المحتويات
- المقدمة
- (50) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ
- (51) بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ
- (52) بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
- السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
- مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنشَأَ الآدَمِيَّ وَقَوَّمَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَفَمَهُ، وَكَلَّفَهُ مَا شَاءَ وَأَلزَمَهُ، وَفَرَضَ عَلَيهِ مَا أَرَادَ وَحَتَّمَهُ، وَأَخَّرَهُ إِذَا شَاءَ وَقَدَّمَهُ، أَحمَدُهُ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَنَا بِإِنعَامِهِ عَلَينَا خَيرَ أُمَّةٍ، وَمَنَحَنَا الأَنَفَةَ مِنَ الجَهلِ وَعُلُوَّ الهِمَّةِ، وَرَزَقَنَا حِفظَ القُرآنِ وَالعُلُومِ المُهِمَّةِ، وَشَرَّفَنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ مَا اختَلَفَ ضَوءٌ وَظُلمَةٌ، وَعَلَى الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ فِي الهِجرَةِ وَعَضُدِهِ فِي كُلِّ مُلِمَّةٍ، وَعَلَى عُمَرَ الفَارُوقِ مَن فَتَحَ البِلَادَ وَنَصَرَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ، وَعَلَى عُثمَانَ الحَيِيِّ الَّذِي اشتَرَى الجَنَّةَ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَكَاشِفِ هَمِّهِ الَّذِي فَدَاهُ بِنَفسِهِ وَمَا أَهَمَّهُ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَ طَرِيقَهُ وَأَمَّهُ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
(50) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. القِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ. وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
الشَّرحُ: (50) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (هَذِهِ الآيَةُ تَكفِينَا لِتَحُثَّنَا عَلَى طَلَبِ العِلمِ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ، اليَومَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا دُعُوا إِلَى مَجَالِسِ عِلمِ الدِّينِ يَقُولُ لَكَ مَشغُولٌ وَعَلَيَّ دُيُونٌ وَمَرِيضٌ، أَمَّا لَو دُعِيَ إِلَى أَمرٍ مِن أُمُورِ الدُّنيَا أَو طَعَامٍ أَو شَرَابٍ أَو مَجلِسِ قَالَ وَقِيلَ يَسبِقُكَ إِلَيهِ، فَيَا أَحبَابَنَا الكِرَامُ كُلَّمَا انتَشَرَ العِلمُ بَينَ النَّاسِ كُلَّمَا ارتَقَتِ الأُمَّةُ، قُوَّةُ الأُمَّةِ بِقُوَّةِ العِلمِ فِيهِم، كُلَّمَا قَوِيَ النَّاسُ فِي عِلمِ الدِّينِ، كُلَّمَا تَحَسَّنَ الحَالُ بِإِذنِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ).
القِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ (هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ صَاحِبُ عِلمٍ كَبِيرٍ وَاسِعٍ، القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ يَعنِي إِذَا جَاءَ فُلَانٌ مَعَهُ نُسخَةٌ مَضبُوطَةٌ أَو مِن حِفظِهِ قَرَأَ عَلَى الشَّيخِ المُحَدِّثِ فَالشَّيخُ المُحَدِّثُ وَافَقَ، هَل لِهَذَا الطَّالِبِ الَّذِي قَرَأَ أَن يَروِيَ لِلنَّاسِ مَا قَرَأَهُ عَلَى الشَّيخِ؟ الجَوَابُ نَعَم، مَثَلًا أَنَا أَتَيتُ بِنَفسِي عِندَ أَحَدِ المُحَدِّثِينَ الثِّقَاتِ وَقَرَأتُ عَلَيهِ إِمَّا مِن نُسخَةٍ مَضبُوطَةٍ أَو مِن حِفظِي [ونَقَلَ أَبُو سَعْدٍ الإِدْرِيْسِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ، أَنَّ أَبَا عِيْسَى التِّرْمِذِيَّ قَالَ: كُنْتُ فِي طَرِيْقِ مَكَّةَ فَكَتَبْتُ جُزْأَيْن مِنْ حَدِيْثِ شَيْخٍ، فَوَجَدْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ الجُزْأَين مَعِي، فَسَأَلتُهُ، فَأَجَابْني، فَإِذَا مَعِي جُزآن بيَاض، فَبَقِيَ يَقْرَأُ عَلَيَّ مِنْ لَفْظِهِ، فَنَظَرَ، فَرَأَى فِي يَدِي وَرَقًا بيَاضًا، فَقَالَ: أَمَا تَسْتحِي مِنِّي؟ فَأَعْلَمْتُهُ بِأَمْرِي، وَقُلْتُ: أَحْفَظُهُ كُلَّهُ. قَالَ: اقْرَأْ. فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصَدِّقْنِي، وَقَالَ: اسْتَظْهَرْتَ قَبْلَ أَنْ تَجِيْء؟ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي بِغَيْرِهِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي بِأَرْبَعِيْنَ حَدِيْثاً، ثُمَّ قَالَ: هَاتِ. فَأَعَدْتُهَا عَلَيْهِ، مَا أَخْطَأْتُ فِي حَرْفٍ] أَو هُوَ أَملَى عَلَينَا فكَتَبنَا ثُمَّ نَحنُ رَجَعنَا عَرَضنَا عَلَيهِ مَا سَمِعنَاهُ مِنهُ، فَأَنَا لَمَّا عَرَضتُ عَلَيهِ أَو قَرَأتُ عَلَيهِ وَهُوَ قَبِلَ وَوَافَقَ قَالَ: صَحِيحٌ هَذَا الكَلَامُ، هَل لِي أَن أَروِي لِلنَّاسِ مَا قَرَأتُهُ عَلَى الشَّيخِ؟ نَعَم، هَل لِي أَن أَروِيَ لِلنَّاسِ مَا عَرَضتُهُ عَلَى هَذَا الشَّيخِ؟ نَعَم، هَذَا مَعرُوفٌ لِذَلِكَ قَالَ القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ، فَهَذَا نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي.
التَّلَقِّي مَعنَاهُ أَن تَسمَعَ مِنَ الشَّيخِ، هَذَا أَعلَى دَرَجَاتِ التَّلَقِّي بَعدَهُ أَن تَقرَأَ أَنتَ عَلَى الشَّيخِ فَيَسمَعَكَ وَيُقِرَّكَ، أَو يُقرَأَ عَلَى الشَّيخِ بِحَضرَتِكَ، وَهُنَاكَ أَنوَاعٌ أُخرَى تَمُرُّ مَعَنَا بَعدَ قَلِيلٍ، إِذَن أَعلَى أَنوَاعِ التَّلَقِّي هِيَ أَن تَسمَعَ لَفظَ الشَّيخِ وَبَعدَ ذَلِكَ أَن تَقرَأَ أَنتَ عَلَى الشَّيخِ أَو يُقرَأَ عَلَيهِ بِحَضرَتِكَ، يَعنِي لَا يَكُونُ العِلمُ بِالتَّلَقِّي إِذَا فَتَحتَ الإِنتَرنِتَّ وَتَصَفَّحتَ بِجُوجِلَ وَتَسأَلَ جُوجِلَ وَيُجِيبَكَ أَو تَسأَلَ المُسَمَّى تَشَات جِي بِي تِي وَيُجِيبُكَ أَو تَقرَأَ فِي الكُتُبِ وَحدَكَ مِن غَيرِ ضَبطٍ أَو إِجَازَةٍ، إِنَّمَا التَّلَقِّي يَكُونُ بِسَمَاعِ لَفظِ الشَّيخِ، وَهَذَا أَعلَى أَنوَاعِ التَّلَقِّي أَو بِالقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي إِذَا كَانَ ضِمنَ هَذِهِ الأَنوَاعِ لَكَ أَن تَروِيَ عَن هَذَا الشَّيخِ يُقَالُ أَنتَ تَلَقَّيتَ عَنهُ فَلَكَ أَن تَروِيَ عَنهُ).
وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً (يَعنِي الحَسَنُ البِصرِيُّ وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ كُلٌّ مِنهُم يَرَى القِرَاءَةَ جَائِزَةً يَعنِي القِرَاءَةَ عَلَى الشَّيخِ وَالمُحَدِّثِ أَمرٌ مَقبُولٌ فِي رِوَايَتِهِ تُقبَلُ عِندَهَا الرِّوَايَةُ، وَقَد كَانَ بَعضُ السَّلَفِ لَا يَعتَدُّونَ إِلَّا بِمَا سَمِعُوهُ مِنَ أَلفَاظِ المَشَايِخِ دُونَ مَا يُقرَأُ عَلَيهِم، وَلِهَذَا بَوَّبَ البُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِهِ وَأَورَدَ فِيهِ قَولَ الحَسَنِ -وهو البِصرِيُّ- لَا بَأسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ، ثُمَّ أَسنَدَهُ إِلَيهِ بَعدَ أَن عَلَّقَهُ وَكَذَا ذُكِرَ عَن سُفيَانَ الثَّورِيِّ، وَمَالِكٍ مَوصُولًا أَنَّهُمَا سَوَّيَا بَينَ السَّمَاعِ مِنَ العَالِمِ وَالقِرَاءَةِ عَلَيهِ، وقوله: “جَائِزَةً” أَيِ: القِرَاءَةَ، لِأَنَّ السَّمَاعَ لَا نِزَاعَ فِيهِ)،
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (البُخَارِيُّ يَقُولُ: وَاحتَجَّ بَعضُهُم أَي أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ القِرَاءَةَ عَلَى المُحَدِّثِ كَافِيَةٌ فِي التَّلَقِّي وَصِحَّةِ النَّقلِ عَنهُ مَا حَصَلَ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بنِ ثَعلَبَةَ، وَقَولُهُ: «احتَجَّ بَعضُهُم»، قِيلَ: هُوَ شَيخُ البُخَارِيِّ الحُمِيدِيُّ أَو أَبُو سَعِيدٍ الجَلَّادُ، كَمَا مَالَ إِلَى ذَلِكَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ فَتحِ البَارِي) آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ (أَخبَرَ ضِمَامٌ قَومَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ مَعنَاهُ قَبِلُوا مِنهُ ذَلِكَ، هُنَا لَا يُقصَدُ بِكَلِمَةِ فَأَجَازُوهُ الإِجَازَةَ المُصطَلَحَةَ بَينَ أَهلِ الحَدِيثِ هُنَا مُرَادُهُ أَي قَبِلُوهُ) (فَيُبَيِّنُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ بِهَذَا أَنَّكَ لَو قَرَأتَ عَلَى المُحَدِّثِ الثِّقَةِ مِن حِفظِكَ أَو مِن كِتَابٍ وَهَذَا المُحَدِّثُ يَسمَعُ وَأَقَرَّكَ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا صَحِيحٌ وَلَكَ أَن تَروِيَ عَن هَذَا المُحَدِّثِ)
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ (هُوَ الإِمَامُ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بِالصَّكِّ (هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ، وَهُوَ كِتَابٌ يُكتَبُ فِيهِ إِقرَارُ المُقِرِّ وَيُعرَضُ عَلَيهِ فَيَقُولُ: نَعَم، فَصَارَت هَذِهِ الوَرَقَةُ فِيهَا إِقرَارُ هَذَا المُقِرِّ فَيَشهَدُ الحَاضِرُونَ عَلَيهِ بِذَلِكَ وَيَكتَفُونَ بِإِقرَارِهِ بِمَا فِي الوَرَقَةِ، وَلَيسَ شَرطًا أَن يَتَلَفَّظَ بِمَا فِيهَا، فَكَذَلِكَ القِرَاءَةُ عَلَى المُحَدِّثِ وَهُوَ يَسمَعُ وَيَقرَأُ القَارِئُ عَلَى مَا يَقرَأُ)
(وَأَمَّا قِيَاسُ مَالِكٍ قِرَاءَةَ الحَدِيثِ عَلَى قِرَاءَةِ القُرآنِ فَرَوَاهُ الخَطِيبُ فِي الكِفَايَةِ مِن طَرِيقِ ابنِ وَهبٍ قَالَ: سَمِعتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنِ الكُتُبِ الَّتِي تُعرَضُ عَلَيهِ أَيَقُولُ الرَّجُلُ حَدَّثَنِي؟ قَالَ: نَعَم، كَذَلِكَ القُرآنُ. أَلَيسَ الرَّجُلُ يَقرَأُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: أَقرَأَنِي فُلَانٌ؟ وَرَوَى الحَاكِمُ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَحِبتُ مَالِكًا سَبعَ عَشرَةَ سَنَةً، فَمَا رَأَيتُهُ قَرَأَ المُوَطَّأَ عَلَى أَحَدٍ، بَل يَقرَءُونَ عَلَيهِ، قَالَ: وَسَمِعتُهُ يَأبَى أَشَدَّ الإِبَاءِ عَلَى مَن يَقُولُ: لَا يُجزِيهِ إِلَّا السَّمَاعُ مِن لَفظِ الشَّيخِ، وَيَقُولُ: كَيفَ لَا يُجزِيكَ هَذَا فِي الحَدِيثِ، وَيَجزِيكَ فِي القُرآنِ، وَالقُرآنُ أَعظَمُ؟ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَقَدِ انقَرَضَ الخِلَافُ فِي كَونِ القِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ لَا تُجزِئُ) يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ (أَيِ الشَّاهِدُونَ): أَشْهَدَنَا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ (هَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ جِدًّا، إِن كُتِبَ فِي الوَرَقَةِ فُلَانٌ أَقَرَّ بِكَذَا وَكَذَا فِي المَحكَمَةِ قَامَ الشُّهُودُ وَقَرَأَ الوَرَقَةَ يَا فُلَانٌ أَنتَ تُقِرُّ بِكَذَا وَكَذَا يَقُولُ نَعَم فَالشُّهُودُ يَكتَفُونَ بِذَلِكَ، مَعنَاهُ إِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذَا الأَمرِ صَحِيحٌ وَيُعتَبَرُ إِخبَارًا فَمَا بَالُكُم بِالقِرَاءَةِ عَلَى الإِمَامِ المُحَدِّثِ وَعَلَى الشَّيخِ الحَافِظِ، مَعنَاهُ مِن بَابِ أَولَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَالنَّقلُ عَنهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَذَلِكَ جَائِزٌ)، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ (أَيِ القُرءَانُ) فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ (زَادَ كَذَلِكَ فِي بَيَانِ الحُجَّةِ أَنَّ النَّاسَ تَقرَأُ عَلَى المُقرِئِ، وَالمُرَادُ بِالمُقرِئِ هُنَا المُعَلِّمَ لِلقُرءَانِ، مَعنَاهُ أَنتَ جِئتَ إِلَى مُعَلِّمِ القُرءَانِ قَرَأتَ عَلَيهِ القُرءَانَ وَأَقَرَّكَ وَافَقَكَ صَوَّبَ لَكَ وَأَقَرَّكَ بِأَنَّكَ صِرتَ تُجِيدُ القِرَاءَةَ، فَتَقُولُ: القَارِئُ أَقرَأَنِي فُلَانٌ أَقرَأَنِي الشَّيخُ فُلَانٌ عَلَّمَنِي الشَّيخُ فُلَانٌ وَأَقَرَأَنِي القُرءَانَ مَعَ أَنَّكَ أَنتَ تَقرَأُ عَلَيهِ لَيسَ فَقَط هُوَ يَقرَأُ وَأَنتَ تَسمَعُ، فَإِذَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ لَكَ أَن تَقرَأَ عَلَى المُعَلِّمِ لِلقُرءَانِ ثُمَّ يُصَوِّبَ لَكَ وَيُقِرَّكَ ثُمَّ تَنقُلَ عَنهُ وَتَروِيَ عَنهُ وَتَقُولَ بِسَنَدِي إِلَى هَذَا الشَّيخِ، فَمَا بَالُكَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَمِن بَابِ أَولَى لَو أَنَّكَ قَرَأتَ الحَدِيثَ عَلَى مُحَدِّثٍ ثِقَةٍ وَأَقَرَّ لَكَ أَن تَروِيَ عَنهُ). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ (رُوِيَ هَذَا الأَثَرُ عَنِ الحَسَنِ البِصرِيِّ مِن طَرِيقِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الوَاسِطِيِّ، عَن عَوفٍ الأَعرَابِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الحَسَنَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنزِلِي بَعِيدٌ، وَالِاختِلَافُ يَشُقُّ عَلَيَّ، فَإِن لَم تَكُن تَرَى بِالقِرَاءَةِ بَأسًا قَرَأتُ عَلَيكَ، قَالَ: مَا أُبَالِي قَرَأتُ عَلَيكَ أَم قَرَأتَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقُولُ حَدَّثَنِي الحَسَنُ؟ قَالَ: نَعَم، قُل حَدَّثَنِي الحَسَنُ) (الحَسَنُ البِصرِيُّ يَقُولُ هَذَا مَعنَاهُ لَا بَأسَ بِأَن تَقرَأَ عَلَى العَالِمِ وَيَجُوزُ أَن تَنقُلَ عَنهُ مَا قَرَأتَهُ بَعدَ أَن أَقَرَّكَ لَو لَم تَسمَع لَفظَ الشَّيخِ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنتَ قَرَأتَ عَلَيهِ الحَدِيثَ أَقَرَّ لَكَ أَن تَروِيَ عَنهُ)،
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ (هُوَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ) قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي (لِأَنَّهُ عِندَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ لَا فَرقَ بَينَ حَدَّثَنَا وَبَينَ أَخبَرَنَا، فَإِذَا قَرَأَ عَلَى المُحَدِّثِ لَهُ أَن يَروِيَ عَنهُ بِقَولِهِ حَدَّثَنِي وَبِقَولِهِ أَخبَرَنِي، هَذَا رَأيُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، وَبَعضُ العُلَمَاءِ الآخَرُونَ يَقُولُونَ إِذَا أَنَا سَمِعتُ لَفظَ الشَّيخِ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَو سَمِعتُ مِنهُ أما إذا أَنَا قَرَأتُ عَلَيهِ عِندَمَا أَروِي عَنهُ يَقُولُ أَخبَرَنِي الشَّيخُ فُلَانٌ)، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ (أَي بِنَفسِ الدَّرَجَةِ فِي صِحَّةِ النَّقلِ وَالرِّوَايَةِ، وَذَهَبَ الأَكثَرُ مِن أَهلِ العِلمِ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الشَّيخِ أَرجَحُ مِن قِرَاءَةِ الطَّالِبِ عَلَيهِ أَي أَرفَعُ رُتبَةً مَعَ أَنَّ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ، (مَعنَاهُ فِي صِحَّةِ النَّقلِ وَالرِّوَايَةِ، هُنَا يَقُولُ البُخَارِيُّ وَبَعضُ أَهلِ العِلمِ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ أَن يَقرَأَ الطالب على الشيخ أَو أَن يَسمَعَ الطَّالِبُ لَفظَ الشَّيخِ كِلَاهُمَا فِي مَرتَبَةٍ وَاحِدَةٍ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ، هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعضُ العُلَمَاءِ المُعتَبَرينَ، وَذَهَبَ الأَكثَرُ مِن أَهلِ العِلمِ إِلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الشَّيخِ أَرجَحُ مِن قِرَاءَةِ الطَّالِبِ عَلَيهِ، مَعنَاهُ أَرفَعُ رُتبَةً، أن تَسمَعَ لَفظَ الشَّيخِ أَعلَى رُتبَةً مِن أَن تَقرَأَ أَنتَ بِنَفسِكَ عَلَى الشَّيخِ، وَكِلَاهُمَا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ عَنهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَالجُمهُورُ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الشَّيخِ أَرجَحُ مِن قِرَاءَةِ الطَّالِبِ عَلَيهِ).
63- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ أَجَبْتُكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ»، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
الشَّرحُ: 63- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ (أَي فِي مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ) دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ (فَأَنَاخَ الجَمَلَ فِي سَاحَةِ المَسجِدِ، أَي قُربَ المَسجِدِ) ثُمَّ عَقَلَهُ (شَدَّ عَلَى سَاقِ الجَمَلِ مَعَ ذِرَاعِهِ حَبلًا بَعدَ أَن ثَنَى رُكبَتَهُ)، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ (قَاعِدٌ مُمَكِّنٌ مَقعَدَتَهُ عَلَى وِطَاءٍ) بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ (بَينَ ظَهرَانَي أَصحَابِهِ مَحفُوفٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِم مِن جَانِبَيهِ) (وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ مُمَكِّنٌ مَقعَدَتَهُ عَلَى وِطَاءٍ بَينَ ظَهرَانِي أَصحَابِهِ مَحفُوفٌ ﷺ بِهِم مِن جَانِبَيهِ، وَالعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ تَحسَبُ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ فُلَانٌ مُتَّكِئٌ مَعنَاهُ هُوَ قَاعِدٌ وَيَمِيلُ إِلَى أَحَدِ شِقَّيهِ، هَكَذَا عِندَ العَامَّةِ أَنَّهَا دَائِمًا تَأتِي بِهَذَا المَعنَى، وَهَذَا فِي لُغَةِ العَرَبِ لَيسَ شَرطًا، بَل لَهَا مَعَانٍ أُخرَى، هُنَا جَاءَت بِهَذَا المَعنَى أَنَّه قَاعِدٌ مُتَمَكِّنٌ ﷺ عَلَى وِطَاءٍ وَدَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ)، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ (لَمَّا سَأَلَ الدَّاخِلُ أَيُّكُم مُحَمَّدٌ قِيلَ لَهُ هَذَا الرَّجُلُ الأَبيَضُ، مَعنَاهُ الأَبيَضُ المُشرَبُ بِحُمرَةٍ ﷺ، وَهَذَا المَوضِعُ مِنَ الحَدِيثِ يُبَيِّنُ تَوَاضُعَ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُمَيِّزُ جِلسَتَهُ بَينَ أَصحَابِهِ بَل كَانَ يَجلِسُ كَأَيِّ وَاحِدٍ مِنهُم) الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (أَي يَا ابنَ عَبدِ المُطَّلِبِ)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ أَجَبْتُكَ» (أَي سَمِعتُكَ وَسَأُجِيبُكَ)، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ (أَنَا سَأَسأَلُكَ وَلَكِن أَنتَ لَا تَغضَب هَذَا مَعنَاهُ عَلَيَّ فِي نَفسِكَ)، فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» (أَي عَمَّا ظَهَرَ لَكَ)، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ (أَي أَسأَلُكَ بِحَقِّ رَبِّكَ وَهُوَ اللهُ) وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ (مَعنَاهُ أَسأَلُكَ بِاللهِ)، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ (أَي شَهرَ رَمَضَانَ) قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ (يَعنِي الزَّكَاةَ الوَاجِبَةَ) مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ (أَخَذَهَا مَأخَذَ الأَغلَبِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ وَمِنهُمُ الفُقَرَاءُ) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ (أَي آمَنتُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى قَبلَ أَن آتِيَ، مَعنَى كَلَامِهِ: لَمَّا جَاءَ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَينَا وَسَمِعنَا مِنهُ مَا أَنتَ تَأمُرُنَا بِهِ رَجَعتُ إِلَيكَ لِأَعرِضَ عَلَيكَ مَا سَمِعتُ لِأَزدَادَ تَثَبُّتًا)، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي (أَي أُبَلِّغُ قَومِيَ الَّذِي سَمِعتُهُ مِنكَ، وَهُنَا الشَّاهِدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَقُل لَهُ: لَا تُبَلِّغ لِأَنَّكَ مَا سَمِعتَ مِنِّي)، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
(51) بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا»، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
الشَّرحُ: (51) بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ (هِيَ إِعطَاءُ الشَّيخِ كِتَابًا مَوثُوقًا مُعتَمَدًا لِطَالِبِهِ وَيُجِيزُ لَهُ الرِّوَايَةَ مِنهُ، فَهَذَا نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي المُعتَبَرِ تَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهِ وَلَو لَم يَسمَعهُ مِنَ الشَّيخِ بِشَرطِهِ) (يَذكُرُ نَوعًا آخَرَ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي، قَد لَا يَسمَعُ الطَّالِبُ مِنَ الشَّيخِ مُبَاشَرَةً وَلَا يَسمَعُ مَن قَرَأَ عَلَى الشَّيخِ وَلَا هُوَ يَقرَأُ عَلَى الشَّيخِ، إِنَّمَا وَصَلَ لَهُ رِسَالَةٌ مِنَ الشَّيخِ، أَوِ الشَّيخُ أَعطَاهُ كِتَابًا نَاوَلَهُ هَذَا الكِتَابَ، كِتَابٌ مَوثُوقٌ وَمُعتَمَدٌ نَاوَلَهُ إِيَّاهُ، وَقَد يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ مَعَ الإِجَازَةِ وَقَد يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ مِن غَيرِ إِجَازَةٍ، لَكِن هَذِهِ المُنَاوَلَةُ مِنَ الشَّيخِ لِهَذاَ الطَّالِبِ نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي، أَنَا مَثَلًا مَا سَمِعتُ مِنَ الشَّيخِ وَلَا قَرَأتُ عَلَيهِ وَلَا قُرِئَ عَلَيهِ بِحُضُورِي فَهُوَ قَالَ لِي بَارَكَ اللهُ فِيكَ نَاوَلتُكَ هَذَا الكِتَابَ خُذ هَذَا الكِتَابَ هَذَا كِتَابٌ مِن رِوَايَتِي أَو مِن تَألِيفِي مَوثُوقٌ، فَأَنَا آخُذُ الكِتَابَ وَلَو لَم أَسمَعهُ مِنَ الشَّيخِ لَو مَا قُرِأَ عَلَى الشَّيخِ بِحُضُورِي أَو أَنَا قَرَأتُهُ عَلَيهِ يُرِيدُ أَن أَروِيَ لِلنَّاسِ هَذَا نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي، لَكِن مَن هَذَا الطَّالِبُ الَّذِي يُعطِيهِ الشَّيخُ الكِتَابَ مُنَاوَلَةً؟ لَا يَعرِفُ الأَلِفَ مِنَ العَصَا! لَا بُدَّ أَن يَكُونَ إِنسَانًا مُتَعَلِّمًا الدِّينَ يَعرِفُ العَقِيدَةَ وَالأَحكَامَ الضَّرُورِيَّةَ وَمُتَعِلِّمًا النَّحوَ، لَيسَ مِثلَ هَذِهِ الأَيَّامِ يُرَاسِلُونَ بَعضَ المَشَايِخِ عَلَى الإِنتَرنِتِّ وَاحِدٌ بِالصِّينِ وَوَاحِدٌ بِاليَابَانِ، اللهُ يُبَارِكُ فِيكَ أَجِزنِي، وَهُوَ لَا يَعرِفُ كَيفَ يَقرَأُ العَرَبِيَّةَ وَلَيسَ مُتَعَلِّمًا العَقِيدَةَ، لَكِن حَتَّى يَجمَعَ وَيَقُولَ أَنَا عِندِي كَثِيرٌ مِنَ الأَسَانِيدِ وَكَثِيرٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ، إِذَا قُلتَ لَهُ اقرَأ عَن حَاضِرٍ لَا يَقرَأُ عَن حَاضِرٍ، نَحنُ لَا نَتَكَلَّمُ عَن هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ الشَّيخَ إِذَا نَاوَلَ أَحَدَ طُلَّابِهِ أَو أَجَازَهُ يَكُونُ مُتَأَكِّدًا مِنهُ هَذَا إِنسَانٌ يَخَافُ اللهَ ثِقَةٌ مُتَعَلِّمٌ الضَّرُورِيَّاتِ وَمُتَمَكِّنٌ فِي عِلمِ النَّحوِ لَيسَ إِنسَانًا يُخَرِّفُ وَيُحَرِّفُ، فَالعَالِمُ المُحَدِّثُ أَعطَانَا كِتَابًا يُقَالُ لَهُ بِهَذَا الفِعلِ مُنَاوَلَةٌ نَاوَلَنِي وَهَذِهِ المُنَاوَلَةُ نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي يُرِيدُ أَن أَروِيَ عَنِ الشَّيخِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ،
فَيَقُولُ البُخَارِيُّ: وَكِتَابُ أَهلِ العِلمِ بِالعِلمِ إِلَى البُلدَانِ، انظُر كَيفَ وَضَعَ البُخَارِيُّ المُنَاوَلَةَ مَعَ المُكَاتَبَةَ، يَكُونُ الطَّالِبُ مَثَلًا فِي بَلَدٍ آخَرَ وَالشَّيخُ المُحَدِّثُ يَكتُبُ بِخَطِّ يَدِهِ أَو يَأمُرُ ثِقَةً أَن يَكتُبَ، أَعطُوهُ لِلشَّيخِ فُلَانٍ فِي عَمَّانَ هَذَا الحَدِيثُ هَذَا مِن مَروِيَّاتِي، وَصَلَ لِلشَّيخِ فلان رِسَالَةٌ بِخَطِّ الشَّيخِ أَو بِخَطِّ مَن أَمَرَهُ الشَّيخُ وَصَلَت عِندَ الشَّيخِ فلان هَذِهِ الرِّسَالَةُ يَعرِفُ أَنَّ هَذَا خَطُّ العَاِلمِ أَو خَطُّ الثِّقَةِ الَّذِي كَتَبَ لَكِن هُوَ مَا سَمِعَ مِنَ الشَّيخِ وَمَا سَمِعَ مِمَّن كَتَبَ، هَل لَهُ أَن يَروِيَ هَذَا عَن شَيخِهِ؟ نَعَم لَهُ هَذَا نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّلَقِّي يُقَالُ لَهَا المُكَاتَبَةُ، وَالبُخَارِيُّ لَمَّا ذَكَرَ المُنَاوَلَةَ وَالمُكَاتَبَةَ مَعًا هُوَ بِرَأيِهِ هِيَ مِثلُ بَعضِهَا لَكِن عِندَ بَعضِ العُلَمَاءِ المُنَاوَلَةُ أَعلَى)
وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ (أَي مُرَاسَلَاتُهُم بِالعِلمِ بِشَرطِهِ) بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ (يَستَدِلُّ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ عَلَى أَمرِ المُكَاتَبَةِ بِمَا قَاَلُه أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَسَخَ عُثمَانُ المَصَاحِفَ مَعنَاهُ كَتَبَ أَي أَمَرَ سَيِّدُنَا عُثمَانُ بَعضَ الصَّحَابَةِ أَن يَنسَخُوهَا فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ أَمَرَ بِكِتَابَةِ المَصَاحِفِ وَأَرسَلَهَا إِلَى الآفَاقِ فَالنَّاسُ، أَقَرُّوا ذَلِكَ وَاعتَمَدُوا ذَلِكَ، فَإِذَن هَذَا أَمرٌ جَائِزٌ وَمَقبُولٌ إِذَا كَانَ هَكَذَا الأَمرُ فِي كِتَابِ اللهِ، فَمَا بَالُكَ فِي حَدِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ، أَرسَلَ سَيِّدُنَا عُثمَانُ مُصحَفًا إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَآخَرَ إِلَى الشَّامِ وَآخَرَ إِلَى اليَمَنِ وَآخَرَ إِلَى البَحرَينِ وَآخَرَ إِلَى البَصرَةِ وَآخَرَ إِلَى الكُوفَةِ وَأَمسَكَ بِالمَدِينَةِ وَاحِدًا، المَشهُورُ أَنَّ هَذِهِ كَانَت خَمسَةً، لَكِن بَعضُ العُلَمَاءِ قَالُوا أَكثَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهَا أَربَعَةٌ)،
وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (مُرَادُهُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ) وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا (يَعنِي المُنَاوَلَةُ وَالإِجَازَةُ أَمرٌ جَائِزٌ، رَأَوهُ جَائِزًا)،
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ (أَي بَعضُ عُلَمَاءِ الحِجَازِ وَهُوَ الحُمَيدِيُّ مِن مَشَايِخِ البُخَارِيِّ) فِي الْمُنَاوَلَةِ (أَي فِي جَوَازِهَا وَصِحَّتِهَا) بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ (بِحَدِيثٍ فِيهِ المُنَاوَلَةُ وَمَعنَى المُكَاتَبَةِ) حَيْثُ كَتَبَ (أَي أَمَرَ بِالكِتَابَةِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا كَمَا لَا يَخفَى لَم يَكُن يَقرَأُ المَكتُوبَ وَلَا يَكتُبُ المَقرُوءَ) لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ (السَّرِيَّةُ هِيَ القِطعَةُ مِنَ الجَيشِ، كَانُوا اثنَي عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ المَكَانِ قَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَأَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ وَاعتَبَرُوا ذَلِكَ أَمرًا مَقبُولًا) كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا»، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ (مَعنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ، مَعنَاهُ أَمَرَ بِالكِتَابَةِ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ عَبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ كِتَابًا، وَأَخبَرَهُ قَالَ لَهُ لَا تَقرَأهُ حَتَّى تَبلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ المَكَانِ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ فَأَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَخبَرَهُم بِأَمرِ النَّبِيِّ ﷺ وَاعتَبَرُوا ذَلِكَ أَمرًا مَقبُولًا، فَإِذَن هَذِهِ المُكَاتَبَةُ المُستَوفِيَةُ لِلشُّرُوطِ هِيَ أَمرٌ مَقبُولٌ، لَنَا أَن نَروِيَ عَن هَذَا الشَّيخِ الثِّقَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ).
64- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
الشَّرحُ: 64- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا (أَي بَعَثَ رَجُلًا بِكِتَابِهِ وَهُوَ أَيِ الرَّجُلُ هَذَا عَبدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ السَّهمِيُّ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ (أَن يُنَاوِلَهُ) إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ (أَيِ الَّذِي يُعَظِّمُهُ أَهلُ البَحرَينِ، وَاسمُهُ المُنذِرُ بنُ سَاوَى) (مَعنَى: «أَمَرَهُ أَن يَدفَعَهُ» فِيهِ مَعنَى المُنَاوَلَةِ، هَذَا الصَّحَابِيُّ أَخَذَ كِتَابَ النَّبِيِّ رِسَالَةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ أَمَرَهُ أَن يَدفَعَهُ أَي أَن يُعطِيَ هَذَا الكِتَابَ إِلَى عَظِيمِ البَحرَينِ)، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى (هَذَا عَظِيمُ البَحرَينِ أَرسَلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى كِسرَى لِأَنَّ النَّبِيَّ هَكَذَا طَلَبَ ﷺ)، فَلَمَّا قَرَأَهُ (أَي كِسرَى قَرَأَ الرِّسَالَةَ قَرَأَ الكِتَابَ) مَزَّقَهُ (أَي مَزَّقَ كِتَابَ الرَّسُولِ ﷺ)، فَحَسِبْتُ (المُتَكَلِّمُ هُنَا هُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الحَدِيثِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ شِهَابٍ الزُّهرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ) أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ (أَي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ كَمَا لَا يَخفَى) قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (مَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا عَلَيهِم أَن يُمَزَّقُوا غَايَةَ التَّمزِيقِ، وَهَذَا الَّذِي حَصَلَ، ابنُ كِسرَى قَتَلَ أَبَاهُ مَزَّقَ بَطنَهُ، اللهُ تَعَالَى مَزَّقَ مُلكَ كِسرَى وَزَالَ مِن جَمِيعِ الأَرضِ وَاضمَحَلَّ بِدَعوَةِ نَبِيِّنَا ﷺ)
(ومُرَادُ البُخَارِيِّ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ بِرَسَائِلَ إِلَى المُلُوكِ عَن طَرِيقِ المُكَاتَبَةِ، كَتَبَهَا أَحَدُ الصَّحَابَةِ بِأَمرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَاعتَبَرَهَا النَّبِيُّ كَافِيَةً فِي تَبلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَهَذَا أَمرٌ مُعتُرَفٌ بِهِ وَمَقبُولٌ، هَذَا مُرَادُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، لَكِن فِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعدَمَا بَلَغَهُ هَذَا الأَمرُ مَاذَا فَعَلَ؟).
65- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.
الشَّرحُ: 65- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا (أَي أَمَرَ بِكِتَابَتِهِ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَقرَأُ وَلَا يَكتُبُ وَهَذَا مَدْحٌ فِي حَقِّهِ وَلَيسَ ذَمًّا، لِأَنَّهُ مَعرُوفٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ أَن تَقُولَ: دَخَلَ المَلِكُ البِلَادَ فَاتِحًا، مَعنَاهُ دَخَلَ الجَيشُ بِأَمرِ المَلِكِ، وَبَنَى الأَمِيرُ قَصرًا: أَي بَنَي بِأَمرِهِ، هَذَا يُسَمَّى مَجَازَ الحَذفِ.
وَمِنهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، أَي جَاءَت آثَارُ قُدرَتِهِ، فَقَد صَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ التَّفْصِيلِىُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَهُوَ مِنَ السَّلَفِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفَجْرِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ.اﻫ أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِى تَظْهَرُ حِينَ يَحْضُرُ الْمَلائِكَةُ صُفُوفًا فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِعُنُقٍ مِنْ جَهَنَّمَ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ يَجُرُّ كُلَّ زِمَامٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِسِلْسِلَةٍ حَتَّى يَرَى النَّاسُ وَهُمْ فِى الْمَوْقِفِ ذَلِكَ الْعُنُقَ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى مَكَانِهِ.
وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ صَحَّحَ سَنَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ الَّذِى قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ صَلاحُ الدِّينِ الْعَلائِىُّ: لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْبَيْهَقِىِّ وَالدَّارَقُطْنِىِّ مِثْلُهُمَا وَلا مَنْ يُقَارِبُهُمَا اﻫ أَىْ فِى الْحَدِيثِ وَعُلُومِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِىُّ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ اﻫ
ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لا يَعْتَقِدُ فِى الْمَجِىءِ الَّذِى وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالنُّزُولِ الَّذِى وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ انْتِقَالًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ كَمَجِىءِ ذَوَاتِ الأَجْسَامِ وَنُزُولِهَا وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ أَثَرِ قُدْرَتِهِ) أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ (شَكَّ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فَقِيلَ لَهُ (أَي قِيلَ لِنَبِيِّنَا ﷺ): إِنَّهُمْ (أَيِ الَّذِينَ سَتُرسِلُ لَهُم) لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا (أَي غَيرَ مَفتُوحٍ)، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (يَستَدِلُّ فِيهِ البُخَارِيُّ عَلَى أَمرِ المُكَاتَبَةِ، كَانَ يَبعَثُ النُّبِيُّ الرَّسَائِلَ وَيَختِمُ عَلَيهَا بِخَتمِهِ فَاعتَبَرَهَا تَكفِي لِتَبلِيغِ الدَّعوَةِ فَالمُكَاتَبَةُ أَمرٌ مَقبُولٌ عَلَى النَّحوِ الَّذِي ذَكَرنَاهُ فَزِيَادَةُ هَذِهِ الفَائِدَةِ أَنَّ النَّبِيَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا وَهَذَا الخَاتَمُ نَقشُهُ مَكتُوبٌ عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ (لِأَنَّهُ كَانَ يَلبَسُهُ فِي الخِنصِرِ الإِصبَعِ الصَّغِيرِ)، فَقُلْتُ (يَعنِي شُعبَةَ) لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ (أَنَسٌ أَخبَرَنَا صَاحِبُ النَّبِيِّ هُوَ الَّذِي قَالَ لَنَا أَنَّ خَاتَمَ النَّبِيِّ مَكتُوبٌ عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، كَيفَ كُتِبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟، مَا جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيثِ، لَكِن يَذكُرُ بَعضُ العُلَمَاءِ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الأَوَّلِ لَفظُ الجَلَالَةِ اللهُ ثُمَّ رَسُولُ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ،كُتِبَ لَفظُ الجَلَالَةِ اللهُ فِي الأَوَّلِ لِلتَّعظِيمِ، هَذَا مِمَّا يَختَصُّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أَمَّا بِالنِّسبَةِ لَنَا إِذَا نَحنُ كَتَبنَا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ نَكتُبُ بِالتَّرتِيبِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. أَرَادَ بِذَلِكَ البُخَارِيُّ أَن يُبَيِّنَ عَن صِحَّةِ المُنَاوَلَةِ وَصِحَّةِ المُكَاتَبَةِ.
فَأَنوَاعُ التَّلَقِّي مُتَعَدِّدَةٌ، العِلمُ لَابُدَّ أَن يُؤخَذَ بِالتَّلَقِّي لَا مِن جُوجِل وَلَا مِن يُوتيُوب، إِنَّمَا العِلمُ يُؤخَذُ بِالتَّلَقِّي. وَالتَّلَقِّي يَكُونُ إِمَّا بِسَمَاعِ لَفظِ الشَّيخِ بَعدَ التَّأَكُّدِ أَنَّهُ إِنسَانٌ ثِقَةٌ يَخَافُ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِمَّا أَن نَقرَأَ عَلَى الشَّيخِ أَو أَحَدٌ يَقرَأُ عَلَيهِ بِحُضُورِنَا فَنَروِيَ عَنهُ، أَو يَأتِيَ الشَّيخُ وَيُعطِيَنِي كِتَابًا مِن كُتُبِهِ يَقُولُ هَذَا لِي وَاروِهِ عَنِّي، أَو يَكتُبَ الشَّيخُ رِسَالَةً لِي وَأَنَا فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ يَبعَثُ لِي رِسَالَةً بِخَطِّهِ أَو بِخَطِّ ثِقَةٍ أَمَرَهُ أَن يَكتُبَ، فَاسمُهَا المُكَاتَبَةُ، فَأَنَا أَروِي عَنهُ وَهُنَاكَ شَيءٌ مَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ وَهُوَ الإِجَازَةُ، وَالإِجَازَةُ مَعنَاهَا أَن يُعطِيَ العَالِمُ الثِّقَةُ وَالمُحَدِّثُ الثِّقَةُ هَذَا الطَّالِبَ إِجَازَةً بِأَن يَروِيَ عَنهُ شَيئًا مَا لِمَا يَرَى مِنهُ مِن أَنَّهُ إِنسَانٌ نَجِيبٌ مُتَمَكِّنٌ فِي عِلمِ العَقِيدَةِ مُتَمَكِّنٌ فِي الأَحكَامِ الضَّرُورِيَّةِ مُتَمَكِّنٌ فِي النَّحوِ رَآهُ أَنَّهُ عَلَى خَيرٍ لَا يَخَافُ عَلَيهِ أَن يُحَرِّفَ، وَقَد يَقُولُ لَهُ أَجَزتُكَ بِصَحِيحِ البُخَارِيِّ أَو أَجَزتُكَ بِالكُتُبِ السِّتَّةِ فِي الحَدِيثِ أَو أَجَزتُكَ بِكُلِّ مَروِيَّاتِي، فَهَذَا الطَّالِبُ الثِّقَةُ الَّذِي أَخَذَ الإِجَازَةَ مِنَ العَالِمِ الثِّقَةِ لَهُ أَن يَروِيَ لِلنَّاسِ مِن مَسمُوعَاتِ هَذَا الشَّيخِ إِجَازَةً عَامَّةً بِشَرطِ أَن تَكُونَ النُّسخَةُ الَّتِي يَقرَأُ مِنهَا مَضبُوطَةٌ. فَإِذَن مَا بَيَّنَهُ لَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ أَن نَأخُذَ العِلمَ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ، لَيسَ مِن أَيِّ إِنسَانٍ تَصَدَّرَ لِلتَّدرِيسِ بِاسمِ الدِّينِ أَو قِرَاءَةِ الحَدِيثِ أَو قِرَاءَةِ الفِقهِ أَو غَيرِ هَذَا مِن فُنُونِ العِلمِ، لَا نُسَلِّمُ لِأَيِّ أَحَدٍ وَنَقُولُ هَذَا شَيخٌ مُعَمَّمٌ هَذَا صَاحِبُ شَهَادَةٍ طَلَعَ عَلَى التِّلفَازِ يُنَادُونَهُ الأُستَاذَ الدُّكتُورَ، إِنَّمَا يُعرَضُ كَلَامُهُ عَلَى مِيزَانِ الشَّرعِ أَوَّلًا، الإِمَامُ البُخَارِيُّ يُؤَكِّدُ عَلَى فَضِيلَةِ طَلَبِ العِلمِ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ وَيُؤَكِّدُ عَلَى طَرِيقَةِ كَيفَ نَتَلَقَّى العِلمَ، هَل نَأخُذُ العِلمَ مِن صَفَحَاتِ الإِنتَرنِتِّ وَبِالمُطَالَعَةِ بِالكُتُبِ مِن أَيِّ إِنسَانٍ تَصَدَّرَ لِلتَّدرِيسِ؟، أَم لَا بُدَّ مِن شُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ؟ نَعَم، لَا بُدَّ مِن شُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا يُؤخَذُ العِلمُ عَن أَيِّ إِنسَانٍ، كَمَا أَنَّ الطِّبَّ لَا يُؤخَذُ عَن أَيِّ إِنسَانٍ، وَالهَندَسَةَ لَا تُؤخَذُ عَن أَيِّ إِنسَانٍ، لِكُلٍّ أَهلٌ، وَلِكُلٍّ اختِصَاصٌ، فَكَذَلِكَ عِلمُ الدِّينِ وَهُوَ أَشرَفُ العُلُومِ فَمِن بَابِ أَولَى أَن يَكُونَ تَلَقِّي هَذَا العِلمِ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ الثِّقَاتِ الَّذِينَ أَخَذُوا العِلمَ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ ﷺ).
(52) بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
الشَّرحُ: (52) بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا (هَذَا الَّذِي سَيَذكُرُهُ البُخَارِيُّ هُنَا مِن آدَابِ المَجلِسِ، فَهَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ أُمُورٍ مُهِمَّةٍ يَدخُلُ فِيهِ أَدَبُ الطَّالِبِ مِن عِدَّةِ أَوجُهٍ، بَابُ مَن قَعَدَ حَيثُ يَنتَهِي بِهِ المَجلِسُ، دَخَلتَ إِلَى مَجلِسِ العِلمِ أَينَ تَجلِسُ؟ النَّاسُ سَبَقُوكَ فِي مَجلِسِ العِلمِ أَنتَ دَخَلتَ مُتَأَخِّرًا، أَينَ تَجلِسُ؟ قَالَ: حَيثُ يَنتَهِي بِكَ المَجلِسُ، وَأَمَّا مَن رَأَى فُرجَةً فِي الحَلَقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، مَعنَاهُ مَن رَأَى فِي دَاخِلِ هَذَا المَجلِسِ فُرجَةً مِثلَ فُسحَةٍ فَرَاغٍ يَتَقَدَّمُ لِيَجلِسَ فِي هَذِهِ الفُرجَةِ)
66- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ».
الشَّرحُ: 66- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ (أَي فِي المَسجِدِ النَّبَوِيِّ) وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (أَي فَوَقَفَا عَلَى مَجلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً (أَي فَرَاغًا) فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا (مَعنَاهُ هَذَا رَأَى فُرجَةً وَدَخَلَ إِلَى المَجلِسِ وَجَلَسَ فِي هَذِهِ الفُرجَةِ)، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ (خَلفَ الحَلقَةِ حَيثُ انتَهَى بِهِ المَجلِسُ)، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ دَخَلُوا فَوَجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ يُحَدِّثُ بَعضَ أَصحَابِهِ وَهُم فِي حَلَقَةٍ مَعَهُ، اثنَانِ مِنهُمَا دَخَلَا وَالثَّالِثُ أَدبَرَ وَذَهَبَ، الأَوَّلُ مِنهُمَا جَلَسَ عِندَمَا رَأَى فُسحَةً فِي الأَمَامِ رَأَى فَرَاغًا فَسَدَّ هَذَا الفَرَاغَ، وَالثَّانِي جَلَسَ فِي خَلفِ الحَلَقَةِ حَيثُ انتَهَى بِهِ المَجلِسُ، وَالثَّالِثُ ذَهَبَ وَأَذهَبَ عَلَى نَفسِهِ خَيرًا كَبِيرًا فَمَاذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ)،
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَي فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا كَانَ مُشتَغِلًا بِهِ) قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ (انضَمَّ إِلَى مَجلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَلَسَ فِي هَذِهِ الفُرجَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللهِ فَجَازَاهُ بِأَن رَحِمَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَضَمَّهُ إِلَى رَحمَتِهِ وَرِضوَانِهِ، وَهَذَا مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ، هُنَاكَ شَيءٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ المُشَاكَلَةُ، نَفسُ الكَلِمَةِ تَأتِي فِي الجُملَةِ فِي مَوضِعَينِ فِي مَوضِعٍ بِمَعنًى وَفِي المَوضِعِ الثَّانِي بِمَعنًى آخَرَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، المَكرُ بِمَعنَى الخِدَاعِ وَالخُبثِ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جَاءَت عَلَى بَابِ المُشَاكَلَةِ، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾، وَمَكَرُوا هُم عِندَهُم خُبثٌ وَخِدَاعٌ أَرَادُوا الضَّرَرَ لِنَبِيِّ اللهِ مُوسَى وَمَن مَعَهُ، وَمَكَرَ اللهُ جَازَاهُم عَلَى مَكرِهِم أَوصَلَ إِلَيهِمُ الضَّرَرَ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ هَذَا مَعنَاهَا. ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، هَذَا مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ، نَسُوا اللهَ هُم تَرَكُوا طَاعَتَهُ أَعرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِهِ نَسُوا اللهَ، فَنَسِيَهُم يَعنِي تَرَكَهُم فِي العَذَابِ عَاقَبَهُم عَلَى كُفرِهِم بِأَن جَعَلَ مَأوَاهُمُ النَّارَ، فَأَوَّلُ كَلِمَةٍ: نَسُوا اللهَ لَهَا مَعنًى، وَالثَّانِيَةُ: فَنَسِيَهُم لَهَا مَعنًى آخَرُ مَعَ أَنَّهُا نَفسُ الكَلِمَةِ.
كَذَلِكَ هُنَا أَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ أَوَى إِلَى اللهِ، أَوَى إِلَى مَجلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَازَاهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِالرَّحمَةِ وَالرِّضوَانِ، أَثَابَهُ اللهُ عَلَى حُضُورِهِ فِي هَذَا المَجلِسِ بِالثَّوَابِ وَالرَّحمَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ العُلَمَاءُ مَعنَى أَوَى إِلَى الله أَي لَجَأَ إِلَيهِ، قَالَ القَاضِي وَعِندِي أَنَّ مَعنَاهُ هُنَا دَخَلَ مَجلِسَ ذِكرِ اللهِ تَعَالَى أَو دَخَلَ مَجلِسَ رَسُولِ الله ﷺ وَمَجمَعِ أَولِيَائِهِ وَانضَمَّ إِلَيهِ، وَمَعنَى آوَاهُ الله أَي قَبِلَهُ وَقَرَّبَهُ وَقِيلَ مَعنَاهُ رَحِمَهُ أَو آوَاهُ إِلَى جَنَّتِهِ أَي كَتَبَهَا لَهُ)،
وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ (أَي تَرَكَ المُزَاحَمَةَ حَيَاءً مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَلَم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ أَيضًا) (قَالَ النَّوَوِيُّ: أَي تَرَكَ المُزَاحَمَةَ وَالتَّخَطِّي حَيَاءً مِنَ اللهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالحَاضِرِينَ، أَوِ استِحيَاءً مِنهُم أَن يُعرِضَ ذَاهِبًا كَمَا فَعَلَ الثَّالِثُ، فَاستَحَى اللهُ مِنهُ أَي رَحِمَهُ وَلَم يُعَذِّبهُ بَل غَفَرَ ذُنُوبَهُ، وَقِيلَ جَازَاهُ بِالثَّوَابِ، قَالُوا وَلَم يُلحِقهُ بِدَرَجَةِ صَاحِبِهِ الأَوَّلِ فِي الفَضِيلَةِ الَّذِي آوَاهُ وَبَسَطَ لَهُ اللُّطفَ وَقَرَّبَهُ)،
وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (أَدبَرَ وَمَا دَخَلَ مَجلِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَازَاهُ اللهُ بِأَن أَعرَضَ اللهُ عَنهُ أَي لَم يَرْحَمْهُ وَهَذَا مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ أَيضًا) (أَي لَم يَرحَمهُ، قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فِيهِ استِحبَابُ جُلُوسِ العَالِمِ لِأَصحَابِهِ وَغَيرِهِم فِي مَوضِعٍ بَارِزٍ ظَاهِرٍ لِلنَّاسِ، وَالمَسجِدُ أَفضَلُ، فَيُذَاكِرَهُمُ العِلمَ وَالخَيرَ، وَفِيهِ جَوَازُ حِلَقِ العِلمِ وَالذِّكرِ فِي المَسجِدِ وَاستِحبَابُ دُخُولِهَا وَمُجَالَسَةِ أَهلِهَا وَكَرَاهَةُ الِانصِرَافِ عَنهَا مِن غَيرِ عُذرٍ، وَاستِحبَابُ القُربِ مِن كَبِيرِ الحَلقَةِ لِيَسمَعَ كَلَامَهُ سَمَاعًا بَيِّنًا وَيَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ، وَأَنَّ قَاصِدَ الحَلقَةِ إِن رَأَى فُرجَةً دَخَلَ فِيهَا وَإِلَّا جَلَسَ وَرَاءَهُم، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَن فَعَلَ جَمِيلًا فَإِنَّهُ ﷺ أَثنَى عَلَى الِاثنَينِ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَأَنَّ الإِنسَانَ إِذَا فَعَلَ قَبِيحًا وَمَذمُومًا وَبَاحَ بِهِ جَازَ أَن يُنسَبَ إِلَيهِ وَالله أَعلَمُ).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ…
السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
هَل يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى عِشرِينَ رَكعَةً فِي قيام رمضان؟
نَعَم يَجُوزُ، لَو صَلَّى مَا يُرِيدُ مِنَ الرَّكَعَاتِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيسَ لِقِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ وَأَحَبُّ إِلَيَّ مَا طَالَ قِيَامُهُ. مَعنَاهُ لَو كَانَ العَدَدُ قَلِيلًا إِن أُطِيلَتِ القِرَاءَةُ عِندِي أَفضَلُ مِنَ العَدَدِ الكَثِيرِ الَّذِي لَيسَ فِيهِ طُولُ قِيَامٍ، لَكِن لَا بَأسَ بِالعَدَدِ الكَثِيرِ، وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبحُ فَليُوتِر بِرَكعَةٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَوَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «الصَّلَاةُ خَيرُ مَوضُوعٍ فَاستَكثِر أَو أَقِلَّ»، رَوَاهُ أَحمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
مَن قَالَ هَذَا الدُّعَاءَ صَبَاحًا يُحفَظُ إِلَى المَسَاءِ وَمَن قَالَهُ مَسَاءً يُحفَظُ إِلَى الصَّبَاحِ:
«إِنَّ رَبِّيَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظِيمُ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأُ لَم يَكُن، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، أَشهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، أَعُوذُ باللهِ الَّذِي يُمسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرضِ إِلَّا بِإِذنِهِ مِن شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ».
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ….
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَبِاسمِكَ العَظِيمِ الأَعظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلتَ بِهِ أَجَبتَ اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَءَاجِلِهِ مَا عَلِمنا مِنهُ وَمَا لَم نعلَم، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَءَاجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم، وَنَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنسأَلُكَ مِمَا سَأَلَكَ بِهِ عَبدُكَ ونَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَنَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعَوَّذَ مِنهُ عَبدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا قَضَيتَ لَنَا مِن قَضَاءٍ فَاجعَل عَاقِبَتَهُ رَشَدًا.
اللهم اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا، اللهم مَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا، وَأَبصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا، وَاجعَلهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجعَل ثَأرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن عَادَانَا، وَلَا تَجعَل مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا تُسَلِّط عَلَينَا مَن لَا يَرحَمُنَا.
يَا لَطِيفًا بخَلقِهِ، يَا عَلِيمًا بخَلقِهِ يَا خَبِيرًا بخَلقِهِ الطُف بِنَا يَا لَطِيفُ يَا عَلِيمُ يَا خَبِيرُ
اللهم ارزُقنَا وَأَحبَابَنَا وَأَهلَنَا وَكُلَّ مَن سَأَلَنَا الدُّعَاءَ سُؤلَنَا مِنَ الخَيرِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ الحَبِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَى صُورَتِهِ الأَصلِيَّةِ فِي المَنَامِ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ وَكُلَّ لَيلَةٍ وَزِدنَا حُبًّا بِهِ وَاجعَلنَا مِنَ الصَّالِحِينَ الصَّابِرِينَ وَأَجِرنَا مِنَ النَّارِ وَمِن عَذَابِ القَبرِ وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ بِلَا سَابِقِ عَذَابٍ. اللهم اشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ وَيَسِّر أُمُورَنَا وَفَرِّج كُرُوبَنَا وَارزُقنَا مِن حَيثُ لَا نَحتَسِبُ وَأَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ وَتَركِ الكَسَلِ. اللهم سَهِّل عَلَينَا تَربِيَةَ أَولَادِنَا تَربِيَةً حَسَنَةً وَاجعَلهُم مِنَ الأَولِيَاءِ الصَّالِحِينَ.
اللهم انصُرِ المُسلِمِينَ عَلَى أَعدَائِهِم فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ وَاليَمَنِ وَالعِرَاقِ وَالصِّينِ وَفِي جَمِيعِ أَنحَاءِ العَالَمِ. اللهم ثَبِّت أَقدَامَهُم وَانصُرهُم عَلَى أَعدَائِهِم وَيَسِّر أَمرَهُم وَفَرِّج كَربَهُم وَاشفِ مَرضَاهُم وَارحَم مَوتَاهُم وَارزُقهُم مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُونَ. اللهم عَلَيكَ بِاليَهُودِ الغَاصِبِينَ وَاجعَل كَيدَهُم فِي نَحرِهِم اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مُحَرَّرَةً وَاضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ وَأَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِهِم سَالِمِينَ
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم. رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…