صحيح البخاري (24) | كتاب العلم | الحرص على الحديث، وتعليم النساء، وكيف يُقبض العلم

صحيح الإمام البخاري

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي لَا يَغفُلُ وَلَا يَخَافُ فَوَاتًا، الَّذِي خَلَقَ الكَونَ وَمِن نِعَمِهِ ءَاتَى، جَمَعَ بِقُدرَتِهِ مِنَ المُختَلِفَاتِ أَشتَاتًا، وَفَرَّقَ بَينَ الإِلفَينِ وَكَم بَاتَا، وَقَصَمَ بِقَهرِهِ مِن تَكَبُّرٍ وَتَعَاتَى، كَم مُطمَئِنٍّ فِي عِزَّتِهِ أَخَذَهُ بِعِزَّتِهِ بَيَاتًا، وَكَم هَدَمَ قَصرًا مَشِيدًا وَكَم زَلزَلَ أَبيَاتًا، يَعلَمُ ضَمَائِرَ القُلُوبِ وَيَسمَعُ أَصوَاتًا، لَا يَنقُصُهُ مِن مُلكِهِ مَا وَهَبَ وَآتَى، جَعَلَ مَهرَ الأُخرَى طَلَاقَ الدُّنيَا بَتَاتًا، وَأَعلَمَ الزَّاهِدِينَ أَنَّهَا لَا تَستَطِيعُ ثَبَاتًا، مَدَّ الأَرضَ وَأَثبَتَهَا بِالجِبَالِ إِثبَاتًا، وَأَخرَجَ مِنهُ نَبتًا وَزَرعًا وَجَعَلَهُ أَقوَاتًا، وَصَيَّرَهَا مَسَاكِنَ الخَلقِ تُرَبِّيهِم صِغَارًا وَتَضُمُّهُم رُفَاتًا، وَكَتَبَ لِفَنَاءِ سَاكِنِيهَا عُمرًا مُقَدَّرًا وَمِيقَاتًا، فَقَضَى لَهُم حَياةً وَقَضَى عَلَيهِم مَمَاتًا، مَا تَأتِيكَ عِبرَةٌ مِثلُ أَنَّ أَبَاكَ وَأُمَّكَ مَاتَا. وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَكمَلَ البَشَرِ خُلُقًا وَخَلقًا، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ الحَائِزِ فَضَائِلَ الِاتِّبَاعِ سَبقًا، وَعَلَى عُمَرَ العَادِلِ فَمَا حَابَى خَلقًا، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي استَسلَمَ لِلشَّهَادَةِ وَمَا تَوَقَّى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي بَاعَ مَا يَفنَى وَاشتَرَى مَا يَبقَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ النَّاصِرِينَ لِدِينِ الله حَقًّا، وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

(74) باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه

فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا.

الشَّرحُ:

(74) بَابُ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا (أَعَادَ الحَدِيثَ فِي أُمُورِ الدِّينِ ثَلَاثًا) لِيُفْهَمَ عَنْهُ (أَيِ الكَلَامُ)

فَقَالَ (أَيِ النَّبِيُّ ﷺ): «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» (وَهُوَ طَرَفُ حَدِيثٍ)، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا.

(بَابُ مَن أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلَاثًا، مَن أَعَادَ الحَدِيثَ فِي أُمُورِ الدِّينِ ثَلَاثًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لِيُفهَمَ عَنهُ، يُكَرِّرُ الكَلَامَ فِي العِلمِ، أَي هَذِهِ الجُملَةُ يُكَرِّرُهَا أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ حَتَّى يَفهَمَ النَّاسُ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، أَي مَا زَالَ يُكَرِّرُ هَذِهِ الجُملَةَ فِي مَجلِسِهِ ذَلِكَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ»، مُرَادُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّكرَارِ أَن يَفهَمَ النَّاسُ وَيَعُوا عَنهُ مَا يَقُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَل بَلَّغتُ»، ثَلَاثًا، هَذَا ابنُ عُمَرَ يَروِي عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هَل بَلَّغتُ، هَل بَلَّغتُ، هَل بَلَّغتُ»، مَعنَاهُ هَذَا التَّكرَارُ إِنَّمَا المُرَادُ مِنهُ تَفهِيمُ النَّاسِ، هَذَا المُرَادُ، وَهَذَا الَّذِي يَنبَغِي، لِأَنَّ المُرَادَ مِن تَعلِيمِ النَّاسِ أَن يَفهَمُوا مَا يَسمَعُونَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعِيدُ الحَدِيثَ ثَلَاثًا).

94- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.

الشَّرحُ:

94- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا (لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى قَومٍ سَلَّمَ مَرَّةً ثُمَّ يَقُولُونَ: وَعَلَيكُمُ السَّلَامُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، 

(كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَي كَانَ مِن عَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَى أُنَاسٍ سَلَّمَ عَلَيهِم ثَلَاثًا، أَي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَعنِي بِأَيِّ طَرِيقَةٍ؟ قَالَ أَهلُ العِلمِ: يَحتَمِلُ أَن يَكُونَ مَعنَاهُ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَتَى إِلَى قَومٍ سَلَّمَ عَلَيهِم تَسلِيمَةَ الِاستِئذَانِ، وَإِذَا دَخَلَ سَلَّمَ تَسلِيمَةَ التَّحِيَّةِ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ المَجلِسِ سَلَّمَ تَسلِيمَةَ الوَدَاعِ، وَكُلُّ هَذَا سُنَّةٌ، فَأَنتَ إِذَا أَرَدتَ أَن تَذهَبَ إِلَى قَومٍ تُسَلِّمُ عَلَيهِم تَسلِيمَةَ الِاستِئذَانِ، ثُمَّ لَمَّا تَدخُلُ إِلَيهِم إِلَى الدَّاخِلِ تُسَلِّمُ عَلَيهِم تَسلِيمَةَ التَّحِيَّةِ، ثُمَّ إِذَا أَرَدتَ أَن تُفَارِقَ لِلوَدَاعِ تُسَلِّمُ كَذَلِكَ تَسلِيمَةَ الوَدَاعِ، وَكُلُّ هَذَا سُنَّةٌ، 

وبعضهم قال هَذَا فِي الِاستِئذَانِ، أَي أَنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً: السَّلَامُ عَلَيكُم، فَإِن لَم يُجِبهُ أَحَدٌ يُعِيدُ، ثُمَّ يُعِيدُ، ثُمَّ إِن لَم يُجِبهُ أَحَدٌ يَنصَرِفُ، 

هَذَا مَعنَى مَا قَالَهُ شُرَّاحُ الحَدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، ) وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا (وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِكَلِمَةٍ أَي بِجُملَةٍ مُفِيدَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، يُعِيدُ هَذِهِ الجُملَةَ ثَلَاثًا أَي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا بَيَّنَّا لِأَجلِ أَن يُفهِمَ النَّاسَ أَي مِن عَادَتِهِ ذَلِكَ، وَلَم يَكُن يُعِيدُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ دَائِمًا بَل عِندَ الحَاجَةِ).

95- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا.

95- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا.

96- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَِكٍَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.

الشَّرحُ:

96- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ (هو مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدِ بنِ مُسَربَلَ بنِ مُغَربَلَ بنِ مُرَعبَلَ بنِ مُطَربَلَ بنِ ‌أَرَنْدَلَ بنِ سَرَنْدَلَ ‌بنِ ‌غَرَنْدَلَ بن مَاسَكَ بنِ المُسْتَوْرِدِ الأَسَدِيُّ. أبو الحسن، هو محدّث ثقة وحافظ من أئمة الحديث الأثبات وشيوخ الإمام البخاري. ولد سنة 150 هـ وتوفي سنة 228 هـ ويُعد أول من صنّف كتاب (المسند) في البصرة. قال بعض من ترجم له في آخر ترجمته: لَوْ كُتِبَ أَمَامَ نَسَبِهِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) ينفع من الْعَقْرَبِ.اهـ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَِكٍَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا (قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرنَاهُ ثُمَّ النَّبِيُّ ﷺ أَدرَكَهُم) وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ (أَي أَخَّرنَاهَا حَتَّى كَادَت تَدنُو مِنَ الصَّلَاةِ الأُخرَى) وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ (جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُم يَتَوَضَّؤُونَ)، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا (مِن بَابِ الِاستِعجَالِ، وَصَلَ إِلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَرَءَاهُم يَمسَحُونَ عَلَى أَرجُلِهِم، يَعنِي يَغسِلُونَ غَسلًا خَفِيفًا)، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (أَعَادَ الجُملَةَ مَرَّتَينِ أَو أَعَادَهَا ثَلَاثًا، فَإِذَا حَصَلَ المَطلُوبُ بِالمَّرَتَينِ فَيَكفِي، وَإِلَّا فَيُعِيدُهَا ثَلَاثًا، وَقَد سَبَقَ أَن شَرَحنَا هَذَا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ العِلمِ)

(75) باب تعليم الرجل أمته وأهله

97- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ»، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يَرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

الشرح: (75) بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ (مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ، إِذِ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ) (وَهَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَعلِيمِ الأَهلِ مَا يَجِبُ عَلَيهِم أَن يَتَعَلَّمُوا وَلَا سِيَّمَا النِّسَاءُ)

97- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ (أَي يُضَاعَفُ لَهُمُ الثَّوَابُ): رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ (أَي كَانَ مُؤمِنًا مُسلِمًا بِنَبِيِّهِ عَلَى دِينِهِ بِلَا تَحرِيفٍ لِدِينِهِ وَلَا لِكِتَابِهِ ثُمَّ أَدرَكَ مُحَمَّدًا ﷺ وَآمَنَ بِهِ)، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ (مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَنَحوِ ذَلِكَ) وَحَقَّ مَوَالِيهِ (أَي أَسيَادِهِ)، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا (أَي وَأَعطَاهَا مَهرَهَا)، فَلَهُ أَجْرَانِ»، 

(أَدَّبَهَا لِتَتَخَلَّقَ بِالأَخلَاقِ الحَمِيدَةِ فَأَحسَنَ تَأدِيبَهَا بِلُطفٍ وَرِفقٍ مِن غَيرِ عُنفٍ، وَعَلَّمَهَا مَا يَجِبُ تَعلِيمُهُ مِن عِلمِ الدِّينِ فَأَحسَنَ تَعلِيمَهَا ثُمَّ أَعتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعدَ أَن أَصدَقَهَا أَعطَاهَا المَهرَ فَلَهُ أَجرَانِ) 

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ (هَذَا عَامِرٌ الشَّعبِيُّ، قَالَ لِصَالِحٍ، هَذَا صَالِحُ بنُ حَيَّانٍ، قَالَ لَهُ عَامِرٌ): أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ (رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ عَامِرًا خَاطَبَ بِهَذَا الرَّاوِيَ عَنهُ، وَهُوَ صَالِحُ بنُ حَيَّانَ، وَلَيسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ صَالِحٌ مَوجُودًا وَجَاءَ رَجُلٌ سَأَلَ الشَّعبِيَّ فَرَوَى لَهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ لَهُ الشَّعبِيُّ: أَعطَينَاكَهَا بِغَيرِ شَيءٍ أَي مِنَ الأَعرَاضِ الدُّنيَوِيَّةِ، أَي أَعطَيتُكَ إِيَّاهَا مِن غَيرِ مُقَابِلٍ مِن أَعرَاضِ الدُّنيَا)، قَدْ كَانَ يَرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

(مَعنَاهُ: يُرحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ لِأَجلِ مَسأَلَةٍ كَانُوا يُسَافِرُونَ مِن بَلَدٍ بَعِيدٍ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ لِيَسمَعُوا مِنَ الصَّحَابَةِ مَا سَمِعُوهُ مِن نَبِيِّنَا ﷺ، لِأَجلِ مَسأَلَةٍ يُسَافِرُونَ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةً، 

اليَومَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ غَفَلُوا عَن طَلَبِ العِلمِ، ابتَعَدُوا عَن مَجَالِسِ العِلمِ، لَو قُلتَ لَهُم: تَعَالَوا إِلَى حُضُورِ مَجلِسِ العِلمِ، يَقُولُونَ: نَحنُ مَشغُولُونَ، عَلَينَا دُيُونٌ، 

وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، 

وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ).

(76) باب عظة الإمام النساء وتعليمهن

الشَّرحُ:

(76) بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ (يُشِيرُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ تَعلِيمَ النِّسَاءِ لَيسَ خَاصًّا بِالزَّوجِ، بَل قَد يَعِظُ النِّسَاءَ وَيُعَلِّمُهُنَّ غَيرُهُ)

 (نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ النَّدْبِ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَهْلَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لِلْإِمَامِ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ.

 وَاسْتُفِيدَ الْوَعْظُ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَوَعَظَهُنَّ وَكَانَتِ الْمَوْعِظَةُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُنَّ أَنَّ فِي الصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطَايَاهُنَّ)

98- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَِمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

الشَّرحُ:

98- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (مَعنَاهُ: الرَّاوِي تَرَدَّدَ هَل هَذَا اللَّفظُ مِنَ ابنِ عَبَّاسٍ أَم هَذَا مِن قَولِ عَطَاءٍ، «أَشهَدُ» مِن قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ أَم مِن قَولِ عَطَاءٍ، وَالآنَ سَيَتَبَيَّنُ مَعَنَا بَعدَ قَلِيلٍ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَينِ صُفُوفِ الرِّجَالِ إِلَى صَفِّ النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ، بِلَالُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ، اسمُ أَبِيهِ: أَبُو رَبَاحٍ الحَبَشِيُّ، وَاسمُ أُمِّهِ حَمَامَةُ)، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ (فَظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَم يُسمِعِ النِّسَاءَ حِينَ أَسمَعَ الرِّجَالَ، هُوَ كَانَ يَعِظُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، ظَنَّ أَنَّهُ لَم يَصِل صَوتُهُ إِلَى النِّسَاءِ، لَم يُسمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ)، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ (أَمَرَ النِّسَاءَ بِالصَّدَقَةِ)، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ (الحَلَقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي شَحمَةِ الأُذُنِ) وَالْخَاتَِمَ (بَعدَ وَعظِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَضِّ النِّسَاءَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَبَدَأَتِ النِّسَاءُ بِالتَّصَدُّقِ فِي سَبِيلِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى)، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ (يَعنِي مَا يُلْقِينَهُ النِّسْوَةُ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالصَّدَقَةِ حَتَّى يَصْرِفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَصَارِفِهِ).

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (غَرَضُهُ بِهِ أَن يُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي قَالَ: أَشهَدُ، هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، مَعنَاهُ جَزَمَ أَنَّ لَفظَ أَشهَدُ مِن كَلَامِ ابنِ عَبَّاسٍ فَقَط.

هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلمَرأَةِ أَن تَتَصَدَّقَ مِن مَالِهَا وَلَو بِغَيرِ إِذنِ زَوجِهَا، هَذَا المَالُ مَالُهَا وَلَيسَ مَالَ زَوجِهَا، نَقُولُ عَن مَالِهَا، نَتَكَلَّمُ عَن مَالٍ خَاصٍّ بِهَا، لَهَا أَن تَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ.

وَفِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ أَنَّ الإِمَامَ أَوِ الحَاكِمَ أَوِ القَاضِيَ أَوِ الوَاعِظَ أَوِ المُرشِدَ أَوِ الإِمَامَ المُحَدِّثَ لَهُ أَن يَروِيَ وَأَن يُعَلِّمَ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ، تَعلِيمُ النِّسَاءِ لَيسَ أَمرًا مَخصُوصًا بِالنِّسَاءِ، يَجُوزُ لِلرِّجَالِ الثِّقَاتِ أَن يُعَلِّمُوا النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ، وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ الثِّقَاتِ أَن يُعَلِّمنَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، هَذَا أَمرٌ مَعرُوفٌ، وَمَن طَالَعَ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ عَرَفَ أَنَّ فُلَانًا مِنَ العُلَمَاءِ لَهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنَ المِشَايِخِ النِّسَاءِ كَثِيرٌ، وَهَذِهِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنِينَ كَانَت تُعطِي الدَّرسَ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، لَكِن لِأَنَّهَا هِيَ أُمُّ المُؤمِنِينَ كَانَت تُعطِي مِن وَرَاءِ سِتَارَةٍ، غَيرُهَا مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ كَأُمِّ الدَّردَاءِ كَانَت تُعطِي الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مِن غَيرِ سِتَارَةٍ، وَهَكَذَا، فَإِذَن يَنبَغِي مِنَ الجَمِيعِ أَن يَتَعَلَّمَ مِنَ النِّسَاءِ وَمِنَ الرِّجَالِ.

وَكُلٌّ مِنَّا يَنبَغِي أَن يَشغَلَ وَقتَهُ فِي تَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ وَأَن لَا نَشبَعَ مِن عِلمِ الدِّينِ مَهمَا تَعَلَّمنَا، لَا يَنبَغِي أَن نَشبَعَ، لَا يَنبَغِي أَن نَقُولَ: اكتَفَينَا، مِن سَنَتَينِ سَمِعنَاهَا، مِن أَربَعِ سِنِينَ سَمِعنَا المَسأَلَةَ، قَرَأنَا الكِتَابَ، لَا يَنبَغِي أَن تَشبَعَ مِن عِلمِ الدِّينِ، نَعَم، إِذَا أَكَلتَ تَشبَعُ وَتَكتَفِي، وَالشُّربُ تَكتَفِي مِنهُ، وَالثِّيَابُ كَذَلِكَ، أَمَّا الطَّاعَةُ فَلَا تَشبَعُ مِنهَا).

(77) باب الحرص على الحديث

99- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» أَوْ «نَفْسِهِ».

الشَّرحُ:

(77) بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ (هَذَا فِيهِ الحَضُّ عَلَى أَن يَحرِصَ الإِنسَانُ مِنَّا عَلَى تَحصِيلِ حَدِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ، فَاحرِص يَا أَخِي عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ، احرِص عَلَى تَحصِيلِ حَدِيثِ نَبِيِّنَا، مَا يُضَافُ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ)

99- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ (أَي مَنِ الَّذِي يَكُونُ سَعِيدًا بِشَفَاعَتِكَ وَيَحظَى بِهَا يَومَ القِيَامَةِ؟ هُنَا أَسعَدُ بِمَعنَى سَعِيدٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسعَدُ بِشَفَاعَتَهِ ﷺ مَن لَم يَكُن مِن أَهلِ التَّوحِيدِ، الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا أَهلُ التَّوحِيدِ) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ (أَي مِن حِرصِكَ عَلَى العِلمِ، وَهَذَا فِيهِ مَنقَبَةٌ كَبِيرَةٌ لِأَبِي هُرَيرَةَ، وَفِيهِ الحَثُّ عَلَى الحِرصِ عَلَى الحَدِيثِ وَعَلَى تَحصِيلِهِ)، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (أَي وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهَذَا اسمُهُ أُسلُوبُ الاكتفاء،

الاكتفاء: وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ يُسَمَّى الِاكْتِفَاءَ أَيْ تَرْكَ ذِكْرِ الشَّىْءِ لِلْعِلْمِ بِهِ بِذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ.

وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَا يَشْمَلُ الشَّهَادَةَ الأُخْرَى لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ الأُولَى صَارَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَلْحُوظًا فِيهِ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِدُونِ الشَّهَادَةِ الأُخْرَى يَكْفِي لِلنَّجَاةِ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [سُورَةَ الْفَتْح/13] فَتُحْمَلُ هَذِهِ الأَحَادِيثُ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَذِهِ الآيَةَ، فَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لا يَأْتِي مُنَاقِضًا لِلْقُرْءَانِ، وَمَنْ تَوَهَّمَ خِلافَ ذَلِكَ فَهُوَ لِقُصُورِ فَهْمِهِ وَشِدَّةِ جَهْلِهِ.

قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَادُ مَعَ قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَكِنْ قَدْ يُكْتَفَى بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلِمَتِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِمَجْمُوعِهِمَا)، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» أَوْ «نَفْسِهِ» (مَعنَاهُ: هَذَا الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَي وَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، بِلِسَانِهِ مَعَ الإِيمَانِ بِقَلبِهِ هَذَا يَستَحِقُّ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الآخِرَةِ، لِأَنَّهُ مِن أَهلِ التَّوحِيدِ، لِأَنَّهُ لَيسَ بِمُنَافِقٍ، وَلَيسَ بِمُشرِكٍ، وَلَيسَ بِكَافِرٍ.

وَقَولُهُ: «مِن قَلبِهِ» أَو «نَفسِهِ»، هَذِهِ “أَو” شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِحدَى الكَلِمَتَينِ، وَلَكِنَّ الرَّاوِيَ هُوَ الَّذِي شَكَّ)

(وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفَضْلُ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ قَالَ»).

(78) باب: كيف يقبض العلم

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ.

الشَّرحُ:

(78) بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ (أَيْ: كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْعِلْمِ)

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ (هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيٌّ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ وَلِجَدِّهِ عَمْرٌو صُحْبَةٌ، وَلِأَبِيهِ مُحَمَّدٌ رُؤْيَةٌ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعِيٌّ فَقِيهٌ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَقَضَائِهَا وَلِهَذَا كَتَبَ إِلَيْهِ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ سِوَى أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ): انْظُرْ مَا كَانَ (أَيِ اجْمَعِ الَّذِي تَجِدُ. وَفي رواية: عِنْدَكَ أَيْ: فِي بَلَدِكِ) مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ (يُسْتَفَادُ مِنْهُ ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْحِفْظِ، فَلَمَّا خَافَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ رَأَى أَنَّ فِي تَدْوِينِهِ ضَبْطًا لَهُ وَإِبْقَاءً،

وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِلَفْظِ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ، انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ.اهـ 

فَالحَمدُ للهِ ثُمَّ الحَمدُ للهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَلهَمَ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ هَذَا الأَمرَ، حَقًّا إِنَّهُ أَمرٌ عَظِيمٌ، وَلَولَا ذَلِكَ لَضَاعَ الآلَافُ المُؤَلَّفَةُ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَجَزَاهُ اللهُ عَنَّا خَيرَ الجَزَاءِ)، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ (أَي ذَهَابَ العِلمِ) وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ (إِنِّي خِفتُ ذَهَابَ العِلمِ وَمَوتَ العُلَمَاءِ، لِأَنَّ العِلمَ يُرفَعُ بِمَوتِ العُلَمَاءِ، فَاجمَع هَذَا الحَدِيثَ ودَوِّنهُ وَاكتُبهُ حَتَّى يُحفَظَ لِلأَجيَالِ فِي المُستَقبَلِ)، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ (أَي لَا تَكتُب إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ)، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ (يَعنِي نَشرَ العِلمِ)، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ (أَيِ اجلِسُوا لِلتَّعلِيمِ، أَخبَرَهُم وَأَرسَلَ إِلَى الجَمِيعِ: اكتُبُوا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّهَا العُلَمَاءُ، انشُرُوا العِلمَ، أَفشُوا العِلمَ، انشُرُوهُ، عَلِّمُوهُ لِلنَّاسِ، وَلتَجلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَن لَا يَعلَمُ، مَعنَاهُ: اجلِسُوا فِي الأَمَاكِنِ العَامَّةِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ النَّاسُ)، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.

(مَعنَاهُ حَتَّى يَكُونَ خُفيَةً، كَأَن يُتَّخَذَ مَجلِسُ العِلمِ فِي دَارٍ مَحجُورَةٍ لَا أَحَدَ يَأتِي إِلَيهِ، مَن يَسمَعُ هَذَا العِلمَ فِي دَارٍ مَحجُورَةٍ؟ بَل يَنبَغِي أَن يَكُونَ فِي الأَمَاكِنِ العَامَّةِ فِي المَسَاجِدِ وَالجَوَامِعِ وَالمَدَارِسِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَاليَومَ عَبرَ الإِنتَرنِتِّ وَعَبرَ الفِيس بُوك، عَلَى أَن يَكُونَ المُتَصَدِّرُ بِاسمِ التَّدرِيسِ ثِقَةً يَخَافُ اللهَ تَعَالَى، يَخَافُ الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، وَسَبَقَ لَهُ أَن تَلَقَّى العِلمَ مُشَافَهَةً مِن أَهلِ العِلمِ، لَيسَ إِنسَانًا «عَامِل حَالُه شِيخ» أَوِ اشتَرَى الشَّهَادَةَ وَيَقرَأُ فِي الكُتُبِ وَيُفَسِّرُ عَلَى هَوَاهُ وَيُحَرِّفُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، «إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ»، وَلَا يَجُوزُ استِفتَاءُ غَيرِ الثِّقَةِ، فَقَط نَستَفتِي الثِّقَةَ الَّذِي يَخَافُ اللهَ تَعَالَى مِن تَلَقِّى العِلمِ الشَّرعِيِّ مِن أَهلِهِ وَكَانَ ضَابِطًا لِلعِلمِ وَثِقَةً يَستَحِقُّ أَن نَأخُذَ مِنهُ هَذَا العِلمَ الشَّرِيفَ).

حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ (أَعَادَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ بِالإِسنَادِ، أَوَّلًا ذَكَرَهَا تَعلِيقًا مِن غَيرِ إِسنَادٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعدَ ذَلِكَ بِالإِسنَادِ إِلَى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ).

100- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.

الشَّرحُ:

100- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (قَالَ ذَلِكَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ): «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (انتِزَاعًا يَعنِي مَحوًا مِنَ الصُّدُورِ، العِلمُ لَا يُرفَعُ مَحوًا مِنَ الصُّدُورِ، إِنَّمَا يُقبَضُ بِقَبضِ العُلَمَاءِ).

قَالَ الْفِرَبْرِيُّ (هَذَا مِنْ زِيَادَاتِ الرَّاوِي عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ الْأَسَانِيدِ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ): حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.

(هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ تَحتَ بَابِ: كَيفَ يُقبَضُ العِلمُ، مُرَادُهُ أَنَّ قَبضَ العِلمِ يَكُونُ بِقَبضِ حَامِلِيهِ، بِمَوتِ العُلَمَاءِ، وَيَروِي بِسَنَدِهِ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَي فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَعِندَ الطَّبَرَانِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ»، مَعنَاهُ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا أَي مَحوًا مِنَ الصُّدُورِ، وَلَكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، «حَتَّى إِذَا لَم يُبقِ عَالِمًا»، وَفِي نُسخَةٍ: «لَم يَبقَ عَالِمٌ»، أَمَّا فِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ: «حَتَّى إِذَا لَم يَترُك عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهّالًا»، وَفِي نُسخَةٍ: «رُؤَسَاءَ».

ثُمَّ تَابَعَ فِي الحَدِيثِ: «فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»،

 لَهُ مَعنًى عَظِيمٌ، وَمُهِمٌّ أَن نَعرِفَ مَا مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ بِذَهَابِ العُلَمَاءِ يَتَصَدَّرُ الجُهَّالُ وَهُم بِصُوَرِ المَشَايِخِ وَالأَسَاتِذَةِ بِنَظَرِ النَّاسِ، فَيَأتِي هَؤُلَاءِ العَوَامُّ يَسأَلُونَهُم، فَهَؤُلَاءِ يُفتُونَ النَّاسَ بِغَيرِ عِلمٍ، فَقَالَ حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ، قَالَ: «فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، قَالَ: «فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، السَّائِلُ وَالمَسؤُولُ، الَّذِي طَلَبَ الفَتوَى وَالَّذِي أَفتَى، مَا قَالَ: هَذَا الَّذِي جَاءَ يَطلُبُ الفَتوَى وَيَسأَلُ جَاهِلٌ مِنَ العَوَامِّ مَعذُورٌ اترُكُوهُ لَا ضَرَرَ عَلَيهِ أَمَّا الَّذِي أَفتَاهُ بِلَا عِلمٍ يَستَحِقُّ العِقَابَ، بَل قَالَ: «فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، كِلَاهُمَا.

فَأَنتَ عَلَيكَ أَن تَتَحَرَّى البَحثَ لِتَسأَلَ أَهلَ العِلمِ الثِّقَاتِ، لَيسَ أَيَّ إِنسَانٍ يَتَصَدَّرُ لِلتَّدرِيسِ عَلَى الإِذَاعَةِ أَو عَلَى الرَّادِيُو أَوِ التِّلِفِزيُونِ أَو عَلَى الفِيس بُوك تُسَلِّمُ لَهُ وَتَسأَلُهُ كُلَّ مَا تُرِيدُ، هُنَاكَ أُنَاسٌ تَصَدَّرُوا وَهُم لَيسُوا بِأَهلٍ لِذَلِكَ، نَحنُ بِأُمُورِ الدُّنيَا نَشتَرِي الثِّيَابَ وَنَشتَرِي الأَكلَ فَنَسأَلُ وَنَبحَثُ عَنِ الأَجوَدِ وَالأَحسَنِ وَنَتَعَامَلُ مَعَ الأَمِينِ، نُرِيدُ أَن نُعَلِّمَ أَولَادَنَا اللُّغَةَ الإِنجلِيزِيَّةَ أَو غَيرَهَا مِنَ العُلُومِ النَّافِعَةِ نَسأَلُ عَنِ الأُستَاذِ المَاهِرِ حَتَّى نُعَلِّمَ أَولَادَنَا، نَبحَثُ وَنَتَحَرَّى فِي أَمرِ الدُّنيَا، فَإِذَن فِي أَمرِ الآخِرَةِ مِن بَابِ أَولَى أَن نَبحَثَ وَأَن نَتَحَرَّى.

يَا أَحبَابَنَا الكِرَامَ، هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ وَاضِحٌ، يَنبَغِي مِنَّا أَن نُبَلِّغَهُ لِلنَّاسِ لِيَكُونُوا عَلَى بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذَا القَولِ الَّذِي هُوَ لَيسَ حُجَّةً فِي الدِّينِ، لَيسَ دَلِيلًا، يَقُولُونَ: «شِلتهَا مِن رَقَبَتِي وَحَطِّيتهَا بِرَقَبَةِ الشَّيخِ، شِلتهَا مِن ذِمَّتِي وَحَطِّيتهَا بِذِمَّةِ الشَّيخِ»، هَذَا لَيسَ دَلِيلًا شَرعِيًّا، هَذَا الكَلَامُ لَا يُنقِذُكَ فِي الآخِرَةِ، «إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ»، عَلَينَا جَمِيعًا بِطَلَبِ العِلمِ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ).

(79) باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم

101- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».

الشَّرحُ:

(79) بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي الْعِلْمِ (هَل يَجعَلُ الإِمَامُ لِلنِّسَاءِ يَومًا عَلَى حِدَةٍ، عَلَى نَاحِيَةٍ وَحدَهُنَّ، يُخَصِّصُ الإِمَامُ، يُخَصِّصُ العَالِمُ المُحَدِّثُ لِلنِّسَاءِ يَومًا عَلَى حِدَة حَتَّى يُعَلِّمَهُنَّ الدِّينَ)

101- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ (أَي أَنتَ عَيِّن لَنَا يَومًا عَلَى مَا تُرِيدُ)، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ (أَي أَدَّى مَا وَعَدَهُنَّ بِهِ ﷺ)، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا (أَي يَمُوتُونَ فِي حَيَاتِهَا قَبلَهَا فَتَصبِرُ) إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».

(هَذَا البَابُ: بَابٌ: هَل يُجعَلُ لِلنِّسَاءِ يَومًا عَلَى حِدَةٍ؟ هَل يَجعَلُ الإِمَامُ لِلنِّسَاءِ يَومًا عَلَى حِدَةٍ؟ يَعنِي عَلَى نَاحِيَةٍ وَحدَهُنَّ لِأَجلِ العِلمِ.

هَذِهِ المَرأَةُ تَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ: غَلَبَنَا عَلَيكَ الرِّجَالُ، يَعنِي بِمُلَازَمَتِهِم لَكَ كُلَّ الأَيَّامِ يَتَعَلَّمُونَ الدِّينَ، وَنَحنُ النِّسَاءُ ضَعُفنَا، لَا نَقدِرُ عَلَى مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ، فَاجعَل أَيِ انظُر لَنَا فَعَيِّن لَنَا يَومًا مِنَ الأَيَّامِ تُعَلِّمُنَا فِيهِ يَكُونُ مَنشَأُهُ مِن نَفسِكَ، أَي مِنَ اختِيَارِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَالرَّسُولُ جَعَلَ لَهُنَّ يَومًا وَذَهَبَ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِأُمُورٍ دِينِيَّةٍ، مِن جُملَةِ مَا قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا مِنكُنَّ امرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِن وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، كَانَ لَهَا هَذَا التَّقدِيمُ، مَعنَاهُ يُفهَمُ مِن هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ أَطفَالَ المُسلِمِينَ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَّ مَن مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ حَجَبَاهُ عَنِ النَّارِ).

102- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ».

الشَّرحُ:

102- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ» (فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَولَادَ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ، أَي لَم يَبلُغُوا أَن يُكتَبَ عَلَيهِمُ المَعَاصِي، أَي لَم يَكُونُوا بَالِغِينَ)

(مَعنَاهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَّنَ أَنَّ مَعنَى الحَدِيثِ الأَوَّلِ: مَن مَاتَ لَهُ أَولَادٌ دُونَ البُلُوغِ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ، هَذَا مَعنَاهُ، فَمَن مَاتَ لَهُ أَطفَالٌ دُونَ البُلُوغِ، مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ، مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ مِن أَولَادِهِ، مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ، النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: مَا دَامَ هَذَا مُسلِمًا وَاحتَسَبَ أَمرَهُ إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَكُونُ بِهَذَا الأَمرِ بِالصَّبرِ وَالِاحتِسَابِ جَزَاؤُهُ عِندَ اللهِ تَعَالَى الجَنَّةُ، مَعنَاهُ مَا عَلَينَا جَمِيعًا إِلَّا بِالصَّبرِ.

أَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَمُوتُ لَهُم أَقرِبَاءُ أَو أَشخَاصٌ أَعِزَّاءُ عَلَيهِم لَا يَتَحَمَّلُونَ الصَّبرَ بَل يَلجَؤُونَ إِلَى مَعصِيَةِ اللهِ بِالقَولِ أَو بِالفِعلِ أَو بِالقَلبِ، حَتَّى إِنَّ مِنهُم مَن يَصِلُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- إِلَى حَدِّ الِاعتِرَاضِ عَلَى اللهِ، وَهَذَا مِنَ الكُفرِ الَّذِي يُخرِجُ الإِنسَانَ مِنَ الإِسلَامِ، صَارَ مِثلَ إِبلِيسَ الَّذِي اعتَرَضَ عَلَى اللهِ، مِثلُ هَذَا قُل لَهُ، انصَحهُ: تَدَارَك نَفسَكَ، ارجِع لِلإِسلَامِ فَورًا بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، الَّذِي عَمِلتَهُ لَا يُفِيدُكَ، الَّذِي مَاتَ مَاتَ، بِاعتِرَاضِكَ تَرتَفِعُ المُصِيبَةُ؟  لا فعَلَيكَ بِتَقوَى اللهِ، وَعَلَيكَ بِالصَّبرِ).

(80) باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه

الشَّرحُ:

(80) بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ (رَاجَعَ الَّذِي سَمِعَهُ، طَالِبُ العِلمِ إِذَا سَمِعَ مِنَ الشَّيخِ أَوِ المُدَرِّسِ شَيئًا أَن يُرَاجِعَهُ فِيهِ، مُرَاجَعَةُ الطَّالِبِ لِلشَّيخِ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ لِيَفهَمَ أَكثَرَ لِيَستَعلِمَ لَا يُنَافِي الأَدَبَ)

103- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا﴾، [سُورَةُ الِانشِقَاقِ:8]، قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ».

الشرح:

103- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ (رَضِيَ اللهُ عَنهَا، حَتَّى تَفهَمَ أَكثَرَ)، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا﴾، [سُورَةُ الِانشِقَاقِ:8]، قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ» (مَن شُدِّدَ عَلَيهِ فِي الحِسَابِ يَهلِكُ، أَي يُعَذَّبُ. فَقَد بَيَّنَ لَهَا أَنَّ المُرَادَ أَنَّ مَن شُدِّدَ عَلَيهِ فِي الحِسَابِ عُذِّبَ، أَمَّا مَن عُرِضَت عَلَيهِ أَعمَالُهُ مِن غَيرِ أَن يُشَدَّدَ عَلَيهِ الحِسَابُ حَتَّى يَعرِفَ فَضلَ اللهِ عَلَيهِ هَذَا لَا يُعَذَّبُ، وَمَن نُوقِشَ الحِسَابَ أَي مَن شُدِّدَ عَلَيهِ الحِسَابُ يُعَذَّبُ)

(هَذَا الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ تَحتَ هَذَا البَابِ ذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ، هَذَا البَابُ: بَابُ مَن سَمِعَ شَيئًا فَرَاجَعَ يَعنِي رَاجَعَ الَّذِي سَمِعَهُ حَتَّى يَعرِفَهُ، مَعنَاهُ سَمِعتُ شَيئًا مِنَ العَالِمِ، مِنَ الشَّيخِ الثِّقَةِ، مِنَ الوَاعِظِ وَمَا فَهِمتَهُ تَمَامًا لَكَ أَن تُرَاجِعَ، لَكَ أَن تَستَفهِمَ، لَكَ أَن تَستَعلِمَ، لَكَ أَن تَستَوضِحَ، هَذَا شَيءٌ لَا يُنَافِي الأَدَبَ، بَل يَنبَغِي مِنكَ أَن تَفهَمَ وَتَعِيَ مَاذَا تَسمَعُ، فَإِن مَرَّ عَلَى مَسمَعِكَ شَيءٌ مَا فَهِمتَهُ اطلُب وَسَل حَتَّى تَفهَمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَهَذِهِ المَسَائِلَ عَلَى وَجهِهَا.

ثُمَّ ذَكَرَ مِن جُملَةِ مَا ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن حُوسِبَ عُذِّبَ»، سَمِعَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ هَذَا الكَلَامَ فَأَرَادَت أَن تَستَعلِمَ، أَن تَستَفهِمَ، أَلَيسَ اللهُ يَقُولُ: ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، يَعنِي حِسَابًا سَهلًا لَا يُنَاقَشُ فِيهِ، وَأَنتَ تَقُولُ الآنَ: «مَن حُوسِبَ عُذِّبَ»، فَقَالَ حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرضُ»، هَذَا الحِسَابُ اليَسِيرُ السَّهلُ «وَلَكِن مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَهلِكُ»، مَعنَاهُ الَّذِي شُدِّدَ عَلَيهِ فِي الحِسَابِ هَذَا الَّذِي يُعَذَّبُ، وَهَذَا مَعنَى كَلَامِ نَبِيِّنَا ﷺ).

السؤال الفقهي

يَقُولُ بَعضُ الجَمَاعَاتِ: إِنَّ المَرأَةَ إِذَا كَانَت فِي الحَيضِ وََوَضَعَتْ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ أَو فِي الكَبِيسِ تَنَجَّسَ. وَالعِيَاذُ بِاللهِ. 

الجَوَابُ

كَلَامُهُمْ هَذَا ضِدُّ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لَهُ: “إِنَّ المُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ“.

وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.اهـ

وَالتَّرَجُّلُ أَي تَسرِيحُ الشَّعَرِ وَتَحسِينُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَائِضَ بَدَنُهَا لَيسَ نَجِسًا، لَيسَ كَمَا يَقُولُ اليَهُودُ. اليَهُودُ إِذَا حَاضَتِ المَرأَةُ اجْتَنَبُوهَا لَيسَ اجتَنَبُوا الجِمَاعَ يَعنِي اجتَنَبُوهَا بِالمَرَّةِ وَلَوْ مَسَّتْ بِيَدِهَا شَيئًا، تَقَذَّرُوهُ وَاعتَبَرُوهُ مُتَنَجِّسًّا وَهَذَا لَا أَصلَ لَهُ فِي دِينِنَا. 

قَدَ كَانَتْ عَائِشَةُ تُرَجِّلُ أَيْ تُمَشِّطُ شَعَرَ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ. مَرَّةً قَالَ لَهَا ﷺ أَعطِنِي الخُمْرَةَ – الخُمْرَةُ مِثلُ سِجَّادَةِ الصَّلَاةِ الصَّغِيرَةِ – كَانَ هُوَ فِي المَسجِدِ، يَعنِي مُنَاوَلَةً مِنْ غَيرِ دُخُولٍ، قَالَتْ إِنِّي حَائِضٌ قَالَ إِنَّ حَيضَتَكِ لَيسَتْ فِي يَدِكِ مَعنَاهُ لَو كُنتِ حَائِضًا إِنَّ حَيضَتَكِ لَيسَت فِي يَدِكِ مَعنَاهُ بَدَنُكِ لَيسَ نَجِسًا، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.

مختارات من الأدعية والأذكار

مِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ “المُهَيمِنِ”

رَفعُ الهِمَّةِ وَعُلُوُّهَا، يُقرَأُ مِائَةَ مَرَّةٍ بَعدَ الغُسلِ وَالصَّلَاةِ بِخَلوَةٍ لِطَلَبٍ يُرِيدُهُ.

الدعاء الختامي

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:

اللهم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفسِي وَشَرِّ الشَّيطَانِ وَشِركِهِ.

اللهم بِجَاهِ هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ اغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا اللهم ارحَمنَا إِذَا أَتَانَا اليَقِينُ، وَعَرِقَ مِنَّا الجَبِينُ، وَكَثُرَ مِنَّا الأَنِينُ. 

اللهم ارزُقنَا الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالنِّيَّةِ وَالعَمَلِ وَتَقَبَّل مِنَّا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالقِيَامَ وَالدُّعَاءَ، اللهم استَجِب دُعَاءَنَا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَين

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ، اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

اللهم بِحَقِّ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ وَهَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ احفَظ أَهلَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، بِعِزِّكَ الَّذِي لَا يُضَامُ أَرِنَا عَجَائِبَ قُدرَتِكَ فِي نَصرِهِم، اللهم اربِط عَلَى قُلُوبِهِم وَثَبِّتِ الأَرضَ تَحتَ أَقدَامِهِم، اللهم ثَبِّت أَقدَامَهُم عِندَ لِقَاءِ عَدُوِّكَ، اللهم إِنَّ اليَهُودَ الغَاصِبِينَ قَد بَغَوا وَاستَكبَرُوا وَأَفسَدُوا فِي الأَرضِ فَزَلزِلهُم وَدَمِّرهُم وَأَرِنَا القُدسَ وَغَزَّةَ وَفِلَسطِينَ حُرَّةً أَبِيَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ يَا مُجِيبَ الدُّعَاءِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ وَمُجِيرَ المُستَضعَفِينَ

اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، 

اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. (هذه مكررة)

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….