صحيح البخاري (18) | كتاب العلم | فضل العلم وآدابه

صحيح الإمام البخاري

المقدمة

الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، العَزِيزِ الغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَّيلِ عَلَى النَّهَارِ، تَذكِرَةً لِأُولِي القُلُوبِ وَالأَبصَارِ، وَتَبصِرَةً لِذَوِي الأَلبَابِ وَالِاعتِبَارِ، الَّذِي أَيقَظَ مِن خَلقِهِ مَنِ اصطَفَاهُ فَزَهَّدَهُم فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَشَغَلَهُم بِمُرَاقبَتِهِ وَإِدَامَةِ الأَفكَارِ، وَمُلَازَمَةِ الِاتِّعَاظِ وَالِادِّكَارِ، وَوَفَّقَهُم لِلدَّأبِ فِي طَاعَتِهِ وَالتَّأَهُّبِ لِدَارِ القَرَارِ، وَالحَذَرِ مِمَّا يُسخِطُهُ وَيُوجِبُ دَارَ البَوَارِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحوَالِ وَالأَطوَارِ. أَحمَدُهُ أَبلَغَ حَمدٍ وَأَزكَاهُ، وَأَشمَلَهُ وأَنمَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ البَرُّ الكَرِيمُ، الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ، وَالدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَوِيمٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَشرَحُ كِتَابَ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

(3) كِتَابُ الْعِلْمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

(ابتَدَأَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هَذَا الكِتَابَ كِتَابَ العِلمِ بِالبَسمَلَةِ اقتِدَاءً بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَتَبَرُّكًا بِذِكرِهَا، وَاستِعَانَةً بِذِكرِ اسمِ اللهِ لِلتَّوفِيقِ لِمَا يُحِبُّ وَيَرضَى)

(وَتَرتِيبُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ كَهَذِهِ العَنَاوِينِ فِي صَحِيحِهِ عَلَى هَذَا النَّحوِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ فِقهِهِ وَفَهمِهِ وَعِلمِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَإِنَّهُ ابتَدَأَ الصَّحِيحَ الجَامِعَ بِكِتَابِ بَدءِ الوَحيِ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ هَذَا المَذكُورَ فِي هَذَا الكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ وَحيٌ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ، فَبِهِ قَوَاعِدُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ وَانتِشَارُ الرِّسَالِةِ، وَهُوَ ﷺ بَلَّغَ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ أَعقَبَهُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ لِيُذَكِّرَ القَارِئَ لِصَحِيحِهِ بِنِعمَةِ الإِيمَانِ، وَأَنتَ أَيُّهَا المُؤمِنُ اسْعَ جَاهِدًا لِلحِفَاظِ عَلَى نِعمَةِ الإِيمَانِ، وَكُن مِنَ الإِيمَانِ فِي ازدِيَادٍ، وَاعمَل بِمَا تَقرَأُ مِن إِرشَادَاتِ نَبِيِّكَ المُصطَفَى ﷺ، وَاحفَظ إِيمَانَكَ وَاثبُت عَلَيهِ، وَطَرِيقُ هَذَا الحِفظِ وَالثَّبَاتِ هُوَ بِالعِلمِ، فَأَعقَبَ كِتَابَ الإِيمَانِ بِكِتَابِ العِلمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَكَائِهِ وَسَعَةِ اطِّلَاعِهِ وَدِقَّةِ فَهمِهِ وَخُلُوصِ نِيَّتِهِ، وَيُدُلُّ عَلَى تَوفِيقِ اللهِ لَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ).

(45) بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ

وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.

الشَّرحُ: (45) بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ (أَي هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ العِلمِ، وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لِلعِلمِ أَعظَمُ مِن أَنَّ اللهَ جَعَلَهُ مِيرَاثَ الأَنبِيَاءِ وَلِوَاءَ الأَولِيَاءِ وَطَرِيقَ الأَتقِيَاءِ، فَهُوَ المَانِعُ عَنِ الزَّلَلِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، وَهُوَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ، وَدُرَّةُ يَقِينِ المُصلِحِينَ، وَسِلَاحُ الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، بِهِ شُرِّفَ العُلَمَاءُ العَامِلُونَ، وَبِهِ وَصَلُوا إِلَى مَرضَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَبِهِ نَالُوا مِن أَعَالِي دَرَجَاتِ اليَقِينِ.

قَالَ القِنَّوجِيُّ فِي أَبجَدِ العُلُومِ فِي بَيَانِ شَرَفِ العِلمِ وَفَضلِهِ: وَاكتَفَيتُ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالأَخبَارِ بِالقَلِيلِ، لِشُهرَتِهِ وَقُوَّةِ الدَّليِلِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، فَانظُر كَيفَ ثَلَّثَ بِأَهلِ العِلمِ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا شَرَفًا وَفَضلًا وَإِجلَالًا وَنُبلًا،

 وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وَقَالَ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، وَقَالَ: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، فِيهِ تَنبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ اقتَدَرَ ‌عَلَيهِ ‌بِقُوَّةِ ‌العِلمِ، وَقَالَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، بَيَّنَ أَنَّ عِظَمَ قَدرِ الآخِرَةِ يُعلَمُ بِالعِلمِ، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ.

وَرُوِيَ بِإِسنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْأُنْسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً يُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، ‌وَمَصَابِيحُ ‌الْأَبْصَارِ ‌مِنَ ‌الظُّلَمِ، يَبْلُغُ الْعَبْدُ بِالْعِلْمِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ الْقِيَامَ بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامٌ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ».اهـ)

وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (أَي أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَرفَعُ المُؤمِنَ العَالِمَ عَلَى المُؤمِنِ غَيرِ العَالِمِ، وَرِفعَةُ الدَّرَجَاتِ تَدُلُّ عَلَى الفَضلِ، إِذِ المُرَادُ كَثرَةُ الثَّوَابِ، وَبِكَثرَةِ الثَّوَابِ تَرتَفِعُ الدَّرَجَاتُ، وَرِفعَتُهَا تَشمَلُ المَعنَوِيَّ فِي الدُّنيَا بِعُلُوِّ المَنزِلَةِ وَحُسنِ الصِّيتِ وَالكَرَامَةِ بَينَ النَّاسِ، وَتَشمَلُ الحِسِّيَّ فِي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ المَنزِلَةِ فِي الجَنَّةِ وَنَيلِ الثَّوَابِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ عِلمَ الدِّينِ لَهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمُرَادُ المُؤمِنُ العَالِمُ العَامِلُ بِعِلمِهِ) وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، (الخَبِيرُ مِن أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى مَعنَاهُ: هُوَ المُطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَةِ الأَشيَاءِ، فَلَا تَخفَى عَلَى اللهِ خَافِيَةٌ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالكُلِّياتِ وَالجُزئِيَّاتِ، وَمَن أَنكَرَ ذَلِكَ كَفَرَ، هُوَ سُبحَانَهُ العَالِمُ بِخَلقِهِ العَلَّامُ العَلِيمُ، الَّذِي عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ، لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَشَاءَ كُلَّ شَيءٍ، لَا حَاكِمَ عَلَيهِ، وَلَا آمِرَ لَهُ، وَلَا نَاهِيَ لَهُ، وَمَشِيئَتُهُ نَافِذَةٌ، فَمَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى خَلقِ مَا سَبَقَت بِهِ إِرَادَتُهُ) وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَاضِحُ الدِّلَالَةِ فِي فَضلِ العِلمِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَأمُر نَبِيَّهُ ﷺ بِطَلَبِ الِازدِيَادِ مِن شَيءٍ إِلَّا مِنَ العِلمِ، وَالمُرَادُ بِالعِلمِ العِلمُ الشَّرعِيُّ الَّذِي يُفِيدُ مَعرِفَةَ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مِن أَمرِ عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَالعِلمُ بِاللهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ القِيَامِ بِأَمرِهِ وَتَنزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ).

(46) بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ

الشَّرحُ: (46) بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ (هَذَا فِيهِ تَنبِيهٌ عَلَى طَرَفٍ مِن أَدَبِ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ، وَلَيسَ هَذَا تَكَبُّرًا وَلَا عُجبًا، بَل هُوَ مِن أَدَبِ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ)

59- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ (ح)، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟»، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».

الشَّرحُ: 59- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ (ح)، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ (أَي رَجُلٌ مِن سُكَّانِ البَادِيَةِ) فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ (هُوَ يَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ: مَتَى وَقتُ قِيَامِهَا) فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ (أَي أَكمَلَ كَلَامَهُ وَلَم يُجِبهُ، إِمَّا لِانتِظَارِ الوَحيِ أَو لِأَنَّهُ مَشغُولٌ بِجَوَابِ سُؤَالٍ آخَرَ، وَلِيُعَلِّمَهُم آدَابَ السُّؤَالِ)، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ (لَم يَعرِفِ الصَّحَابَةُ الحَاضِرُونَ لِمَ لَمْ يُجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى سُؤَالِهِ، فَصَارُوا يَتَسَاءَلُونَ عَن سَبَبِ ذَلِكَ)، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ (أَي بَعدَ أَن أَكمَلَ كَلَامَهُ) قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» (أُرَاهُ: أَي أَظُنُّهُ، وَهَذَا لَيسَ مِن كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَل مِن كَلَامِ الرَّاوِي، شَكَّ فَقَالَ: أَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ هَكَذَا، وَهَذَا مِن ضَبطِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ حَيثُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ كَمَا سَمِعَهُ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةٍ: “أَينَ السَّائِلُ”، وَلَم يَشُكَّ الرَّاوِي)، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (أَي إِذَا ضَاعَتِ الأَمَانَةُ فَقَد قَرُبَ قِيَامُ القِيَامَةِ، فَضَيَاعُ الأَمَانَةِ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ)

(الأَمَانَةُ بِالأَصلِ هِيَ ضِدُّ الخِيَانَةِ، وَالمُرَادُ بِرَفعِهَا إِذهَابُهَا بِحَيثُ يَكُونُ الأَمِينُ مَعدُومًا أَو شِبهَ المَعدُومِ.

وَعَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُم يَذهَبُونَ وَجُهَّالَكُم لَا يَتَعَلَّمُونَ، تَعَلَّمُوا قَبلَ أَن يُرفَعَ العِلمُ فَإِنَّ رَفعَ العِلمِ ذَهَابُ العُلَمَاءِ»)

قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ (أَي إِضَاعَةُ الأَمَانَةِ، وَسَأَلَ لِأَنَّهُ لَم يَتَّضِح لَهُ المَعنَى) قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَي: أُسنِدَ، وَأَصلُهُ مِنَ الوِسَادَةِ، وَكَانَ مِن شَأنِ الأَمِيرِ عِندَهُم إِذَا جَلَسَ أَن تُثنَى تَحتَهُ وِسَادَةٌ، فَقَولُهُ: وُسِّدَ أَي: جُعِلَ لَهُ غَيرُ أَهلِهِ وِسَادًا) الْأَمْرُ (وَالمُرَادُ مِنَ الأَمرِ جِنسُ الأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، كَالخِلَافَةِ وَالإِمَارَةِ وَالقَضَاءِ وَالإِفتَاءِ وَغَيرِ ذَلِكَ) إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ (أَي إِذَا كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ فَانتَظِر،

 إِذَا وُكِلَ الأَمرُ جُعِلَ الأَمرُ إِلَى غَيرِ أَهلِهِ، تَوَلَّى أَمرَ الإِمَامَةِ مَن لَيسَ بِأَهلٍ، تَوَلَّى أَمرَ القَضَاءِ مَن لَيسَ بِأَهلٍ، تَوَلَّى أَمرَ الإِفتَاءِ مَن لَيسَ بِأَهلٍ، تَوَلَّى أَمرَ الحُكمِ مَن لَيسَ بِأَهلٍ، يَعنِي أَشخَاصٌ لَيسُوا مُؤَهَّلِينَ هُم استَلَمُوا أُمُورَ المُسلِمِينَ، هَذَا يُؤَذِّنُ، وَهَذَا يَأخُذُ أَموَالَ الزَّكَاةِ، وَهَذَا يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهَذَا يَحكُمُ النَّاسَ، وَهَذَا يُفتِي النَّاسَ، وَهَذَا قَاضٍ بَينَ النَّاسِ، وَهُم لَيسُوا بِأَهلٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “فَانتَظِرِ السَّاعَةَ“، يَعنِي هَذَا مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ أَن تَجِدَ أَشخَاصًا غَيرَ مُؤَهَّلِينَ لِيَستَلِمُوا شُؤُونَ المُسلِمِينَ، وَنَحنُ نَرَى فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ الأَشيَاءِ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: بَكَى رَبِيعَةُ يَومًا بُكَاءً شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ نَزَلَت بِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اِستُفتِيَ مَن لَا عِلمَ عِندَهُ، وَظَهَرَ فِي الإِسلَامِ أَمرٌ عَظِيمٌ) فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُربِ قِيَامِهَا، وَإِنَّمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى دُنُوِّ السَّاعَةِ لِإِفضَائِهِ إِلَى اختِلَالِ الأَمرِ، وَعَدَمِ تَمَامِ النِّظَامِ، وَوَهَنِ أُمُورِ الدُّنيَا، وَضَعفِ أَحكَامِ الإِسلَامِ.

قَالَ الكُورَانِيُّ الحَنَفِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ: وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ العَالِمَ قَاضِيًا كَانَ أَو مُفتِيًا يُقَدِّمُ الأَهَمَّ فَالأَهَمَّ، وَإِذَا كَانَ مُشتَغِلًا بِحَدِيثٍ لَا يَقطَعُهُ عَلَى السَّامِعِينَ إِلَى أَن يُتِمَّهُ، وَعَلَيهِ أَن يَرفُقَ بِالمُتَعَلِّمِ وَإِن بَدَا مِنهُ سُوءُ أَدَبٍ، وَعَلَى المُتَعَلِّمِ أَن يُرَاجِعَ إِن لَم يَفهَمِ المَقصُودَ)

(وَكَانَ شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: إِنَّ الأَمَانَةَ في العِلمِ أَهَمُّ مِنَ الأَمَانَةِ في المَالِ، لِأَنَّ الخِيَانَةَ فِي عِلمِ الدِّينِ ضَرَرُهَا أَعظَمُ مِنَ الخِيانَةِ فِي المَالِ، فَإِنَّ ضَرَرَ هذِهِ لَا يَتَعَدَّى مَا يَملِكُهُ مَن وَقَعَ عَلَيهِ الضَّررُ، وَأَمَّا ضَرَرُ تِلكَ فَيَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَلِِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ: إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم.اهـ رَوَاهُ مُسلِمٌ في مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ، مَعنَاهُ هَذَا العِلمُ عِلمُ الشَّرعِ يُبيِّنُ لَكُم أَحكَامَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ لِنَبِيِّهِ، فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم، لَا عَن أَيٍّ كَانَ، لِأَنَّ الإِسنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاء.اهـ كَمَا قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

وَالخَطَأُ فِي أُمُورِ الدُّنيَا لَيسَ كَالخَطَأِ فِي أُمُورِ الدِّينِ، إِن أَخطَأتَ فِي أَمرٍ دُنيَوِيٍّ أَخطَأتَ فِي أَمرٍ دُنيَوِيٍّ، أَمَّا إِذَا أَخطَأتَ فِي أَمرٍ دِينِيٍّ خَسِرتَ ءَاخِرَتَكَ.اهـ 

وَقَد كَانَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ أَيَّامَ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُنَاسٌ مِن أَهلِ العِبَادَةِ لَو ائتُمِنَ أَحَدُهُم عَلَى مَبلَغٍ مِنَ مَالٍ لَأتُمِنُوا عَلَيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ يَروِي حَرفًا وَاحِدًا عَنهُم، لِأَنَّهُ كَانَ يَبحَثُ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ، هَل يَضبِطُ أَو لَا، هَل جَرَّبَهُ أَو لَا، هَل يَنسَى وَيَروِي مِن حِفظِهِ أَو لَا، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الجَرحِ وَالتَّعدِيلِ، كُلُّ ذَلِكَ لِأَجلِ الأَمَانَةِ فِي العِلمِ وَصِيَانَةِ الدِّينِ.اهـ).

(47) بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ

الشَّرحُ: (47) بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ (يُبَيِّنُ أَنَّ رَفعَ الصَّوتِ بِالعِلمِ لَا يُنَافِي الأَدَبَ إِذَا كَانَ فِي مَحَلِّهِ) (أَحيَانًا أَثنَاءَ التَّدرِيسِ يَرفَعُ العَالِمُ أَوِ المُدَرِّسُ صَوتَهُ، هَل هَذَا مِنَ الأَدَبِ؟ نَعَم، إِذَا كَانَ فِي مَحَلِّهِ، وَهَذَا المَذكُورُ فِي هَذَا البَابِ وَجهٌ لِإِيصَالِ العِلمِ لِلنَّاسِ عِندَ الحَاجَةِ إِلَيهِ، وَهُوَ مِن بَابِ طُرُقِ التَّعلِيمِ الَّتِي يُرشِدُنَا إِلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ).

60- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.

الشَّرحُ: 60- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ (أَي تَأَخَّرَ عَنَّا) فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا (مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ)، فَأَدْرَكَنَا (أَي لَحِقَنَا) وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ (أَي تَأَخَّرنَا فِي أَمرِ الصَّلَاةِ وَخِفنَا أَن تَفُوتَنَا الصَّلَاةُ وَيَخرُجَ وَقتُهَا، وَالمُرَادُ صَلَاةُ العَصرِ) (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَمَعنَى الإِرهَاقِ الإِدرَاكُ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الوَقتِ طَمَعًا أَن يَلحَقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَيُصَلُّوا مَعَهُ، فَلَمَّا ضَاقَ الوَقتُ بَادَرُوا إِلَى الوُضُوءِ وَلِعَجَلَتِهِم لَم يُسبِغُوهُ، فَأَدرَكَهُم عَلَى ذَلِكَ فَأَنكَرَ عَلَيهِم) وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ (أَي وَجَدَنَا نَتَوَضَّأُ وَنَستَعجِلُ فِي الوُضُوءِ خَشيَةَ أَن يُدرِكَنَا الوَقتُ) فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا (بِسَبَبِ الِاستِعجَالِ، وَمُرَادُهُ: كِدنَا أَن نَمسَحَ، أَي غَسَلنَا أَرجُلَنَا غَسلًا خَفِيفًا لَيسَ مَسحًا حَتَّى كَادَ أَن يَصِيرَ مَسحًا)، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ (أَي خَافَ عَلَينَا أَن لَا نُتَمِّمَ الوُضُوءَ فَلَا يَصِحَّ وُضُوؤُنَا فَرَفَعَ صَوتَهُ لِيَعُمَّ الجَمِيعَ وَيُسمِعَهُم): «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (العَقِبُ مُؤَخَّرُ القَدَمِ، قَالَ البَغَوِيُّ: مَعنَاهُ وَيلٌ لِأَصحَابِ الأَعقَابِ المُقَصِّرِينَ فِي غَسلِهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ العَقِبَ مُختَصٌّ بِالعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسلِهِ، فَالَّذِي لَا يُوصِلُ المَاءَ فِي الوُضُوءِ إِلَى العَقِبِ استِعجَالًا يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَغسِلَ العَقِبَ وَلَا يَصِحُّ وُضُوؤُهُ بِدُونِهِ)، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (وَاستَدَلَّ البُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِ رَفعِ الصَّوتِ بِالعِلمِ بِقَولِهِ: فَنَادَى بِأَعلَى صَوتِهِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاستِدلَالُ بِذَلِكَ حَيثُ تَدعُو الحَاجَةُ إِلَيهِ لِبُعدٍ أَو كَثرَةِ جَمعٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ، وَيَلحَقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي مَوعِظَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ وَذَكَرَ السَّاعَةَ اشتَدَّ غَضَبُهُ وَعَلَا صَوتُهُ، الحَدِيثَ، أَخرَجَهُ مُسلِمٌ).

(48) بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا

وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً، وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ.

الشَّرحُ: (48) بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا (هِيَ عِبَارَاتٌ يَستَعمِلُهَا أَهلُ الحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى صِفَاتِ الرِّوَايَةِ وَرُتَبِهَا) (إِذَا تَتَبَّعتَ طُرُقَ المُحَدِّثِينَ فِي التَّحدِيثِ بِالإِسنَادِ، تَسمَعُ مِنهُم يَقُولُونَ أَخبَرَنَا، وَتَسمَعُ مِنهُم يَقُولُونَ أَنبَأَنَا، تَسمَعُ مِنهُم يَقُولُونَ سَمِعتُ أَو سَمِعنَا، عِبَارَاتٌ يَستَعمِلُهَا أَهلُ الحَدِيثِ سَوَاءٌ كُنَّا نَقرَأُ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ أَو كُنَّا جَالِسِينَ مَعَ المَشَايِخِ، نَسمَعُهُم يَستَعمِلُونَ هَذِهِ العِبَارَاتِ، أَخبَرَنَا حَدَّثَنَا أَنبَأَنَا، هَل هَذِهِ العِبَارَاتُ لَهَا نَفسُ المَعنَى؟ أَم لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَعنًى يَختَلفُ عَنِ الآخَرِ؟، لِمَاذَا يَقُولُ حَدَّثَنَا وَمَا قَالَ أَخبَرَنَا، لِمَاذَا يَقُولُ أَنبَأَنَا وَمَا قَالَ سَمِعتُ، هُنَا البُخَارِيُّ يَشرَحُ وَيَقُولُ: بَابُ قَولِ المُحَدِّثِ، وَالمُحَدِّثُ يَعنِي الَّذِي يُحَدِّثُ غَيرَهُ، حَدَّثَنَا أَو أَخبَرَنَا وَأَنبَأَنَا، هُنَا نَفهَمُ مِن كَلَامِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهَا فِي رَأيِهِ وَقَولِهِ كُلُّهَا بِنَفسِ المَعنَى، وَهُوَ قَولُ بَعضُ العُلَمَاءِ مِثلُ البُخَارِيِّ، وَالقِسمُ الآخَرُ مِنَ العُلَمَاءِ وَهُمُ الأَكثَرُ قَالُوا بِينَهَا فَرقٌ، إِذَا سَمِعتَ عَالِمًا يَقُولُ حَدَّثَنَا لَهَا مَعنًى غَيرُ مَعنَى أَخبَرَنَا وَغَيرُ مَعنَى أَنبَأَنَا، إِذَا سَمِعتَ الشَّيخَ المُحَدِّثَ يَروِي الحَدِيثَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفضَلُ الأَعمَالِ إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، أَقُولُ حَدَّثَنَا شَيخُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَفضَلُ الأَعمَالِ إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ»، فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ: «أَفضَلُ الأَعمَالِ إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، هُنَا يَقُولُ حَدَّثَنَا، أَمَّا إِذَا أَنَا مَا سَمِعتُ الشَّيخَ يَتَكَلَّمُ بَل شَخصٌ عِندَهُ يَقرَأُ الحَدِيثَ فَأَقُولُ أَخبَرَنَا الشَّيخُ بِقِرَاءَةِ فُلَانٍ عَلَيهِ، أَستَعمِلُ حَدَّثَنَا إِذَا سَمِعتُهُ مِنَ الشَّيخِ، وَأَستَعمِلُ أَخبَرَنَا إِذَا أَنَا أَو غَيرِي قَرَأَ عَلَى الشَّيخِ، فَلَمَّا نَروِي نَقُولُ أَخبَرَنَا، وَمَتَى نَقُولُ أَنبَأَنَا؟ إِذَا لَم أَسمَع مِنَ الشَّيخِ مُبَاشَرَةً وَلَم أَسمَعَ وَاحِدًا قَرَأَ عَلَيهِ إِنَّمَا الشَّيخُ أَجَازَنِي بِكِتَابٍ مَوثُوقٍ مَضبُوطٍ، قَالَ هَذَا كِتَابِي أَنَا أَلَّفتُهُ أَو فِيهِ رِوَايَتِي أَجَزتُكَ بِهِ، فَلَا أَقُولُ حَدَّثَنَا شَيخُنَا؟ بَل أَقُولُ أَنبَأَنَا شَيخُنَا، فَإِذَا سَمِعنَا المُحَدِّثِينَ يَستَعمِلُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ حَدَّثَنَا أَخبَرَنَا أَنبَأَنَا فِيمَا يَرَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا بِمَعنًى وَاحِدٍ مَا عِندَهُ فَرقٌ بَينَهَا، أَمَّا الآخَرُونَ مِنَ العُلَمَاءِ عِندَهُم فَرقٌ بَينَهَا)

وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: (الحُمِيدِيُّ هُوَ أَحَدُ شُيُوخِ البُخَارِيِّ الَّذِينَ رَوَى عَنهُم فِي الصَّحِيحِ وَغَيرِهِ، وَهُوَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بنِ عِيسَى بنِ عُبَيدِ اللهِ أَبُو بَكرٍ الأَسَدِيُّ الحُمَيدِيُّ المَكَّيُّ، قَالَ أَحمَدُ: الحُمَيدِيُّ عِندَنَا إِمَامٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ أَثبَتُ النَّاسِ فِي ابنِ عُيَينَةَ، وَهُوَ رَئِيسُ أَصحَابِهِ، وَهُوَ ثِقَةٌ إِمَامٌ، وَقَالَ ابنُ سَعدٍ: مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ تِسعَ عَشرَةَ وَمِائَتَينِ، وَكَانَ ثِقَةً، كَثِيرَ الحَدِيثِ، وَقَالَ ابنُ عَدِيٍّ: ذَهَبَ مَعَ الشَّافِعِيِّ إِلَى مِصرَ، وَكَانَ مِن خِيَارِ النَّاسِ، وَقَالَ الحَاكِمُ: ثِقَةٌ مَأمُونٌ، وَالبُخَارِيُّ إِذَا وَجَدَ الحَدِيثَ عَنهُ لَا يُخَرِّجُهُ إِلَى غَيرِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ، رَوَى عَنهُ البُخَارِيُّ خَمسَةً وَسَبعِينَ حَدِيثًا.اهـ)

كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ (أَبُو مُحَمَّدٍ الهِلَالِيُّ سُفيَانُ، وَعُيَينَةُ أَبُوهُ، وُلِدَ بِالكُوفَةِ وَلَهُ تِسعَةُ إِخوَةٍ وَكَانَ لَهُ فِي العِلمِ قَدرٌ كَبِيرٌ أَدرَكَ ثَلَاثِينَ وَنَيِّفًا مِنَ التَّابِعِينَ قِيلَ فِيهِ وَبِمَالِكٍ لَولَاهُمَا لَذَهَبَ عِلمُ الحِجَازِ، مَاتَ سَنَةَ 198ﻫ)

حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا (الإِمَامُ البُخَارِيُّ يَقُولُ هَكَذَا مَشَايِخِي عَلَّمُونِي الحُمَيدِيُّ مِن مَشَايِخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مِنَ المَشَاهِيرِ يَقُولُ الحُمَيدِيُّ نَحنُ كُنَّا عِندَ ابنِ عُيَينَةَ وَهُوَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ أَحَدُ العُلَمَاءِ الكِبَارِ يَقُولُ حَدَّثَنَا وَأَخبَرَنَا وَأَنبَأَنَا وَسَمِعتُ قَالَ وَاحِدًا، قَالَ هَؤُلَاءِ الأَربَعُ الكَلِمَاتُ مِثلُ بَعضِهَا، هَذَا رَأيُ البُخَارِيِّ وَالحُمَيدِيِّ وَابنُ عُيَينَةَ) (اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِيهَا هَل يَختَلِفُ مَعنَاهَا أَم لَا؟ وَمَشَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى أَنَّهَا عَلَى مَعنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ استَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نَقَلَهُ مِنَ الأَقوَالِ عَن بَعضِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُم يَستَعمِلُونَهَا بِمَعنًى وَاحِدٍ)،

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ (مِن قُوَّةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ وَقُوَّةِ حَافِظَتِهِ يَأتِي بِالدَّلِيلِ عَلَى كَلَامِهِ مِن كَلَامِ الصَّحَابَةِ أَنفُسِهِم، بَعضُ الصَّحَابَةِ استَعمَلَ الأَلفَاظَ كُلَّهَا بِمَعنًى وَاحِدٍ، ابنُ مَسعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ لَمَّا كَانَ يَروِي كَانَ يَقُولُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ ﷺ، الصَّادِقُ فِي قَولِهِ وَفِعلِهِ وَحَالِهِ ﷺ المَصدُوقُ فِيمَا يَأتِيهِ مِنَ الوَحيِ الكَرِيمِ فَمَا يَأتِيهِ إِلَّا الصِّدقُ، هُنَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ دُونَ أَن يَذكُرَ السَّنَدَ، وَمِثلُ هَذَا يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ الحَدِيثَ المُعَلَّقَ، قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي تَغلِيقِ التَّعلِيقِ: هَذَا أَوَّلُ الحَدِيثِ المَشهُورِ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ فِي خَلقِ الوَلَدِ وَجَمعِ خَلقِهِ، وَهُوَ السَّيفُ المَسلُولُ عَلَى مُنكِرِي القَدَرِ، وَرُوِيَ فِي البُخَارِيِّ مُتَّصِلًا بِسَنَدِهِ فِي كِتَابِ القَدَرِ لِأَنَّ فِيهِ إِثبَاتَ تَقدِيرِ اللهِ لِكُلِّ شَيءٍ، وَنَصُّهُ هُنَاكَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحوَصِ عَن الأَعمَشِ عَن زَيدِ بنِ وَهبٍ قَالَ عَبدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ ‌الصَّادِقُ ‌المَصدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُم يُجمَعُ خَلقُهُ فِي بَطنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤمَرُ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكتُب عَمَلَهُ وَرِزقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسبِقُ عَلَيهِ كِتَابُهُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ، وَيَعمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ».اهـ)،

وَقَالَ شَقِيقٌ (مَعرُوفٌ، وَهُوَمِن رُوَاةِ ابنِ مَسعُودٍ، هو شَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ الأَسَدِيُّ أَبُو وَائِلٍ الكُوفِيُّ مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَالَ إِسحَاقُ بنُ مَنصُورٍ عَنِ ابنِ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، لَا يُسأَلُ عَن مِثلِهِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: كَانَ ثِقَةً) عَنْ عَبْدِ اللهِ: (أَي عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً (قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ سَمِعتُ وَقَبلَهَا قَالَ حَدَّثَنَا وَسَمِعتُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ مُتَّصِلًا حَيثُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعمَشُ، عَن شَقِيقٍ، عَن عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَةً وَقُلتُ أُخرَى: «مَن ‌مَاتَ ‌يَجعَلُ ‌للهِ ‌نِدًّا أُدخِلَ النَّارَ»، وَقُلتُ أُخرَى: مَن مَاتَ لَا يَجعَلُ للهِ نِدًّا أُدخِلَ الجَنَّةَ، مَعنَاهُ مَاتَ عَلَى الإِيمَانِ مُجتَنِبًا الكُفرَ بِاللهِ)،

وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ (الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ رَحَمَاتُ اللهِ عَلَيهِ أَورَدَ هَذِهِ التَّعَالِيقَ الثَّلَاثَةَ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ وَعَن حُذَيفَةَ، وَالمُعَلَّقُ يَعنِي ذَكَرَهُ مِن غَيرِ إِسنَادٍ، لَكِنَّهُ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ أَعَادَ ذِكرَ هَذِهِ الأَشيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَهَا مَوصُولَةً فِي كِتَابِهِ، لَكِن هُوَ مُرَادُهُ مِن هَذِهِ التَّعَالِيقِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ تَارَةً حَدَّثَنَا وَتَارَةً سَمِعتُ، مُرَادُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا فَرَّقُوا بَينَ هَذَا اللَّفظِ وَبَينَ هَذَا اللَّفظِ، هَذَا هُوَ مُرَادُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، عِندَهُم حَدَّثَنَا سَمِعتُ أَخبَرَنَا هَذِهِ كُلُّهَا بِمَعنًى وَاحِدٍ)،

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ (هُنَا زِيَادَةُ خَيرٍ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ بَعدَمَا سَمِعنَا كَلِمَةَ أَخبَرَنَا حَدَّثَنَا أَنبَأَنَا سَمِعتُ، البُخَارِيُّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُم ذَكَرُوهَا بِلَفظِ عَن عَن عَن، هَذِهِ يُقَالُ لَهَا العَنعَنَةُ، فَمُرَادُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَنَّ هَذِهِ العَنعَنَةَ حُكمُهَا الوَصلُ عِندَ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ، إِذَا سَمِعنَا الثِّقَةَ يَقُولُ: عَن فُلَانٍ، وَمَا قَالَ: حَدَّثَنَا، مَا قَالَ: سَمِعتُ، مَا قَالَ: أَخبَرَنَا، قَالَ: عَن فُلَانٍ، عَنِ الشَّيخِ فُلَانٍ، فَهَذِهِ كَلِمَةُ (عَن) تَأتِي بِأَكثَرَ مِن مَعنًى، مُمكِنٌ أَن يَكُونَ اجتَمَعَ بِهَذَا الشَّيخِ وَأَخَذَ عَنهُ، وَمُمكِنٌ أَن يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَهُ وَاسِطَةٌ وَأَكثَرُ، لَكِن مَتَى يُحكَمُ عَلَى هَذِهِ العَنعَنَةِ بِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ، الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ اختَارَ أَنَّ العَنعَنَةَ حُكمُهَا الوَصلُ عِندَمَا يَثبُتُ عِندَنَا بِأَنَّ فُلَانًا التَقَى بِفُلَانٍ، إِذَا ثَبَتَ اللِّقَاءُ ثُمَّ هَذَا الثِّقَةُ قَالَ عَن فُلَانٍ يَكفِي ذَلِكَ لِنَحكُمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِسنَادُهُ مَوصُولٌ، أَمَّا غَيرُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مِن بَعضِ أَهلِ الحَدِيثِ يَكتَفِي بِأَنَّ العَنعَنَةَ يُحكَمُ عَلَيهَا بِالوَصلِ بِشَرطِ المُعَاصَرَةِ، يَعنِي إِذَا لَم يَثبُت عِندَنَا أَنَّ فُلَانًا التَقَى بِفُلَانٍ لَكِن لِأَنَّهُ ثِقَةٌ وَقَالَ عَن فُلَانٍ وَكَانَا فِي نَفسِ العَصرِ يَكفِي أَن نَحكُمَ مِن بَابِ تَحسِينِ الظَّنِّ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِسنَادُهُ مَوصُولٌ) (قَالَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ: حَدَّثَنَا حَفصُ بنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَن قَتَادَةَ وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، عَن سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ قَالَ: «لَا يَنبَغِي لِعَبدٍ أَن يَقُولَ إِنَّهُ خَيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى»، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ) (حَدِيثُ الصَّحِيحَينِ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ ‌مِنْ ‌يُونُسَ ‌بْنِ ‌مَتَّى “، قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إِعْطَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَطَايَا الَّتِي فَضَّلَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ حَتَّى صَارَ بِذَلِكَ فَاضِلًا لِأَوَّلِهِمْ وَلِآخِرِهِمْ ﷺ.

وقَالَ بَعضُهُم غَيرَ هَذَا: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لَمْ يَكُنْ بِأَقْرَبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى حِينَ كَانَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ)، وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ البُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَن يَحيَى، عَنِ التَّيمِيِّ، عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الله تعالى: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبدُ ‌مِنِّي ‌شِبرًا تَقَرَّبتُ مِنهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا» أَو «بُوعًا»، وَقَالَ مُعتَمِرٌ: سَمِعتُ أَبِي قَالَ: سَمِعتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَروِيهِ عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ)، (تَقَرَّبْتُ (أَيْ: الرَّحْمَةُ) إِلَيْهِ ذِرَاعًا (قِيلَ: أَيْ: أَوْصَلْتُ رَحْمَتِي إِلَيْهِ مِقْدَارًا أَزْيَدَ مِنْهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُجَازَاتُهُ وَإِثَابَتُهُ بِأَضْعَافِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَسُمِّيَ الثَّوَابُ تَقَرُّبًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ،  وَهِيَ أَنْ تَذكُرَ الشَّىءَ بِلَفظِ غَيرِهِ أَنْ تَذكُرَ الشَّىءَ بِلَفظٍ يَدُلُّ عَلَى غَيرِهِ فِي الأَصلِ هُوَ دَالٌّ عَلَى غَيرِهِ لِأَنَّهُ وَقَعَ مُصَاحِبًا لَهُ أَنْ تَذكُرَ الشَّىءَ بِلَفظِ غَيرِهِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِصُحبَتِهِ مُصَاحِبًا لَهُ مِثل: “وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ” وَالمَقصُودُ جَازَاهُمُ اللهُ عَلَى مَكرِهِم)، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا (الباع هو وحدة قياس طولي ويقيس به المسافة ما بين الكفين إذا انبسطت الذراعان يمينا ويسارا. إذن طول ذراعي الإنسان وعضديه وصدره وذلك قدر أربعة أذرع وجمعه: أبواع) (وَهُوَ قَدْرُ مَدِّ الْيَدَيْنِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَدَنِ، وَعَلَى هَذَا كُلَّمَا زَادَ الْعَبْدُ قُرْبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى زَادَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ بِهِ، فَذِكْرُ الذِّرَاعِ لِلتَّمْثِيلِ وَالتَّصْوِيرِ لِإِفْهَامِهِمْ لِمُجَازَاةِ الْعَبْدِ فِيمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ بِمُضَاعَفَةِ لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ)، وَإِذَا أَتَانِيْ (أي حَالَ كَوْنِهِ) يَمْشِيْ (أَيْ: فِي طَاعَتِي) أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً (وَهِيَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْعَدْوِ، أَيْ: صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَقِيلَ: أَيْ: مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي بِسُهُولَةٍ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَتِي بِسُرْعَةٍ)). (وقَالَ ابن حجر: قال ابن بَطَّالٍ وَصَفَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى عَبْدِهِ وَوَصَفَ الْعَبْدَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالْإِتْيَانِ وَالْهَرْوَلَةِ كُلُّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَحَمْلُهَا ‌عَلَى ‌الْحَقِيقَةِ ‌يَقْتَضِي ‌قَطْعَ ‌الْمَسَافَاتِ وَتَدَانِي الْأَجْسَامِ وَذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلَمَّا اسْتَحَالَتِ الْحَقِيقَةُ تَعَيَّنَ الْمَجَازُ لِشُهْرَتِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ وَصْفُ الْعَبْدِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ شِبْرًا وَذِرَاعًا وَإِتْيَانُهُ وَمَشْيُهُ مَعْنَاهُ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَأَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ وَنَوَافِلِهِ وَيَكُونُ تَقَرُّبُهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عَبْدِهِ وإِتيَانه وَالْمَشْي عبارَة عَن إثابته عَلَى طَاعَتِهِ وَتَقَرُّبِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً أَيْ أَتَاهُ ثَوَابِي مُسْرِعًا)

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ البُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعتُ أَبَا هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَروِيهِ عَن رَبِّكُم قَالَ: «لِكُلِّ ‌عَمَلٍ ‌كَفَّارَةٌ، وَالصَّومُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ».اهـ)

(عِندَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ (عَن) بِكِتَابِهِ الصَّحِيحِ تُفِيدُ السَّمَاعَ، فَحَلَّ لَنَا مُشكِلَةً كَبِيرَةً بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، إِذَا قَرَأنَا فِي كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَن فُلَانٍ عَن فُلَانٍ، خَلَص أَنَا فَهِمتُ عَلَيهِ، البُخَارِيُّ يُرِيدُ فُلَانٌ اجتَمَعَ بِفُلَانٍ وَسَمِعَ مِنهُ، هَذَا عِندَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، لِذَلِكَ هُنَا ذَكَرَ أَنَّهُ حَتَّى الصَّحَابَةُ هَكَذَا يَستَعمِلُونَ، يَقُولُونَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ، لَو مَا قَالَ حَدَّثَنَا النَّبِيُّ، هُوَ رَأَى النَّبِيَّ وَسَمِعَ مِنهُ، فَهُنَا عَن تُفِيدُ السَّمَاعَ، لَكِن لَيسَ فِي كُلِّ كِتَابِ حَدِيثٍ، وَشُرُوطُ البُخَارِيِّ فِي العَنعَنَةِ أَكثَرُ وَأَشَدُّ احتِيَاطًا مِن شُرُوطِ غَيرِهِ).

61- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟»، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

الشَّرحُ: (مُرَادُهُ مِن ذِكرِ هَذَا الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استَعمَلَ كَلِمَةَ: «فَحَدِّثُونِي» وَخَاطَبَ بِهَا أَصحَابَهُ، ثُمَّ هُم قَالُوا لَهُ: حَدِّثنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَذَا الِاستِعمَالُ عِندَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّهَا بِمَعنًى وَاحِدٍ)

61- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا (لَا يَقَعُ حِينَ يَقَعُ وَرَقُ الشَّجَرِ، وَلَا يَنقَطِعُ ثَمَرُهَا وَلَا يَبطُلُ نَفعُهَا)، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ (تُشبِهُ المُسلِمَ مِن حَيثُ النَّفعُ، فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تَنفَعُ فِي أَحوَالِهَا كُلِّهَا فَالمُسلِمُ كَذَلِكَ، يُفِيدُ وَيَنفَعُ بِالأَخلَاقِ الحَسَنَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَنَشرِ العِلمِ، وَيُكثِرُ مِن عَمَلِ الطَّاعَاتِ وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، بَل إِنَّهُ يَنفَعُ حَتَّى بَعدَ وَفَاتِهِ بِمَا تَرَكَهُ مِن عِلمٍ وَخَيرٍ) (قَالَ القَسطَلَّانِيُّ: كَأَنَّهُ قَالَ: حَالُ المُسلِمِ العَجِيبُ الشَّأنِ كَحَالِ النَّخلَةِ، أَو صِفَتُهُ الغَرِيبَةُ كَصِفَتِهَا، فَالمُسلِمُ هُوَ المُشَبَّهُ وَالنَّخلَةُ هِيَ المُشَبَّهُ بِهَا)

(وَوَجهُ الشَّبَهِ بَينَ النَّخلَةِ وَالمُسلِمِ مِن جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ الوَرَقِ مَا رَوَاهُ الحَارِثُ بنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِن وَجهٍ آخَرَ عَنِ ابنِ عُمَرَ وَلَفظُهُ: قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ المُؤمِنِ كَمِثلِ شَجَرَةٍ لَا تَسقُطُ لَهَا أُنمُلَةٌ، أَتَدرُونَ مَا هِيَ؟»، قَالُوا: لَا. قَالَ: «هِيَ النَّخلَةُ، لَا تَسقُطُ لَهَا أُنمُلَةٌ، وَلَا تَسقُطُ لِمُؤمِنٍ دَعوَةٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ عِندَهُ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَينَا نَحنُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ أُتِيَ بِجُمَّارٍ [هُوَ شَحمُ النَّخِيلِ]، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسلِمِ»، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبلَهُ، وَبَرَكَةُ النَّخلَةِ مَوجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجزَائِهَا، مُستَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحوَالِهَا، فَمِن حِينِ تَطلُعُ إِلَى أَن تَيبَسَ تُؤكَلُ أَنوَاعًا، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ يُنتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلفِ الدَّوَابِّ وَاللِّيفِ فِي الحِبَالِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ المُسلِمِ الصالح عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَنَفعُهُ مُستَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيرِهِ حَتَّى بَعدَ مَوتِهِ، النَّبِيُّ شَبَّهَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِالمُسلِمِ مِن حَيثُ أَنَّ هَذَا المُسلِمَ أَي هَذَا العَبدَ المُسلِمَ الصَّالِحَ مَا شَاءَ اللهُ خَيرُهُ كَثِيرٌ، مِن كَثرَةِ طَاعَاتِهِ وَمَكَارِمِ أَخلَاقِهِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَطَلَبِ العِلمِ وَالصَّدَقَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ، فَالنَّبِيُّ شَبَّهَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِهَذَا المُسلِمِ الصَّالِحِ مِن هَذِهِ النَّاحِيَةِ)،

فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» (فِعلُ أَمرٍ، أَي إِن عَرَفتُمُوهَا فَحَدِّثُونِي) (وَبِسَبَبِ هَذِهِ الكَلِمَةِ البُخَارِيُّ وَضَعَ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ، البُخَارِيُّ غَزِيرٌ فِي العِلمِ وكَلِمَاتُهُ لَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، يَقُولُ بَعضُ العُلَمَاءِ: تَبوِيبُهُ لِكِتَابِهِ بِهَذَا الشَّكلِ بِهَذِهِ العِبَارَاتِ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ استِنبَاطِهِ، أَحيَانًا تَقرَأُ البَابَ يَضَعُ تَحتَهُ حَدِيثًا فَتَقُولُ أَنتَ بَينَكَ وَبَينَ نَفسِكَ: مَا دَخلُ الحَدِيثِ بِهَذَا البَابِ، لَكِن هُوَ لَهُ مُرَادٌ استَنبَطَهُ مِن هَذَا الحَدِيثِ، فَهُنَا يَقُولُ حَتَّى النَّبِيُّ ﷺ استَعمَلَ كَلِمَةَ: «فَحَدِّثُونِي»، ثُمَّ هُم قَالُوا لَهُ: حَدِّثنَا يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الِاستِعمَالُ عِندَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مُستَدِلًّا بِهَذَا الحَدِيثِ أَنَّهَا مِثلُ كَلِمَةِ سَمِعتُ، مِثلُ كَلِمَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذَا مُرَادُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ)،

فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي (أَي جَعَلَ كُلٌّ مِنهُم يُفَسِّرُهَا بِنَوعٍ مِنَ الأَنوَاعِ وَذُهِلُوا عَنِ النَّخلَةِ) (أَي ذَهَبَت أَفكَارُهُم فِي أَشجَارِ البَادِيَةِ، فَجَعَلَ كُلٌّ مِنهُم يُفَسِّرُهَا بِنَوعٍ مِنَ الأَنوَاعِ وَذَهِلُوا عَنِ النَّخلَةِ)، قَالَ عَبْدُ اللهِ (يَعنِي ابنَ عُمَرَ): وَوَقَعَ فِي نَفْسِي (وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: فَظَنَنتُ أَنَّهَا النَّخلَةُ مِن أَجلِ الجُمَّارِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المُلغَزَ لَهُ يَنبَغِي أَن يَتَفَطَّنَ لِقَرَائِنِ الأَحوَالِ الوَاقِعَةِ عِندَ السُّؤَالِ، وَأَنَّ المُلغِزَ يَنبَغِي لَهُ أَن لَا يُبَالِغَ فِي التَّعمِيَةِ بِحَيثُ لَا يَجعَلُ لِلمُلغَزِ بَابًا يَدخُلُ مِنهُ، بَل كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوقَعَ فِي نَفسِ سَامِعِهِ) أَنَّهَا النَّخْلَةُ (أَي عَرَفتُ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ النَّخلَةَ)، فَاسْتَحْيَيْتُ (أَيِ استَحيَيتُ أَن أَتَكَلَّمَ، وَعِندَهُ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَغَيرُهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنهُم هَيبَةً مِنهُ وَتَوقِيرًا لَهُم) (وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَرَدتُ أَن أَقُولَ هِيَ النَّخلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصغَرُ القَومِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحدَثُهُم، وَفِي رِوَايَةٍ: وَرَأَيتُ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهتُ أَن أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا قُمنَا قُلتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ، وَفِي رِوَايَة قَالَ عَبدُ اللهِ: فَحَدَّثتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفسِي فَقَالَ: لَأَن تَكُونَ قُلتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، زَادَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَحسَبُهُ قَالَ: حُمرِ النَّعَمِ)، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

(49) بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ

الشَّرحُ: (49) بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ (يُبَيِّنُ أَنَّ طَرحَ الأَسئِلَةِ لِاختِبَارِ الطَّالِبِ لَا يُنَافِي الأَدَبَ) (يَحصُلُ أَحيَانًا مِنَ الإِمَامِ مِنَ المُحَدِّثِ مِنَ المُدَرِّسِ أَن يُخَاطِبَ الطُّلَّابَ وَيَسأَلَهُم بَعضَ الأَسئِلَةِ حَتَّى يَختَبِرَهُم، فَإِذَا سَأَلَ المُحَدِّثُ أَوِ الشَّيخُ أَوِ المُدَرِّسُ مَا مَعنَى كَذَا مَن يَعرِفُ مَا مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ مَن يَعرِفُ مَا مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ هَذَا لَا يَكُونُ مُخَالِفًا للأَدَبِ، الرَّسُولُ فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ، وَهَذَا أَحَدُ أَسَالِيبِ التَّعلِيمِ، مَعَ الِانتِبَاهِ، فَقَد فَهِمَ كَثِيرٌ مِنَ العَصرِيِّينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا الأَمرَ عَلَى غَيرِ وَجهِهِ، فَصَارَ بَعضُهُم يَطرَحُ المَسَائِلَ لِطُلَّابٍ جُهَّالٍ فَيُجَرِّؤُونَهُم عَلَى الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ فَلَا يُنَبِّهُونَهُم إِلَى فَسَادِ الإِفتَاءِ بِغَيرِ عِلمٍ فَيَهلِكُ الطَّالِبُ وَأُستَاذُهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، مِثلُ مَا فَعَلَ بَعضُهُم كَانَ يُرِيدُ أَن يُعَلِّمَ الطُّلَّابَ أَنَّ اللهَ خَالِقٌ، فَقَالَ لَهُم وَالعِيَاذُ بِاللهِ: مَن خَلَقَ اللهَ؟ فَهَلَكَ وَأَهلَكَهُم، وَشَتَّانَ بَينَ هَذَا الفَاسِدِ المُفسِدِ وَبَينَ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ)

62- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟»، قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

الشَّرحُ: 62- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَد يَقُولُ أَحَدُهُم لِي: لِمَاذَا أَعَادَهُ مَرَّتَينِ؟، إِذَا لَاحَظتُم كُلُّ وَاحِدٍ بِسَنَدٍ، لِفَائِدَةٍ، مَن فَهِمَهَا؟ انظُرُوا قُوَّةَ البُخَارِيِّ، ذَكَرَ أَوَّل مَرَّةٍ عَلَى كَلِمَةِ فَحَدِّثُونِي وَحَدِّثنَا، ثُمَّ أَعَادَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ قَد يَقرَأُ الشَّيخُ وَالمُدَرِّسُ وَالمُحَدِّثُ أَسئِلَةً عَلَى طُلَّابِهِ حَتَّى يَختَبِرَهُم، وطَرحُ السُّؤَالَ مِنَ الأُستَاذِ عَلَى الطُّلَّابِ لَيسَ مُخَالِفًا للأَدَبِ بَل شَيءٌ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟»، قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

السُّؤَالُ الفِقهِيُّ

مَا الحُكمُ إِن كَانَ الرَّجُلُ يَستَطِيعُ الصِّيَامَ دُونَ أَن يَذهَبَ إِلَى عَمَلِهِ وَلَا يَستَطِيعُ الصِّيَامَ إِن ذَهَبَ إِلَى العَمَلِ لِصُعُوبَةِ العَمَلِ أَو لِمَرَضٍ مَثَلًا؟

هَذِهِ مَسئَلَةٌ مُهِمَّةٌ، مَن كَانَ عَمَلُهُ شَاقًّا مُتعِبًا فِي رَمَضَانَ وَكَانَ مُضطَرًّا لِعَمَلِهِ وَلَا يَستَغنِي عَنهُ لِأَنَّهُ إِن تَرَكَهُ لَا يَجِدُ قُوتَهُ الضَّرُورِيَّ وَقُوتَ مَن يَجِبُ عَلَيهِ نَفَقَتُهُم وَلَا يَستَطِيعُ الصِّيَامَ مَعَ العَمَلِ: يَنوِي بِاللَّيلِ نِيَّةً جَازِمَةً، ثُمَّ فِي النَّهَارِ يَنظُرُ فِي حَالِهِ: فَإِن حَصَلَ لَهُ انهِيَارٌ يُفطِرُ، وَإِن وَجَدَ جِسمَهُ مُتَمَاسِكًا يُثَابِرُ عَلَى الصِّيَامِ.

أَمَّا مَن يَملِكُ مَا يَكفِيهِ هُوَ ومَن يَجِبُ عَلَيهِ نَفَقَتُهُم، وَلَا يَستَطِيعُ الصَّومَ مَعَ العَمَلِ، فَيَترُكُ عَمَلَهُ هَذَا وَيَصُومُ، وَلَا يَترُكُ الصِّيَامَ لِأَجلِ عَمَلِهِ.

مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ

دُعَاءٌ لِلحِفظِ، مَن قَرَأَهُ لَو دَخَلَ وِكرَ جِنٍّ لَا يُؤذُونَهُ بِإِذنِ اللهِ

أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِن شَرِّ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا، وَمِن شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا، وَمِن شَرِّ فِتَنِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَمِن شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطرُقُ بِخَيرٍ يَا رَحمَٰنُ.

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:

اللهم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفسِي وَشَرِّ الشَّيطَانِ وَشِركِهِ.

اللهم بِجَاهِ هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ اغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا اللهم ارحَمنَا إِذَا أَتَانَا اليَقِينُ، وَعَرِقَ مِنَّا الجَبِينُ، وَكَثُرَ مِنَّا الأَنِينُ. اللهم ارحَمنَا إِذَا يَئِسَ مِنَّا الطَّبِيبُ، وَبَكَى عَلَينَا الحَبِيبُ، وَتَخَلَّى عَنَّا القَرِيبُّ. اللهم ارحَمنَا إِذَا اشتَدَّت عَلَينَا السَّكَرَاتُ، وَتَوَالَت عَلَينَا الحَسَرَاتُ وَفَاضَتِ العَبَرَاتُ، وَتَكَشَّفَتِ العَورَاتُ، وتَعَطَّلَتِ القُوَى وَالقُدُرَاتُ. اللهم ارحَمنَا إِذَا بَلَغَتِ التَرَاق وقِيلَ مَن رَاقَ وتَأَكَّدَت فاجِعَةُ الفِرَاقِ لِلأَهلِ وَالرِّفَاقِ.

اللهم ارحَمنَا إِذَا كَفَّنُونَا وَعَلى الأَعنَاقِ حَمَلُونَا وَإِلَى قُبُورِنَا سَاقُونَا وَفِي التُّرَابِ وَضَعُونَا. اللهم ارحَمنَا يَا رَبَّنَا إِذَا نُسِيَ اسمُنَا.

اللهم ارزُقنَا الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالنِّيَّةِ وَالعَمَلِ وَتَقَبَّل مِنَّا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالقِيَامَ وَالدُّعَاءَ، اللهم استَجِب دُعَاءَنَا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ، اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ…

اللهم بِحَقِّ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ وَهَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ احفَظ أَهلَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، بِعِزِّكَ الَّذِي لَا يُضَامُ أَرِنَا عَجَائِبَ قُدرَتِكَ فِي نَصرِهِم، اللهم اربِط عَلَى قُلُوبِهِم وَثَبِّتِ الأَرضَ تَحتَ أَقدَامِهِم، اللهم ثَبِّت أَقدَامَهُم عِندَ لِقَاءِ عَدُوِّكَ، اللهم إِنَّ اليَهُودَ الغَاصِبِينَ قَد بَغَوا وَاستَكبَرُوا وَأَفسَدُوا فِي الأَرضِ فَزَلزِلهُم وَدَمِّرهُم وَأَرِنَا القُدسَ وَغَزَّةَ وَفِلَسطِينَ حُرَّةً أَبِيَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ يَا مُجِيبَ الدُّعَاءِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ وَمُجِيرَ المُستَضعَفِينَ…

اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ… اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم…

رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ…

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ…

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ