائهم وأموالهم»، والمقصود هنا أن المسلم الكامل لا يؤذي المسلمين بغير حق)
(ولبيان عِظَمِ إثم من يؤذي المسلمين بغير حق قال الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا))، قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وقال بعضهم: يؤذون الله أي يؤذون أولياء الله، كقوله تعالى واسأل القرية أي واسأل أهل القرية).
وفي رواية لهما: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِطَريقٍ (أي يسير في طريق) وَجَدَ غُصْنَ شَوكٍ عَلَى الطريقِ فأخَّرَه (بتشديد الخاء: أي: نحاه عن الطريق وأبعده، وفي نسخة فأخذه بتخفيف الخاء: أي: أخذه من الطريق إذهابًا لضرره) (وفي هذه الرواية يُصَرِّحُ بأن هذا الغصن هو غصن شوك فهذا يدل على أنه أذًى في طريق المسلمين، وقد غفر الله له ببركة ما فعل من إزالة هذا الأذى من طريق المسلمين، ومع سهولة هذا الفعل وتيسره لأغلب الناس -أقصد إزالة الأذى من الطريق- فإن له أجرا عظيما في ميزان العبد يوم القيامة، فقد روي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ” عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.اهـ
وروي عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فِي الْعَظْمِ يَرْفَعُهُ الْعَبْدُ عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ»،
وروي عَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أَنَسُ، «أَمِطِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ تَكْثُرْ حَسَنَاتُكَ».اهـ ) فَشَكَرَ اللهُ لَهُ (أي شكر له ذلك الفعل اليسير: أي: قبله منه)، فَغَفَرَ لَهُ» (قال النووي في شرحه لمسلم: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَذَى شَجَرَةً تُؤْذِي أَوْ غُصْنَ شَوْكٍ أَوْ حَجَرًا يُعْثَرُ بِهِ أَوْ قَذَرًا أَوْ جِيفَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطريق من شعب الايمان كماسبق فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى فَضِيلَةِ كُلِّ مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا).