الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، العَظِيمِ الجَبَّارِ، فَهُوَ سَمِيعٌ وَسَمعُهُ لَا كَالأَسمَاعِ، بَصِيرٌ وَبَصَرُهُ لَا كَالأَبصَارِ، قَادِرٌ مُرِيدٌ حَكِيمٌ عَلِيمٌ بِالأَسرَارِ، صِفَاتُهُ كَذَاتِهِ وَالمُشَبِّهَةُ فُجَّارٌ، هُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي خَلَقَنَا فِي هَذِهِ الدُّنيَا وَجَعَلَهَا دَارًا لِلبَلوَى وَالِاختِبَارِ، وَأَعَدَّ لِبَعضِ عِبَادِهِ الجَنَّةَ وَلِبَعضٍ جَعَلَ لَهُمُ النَّارَ، فَإِلَى اللهِ أَرغَبُ فِي التَّوفِيقِ، وَإِيَّاهُ أَسأَلُ العَفوَ عَنِ الذُّنُوبِ، وَبِهِ أَستَعِينُ فِي كُلِّ الأُمُورِ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ الدُّنيَا دَارَ عُبُورٍ وَاعتِبَارٍ، يَفتَقِرُ مَلَّاحُ سَفِينَتِهَا إِلَى حَذَقٍ وَاصطِبَارٍ، وَلَم يَرضَهَا لِأَولِيَائِهِ فَجَعَلَ لَهُم غَيرَ هَذِهِ الدَّارِ، وَبَالَغَ فِي ذَمِّهَا وَيَكفِي مَا فِيهَا مِنَ الأَكدَارِ، وَهَل مَتَاعُ الدُّنيَا إِلَّا عَارِيَةٌ تُعَارُ؟! وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَفضَلُ الأَنبِيَاءِ الأَطهَارِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكرٍ رَفِيقِهِ فِي الغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ قَامِعِ الكُفَّارِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ القَائِمِ بِالأَسحَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَخُصُّ بِالذِّكرِ الجَمِيلِ مِنهُمُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارَ، وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم إِلَى يَومِ القَرَارِ، أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ التاسع وَالثَّمَانِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.اهـ نَقرَؤُهُ كَامِلًا وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
السَّادِسُ: عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ الحَكَمِ زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الشَّرحُ
بيان عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تركه من أسباب نزول البلاء
هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَفِيهِ بَيَانُ شُؤْمِ تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،
وَلَا يَقُولُ الْوَاحِدُ: أَنَا صَالِحٌ لَنْ يُصِيبَنِيَ الْعَذَابُ وَالْبَلَاءُ، فَأَحْيَانًا الْعَذَابُ يَعُمُّ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُونَ فِي الْآخِرَةِ يُبْعَثُ الصَّالِحُ عَلَى حَالٍ صَالِحَةٍ وَالطَّالِحُ يُبْعَثُ عَلَى حَالٍ قَبِيحَةٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَهَذِهِ دَعْوَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ نَتَكَاتَفَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَا نُقَصِّرَ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَنْزِلَ الْبَلَاءُ وَالْعَذَابُ وَيَعُمَّ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِنَّ لِذَلِكَ شُؤْمًا كَبِيرًا نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِامْرِئٍ يَشْهَدُ مَقَامًا فِيهِ مَقَالُ حَقٍّ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يُقَدِّمَ أَجَلَهُ وَلَنْ يَحْرِمَهُ رِزْقًا هُوَ لَهُ».
السَّادِسُ
أَيِ الحَدِيثُ السَّادِسُ مِنْ بَابِ الأَمْرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وَهُوَ الحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ بَعْدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ.
ترجمة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها وذكر منزلتها وفضلها في الإسلام
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ الحَكَمِ زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنَةُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أُمُّهَا: أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ. مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ.
كَانَتْ عِنْدَ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَكَانَتْ مِنْ سَادَةِ النِّسَاءِ دِينًا، وَوَرَعًا، وَجُودًا، وَمَعْرُوفًا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. وَحَدِيثُهَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ. رَوَى عَنْهَا: ابْنُ أَخِيهَا؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ حَبِيبَةَ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ.
وَقَدْ أَطْعَمَ ﷺ حِينَ بِنَائِهِ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ طَعَامٍ قُدِّمَ إِلَيْهِ فِي قَصْعَةٍ أَهْدَتْهَا إِلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ سَهْلَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسٍ خَادِمِهِ، فَلَمَّا رُفِعَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَدْ شَبِعُوا وُجِدَ كَمَا وُضِعَ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ بِزَيْنَبَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَنَةَ خَمْسٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ صَالِحَةً، صَوَّامَةً، قَوَّامَةً، بَارَّةً، وَيُقَالُ لَهَا: أُمُّ الْمَسَاكِينِ.
الرد على طعن بعض الملاحدة في قصة زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش رضي الله عنها
وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ فِي النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِم: إِنَّ مُحَمَّدًا احْتَالَ عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَمَّا عَلِقَتْ نَفْسُهُ بِزَوْجَتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَتَّى تَوَصَّلَ لِزِوَاجِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ ﷺ بِهَا جَدِيدَةً لِأَنَّهَا بِنْتُ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ (أَيْ لَمْ تَمِلْ إِلَى زَيْدٍ إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكْرَهْ فِعْلَ الرَّسُولِ ﷺ)، ثُمَّ رَضِيَتْ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ أَعْلَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِطَلَاقِهَا، وَكَانَ لَا يَزَالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وَزَيْنَبَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ مِنْ خُصُومَاتٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وَأَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، فَقَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَيْنَبَ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسَانُهَا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَقَالَ لَهُ: «اتَّقِ اللهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»، فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُخْفِي مَا أُخْبِرَ بِوَحْيٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّ زَيْنَبَ سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أُمِرَ بَعْدُ بِالْجَهْرِ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْخِيَانَةِ فِي شَيْءٍ وَلَا هُوَ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي التَّبْلِيغِ، لِأَنَّهُ كَانَ ﷺ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْجَهْرِ لِيَجْهَرَ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى إِخْفَاءِ ذَلِكَ خَشْيَةُ قَوْلِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ، أَيِ الَّذِي تَبَنَّاهُ ﷺ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ التَّبَنِّي، وَأَرَادَ اللهُ إِبْطَالَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَحْكَامِ التَّبَنِّي قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِهِ بِأَمْرٍ لَا أَبْلَغَ فِي الْإِبْطَالِ مِنْهُ، وَهُوَ تَزَوُّجُ النَّبِيِّ امْرَأَةَ الَّذِي يُدْعَى ابْنًا لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ التَّبَنِّي فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، أَظْهَرَ ﷺ ذَلِكَ فَتَلَاهُ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَيَتَّضِحُ أَنَّهُ ﷺ لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ فَعَدَّدَ الزِّوَاجَ بِالْكَثِيرِ مِنَ النِّسَاءِ قَبْلَ بُلُوغِ خَمْسِينَ عَامًا مِنْ عُمُرِهِ.
بيان الحكمة الشرعية من زواج النبي ﷺ بزينب رضي الله عنها، وأن فيه إبطال حكم التبني وما كان متعلقًا به في الجاهلية
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْعِتْقِ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا أَظْهَرَ مَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَكَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ مَا أُمِرَ بِإِظْهَارِهِ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ لَا تُرِيدُ أَنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، لِأَنَّهُ مَا نَزَلَ حُكْمُ تَحْرِيمِ التَّبَنِّي بَعْدُ ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أَيْ فَارَقَهَا زَيْدٌ وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أَيِ الَّذِينَ تَبَنَّوْهُمْ مِنْ قَبْلُ، فَفِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ إِبْطَالُ حُكْمِ التَّبَنِّي.
معنى قول زينب رضي الله عنها لأمهات المؤمنين: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِيَ اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»
وَكَذَلِكَ أَمْرٌ آخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِقِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نُبَيِّنُهُ هُنَا: وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِنِسَاءِ الرَّسُولِ ﷺ: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» فَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ للهِ تَعَالَى كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ انْسِيَاقًا خَلْفَ وَهْمِهِمُ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُثْبِتُهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ يَقَعْ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ بِحَيْثُ وَقَعَ تَزْوِيجُهَا فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، أَيْ حَصَلَ زِوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا بِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ [أَرْقِعَةٍ جَمْعُ رَقِيعٍ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ]، فَمَعْنَاهُ أَنَّ تَزَوُّجَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا حَصَلَ بِكِتَابَةٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَوْجُودِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَهُوَ مُسَجَّلٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ أَوْحَى اللهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وَاللَّوْحُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَفْتَخِرُ بِهِ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ثُمَّ إِنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقَانِ بِفِعْلِ زَوَّجَ لَا بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ، كَمَا لَوْ قُلْتَ: جَلَبْتُ لَكَ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ مِنَ الصِّينِ، فَإِنَّ الْجَلْبَ قَدْ حَصَلَ مِنَ الصِّينِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ كُنْتَ بِذَاتِكَ مَوْجُودًا هُنَاكَ.اهـ
شرح قول النبي ﷺ لأمهات المؤمنين: «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا»
وَزَينَبُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا هِيَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». وَإِنَّمَا عَنَى: طُولَ يَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا بَعْدَهُ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ، نَتَطَاوَلُ؛ فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ، ولَمْ تَكُنْ رَحِمَهَا اللَّهُ أَطْوَلَنَا؛ فَعَرَفْنَا أَنَّمَا أَرَادَ الصَّدَقَةَ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ لَمَّا قَالَ لَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْكَلَامَ ظَنَنَّ أَنَّ مَقْصُودَهُ ﷺ طُولُ الْيَدِ الْحَقِيقِيُّ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ الْكَرَمَ وَالنَّفَقَةَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّأْوِيلِ، فَالْيَدُ لَيْسَ أَيْنَمَا أُطْلِقَتْ يُرَادُ مِنْهَا الْيَدُ الْحَقِيقِيَّةُ أَيِ الْجَارِحَةُ، كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَرَادَ مِنْهَا الْكَرَمَ.
وَرُوِيَ عِندَ البَيهَقِيِّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تُسَامِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، أَتْقَى لِلَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
ذكر ما ورد من صدقتها رضي الله عنها عند وفاتها، ووصيتها في كفنها، وما يدل على زهدها وجودها
وَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ حِينَ حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ: «إِنِّي قَدْ أَعْدَدْتُ كَفَنِي؛ فَإِنْ بَعَثَ لِي عُمَرُ بِكَفَنٍ فَتَصَدَّقُوا بِأَحَدِهِمَا؛ وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ إِذْ أَدْلَيْتُمُونِي أَنْ تَصَدَّقُوا بِحَقْوَتِي فَافْعَلُوا».اهـ
وَرُوِيَ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِعَطَائِهَا، فَقَالَتْ: «غَفَرَ اللَّهُ لِعُمَرَ، غَيْرِي كَانَ أَقْوَى عَلَى قَسْمِ هَذَا». قَالُوا: «كُلُّهُ لَكِ». قَالَتْ: «سُبْحَانَ اللهِ!» وَاسْتَتَرَتْ مِنْهُ بِثَوْبٍ، وَقَالَتْ: «صُبُّوهُ، وَاطْرَحُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا». وَأَخَذَتْ تُفَرِّقُهُ فِي رَحِمِهَا وَأَيْتَامِهَا؛ وَأَعْطَتْنِي مَا بَقِيَ؛ فَوَجَدْنَاهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا. ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي عَطَاءُ عُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا».
تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ. وَلِزَيْنَبَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَهَا عَلَى حَدِيثَين
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَاعُوا مَنْزِلَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنَ الْوَلِيدِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ حِينَ هَدَمَ الْمَسْجِدَ».اهـ
بيان استحالة الجبن على الأنبياء وجواز الخوف الطبيعي في حقهم
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: «اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ»، يَقُولُ: فَيُجْمَعُ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، وَكَانَتْ حُمْرَةُ وَجْهِهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَزَعِ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فَقَالَ: «فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ».اهـ)
(وَهَذَا الَّذِي حَصَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خَوْفٌ طَبِيعِيٌّ مِنَ الْفِتَنِ وَكَثْرَتِهَا وَشِدَّتِهَا عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ جُبْنًا مِنْهُ ﷺ، فَالْجُبْنُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقَبَائِحِ، وَكُلِّ مَا يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِهِمُ الشَّرِيفِ، وَكُلِّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ، وَعَنِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالْجُبْنِ، وَكَذَلِكَ عَصَمَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا. وَالنَّبِيُّ لَا يُوصَفُ بِخَوْفِ الْجُبْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْجُبْنُ، أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ، بَلِ الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ مَوْجُودٌ فِيهِمْ، وَذَلِكَ مِثْلُ النُّفُورِ مِنَ الْحَيَّةِ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ تَقْتَضِي الْهَرَبَ مِنَ الْحَيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِثْلُ التَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهُمْ. وَلَا يُقَالُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَرَبَ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ، أَمَّا فَرَّ مِنَ الْأَذَى مَثَلًا فَلَا يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ، يُقَالُ هَاجَرَ فِرَارًا مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، هَذَا جَائِزٌ مَا فِيهِ نَقْصٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مُوسَى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية ٢١].
فضل قول لا إله إلا الله وبيان معناها
يَقُولُ: «لَا إلهَ إِلَّا اللهُ
هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَتْ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ، وَقَدْ عَدَّ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ أَنَّهَا تُقَالُ أَحْيَانًا لِلتَّعَجُّبِ، فَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللهِ».اهـ
وَقَوْلُنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَفْضَلُ الْكَلَامِ وَأَعْظَمُهُ، وَمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلْقِ أَيِ الْإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ إِلَّا اللهُ، كَمَا فَسَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الشَّرِيفَةَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَفْضَلُ مَا يُمْتَدَحُ بِهِ الرَّبُّ، وَأَفْضَلُ مَا يُمَجَّدُ بِهِ الرَّبُّ».اهـ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَالَ نُوحٌ لِابْنِهِ: إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ وَقَاصِرُهَا لِكَي لَا تَنْسَاهَا»، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَوْصَاهُ بِهِ قَالَ: «أُوصِيكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَوْ كَانَتَا فِي كِفَّةٍ وَزَنَتْهُمَا، وَأُوصِيكَ بِسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهُمَا صَلَاةُ الْخَلْقِ، وَبِهِمَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [سورة الإسراء، الآية ٤٤]».
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ وَلَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ كَانَ بَعْدَهُ إِلَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ». وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ بِلَفْظِ: «مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ».
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مِائَةَ مَرَّةٍ إِلَّا بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَمْ يُرْفَعْ لِأَحَدٍ يَوْمَئِذٍ عَمَلٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ أَوْ زَادَ».
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ – أَيْ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ قَدْرًا – وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ: يَقُولُ اللهُ: لَا إلهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي» وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ
وَفِي مَعْنَى التَّهْلِيلِ أُصُولُ الْعَقِيدَةِ كُلُّهَا، أَيِ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ بِالْمَرَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ وَأَنَّ لَهُ صِفَاتٍ أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَلَهُ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَلَهُ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ أَزَلِيَّتَانِ أَبَدِيَّتَانِ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ أَزَلِيَّانِ أَبَدِيَّانِ وَكَلَامٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَهُوَ بَاقٍ لَا يَلْحَقُهُ الْفَنَاءُ كَمَا لَمْ يَسْبِقْهُ الْعَدَمُ وَأَنَّ لَهُ حَيَاةً لَيْسَتْ كَحَيَاةِ غَيْرِهِ أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً، كَذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهُ الْقِدَمُ أَيْ لَيْسَ لِوُجُودِهِ ابْتِدَاءٌ، هَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ هِيَ أُصُولُ الْعَقِيدَةِ.
شرح قول النبي ﷺ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»
وَيْلٌ
الْوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ أَوِ التَّحَزُّنُ عَلَيهِم وَهُوَ المَقصُودُ هُنَا، وَهُوَ تَفْجِيعٌ، أَوْ وَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ، أَوْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَخَصَّ الْعَرَبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ.
الكلام على ذكر العرب في هذا الحديث، وبيان ما يتعلق بهم من جهة الخطاب والتحذير
لِلْعَرَبِ
كَلِمَةُ الْعَرَبِ تَخْتَلِفُ عَنِ الْأَعْرَابِ، فَالْأَعْرَابِيُّ أَيْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهَؤُلَاءِ يَغْلِبُ فِيهِمُ الْجَفَاءُ وَالْغِلْظَةُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَهْلُ الْبَادِيَةِ هُمُ الْأَعْرَابُ وَيَغْلِبُ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ بَدَا جَفَا»، وَالْبَادِيَةُ وَالْبَدْوُ بِمَعْنًى وَهُوَ مَا عَدَا الْحَاضِرَةَ وَالْعُمْرَانَ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بَدَوِيٌّ وَالْبَدَاوَةُ الْإِقَامَةُ بِالْبَادِيَةِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْعَرَبُ جِيلٌ مِنَ النَّاسِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمْ عَرَبِيٌّ بَيِّنُ الْعُرُوبَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، وَجَمْعُ الْعَرَبِيِّ الْعَرَبُ وَجَمْعُ الْأَعْرَابِيِّ أَعْرَابٌ وَأَعَارِيبُ. وَالْأَعْرَابِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا عَرَبِيُّ فَرِحَ وَالْعَرَبِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا أَعْرَابِيُّ غَضِبَ. وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَرَبٌ لَا أَعْرَابٌ. وَسُمِّيَتِ الْعَرَبُ عَرَبًا لِأَنَّ وَلَدَ إِسْمَاعِيلَ نَشَؤُوا مِنْ عَرَبَةٍ وَهِيَ مِنْ تِهَامَةَ وهي مكة فَنُسِبُوا إِلَيْهَا، وَانْتَشَرَ سَائِرُ الْعَرَبِ فِي جَزِيرَتِهَا.اهـ
وَهُنَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَمُّ الْعَرَبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا يَقُولُ الْبَعْضُ: «الْعَرَبُ جَرَبٌ». وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِيهِ إِطْلَاقٌ فِي ذَمِّ الْعَرَبِ كُلِّهِمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُوجَدُ أَنْبِيَاءُ مِنَ الْعَرَبِ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ.
مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ
أَيْ: قَرُبَ ذَلِكَ الشَّرُّ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ، وَهَذَا الشَّرُّ مَذكُورٌ وَمُبَيَّنٌ فِيمَا بَعْدُ.
وَالْمُرَادُ بِالشَّرِّ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ، ثُمَّ تَوَالَتِ الْفِتَنُ حَتَّى صَارَتِ الْعَرَبُ بَيْنَ الْأُمَمِ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ الْأَكَلَةِ، كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»، وَأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْعَرَبُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ»، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْفُتُوحِ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَهُ، فَكَثُرَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَوَقَعَ التَّنَافُسُ الَّذِي جَرَّ الْفِتَنَ، وَكَذَلِكَ التَّنَافُسُ عَلَى الْإِمْرَةِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عُثْمَانَ تَوْلِيَةُ أَقَارِبِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إلى قَتَلَهُ، وَتَرَتَّبَ عَلَى قَتْلِهِ مِنَ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا اشْتُهِرَ وَاسْتَمَرَّ.
فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ الْعَرَبِ وَمَا يَسْتَقْبِلُهُمْ مِنَ الْوَيْلِ وَالْحَرْبِ. وَقَدْ وجِدَ ذَلِكَ بِمَا اسْتُؤْثِرَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالدَّوْلَةِ وَالْأَمْوَالِ وَالْإِمَارَةِ فَصَارَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ مِنَ التُّرْكِ وَالْعَجَمِ، وَتَشَتَّتُوا فِي الْبَرَارِي بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعِزُّ وَالْمُلْكُ وَالدُّنْيَا لَهُمْ بِبَرَكَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، فَلَمَّا لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَلْبِ بَعْضِهِمْ أَمْوَالَ بَعْضٍ؛ سَلَبَهَا اللهُ مِنْهُمْ وَنَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَتْ زَيْنَبُ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ: «أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».اهـ
شرح قول النبي ﷺ: «فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»
فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ
الْمُرَادُ بِالرَّدْمِ: السَّدُّ، وَهُوَ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ.
الكلام على يأجوج ومأجوج، وردم ذي القرنين، وما ورد في شأن خروجهم آخر الزمان
يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ
كُنَّا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَنْ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ بِالتَّفصِيلِ فِي رَمَضَانَ فِي أَثنَاءِ كَلَامِنَا عَن أَشرَاطِ السَّاعَةِ وَأُلَخِّصُ الكَلَامَ الآنَ عَنهُم فَأَقُولُ: هِيَ مِنَ الفِتَنِ العِظَامِ، وَقَد أُشِيرَ إِلَيهِم فِي غَيرِ آيَةٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ذا القَرنَينِ إِنَّ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مُفسِدُونَ فِي الأَرضِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَت يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾. وَقَالَ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ عَشرُ آيَاتٍ: وَذَكَرَ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ».اهـ وَهُمَا فِي الأَصلِ قَبِيلَتَانِ مِن بَنِي آدَمَ مِنَ البَشَرِ، مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ مِن بَنِي يَافِثِ بنِ نُوحٍ وَبِه جَزَمَ وَهبٌ وَغَيرُهُ.
رَوَى أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وُلِدَ لِنُوحٍ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثٌ، فَوُلِدَ لِسَامٍ العَرَبُ وَفَارِسُ وَالرُّومُ، وَوُلِدَ لِحَامٍ القِبطُ وَالبَربَرُ وَالسُّودَانُ، وَوُلِدَ لِيَافِثٍ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ وَالتُّركُ وَالصَّقَالِيَةُ».اهـ قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتحِ: وَفِي سَنَدِهِ ضَعفٌ.اهـ
وَهُمَا اسمَانِ أَعجَمِيَّانِ عِندَ الأَكثَرِ مُنِعَا مِنَ الصَّرفِ لِلعَلَمِيَّةِ وَالعُجمَةِ، وَقِيلَ، بَل عَرَبِيَّانِ، وَاختُلِفَ فِي اشتِقَاقِهِمَا، فَقِيلَ مِن أَجِيجِ النَّارِ وَهُوَ التِهَابُهَا، وَقِيلَ مِنَ الأَجِّ وَهُوَ سُرعَةُ العَدوِ، وَقِيلَ مِنَ الأُجَاجِ وَهُوَ المَاءُ الشَّدِيدُ المُلُوحَةِ، وَقِيلَ مَأجُوجُ مِن مَاجَ إِذَا اضطَرَبَ.
وَأَمَّا مَكَانُهُم فَهُوَ مَحجُوبٌ عَنِ النَّاسِ، فِي طَرَفٍ مِن أَطرَافِ الأَرضِ، اللهُ تَعَالَى حَجَزَهُم عَنِ البَشَرِ، فَلَا يَرَاهُمُ النَّاسُ، فَلَا هُم يَأتُونَ إِلَينَا وَلَا نَحنُ نَذهَبُ إِلَيهِم، الصَّعبُ ذُو القَرنَينِ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي كَانَ مِن أَكَابِرِ الأَولِيَاءِ حَجَزَهُم عَنِ البَشَرِ، بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى بَنَى سَدًّا، اللهُ تَعَالَى أَعطَاهُ مِن كُلِّ شَىءٍ سَبَبًا لِأَنَّهُ وَلِيٌّ كَبِيرٌ، وَذُو القَرنَينِ عَلَيهِ السَّلَامُ بِكَرَامَةٍ أَعطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا بَنَى سَدًّا جَبَلًا شَامِخًا مِن حَدِيدٍ ثُمَّ أُذِيبَ عَلَيهِ النُّحَاسُ فَصَارَ أَمتَنَ، لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ أَن يَتَرَقَّاهُ بِطَرِيقِ العَادَةِ، وَهُم يُحَاوِلُونَ أَن يَختَرِقُوا هَذَا الجَبَلَ كُلَّ يَومٍ فَلَا يَستَطِيعُونَ وَيَقُولُونَ كُلَّ يَومٍ بَعدَ طُولِ عَمَلٍ وَجُهدٍ غَدًا نُكمِلُ، فَيَعُودُونَ فِي اليَومِ القَابِلِ فَيَجِدُونَ مَا فَتَحُوهُ قَد سُدَّ إِلَى أَن يَقُولُوا: غَدًا نُكمِلُ إِن شَاءَ اللهُ فَيَعُودُونَ فِي اليَومِ القَابِلِ فَيَجِدُونَ مَا بَدَؤُوا بِهِ قَد بَقِيَ عَلَى حَالِهِ فَيُكمِلُونَ الحَفرَ حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنَ الخُرُوجِ.
ثُمَّ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُم حَتَّى يَلِدَ أَلفًا مِن صُلبِهِ أَو أَكثَرَ كَمَا ذَكَرَ الرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَيَصِيرُ عَدَدُهُم قَبلَ خُرُوجِهِم كَبِيرًا جِدًّا، حَتَّى إِنَّ البَشَرَ يَومَ القِيَامَةِ بِالنِّسبَةِ لَهُم مِن حَيثُ العَدَدُ كَوَاحِدٍ مِن مِائَةٍ، اللهُ أَعلَمُ كَيفَ يَعِيشُونَ الآنَ وَمَاذَا يَأكُلُونَ.
وَمَا يُروَى مِن أَنَّ آذَانَهُم طَوِيلَةٌ يَنَامُونَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيَتَغَطَّونَ بِالأُخرَى وَأَنَّهُم قِصَارُ القَامَةِ فَغَيرُ ثَابِتٍ.
وَفِي أَيَّامِهِم تَحصُلُ مَجَاعَةٌ يَمُرُّونَ عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرِيَّا الَّتِي فِي فِلَسطِينَ فَيَشرَبُونَهَا، فَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُ كَانَ هُنَا مَاءٌ، فَلَا يَتَجَرَّأُ المُسلِمُونَ لِحَربِهِم، فَيَذهَبُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَالمُؤمِنُونَ إِلَى جَبَلِ الطُّورِ يَدعُونَ اللهَ يَستَغِيثُونَ بِهِ مِنهُم، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ أَن يُهلِكَهُم، فَيُنزِلُ اللهُ عَلَيهِم دُودًا يَدخُلُ رَقَبَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم فَيَرمِيهِ صَرِيعًا مَيِّتًا، ثُمَّ اللهُ تَعَالَى يُرسِلُ طُيُورًا فَتَحمِلُهُم فَتَطرَحُهُم حَيثُ شَاءَ اللهُ ثُمَّ يُنزِلُ مَطَرًا فَيَغسِلُ الأَرضَ، وَهَؤُلَاءِ بَعدَ أَن يَنزِلَ سَيِّدُنَا عِيسَى بِمُدَّةٍ يَظهَرُونَ.
وَلَا يَصِحُّ مَا يُقَالُ إِنَّهُمُ الآنَ هُم أَهلُ الصِّينِ.
وَقَد جَاءَ فِي خَبَرٍ مَرفُوعٍ: «إِنَّ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ يَحفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَومٍ»، وَهُوَ فِيمَا أَخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ: عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، رَفَعَهُ: «يَحفِرُونَهُ كُلَّ يَومٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيهِمُ: ارجِعُوا فَتَخرِقُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللهُ كَأَشَدِّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَهُم، وَأَرَادَ اللهُ أَن يَبعَثَهُم عَلَى النَّاسِ قَالَ الَّذِي عَلَيهِمُ: ارجِعُوا فَسَتَخرِقُونَهُ غَدًا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَاستَثنَى، قَالَ: فَيَرجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيَئِتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَخرِقُونَهُ فَيَخرُجُونَ عَلَى النَّاسِ».
قَالَ ابنُ العَرَبِيِّ: فِي هَذَا الحَدِيثِ ثَلَاثُ آيَاتٍ: الأُولَى: أَنَّ اللهَ مَنَعَهُم أَن يُوَالُوا الحَفرَ لَيلًا وَنَهَارًا. الثَّانِيَةُ: مَنَعَهُم أَن يُحَاوِلُوا الرُّقِيَّ عَلَى السَّدِّ بِالسُّلَّمِ أَوِ الآلَةِ فَلَم يُلهِمهُم ذَلِكَ وَلَا عَلَّمَهُم إِيَّاهُ، أَي مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي خَبَرِهِم عِندَ وَهبٍ أَنَّ لَهُم أَشجَارًا وَزُرُوعًا وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الآلَاتِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ صَدَّهُم أَن يَقُولُوا: إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى حَتَّى يَجِيءَ الوَقتُ المُحَدَّدُ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: يَحتَمِلُ أَن تَكُونَ تِلكَ الكَلِمَةَ تَجرِي عَلَى لِسَانِ ذَلِكَ الوَالِي مِن غَيرِ أَن يَعرِفَ مَعنَاهَا فَيَحصُلُ المَقصُودُ بِبَرَكَتِهَا.
وقد روى نُعَيمُ بنُ حَمَّادٍ فِي «الفِتَنِ» عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَعَثَنِي اللهُ حِينَ أُسرِيَ بِي إِلَى يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ فَدَعَوتُهُم إِلَى دِينِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ فَأَبَوا أَن يُجِيبُونِي، فَهُم فِي النَّارِ مَعَ مَن عَصَى مِن وَلَدِ آدَمَ وَوَلَدِ إِبلِيسَ».
وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البَيتُ وَلَيُعتَمَرَنَّ بَعدَ خُرُوجِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ».اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ لَيَحُجُّونَ، وَيَعتَمِرُونَ، وَيَغرِسُونَ النَّخلَ بَعدَ خُرُوجِ يَأجُوجَ ومأجوج».اهـ
مِثْلُ هَذِهِ».
وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْحَلْقَةِ الْمُبَيَّنَةِ
وَحَلَّقَ
أَيْ: جَعَلَ حَلْقَةً
بِأُصْبُعَيْهِ
أَيْ: بِضَمِّهَا
الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا
وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الرَّدْمِ ثُقْبَةٌ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدِ انْفَتَحَتْ فِيهِ إِذِ انْفِتَاحُهَا مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ، فَإِذَا اتَّسَعَتْ خَرَجُوا، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ.
بيان معنى سؤال زينب رضي الله عنها: «أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟»
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ
مِنَ الْإِهْلَاكِ
وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟
أَيْ: أَنُعَذَّبُ فَنُهْلَكُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْأُمَّةِ، وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَنَا مُؤْمِنُونَ، وَفِينَا الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِغْنَاءِ، أَيْ: وَفِينَا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ.
شرح جواب النبي ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»، وبيان أن كثرة الفساد سبب في عموم البلاء
قَالَ: «نَعَمْ،
أَيْ: يُهْلَكُ الطَّيِّبُ أَيْضًا
إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ».
بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْفِسْقُ، وَالْفُجُورُ، وَالشِّرْكُ وَالْكُفْرُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الزِّنَا، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ النَّارَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ وَاشْتَدَّتْ أَكَلَتِ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ، وَغَلَبَتْ عَلَى الطَّاهِرِ وَالفَاسِدِ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ، وَالْمُخَالِفِ وَالْمُوَافِقِ، وَوَرَدَ أَنَّ اللهَ إِذَا أَنْزَلَ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
قَالَ القُرطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ: قَوْلُهَا: «أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ يُرْفَعُ عَنْ غَيْرِ الصَّالِحِينَ إِذَا كَثُرَ الصَّالِحُونَ، فَأَمَّا إِذَا كَثُرَ الْمُفْسِدُونَ وَقَلَّ الصَّالِحُونَ هَلَكَ الْمُفْسِدُونَ وَالصَّالِحُونَ مَعَهُمْ، إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْرَهُوا مَا صَنَعَ الْمُفْسِدُونَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَلْ يَعُمُّ شُؤْمُهَا مَنْ تَعَاطَاهَا وَمَنْ رَضِيَهَا، هَذَا بِفَسَادِهِ وَهَذَا بِرِضَاهُ وَإِقْرَارِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَهَذَا يُوجِبُ أَلَّا يُؤَاخَذَ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ الْعُقُوبَةُ بِصَاحِبِ الذَّنْبِ.
بيان مراتب إنكار المنكر بحسب القدرة: باليد، باللسان، بالقلب
وَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّاسَ إِذَا تَظَاهَرُوا بِالْمُنْكَرِ، فَمِنَ الْفَرْضِ عَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ إِمَّا بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ سِوَى ذَلِكَ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ، فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «اللهم إِنَّ هَذَا مُنْكَرٌ لَا أَرْضَاهُ»، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ. فَأَمَّا إِذَا سَكَتَ عَلَيْهِ فَكُلُّهُمْ عَاصٍ، هَذَا بِفِعْلِهِ وَهَذَا بِرِضَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِي حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ الرَّاضِيَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ فَانْتَظَمَ فِي الْعُقُوبَةِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فَأَمَّا إِذَا كَرِهَ الصَّالِحُونَ مَا صَنَعَ الْمُفْسِدُونَ وَأَخْلَصُوا كَرَاهِيَتَهُمْ للهِ تَعَالَى وَتَبَرَّءُوا مِنْ ذَلِكَ حَسْبَ مَا يَلْزَمُهُمْ وَيَجِبُ للهِ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُعْتَدِينَ سَلِمُوا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وَفِي رِوَايَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ ﷺ: «مُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ». قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ وَالْخَوْضِ فِيهَا حِينَ جَعَلَ الْمَوْتَ خَيْرًا مِنْ مُبَاشَرَتِهَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «قُلْتُ وَهَذَا يَكُونُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ وَقَدْ يَدَعُهُمْ فَيَهْلِكُوا جَمِيعًا إِذَا كَثُرَ الْفَسَادُ ثُمَّ يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ». اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ بَأْسَهُ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ وَفِيهِمْ أَهْلُ طَاعَتِهِ؟ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ». اهـ
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. قَالَ فَكَمِ الْيَوْمَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ وَحَيٍّ مِنَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ.اهـ
وَكَانَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُ إِنَّ الْمَعْصِيَةَ إِذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا وَإِذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا وَلَمْ يُغَيِّرُوا اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ. اهـ
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: هَذَا وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ إِلَّا لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ الْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ. وَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ إِلَّا مَنْ هَذِهِ حَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ، فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ التَّغْيِيرُ بِقَلْبِهِ، وَالْإِنْكَارُ وَالْكَرَاهِيَةُ. اهـ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا عَقَرَ النَّاقَةَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَجِيرُ ثَمُودَ، وَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُمْ عَمُّوا فِعْلَهُ بِالرِّضَا.