المقدمة
الحَمدُ للهِ سَامِعِ السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَكَاشِفِ الضُّرِّ وَالبَلوَى، وَمُغِيثِ المُتَلَهِّفِ قَبلَ الشَّكوَى، وَمُبَلِّغِ المُؤَمِّلِ غَايَةَ أَمَلِهِ القُصوَى، كَم نَشَرَ آثَارَ عَدلِهِ وَكَم أَغبَقَ فَضلُهُ وَأَروَى، مَن تَفَكَّرَ فِي ذَاتِهِ وَقَعَ بَعِيدَ المَهوَى، وَمَن خَالَفَهُ بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ ضَرَّهُ مَا يَهوَى، لَا يُثِيبُ عَلَى صُوَرِ العِبَادِ وَإِنَّمَا يُعطِي عَلَى التَّقوَى، أَهلَكَ فِرعَونَ وَقَد أَضَلَّهُ وَأَغوَى، إِلَى أَن غَرِقَ يَومَ اليَمِّ أَينَ المُنقَلَبُ وَالمَثوَى، كَم أَهلَكَتِ الذُّنُوبُ مَن كَانَ أَكثَرَ مِنهُ وَأَقوَى، ﴿وَقَومَ نُوحٍ مِن قَبلُ إِنَّهُم كَانُوا هُم أَظلَمَ وَأَطغَىٰ * وَالمُؤتَفِكَةَ أَهوَى﴾.
أَحمَدُهُ عَلَى صَرفِ الهَمِّ وَالجَوَى، حَمدَ مَن أَنَابَ وَارعَوَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيمَا نَشَرَ وَطَوَى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَرسَلَهُ وَعُودُ الهُدَى قَد ذَوَى، فَسَقَاهُ مَاءَ المُجَاهَدَةِ حَتَّى ارتَوَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ إِن رَحَلَ أَو ثَوَى، وَعَلَى الفَارُوقِ الَّذِي وَسَمَ بِجِدِّهِ جَبِينَ كُلِّ جَبَّارٍ وَكَوَى، وعَلَى ذِي النُّورَينِ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ سَاكِنًا مَا التَوَى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي زَهِدَ فِي الدُّنَيا فَبَاعَهَا وَمَا احتَوَى، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
(81) باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
الشَّرحُ: (81) بَابٌ: لِيُبَلِّغَِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (يُبَلِّغِ الحَاضِرُ الغَائِبَ العِلمَ، مَن حَضَرَ وَسَمِعَ فَليُبَلِّغ مَن غَابَ)
104- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
الشرح: 104- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ (وَهُوَ يُجَهِّزُ الجُيُوشَ يُعِينُ يَزِيدَ بنَ مُعَاوِيَةَ لِقِتَالِ ابنِ الزُّبَيرِ فِي مَكَّةَ، فَأَرَادَ ابنُ شُرَيحٍ أَن يَنصَحَهُ): ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ (إِنَّمَا هِيَ حَرَمٌ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ)، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا (أَي أَن يَقتُلَ أَحَدًا)، وَلَا يَعْضِدَ (أَي يَقطَعَ) بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا (يَعنِي لَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ: النَّبِيُّ ﷺ قَاتَلَ المُشرِكِينَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ فَنَحنُ نُقَاتِلُ فِيهَا) فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (جُزءًا مِن نَهَارٍ) ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ (أَي مَا كَانَ جَوَابُهُ؟) قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا (أَي أَنَّ لُجُوءَ الظَّالِمِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَمنَعُ ذَلِكَ أَن يُقتَصَّ مِنهُ، وَالزُّبَيرُ لَم يَقتُل حَتَّى يُقتَلَ) وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (يَعنِي إِذَا إِنسَانٌ قَتَلَ ظُلمًا أَو شَرِبَ خَمرًا أَو سَرَقَ وَلَجَأَ إِلَى الحَرَمِ فَلَا يَمنَعُ ذَلِكَ أَن يُقَامَ عَلَيهِ الحَدُّ، وَهَذَا لَا يَنطَبِقُ عَلَى ابنِ الزُّبَيرِ)
(الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَحتَ هَذَا البَابِ: لِيُبَلِّغِ العِلمَ الشَّاهِدُ لِغَائِبٍ، لِيُبَلِّغِ الحَاضِرُ الغَائِبَ العِلمَ، مَن حَضَرَ فَليُبَلِّغ مَن غَابَ، فَليُبَلِّغهُ العِلمَ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَمرًا، قَالَ بِسَنَدِهِ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَن أَبِي شُرَيحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمرِو بنِ سَعِيدٍ، هَذَا عَمرُو بنُ سَعِيدٍ هُوَ عَمرُو بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ، لَيسَت لَهُ صُحبَةٌ وَلَا كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحسَانٍ، هُوَ وَالِي يَزِيدَ عَلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَهُوَ يَبعَثُ البُعُوثَ، يُرسِلُ الجُيُوشَ إِلَى مَكَّةَ لِأَجلِ قِتَالِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، لِأَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ امتَنَعَ مِن مُبَايَعَةِ يَزِيدَ وَاعتَصَمَ بِالحَرَمِ: ائذَن لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، هَذَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَبُو شُرَيحٍ وَهُوَ الخُزَاعِيُّ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ يَتَكَلَّمُ بِلُطفٍ، هَذَا الكَلَامُ فِيهِ حُسنُ التَّلَطُّفِ فِي الإِنكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ الظَّالِمِينَ لِيَكُونَ أَوعَى لِقَبُولِهِم، فَهُوَ تَلَطَّفَ مَعَهُ مِن هَذَا البَابِ لِيَقبَلَ مِنهُ ذَاكَ.
قَالَ: ائذَن لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثكَ قَولًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِن يَومِ الفَتحِ، مُرَادُهُ بِذَلِكَ ثَانِيَ يَومٍ مِن فَتحِ مَكَّةَ مِنَ العِشرِينَ مِن رَمَضَانَ السَّنَةَ الثَّامِنَةَ مِنَ الهِجرَةِ، قَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبِي، سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، هَذَا الكَلَامُ أَنَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَعَاهُ قَلبِي، أَنَا حَفِظتُهُ وَتَحَقَّقتُ فَهمَهُ وَأَبصَرَتهُ عَينَايَ، يَعنِي أَنَا بِعَينَيَّ رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَبِأُذُنِي سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفَهِمتُ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَعنِي مُرَادُ هَذَا الصَّحَابِيِّ أَرَادَ أَنَّهُ بَالَغَ فِي حِفظِهِ وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَم يَأخُذ هَذَا الحَدِيثَ بِوَاسِطَةٍ، وَلَم يَكُن مُعتَمِدًا عَلَى الصَّوتِ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، بَل بِالرُّؤيَةِ وَالمُشَاهَدَةِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ.
قَالَ: حَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَم يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامرِئٍ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَن يَسفِكَ بِهَا دَمًا»، يَعنِي أَن يَصُبَّ دَمًا، المُرَادُ بِهِ القَتلُ «وَلَا يَعضِدَ بِهَا شَجَرَةً» يَقطَعَ «فَإِن أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَد أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَم يَأذَن لَكُم»، إِن أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ، مَعنَاهُ قَالَ كَمَا أَنَّ اللهَ أَذِنَ لِنَبِيِّهِ فِي القِتَالِ فِي مَكَّةَ فَأَنَا كَذَلِكَ سَأُشَارِكُ أَو سَأَفعَلُ هَذَا الأَمرَ فِي مَكَّةَ، النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَد أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَم يَأذَن لَكُم، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِن نَهَارٍ»، أَي مِقدَارًا مِنَ الزَّمَنِ، المُرَادُ بِهِ يَومُ الفَتحِ، وَهِيَ مِن طُلُوعِ الشَّمسِ إِلَى العَصرِ كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحمَدُ، وَالَّذِي أَذِنَ لَهُ فِيهِ هُوَ القِتَالُ، لَا قَطعُ الشَّجَرِ، ثُمَّ قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ثُمَّ عَادَت حُرمَتُهَا اليَومَ»، يَعنِي يَومَ الفَتحِ «كَحُرمَتِهَا بِالأَمسِ» قَبلَ يَومِ الفَتحِ «وَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» لِيُبَلِّغِ الحَاضِرُ الغَائِبَ.
هَذَا أَبُو شُرَيحٍ يَروِي مَا سَمِعَهُ بِأُذُنِهِ لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ وَالِيًا عَلَى المَدِينَةِ مِن قِبَلِ يَزِيدَ، فَقَالَ هَذَا أَبُو شُرَيحٍ، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيحٍ: مَا قَالَ عَمرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعلَمُ مِنكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، قَالَ أَبُو شُرَيحٍ: أَنَا رَوَيتُ لَهُ، أَخبَرتُ هَذَا عَمرَو بنَ سَعِيدٍ بِمَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَا بَلَّغتُ وَكُنتُ مُتَأَكِّدًا مِمَّا قُلتُهُ، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيحٍ: أَنتَ بَعدَ أَن كَلَّمتَ هَذَا عَمرَو بنَ سَعِيدٍ مَاذَا أَجَابَ؟ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: أَنَا أَعلَمُ مِنكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، يَعنِي أَنَا أَعرِفُ أَنَّكَ سَمِعتَ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَعرِفُ أَنَّكَ حَفِظتَ هَذَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكِن أَنتَ مَا فَهِمتَ المَعنَى، هَذَا عَمرُو بنُ سَعِيدٍ هُوَ يَتَشَدَّقُ بِهَذَا الكَلَامِ، يَدَّعِي أَنَّهُ أَفهَمُ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعَانِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ، يَعنِي هَذَا كَلَامٌ مِن هَذَا عَمرٍو مِن بَابِ التَّشَدُّقِ.
تَابَعَ كَلَامَ عَمرِو بنِ سَعِيدٍ الَّذِي يَنقُلُهُ عَنهُ الصَّحَابِيُّ أَبُو شُرَيحٍ، قَالَ: أَنَا أَعلَمُ مِنكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَفِي نُسخَةٍ: لَا تُعِيذُ، يَعنِي: مَكَّةُ لَا تُعِيذُ، أَوِ الحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، لَا يَعصِمُ العَاصِيَ عَن إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيهِ وَلَو كَانَ فِي الحَرَمِ وَارتَكَبَ مَا يُوجِبُ عَلَيهِ الحَدَّ وُجُودُهُ فِي الحَرَمِ لَا يَمنَعُ أَن يُقَامَ عَلَيهِ الحَدُّ، هَذَا مَعنَاهُ، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، أَي مُصَاحِبًا بِدَمٍ وَلَوِ اعتَصَمَ بِمَكَّةَ فَلَا يَرتَفِعُ عَنهُ أَمرُ الِاقتِصَاصِ، وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ يَعنِي بِسَبَبِ خَرِبَةٍ، أَي بِسَبَبِ سَرِقَةٍ.
يَعنِي هَذَا عَمرُو بنُ سَعِيدٍ يَقُولُ لَهُ كَلَامًا مِن حَيثُ الظَّاهِرُ هُوَ الحَقُّ وَلَكِن أَرَادَ بِهِ البَاطِلَ، هُوَ نَعَم صَحِيحٌ، مَكَّةُ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ، لَكِن هَذَا قَالَ قَولًا ظَاهِرُهُ الحَقُّ وَالمُرَادُ بِهِ البَاطِلُ، لِأَنَّهُم نَصَبُوا الحَربَ عَلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَة لِأَنَّ ابنَ الزُّبَيرِ كَانَ هُنَاكَ، وَابنُ الزُّبَيرِ مَا ارتَكَبَ أَمرًا يَجِبُ فِيهِ شَيءٌ مِن ذَلِكَ. فَهَذَا مُختَصَرُ مَعنَى كَلَامِ نَبِيِّنَا ﷺ ذَكَرَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ هُنَا، وَإِلَّا فَهَذِهِ القِصَّةُ مَشهُورَةٌ تَحتَاجُ إِلَى وَقتٍ فِي الشَّرحِ، وَلَكِنَّ الإِمَامَ أَبَا عَبدِ اللهِ البُخَارِيَّ ذَكَرَ هَذَا لِيُبَيِّنَ لَنَا: وَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، أَي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأمُرُ بِنَشرِ العِلمِ، بِتَبلِيغِ العِلمِ، عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ).
(عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: هُوَ الصَّائِلُ بالحَقِّ، القَائِلُ بالصِّدقِ، المُحَنَّكُ بِرِيقِ النُّبُوَّةِ، الصَّوَّامُ القَوَّامُ، ذُو السَّيفِ الصَّارِمِ، وَالرَأيِّ الحَازِمِ، مُبَارِزُ الشُّجعَانِ، وَحَافِظُ القُرآنِ، عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيْهِ الزبير وَعَنْ أُمِّهِ أسماء وَجَدِّهِ أبي بكر وَأَبِيْ جَدِّهِ أبي قحافة وَأُمِّ جَدِّهِ أُمِّ الخَيرِ وَالِدَةِ أَبِي بَكْرٍ.
هُوَ أَبُو بَكرٍ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيلِد بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ بنِ كِلَابِ بنِ مُرَّةَ القُرَشِيُّ الأَسدِيُّ.
وَأُمُّهُ أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ، ذَاتُ النِّطَاقَينِ، وَجَدَّتُهُ لَأَبِيهِ: صَفِيَّةُ بِنتُ عَبدِ المُطَّلِبِ، عَمَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَخَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ عَمَّةُ أَبِيهِ الزُّبَيرِ بنِ العَّوَّامِ بنِ خُوَيلِدٍ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنِينَ.
وُلِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَولُودٍ وُلِدَ فِي الإِسلَامِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أنَّهَا حَمَلَت بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، فقَالَت: خَرَجتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَنَزَلتُ بِقُبَاءَ فَوَلَدتُهُ بِقُبَاءَ.
وَفَرِحَ المُسلِمُونَ بِمَولِدِهِ فَرَحًا عَظِيمًا حَتَّى إِنَّهُم كَبَّرُوا لِمَولِدِهِ، حَيثُ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا قَد زَعَمُوا أَنَّهُم سَحَرُوا المُهَاجِرِينَ فَلَا يُولَدُ لَهُم مَولُودٌ، فَجَاءَ مَولِدُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مُكَذِّبًا لِليَهُودٍ فِيمَا زَعَمُوا.
وَكَانَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ إِلَى جَوفِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رِيقَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد رَوَى مِسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنهَا فَوَضَعَهُ فِي حِجرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمرَةٍ فمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ بَطنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَد دَعَا لَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللهِ، وَكَنَّاهُ أَبَا بَكرٍ بِجَدِّهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ وَسَمَّاهُ بِاسمِهِ.
عِندَمَا بَلَغَ عَبدُ اللهِ السَّابِعَةَ أَوِ الثَّامِنَةَ مِن عُمُرِهِ جَاءَ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَد أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَبُوهُ الزُّبَيرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقبِلًا إِلَيهِ ثُمَّ بَايَعَهُ.
وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُلَازِمًا لِلوُلُوجِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِكَونِهِ مِن آلِهِ، فَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيتِ خَالَتِهِ عَائِشَةَ.
كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَوَّامَ اللَّيلِ، صَوَّامَ النَّهَارِ، إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ كَأَنَّهُ عُودٌ مِن ثَبَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُحكَى أَنَّ حَيَّةً سَقَطَت عَلَى ابنِهِ هَاشِمٍ، فَصَاحَ أَهلُ البَيتِ: الحَيَّةَ الحَيَّةَ ثُمَّ رَمَوهَا، وَمَا قَطَعَ صَلَاتَهَ.
قَسَّمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دَهرَهُ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَيلَةٌ هُوَ قَائِمٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيلَةٌ هُوَ رَاكِعٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيلَةٌ هُوَ سَاجِدٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَيُروَى أَنَّهُ قَد جَاءَ سَيلٌ عَمَّ البَيتَ الحَرَامَ، فَطَافَ سِبَاحَةً.
وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ الذِينَ أَوكَلَ إِلَيهِم عُثمَانُ نَسخَ المُصحَفِ، وَقَد ذُكِرَ يَومًا عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ: قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، عَفَيفٌ فِي الإِسلَامِ، أَبُوهُ الزُّبَيرُ، وَأُمُّهُ أَسمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ.
وَمِن أَعظَمِ المَوَاقِفِ الَّتِي حَصَلَت مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ شَرِبَ دَمَ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَالدَّارَقُطنِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ فَدَفَعَ دَمَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ وَقَالَ لَهُ: “وَارِهِ“، فَذَهَبَ سَيِّدُنَا عَبدُ اللهِ فَشَرِبَهُ، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِعَبدِ اللهِ: “مَا صَنَعتَ؟” قَالَ: كَرِهتُ أَن أَصُبَّ دَمَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا تَمَسُّكَ النَّارُ“، وَمَسَحَ عَلَى رَأسِهِ وَقَالَ: “وَيلٌ لِلنَّاسِ مِنكَ، وَوَيلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ“، وَكَانَ يُرَى أَنَّ القُوَّةَ الَّتِي بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مِن ذَلِكَ الدَّمِ، وَهَذَا مِن عَظِيمِ بَرَكَاتِ النَّبِيِّ ﷺ.
كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ آيةً فِي الشَّجَاعَةِ، إِذ كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُصَلِّي فِي حِجرِ إِسمَاعِيلَ وَالمِنجَنِيقُ يَضرِبُ، فَيقَعُ الحَجَرُ قُربَ رَأسِهِ وَهُو ثَابِتٌ لَا يَهتَزُّ، وَهَذَا بِبَرَكَةِ شُربِهِ لِدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَآثِرُ عَظِيمَةٌ فِي الفُتُوحَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، فَقَد شَهِدَ مَعرَكَةَ اليَرمُوكِ وَهُوَ صَغِيرُ السِّنِّ، وَشَهِدَ فَتحَ أَفرِيقيَا حَيثُ كَانَ هِرَقلُ مَلِكُ الرُّومِ وَلَّى عَلَيهَا مَلِكًا يُدعَى جُرجِيرَ وَسِعَ مُلكُهُ طَرَابُلُسَ الغَربِ إِلَى طَنجَةَ، فَكَانَ المُسلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُم كُلَّ يَومٍ مِن بُكرَةٍ إِلَى الظُّهرِ، وَانقَطَعَ خَبَرُ المُسلِمِينَ عَن عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَمَدَّهُم بِابنِ الزُّبَيرِ مَعَ جَمَاعَةٍ يَنظُرُونَ خَبَرَهُم، فَلَمَا وَصَلَ ابنُ الزُّبَيرِ كَبَّرَ المُسلِمُونَ وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا.
ثُمَّ إِنَّ جُرجِيرَ أَعلَنَ فِي النَّاسِ أَنَّ مَن يَقتُلُ أَمِيرَ جَيشِ المُسلِمِينَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ اليَومِ عَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ، فَلَهُ مِائَةُ أَلفِ دِينَارٍ وَيُزَوِّجُهُ ابنَتَهُ، فَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ لابنِ سَعدٍ: نَادِ فِي النَّاسِ: مَن أَتَانِي بِرَأسِ جُرجِيرَ نَفَّلتُهُ مِائَةَ أَلفٍ وَمَلَّكتُهُ ابنَتَهُ وَاستَعمَلتُهُ عَلَى بِلَادِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَكَنَ الذُّعرُ والهَلَعُ قَلبَ جُرجِيرَ.
ثُمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ قَالَ لِعَبدِ اللهِ بنِ سَعدٍ: إِنَّ أَمرَنَا يَطُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُم فِي أَمدَادٍ مُتَّصِلَةٍ وَبِلَادٍ هِيَ لَهُم، وَنَحنُ مُنقَطِعُونَ عَنِ المُسلِمِينَ وَبِلَادِهِم، وَقَد رَأَيتُ أَن نَترُكَ غَدًا جَمَاعَةً صَالِحَةً مِن أَبطَالِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم مُتَأَهِّبِينَ، وَنُقَاتِلُ نَحنُ الرُّومَ فِي بَاقِي العَسكَرِ إِلَى أَن يَضجَرُوا وَيَمَلُّوا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى خِيَامِهِم وَرَجَعَ المُسلِمُونَ رَكِبَ مَن كَانَ فِي الخِيَامِ مِنَ المُسلِمِينَ وَلَم يَشهَدُوا القِتَالَ وَهُم مُستَرِيحُونَ، وَنَقصِدُهُم عَلَى غِرَّةٍ، فَلَعَلَّ اللهَ يَنصُرُنَا عَلَيهِم، فَأَحضَرَ جَمَاعَةً مِن أَعيَانِ الصَّحَابَةِ وَاستَشَارَهُم فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ الغَدُ فَعَلَ عَبدُ اللهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيهِ، وَأَقَامَ جَمِيعُ شُجعَانِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم، وَخُيُولُهُم عِندَهُم مُسرَجَةٌ، وَمَضَى البَاقُونَ فَقَاتَلُوا الرُّومَ إِلَى الظُّهرِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أُذِّنَ بِالظُّهرِ هَمَّ الرُّومُ بِالِانصِرَافِ عَلَى العَادَةِ، فَلَم يُمَكِّنهُمُ ابنُ الزُّبَيرِ وَأَلَحَّ عَلَيهِم بِالقِتَالِ حَتَّى أَتعَبَهُم، ثُمَّ عَادَ عَنهُم هُوَ وَالمُسلِمُونَ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَينِ أَلقَى سِلَاحَهُ وَوَقَعَ تَعِبًا، فَعِندَ ذَلِكَ أَخَذَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ مَن كَانَ مُستَرِيحًا مِن شُجعَانِ المُسلِمِينَ وَقَصَدَ الرُّومَ، فَلَم يَشعُرُوا بِهِم حَتَّى خَالَطُوهُم، وَحَمَلُوا حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكَبَّرُوا، فَلَم يَتَمَكَّنِ الرُّومُ مِن لُبسِ سِلَاحِهِم، حَتَّى غَشِيَهُمُ المُسلِمُونَ، وَقَتَلَ ابنُ الزُّبَيرِ جُرجِيرَ، وَانهَزَمَ الرُّومُ وَقُتِلَ مِنهُم مَقتَلَةٌ عَظِيمَةٌ.
يُعتَبَرُ ابنُ الزُّبَيرِ سَادِسَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعدَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، حَيثُ إِنَّهُ لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ أَقلَعَ الجَيشُ عَن مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَى الشَّامِ، وَاستَفحَلَ أَمرُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ بِالحِجَازِ وَمَا وَالَاهَا، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَيعَةً عَامَّةً هُنَاكَ، وَاستَنَابَ عَلَى المَدِينَةِ أَخَاهُ عُبَيدَةَ بنَ الزُّبَيرِ، وَأَمَرَهُ بِإِجلَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنِ المَدِينَةِ، فَأَجلَاهُم فَرَحَلُوا إِلَى الشَّامِ، وَفِيهِم مَروَانُ وَابنُهُ عَبدُ المَلِكِ، ثُمَّ بَعَثَ أَهلُ البَصرَةِ إِلَى ابنِ الزُّبَيرِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَجلِبُونَهُ إِلَى أَنفُسِهِم، فَكَتَبَ إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ لِيُصَلِّيَ بِهِم، وَبَعَثَ ابنُ الزُّبَيرِ إِلَى أَهلِ الكُوفَةِ عَبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ الأَنصَارِيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِبرَاهِيمَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ عَلَى الخَرَاجِ، وَاستَوثَقَ لَهُ البَلَدَانِ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أَهلِ مِصرَ فَبَايَعُوهُ، وَاستَنَابَ عَلَيهَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ جَحدَمٍ، وَأَطَاعَت لَهُ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ كُلُّهَا.
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “يَخرُجُ مِن ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ، الآخِرُ مِنهُمَا أَشَرُّ مِنَ الأَوَّلِ“، فَفِي أَيَّامِ ابنِ الزُّبَيرِ كَانَ خُرُوجُ المُختَارِ الكَذَّابِ الَّذِي ادّعَى النُّبُوَّةَ، فَجَهَّزَ ابنُ الزُّبَيرِ لِقِتَالِهِ، إِلَى أَن ظَفِرَ بِهِ فِي سَنَةِ سَبعٍ وَسِتِّينَ وَقَتَلَهُ.
بَعدَ مُبَايَعَةِ ابنِ الزُّبَيرِ تَمَرَّدَ عَلَيهِ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ وَبَغَى عَلَيهِ، وَانفَكَّ عَنهُ النَّاسُ شَيئًا فَشَيئًا، وَسَقَطَتِ البِلَادُ وَاحِدَةً تِلوَ الأُخرَى، وَبَعَثَ عَبدُ المَلِكِ مِنَ الشَّامِ إِلَى المَدِينَةِ جُندًا فَاستَولَى عَلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، لَكِنِ استَمَرَّ ابنُ الزُّبَيرِ بِمَكَّةَ خَلِيفَةً، إِلَى أَن أَمَرَ عَبدُ المَلِكِ الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ أَن يَخرُجَ لِقِتَالِهِ، فَخَرَجَ الحَجَّاجُ فِي أَربَعِينَ أَلفًا، وَنَصَبَ الحَجَّاجُ المِنجَنِيقَ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيسٍ بِالحِجَارَةِ وَالنِّيرَانِ، فَاشتَعَلَت أَستَارُ الكَعبَةِ بِالنَّارِ، فَجَاءَت سَحَابَةٌ مِن نَحوِ جُدَّةَ يُسمَعُ فِيهَا الرَّعدُ وَيُرَى البَرقُ، فَجَاوَزَ المَطَرُ الكَعبَةَ وَالمَطَافَ فَأُطفِئَتِ النَّارُ، وَجَاءَت صَاعِقَةٌ فَأَحرَقَتِ المِنجَنِيقَ وَأَربَعِينَ مِنَ الجُندِ، وَدَامَ القِتَالُ أَشهُرًا، وَتَفَرَّقَ عَن عَبدِ اللهِ أَصحَابُهُ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ أَسمَاءَ قَبلَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن مَقتَلِهِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ، فَقَالَ لَهَا: كَيفَ تَجِدِينَكِ يَا أُمَّاهُ؟ قَالَت: مَا أَجِدُنِي إِلَّا شَاكِيَةً، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَمَّ المَوتِ رَاحَةٌ، فَقَالَت: لَعَلَّكَ تَمَنَّيتَهُ لِي، مَا أُحِبُّ أَن أَمُوتَ حَتَّى تَأتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيكَ، إِمَّا قُتِلتَ فَأَحتَسِبُكَ، وَإِمَّا ظَفَرتَ بِعَدُوِّكَ فَقَرَّت عَينِي.
أما قصة مقتله رضي الله عنه: فقد كان أَهْلُ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْأَمَانِ وَيَتْرُكُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَمَّنَهُمْ وقَلَّ أَصْحَابُ ابْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْحَجَّاجِ حَمْزَةُ وخبيب ابنا عبد الله بن الزُّبَيْرِ، فَأَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا أَمَانًا مِنَ الْحَجَّاجِ فَأَمَّنَهُمَا، وَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أُمِّهِ فَشَكَا إِلَيْهَا خِذْلَانَ النَّاسِ لَهُ، وَخُرُوجَهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا شِئْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَتَدْعُو إِلَى حَقٍّ فَاصْبِرْ عَلَيْهِ فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ، وَلَا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ يَلْعَبْ بها غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا فَلَبِئْسَ الْعَبْدَ أَنْتَ، أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَأَهْلَكْتَ مَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى حَقٍّ فَمَا ضَعُفَ الدِّينُ وَإِلَى كَمْ خلودك فِي الدُّنْيَا؟ فقال لها: يا أمّاه «إنّي أخافُ إنْ قتلونِي أنْ يمثِّلوا بي» قالت: «يا بنيَّ، إنَّ الشاةَ لا يضرُّها سلْخُهَا بعدَ ذبحِها» فَدَنَا مِنْهَا فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ رَأْيِي، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا، وَمَا دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ إِلَّا الْغَضَبُ لِلَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ حُرْمَتُهُ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ فَزِدْتِينِي بَصِيرَةً مَعَ بَصِيرَتِي، فانظرِي يا إماهُ فإنِّي مقتولٌ في يَوْمِي هَذَا فَلَا يَشْتَدُّ حُزْنُكِ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَكِ لَمْ يَجُرْ فِي حُكْمِ اللَّهِ (أي لمْ يظلمْ)، وَلَمْ يَغْدُرْ فِي أَمَانٍ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ظُلْمٌ عَنْ عَامِلٍ فَرَضِيتُهُ بَلْ أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ يكن عندي آثَرُ من رضى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِي مِنِّي وَمِنْ غَيْرِي، وَلَكِنِّي أَقُولُ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأُمِّي لِتَسْلُوَ عَنِّي، فَقَالَتْ أُمُّهُ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ عَزَائِي فِيكَ حَسَنًا، إِنْ تَقَدَّمْتَنِي أَوْ تَقَدَّمْتُكَ فَفِي نَفْسِي، اخْرُجْ يَا بُنَيَّ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ، فَقَالَ جَزَاكِ اللَّهُ يَا أُمَّاهُ خَيْرًا فلا تدَعِي الدعاء قبلُ وبعدُ فقالت: لا أدعه أبدًا لمن قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ فَلَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى حَقٍّ، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَلِكَ الْقِيَامِ وَذَلِكَ النَّحِيبِ وَالظَّمَأِ فِي هَوَاجِرِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي، اللَّهم إنِّي قَدْ سَلَّمْتُهُ لِأَمْرِكَ فِيهِ وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ فَقَابِلْنِي فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِثَوَابِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ ثُمَّ أَخَذَتْهُ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَتْهُ لِتُوَدِّعَهُ وَاعْتَنَقَهَا لِيُوَدِّعَهَا وَكَانَتْ قَدْ عَمِيَتْ فِي آخِرِ عُمْرِهَا فَوَجَدَتْهُ لَابِسًا دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ ما هذا لباس من يريد ما نريد مِنَ الشَّهَادَةِ! فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ إِنَّمَا لَبِسْتُهُ لِأُطَيِّبَ خَاطِرَكِ وَأُسَكِّنَ قَلْبَكِ بِهِ، فَقَالَتْ: لَا يا بني ولكن انْزِعْهُ فَنَزَعَهُ وَجَعَلَ يَلْبَسُ بَقِيَّةَ ثِيَابِهِ وَيَتَشَدَّدُ وَهِيَ تَقُولُ: شَمِّرْ ثِيَابَكَ، وَجَعَلَ يَتَحَفَّظُ مِنْ أَسْفَلِ ثِيَابِهِ لِئَلَّا تَبْدُو عَوْرَتَهُ إِذَا قُتِلَ، وَجَعَلَتْ تُذَكِّرُهُ بِأَبِيهِ الزُّبَيْرِ، وَجَدِّهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَجَدَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وترجيه القدوم عليهم إِذَا هُوَ قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهَا رَضِيَ الله عنهما وعن أبيه وأبيها قَالُوا: وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُنَاكَ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ فَيَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحَدٌ وَهُوَ يَقُولُ: إنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمِي أَصْبِرْ * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر. وَكَانَتْ أَبْوَابُ الْحَرَمِ قَدْ قَلَّ مَنْ يَحْرُسُهَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ لِأَهْلِ حِمْصَ حِصَارُ الْبَابِ الَّذِي يُوَاجَهُ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَلِأَهْلِ دِمَشْقَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، وَلِأَهْلِ الْأُرْدُنِ بَابُ الصَّفَا، وَلِأَهْلِ فِلَسْطِينَ بَابُ بَنِي جُمَحَ، وَلِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ بَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَعَلَى كُلِّ بَابٍ قَائِدٌ وَمَعَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْأَبْطَحِ، وَكَانَ ابن الزبير لا يخرج على أهل الباب إِلَّا فَرَّقَهُمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْبِسٍ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ إِلَى الْأَبْطَحِ ثُمَّ يَصِيحُ: لَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ فَيَقُولُ ابْنُ صَفْوَانَ وَأَهْلُ الشَّامِ أَيْضًا: إِي وَاللَّهِ وَأَلْفُ رَجُلٍ، وَلَقَدْ كَانَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ يَقَعُ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ فَلَا يَنْزَعِجُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فيقاتلهم كأنه أسد ضارٍ، حَتَّى جَعَلَ النَّاس يَتَعَجَّبُونَ مِنْ إِقْدَامِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَاتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي طُولَ لَيْلَتِهِ ثُمَّ جَلَسَ فَاحْتَبَى بِحَمِيلَةِ سَيْفِهِ فَأَغْفَى ثُمَّ انْتَبَهَ مَعَ الْفَجْرِ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذِّنْ يَا سَعْدُ، فَأَذَّنَ عِنْدَ الْمَقَامِ، وَتَوَضَّأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتِي الْفَجْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ القلم، ثُمَّ سَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اكْشِفُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكُمْ، فَكَشَفُوا وُجُوهِهِمْ وَعَلَيْهِمُ الْمَغَافِرُ، فَحَرَّضَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ والصبر، ثم نهض ثم حمل وَحَمَلُوا حَتَّى كَشَفُوهُمْ إِلَى الْحَجُونِ فَجَاءَهُ حَجَرٌ فَأَصَابَهُ فِي وَجْهِهِ فَارْتَعَشَ لَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ سُخُونَةَ الدَّمِ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ بعضهم وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا * وَلَكِنْ عَلَى أقدامنا تقطر الدما. ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه رضي الله عنه، وجاؤوا إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخْبَرُوهُ فَخَرَّ سَاجِدًا قَبَّحَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَامَ هُوَ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيعٌ، فَقَالَ طَارِقُ: مَا وَلَدَتِ النِّسَاءُ أَذْكَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: تَمْدَحُ مَنْ يُخَالِفُ طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نعم! هو أعذر لأنا مُحَاصِرُوهُ وَلَيْسَ هُوَ فِي حِصْنٍ وَلَا خَنْدَقٍ وَلَا مَنَعَةٍ يَنْتَصِفُ مِنَّا، بَلْ يُفَضَّلُ عَلَيْنَا فِي كُلِّ موقفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الملك ضرب طَارِقًا وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ارْتَجَّتْ مَكَّةَ بُكَاءً عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَخَطَبَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إن عبدَ الله بنَ الزبير مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى رَغِبَ فِي الْخِلَافَةِ وَنَازَعَهَا أَهْلَهَا وَأَلْحَدَ فِي الْحَرَمِ فَأَذَاقَهُ من عذابه الأليم، وَإِنَّ آدَمَ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، وقيل أنه قال: يا أهل مكة إِكْبَارُكُمْ وَاسْتِعْظَامُكُمْ قَتْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّ ابْنَ الزُّبير كان مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى رَغِبَ فِي الدُّنْيَا وَنَازَعَ الْخِلَافَةَ أَهْلَهَا، فَخَلَعَ طَاعَةَ اللَّهِ وَأَلْحَدَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَتْ مَكَّةُ شَيْئًا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ لَمَنَعَتْ آدَمَ حُرْمَةُ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا عَصَاهُ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَآدَمُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ غَيَّرَ كِتَابَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُغَيِّرْ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ كَانَ قَوَّامًا بِهِ صَوَّامًا، عَامِلًا بِالْحَقِّ ثم كتب الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا وَقَعَ، وَبَعَثَ بِرَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ وَعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ إِلَى عَبْدِ الملك، ثمَّ أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بِهَا، ثُمَّ يَسِيرُوا بِهَا إِلَى الشَّام، فَفَعَلُوا ما أمرَهم به، وأرسلَ بالرؤوسِ معَ رجلٍ مِنَ الأزدِ فأعطاهُ عبدُ الملكِ خمسمَائة دينارٍ، ثمَّ دعا بمقراضٍ فأخذَ مِنْ ناصيتِه ونواصي أولادِه فرحًا بمقتلِ ابنِ الزبيرِ، عليهِم مِنَ اللهِ ما يستحقونَ ثُمَّ أَمَرَ الْحَجَّاجُ بِجُثَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَصُلِبَتْ على ثنية كدا عِنْدَ الْحَجُونِ، يُقَالُ مُنَكَّسَةً، فَمَا زَالَتْ مَصْلُوبَةً، حَتَّى مرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ؟ وقيل إن الذي قال هذا الكلام هي أسماءُ أمُّه رضي الله عنهما وماتت بعد بأيام قليلة ودفنت بجانبه في مقبرة المعلاة. فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع وَدُفِنَ هُنَاكَ وَدَخَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى مَكَّةَ فَأَخَذَ البيعة من أهلها إلى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ).
105- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ»، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» -وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَانَ ذَلِكَ- «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، مَرَّتَيْنِ.
الشَّرحُ: 105- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ (وَهَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وَأَمْوَالَكُمْ»، قَالَ مُحَمَّدٌ (وَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ): وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ (يَعنِي: ابنُ سِيرِينَ قَالَ: وَأَحسَبُ أَو أَحسِبُ، يَصِحُّ الوَجهَينِ، أَحسِبُ أَنَّ ابنَ أَبِي بَكرَةَ هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا) عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (يَومِكُم هَذَا: يَومِ النَّحرِ، وَالشَّهرُ هُوَ ذُو الحِجَّةِ)، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» -وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَانَ ذَلِكَ- «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، مَرَّتَيْنِ (مَعنَاهُ هَذَا مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَلَا هَل بَلَّغتُ»، وَقَد مَرَّ مَعَنَا هَذَا الحَدِيثُ سَابِقًا وَشَرَحنَاهُ، وَلَكِن أَعَادَهُ هُنَا وَالمُرَادُ بِهِ تَبلِيغُ العِلمِ، مَعنَاهُ: يَنبَغِي مِنَّا جَمِيعًا لِكُلِّ مَن تَعَلَّمَ مِن أَهلِ العِلمِ الثِّقَاتِ وَفَهِمَ وَأَتقَنَ مَا سَمِعَ أَن يُبَلِّغَ العِلمَ لِلنَّاسِ، النَّاسُ تَحتَاجُ إِلَى العِلمِ، فَمَا عَلَينَا إِلَّا بِالهِمَّةِ القَوِيَّةِ أَن نَطرُقَ أَبوَابَ النَّاسِ لِنَشرِ العِلمِ بَينَهُم، يَعنِي لَا تَنتَظِر أَن يَأتِيَ النَّاسُ إِلَيكَ، أَنتَ اذهَب إِلَيهِم وَعَلِّمهُم هَذَا العِلمَ الشَّرِيفَ).
(82) باب إثم من كذب على النبي ﷺ
الشَّرحُ: (82) بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (هَذَا البَابُ فِي بَيَانِ مَعصِيَةِ وَعِظَمِ مَعصِيَةِ مَن كَذَبَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، هَذَا البَابُ لِبَيَانِ عُظمِ هَذِهِ المَعصِيَةِ)
106- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ».
الشرح: 106- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ (لَا تُقَوِّلُونِي مَا لَم أَقُل وَلَا تَنسُبُوا إِلَيَّ مَا لَم أَقُلهُ)، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». (أَي فَليَدخُلِ النَّارَ)
(مَعنَاهُ: الكَذِبُ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ، وَلَو قَالَ مَنِ افتَرَى وَكَذَبَ: أَنَا كَانَ مُرَادِي أَن أُشَجِّعَ النَّاسَ عَلَى فِعلِ الخَيرِ، أَنَا كَانَ مُرَادِي أَن أُنَفِّرَ النَّاسَ مِن فِعلِ الشَّرِّ، وَلَو كَانَ هَكَذَا، مَن كَذَبَ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، ذَنبُهُ عِندَ اللهِ تَعَالَى عَظِيمٌ، وَمَا أَكثَرَ مَن نَسَبَ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ أَشيَاءَ كَثِيرَةً لَم يَقُلهَا وَلَم يَفعَلهَا سَيِّدِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدِينُ اللهِ دِينٌ كَامِلٌ لَا يَحتَاجُ أَن يُكذَبَ لَهُ وَلَا أَن يُكذَبَ عَلَيهِ، مَا فِي أَحَادِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ عَنهُ يَكفِينَا، لِمَاذَا اللُّجُوءُ إِلَى تِلكَ الأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَسَاسَ لَهَا وَلَا أَصلَ لَهَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، كَثِيرٌ مِنَ القَصَّاصِينَ يُرَوِّجُونَ بَينَ النَّاسِ هَذِهِ الأَكَاذِيبَ وَهَذِهِ الِافتِرَاءَاتِ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ، وَالعَوَامُّ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ: اللهُ أَكبَرُ، هَذَا الشَّيخُ جَاءَنَا بِحَدِيثٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ نَسمَعُ بِهِ، مَا شَاءَ اللهُ، مَعنَاهُ: هَذَا عِندَهُ اطِّلَاعٌ وَاسِعٌ، وَفِي الحَقِيقَةِ هُوَ يَكُونُ قَد كَذَبَ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ.
مِن جُملَةِ مَا يَحضُرُنِي فِي التَّحذِيرِ مِنهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مَكذُوبَةٍ: مَا يَقُولُهُ بَعضُ النَّاسِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي لَن تَنَالَهُ شَفَاعَتِي، وَكَقَولِ بَعضِهِم: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ عَلَى وَجهِهِ قِطعَةُ لَحمٍ، هَذَا وَأَمثَالُهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ التَّحذِيرِ مِنهَا، قَولُهُم: مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي فَلَيسَ مِن أُمَّتِي، مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي لَم تَنَلهُ شَفَاعَتِي، مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ عَلَى وَجهِهِ قِطعَةُ لَحمٍ، أَحَادِيثُ مَكذُوبَةٌ.
هُنَاكَ كَذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَكذُوبَةٌ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ وَلَكِن للهِ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ سُبحَانَهُ اللهُ تَعَالَى قَيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عُلَمَاءَ حُفَّاظًا يَحفَظُونَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ يُغَربِلُونَ الأَحَادِيثَ، يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ الصَّحِيحَ مِنَ المَكذُوبِ مِنهَا، مَهمَا افتَرَيت الحَمدُ للهِ يُوجَدُ مِنَ العُلَمَاءِ مَن يُغَربِلُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ.
فَإِذَن الكَذِبُ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مَعدُودٌ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، قَالَ العُلَمَاءُ: اللهم إِلَّا إِذَا نَسَبَ هَذَا الكَاذِبُ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ كَلَامًا يُخَالِفُ القُرءَانَ، كَلَامًا يُخَالِفُ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، كَلَامًا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، فَإِذَن يَكُونُ قَد وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى).
107- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
الشَّرحُ: 107- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (مَعنَاهُ أَنَّهُ يَحتَاطُ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَم يُحتَج إِلَى أَن يَروِيَ عَنهُ خَشيَةَ أَن يُخطِئَ فَيُقَوِّلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَم يَقُلهُ)
(هَذَا الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ يَروِي بِالإِسنَادِ إِلَى أَن قَالَ: عَن عَامِرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ عَن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلتُ لِلزُّبَيرِ، الزُّبَيرُ هُوَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ أَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ: إِنِّي لَا أَسمَعُكَ تُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَا لَا أَسمَعُكَ تُحَدِّثُ كَثِيرًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، هُنَا مَا سَمَّى الأَسمَاءَ، لَكِن سَمَّى مِنهُمَا فِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَه، سَمَّى عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَم أُفَارِقهُ، أَنَا لَم أُفَارِق رَسُولَ اللهِ غَالِبًا، وَلَكِن سَمِعتُهُ يَقُولُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَليَتَّخِذ، مَعنَى فَليَتَبَوَّأ: فَليَتَّخِذ، مَعنَاهُ: عِندَ اللهِ تَعَالَى ذَنبُهُ عَظِيمٌ، مَعنَاهُ يَستَحِقُّ فِي الآخِرَةِ العَذَابَ الأَلِيمَ فِي النَّارِ).
108- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
الشَّرحُ: 108- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (مَعَ ذَلِكَ أَنَسٌ كَانَ مِنَ المُكثِرِينَ فِي الحَدِيثِ، لِأَنَّهُ طَالَ عُمُرُهُ وَاحتِيجَ إِلَى ذَلِكَ)
(كَذَلِكَ يَروِي الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمنَعُنِي أَن أُحَدِّثَكُم حَدِيثًا كَثِيرًا يَعنِي مِن أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ أَنَا سَمِعتُهُ يَقُولُ: مَن تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، سَمِعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً عَن نَبِيِّنَا ﷺ وَلَكِن أَرَادَ الِاحتِيَاطَ، أَرَادَ أَن يَسلُكَ دَربَ الِاحتِيَاطِ).
109- حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار».
الشَّرحُ: 109- حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار».
(بَينَ البُخَارِيِّ وَبَينَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ، هَذَا يُعَدُّ مِن ثُلَاثِيَّاتِ البُخَارِيِّ، يَعنِي أَعلَى أَسَانِيدِ البُخَارِيِّ، بَينَهُ وَبَينَ النَّبِيِّ ثَلَاثَةُ أَشخَاصٍ، مَرَّ مَعَنَا بَينَهُ وَبَينَ النَّبِيِّ ﷺ أَربَعَةٌ، فِي هَذَا الحَدِيثِ بَينَهُ وَبَينَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةٌ، هَذَا يَعُدُّونَهُ مِن ثُلَاثِيَّاتِ البُخَارِيِّ، مِن أَسَانِيدِهِ العَالِيَةِ،فَبِسَنَدِهِ إِلَى سَلَمَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَن يَقُل عَلَيَّ مَا لَم أَقُل فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَليَتَّخِذ مَقعَدًا لَهُ فِي النَّارِ، مَعنَاهُ عَذَابُهُ أَلِيمٌ، عَذَابُهُ شَدِيدٌ).
110- حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
الشَّرحُ: 110- حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
(الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ يَروِي بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوا بِاسمِي» مُحَمَّدٍ وَأَحمَدٍ «وَلَا تَكتَنُوا بِكُنيَتِي» أَبِي القَاسِمِ، قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: التَّكَنِّي بِأَبِي القَاسِمِ لِمَنِ اسمُهُ مُحَمَّدٌ وَلِغَيرِهِ هَذَا بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ، أَمَّا النَّهيُ الوَارِدُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ لِمَن كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، هَكَذَا قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ وَعَدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ، قَالَ: يَجُوزُ التَّكَنِّي بِأَبِي القَاسِمِ لِمَنِ اسمُهُ مُحَمَّدٌ وَلِغَيرِهِ، وَهَذَا النَّهيُ الَّذِي فِي الحَدِيثِ هُوَ خَاصٌّ بِحَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَغَيرُهُم مِنَ العُلَمَاءِ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَن يَتَكَنَّى أَبَا القَاسِمِ، سَوَاءٌ كَانَ اسمُهُ مُحَمَّدًا أَو غَيرَهُ، هَكَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُنَاكَ قَولٌ آخَرُ يَذكُرُهُ بَعضُ العُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ لِمَنِ اسمُهُ مُحَمَّدٌ وَيَجُوزُ لِغَيرِهِ، أَقوَالٌ ثَلَاثَةٌ.
فَهَذَا الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ: «تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَكتَنُوا بِكُنيَتِي، وَمَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَد رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي»، مَعنَاهُ مَن رَأَى نَبِيَّنَا ﷺ فِي المَنَامِ عَلَى الهَيئَةِ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيهَا فِي حَيَاتِهِ فَقَد رَآهُ حَقًّا، رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، وَاللهُ تَعَالَى لَم يُعطِ الشَّيطَانَ القُدرَةَ عَلَى أَن يَتَشَكَّلَ وَيَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ نَبِيِّنَا ﷺ، لَا يَستَطِيعُ، لِذَلِكَ مَن رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ فَليَحمَدِ اللهَ فَإِنَّهَا بُشرَى عَظِيمَةٌ، أَسأَلُ اللهَ لِي وَلَكُم أَن يُكرِمَنِي اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرُؤيَةِ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
ثُمَّ أَكمَلَ البُخَارِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ، أَي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، مَعنَاهُ: المُصَنِّفُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ أَورَدَ هَذَا الحَدِيثَ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ» هَا هُنَا عَن جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَن عَلِيٍّ، وَعَنِ الزُّبَيرِ، وَعَن أَنَسٍ، وَعَن سَلَمَةَ، وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، مَعنَاهُ هَذَا حَدِيثٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَنِهَايَةِ القُوَّةِ، نَعَم هُنَاكَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ هُم كَذَلِكَ رَوَوا هَذَا عَن سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ: «وَمَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَد رَءَانِي، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، مُقتَضَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ يَحرُمُ الكَذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ فِي اليَقَظَةِ أَو فِي النَّومِ، فَإِيَّانَا وَإِيَّاكُم مِنَ الكَذِبِ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ العَظِيمِ ﷺ، مَن كَذَبَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
وَقَد كَثُرَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَن يُرسِلُ لِلنَّاسِ كَلِمَاتٍ أَو أَفعَالًا وَيَنسُبُونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، إِيَّاكُم أَن تُصَدِّقُوا كُلَّ مَا يُنسَبُ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ، عَلَيَّ وَعَلَيكُم أَن نَرجِعَ إِلَى أَهلِ العِلمِ، إِلَى أَهلِ الخُبرَةِ فِي الحَدِيثِ، هُم يُغَربِلُونَ الأَحَادِيثَ، وَهُم يُخبِرُونَ هَذَا صَحِيحٌ وَهَذَا غَيرُ صَحِيحٍ.
ثُمَّ كَذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُهِمٌّ أَن أَذكُرَهُ أَنَّ التَّصحِيحَ وَالتَّضعِيفَ، أَن يُقَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: صَحِيحٌ، وَفِي ذَاكَ الحَدِيثِ: ضَعِيفٌ، هَذِهِ وَظِيفَةُ الحُفَّاظِ، الحَافِظُ مِن حُفَّاظِ الحَدِيثِ الَّذِي بَلَغَ مَرتَبَةً عَالِيَةً فِي عِلمِ الحَدِيثِ هُوَ لَهُ الأَهلِيَّةُ أَن يَقُولَ: هَذَا صَحِيحٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لَيسَ أَيَّ إِنسَانٍ، حَتَّى وَلَو دَرَسَ الوَاحِدُ مِنَّا عِلمَ الحَدِيثِ لَا يَعنِي أَنَّهُ صَارَ مُؤَهَّلًا أَن يُصَحِّحَ وَأَن يُضَعِّفَ، لِهَذَا الأَمرِ شُرُوطٌ لَا بُدَّ أَن تَتَوَفَّرَ فِي هَذَا الإِنسَانِ).
(83) باب كتابة العلم
الشَّرحُ: (83) بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ (لِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ أَن يَكتُبَ الوَاحِدُ مِنَّا مَا يَسمَعُهُ مِنَ العِلمِ، لِأَنَّهُ فِي الغَالِبِ إِن لَم نَكتُب مَا نَسمَعُهُ مِنَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ يُفلِتُ مِنَّا، يَعنِي نَنسَاهُ فِيمَا بَعدُ، فَمِنَ المُهِمِّ أَن نَكتُبَ)
111- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
الشرح: 111- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ (أَي خَصَّكُم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ دُونَ غَيرِكُم مِنَ النَّاسِ بِأَشيَاءَ؟) قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ (هَذَا مَوضِعُ الِاستِشهَادِ، أَي هُنَاكَ صَحِيفَةٌ عِندَنَا كَتَبنَا فِيهَا أَشيَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ)، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ (يَجُوزُ كَسرُ الفَاءِ)الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (أَي إِذَا قَتَلَ المُسلِمُ كَافِرًا لَا يُقتَلُ المُسلِمُ قِصَاصًا)
(الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ يَروِي بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي جُحَيفَةَ، أَبُو جُحَيفَةَ يُخَاطِبُ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قُلتُ لِعَلِيٍّ، يَعنِي لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: هَل عِندَكُم كِتَابٌ؟ أَي مَكتُوبٌ خَصَّكُم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ دُونَ غَيرِكُم مِن أَسرَارِ عِلمِ الوَحيِ كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ؟ هَل عِندَكُم كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابَ اللهِ، نَحنُ وَإِيَّاكُم عَلَى هَذَا، أَو فَهمٌ أُعطِيَهُ رَجُلٌ مُسلِمٌ، مَعنَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَعطَى هَذَا العَالِمَ الَّذِي هُوَ فِي دَرَجَةِ المُجتَهِدِينَ فَهمًا وَاسِعًا يَقدِرُ بِسَبَبِهِ أَن يَستَنبِطَ الأَحكَامَ مِن كِتَابِ اللهِ وَمِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَكَذَا كَانَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَعطَاهُ اللهُ تَعَالَى هَذَا الفَهمَ الوَاسِعَ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَو مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، أَي مَا فِي هَذِهِ الوَرَقَةِ المَكتُوبَةِ، كَانَت مُعَلَّقَةً بِقَبضَةِ سَيفِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ حَتَّى يَكُونَ دَائِمًا عَلَى استِحضَارٍ لَهَا، النَّبِيُّ ﷺ أَعلَمَهُ بِأَشيَاءَ وَكَتَبَهَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، مَاذَا فِيهَا؟ سَأَلَهُ قَالَ: قُلتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقلُ، مَعنَاهُ الدِّيَةُ، المُرَادُ أَنَّهُ مَذكُورٌ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ عَن أَحكَامِ الدِّيَةِ وَمَقَادِيرِهَا وَأَصنَافِهَا، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، مَعنَاهُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ حُكمُ تَخلِيصِ الأَسِيرِ مِن يَدِ العَدُوِّ، وَفِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ التَّرغِيبُ فِي ذَلِكَ، هَذَا مَعنَاهُ، قَالَ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقلُ وَفَكَاكُ الأَسِيرِ وَلَا يُقتَلَ مُسلِمٌ بِكَافِرٍ).
112- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ» أَوِ «الْفِيلَ» شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ «وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ»، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ، إِلَّا الْإِذْخِرَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.
الشَّرحُ: 112- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ (أَي فِي الجَاهِلِيَّةِ)، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ» أَوِ «الْفِيلَ» شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ «وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي (الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَنَفَعَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ يَذكُرُ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن بَنِي لَيثٍ، خُزَاعَةُ هُم حَيٌّ مِنَ الأَزدِ، خُزَاعَةُ قَبِيلَةٌ مَشهُورَةٌ، وَالمُرَادُ وَاحِدٌ مِنهُم هُنَا، فَفِي السِّيرَةِ مَذكُورٌ أَنَّ خِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ قَتَلَ جُندُبَ بنَ الأَقرَعِ الهُذَلِيَّ بِقَتِيلٍ قُتِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: أَحمَرُ.
فَأَبُو هُرَيرَةَ يَروِي أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن بَنِي لَيثٍ عَامَ فَتحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنهُم قَتَلُوهُ، فَأُخبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ أَي خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَن مَكَّةَ القَتلَ» أَوِ «الِفيلَ»، اللهُ تَعَالَى حَبَسَ أَي مَنَعَ عَن مَكَّةَ القَتلَ، مَعرُوفٌ مَا هُوَ، أَوِ الفِيلَ، شَكَّ أَبُو عَبدِ اللهِ، فِي بَعضِ نُسَخِ البُخَارِيِّ مَذكُورٌ: شَكَّ أَبُو عَبدِ اللهِ، أَي شَكَّ البُخَارِيُّ، وَفِي بَعضِ النُّسَخِ مَذكُورٌ: كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيمٍ، يَعنِي أَرَادَ البُخَارِيُّ أَن يُبَيِّنَ أَنَّ الشَّكَّ هُوَ مِن شَيخِهِ أَبِي نُعَيمٍ «وَسَلَّطَ عَلَيهِم رَسُولَ اللهِ وَالمُؤمِنِينَ» فِي بَعضِ النُّسَخِ بِضَمِّ السِّينِ بِالبِنَاءِ لِلمَفعُولِ، «سُلِّطَ عَلَيهِم رَسُولُ الله» ﷺ هَذَا مَرفُوعٌ، «وَالمُؤمِنُونَ» مَعطُوفٌ عَلَيهِ.
وَالفِيلُ مَعرُوفٌ مَا هِيَ هَذِهِ القِصَّةُ، المُرَادُ بِحَبسِ الفِيلِ يَعنِي أَهلَ الفِيلِ الَّذِينَ غَزَوا مَكَّةَ وَكَانَ مَعَهُمُ الفِيلُ فَمَنَعَهُمُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَسَلَّطَ عَلَيهِمُ الطَّيرَ الأَبَابِيلَ.
فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَن مَكَّةَ القَتلَ» أَوِ «الفِيلَ»، مَعنَاهُ إِذَا كَانَ هَذَا قَد حَصَلَ مَنَعَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَن أَهلِ مَكَّةَ الفِيلَ أَن يَأتِيَ إِلَيهِم وَيَهدِمَ الكَعبَةَ فَمَعنَاهُ الآنَ مِن بَابِ أَولَى.
ثُمَّ تَابَعَ فِي الحَدِيثِ: «أَلَا وَإِنَّهَا لَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبلِي وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعدِي»)، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ (مَعنَاهُ فِي سَاعَتِي، بَعدَ الفَتحِ يَحرُمُ، هَذَا الأَمرُ حَرَامٌ)، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا (لَا يُقطَعُ شَوكُهَا، لَا يُجَزُّ شَوكُهَا إِلَّا الشَّوكُ المُؤذِي)، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا (لَا يُقطَعُ شَجَرُهَا، هَذِهِ مِن أَحكَامِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، الحَرَمُ المَكِّيُّ مَعنَاهُ مَكَّةُ هِيَ ضِمنَ الحَرَمِ، وَالحَرَمُ مَسَافَةٌ وَاسِعَةٌ حَدَّدَهَا إِبرَاهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ضِمنَ هَذِهِ الحُدُودِ يُقَالُ لَهُ الحَرَمُ المَكِّيُّ، لِهَذَا الحَرَمِ ضِمنَ هَذِهِ المَسَاحَةِ مِنَ الأَرضِ أَحكَامٌ خَاصَّةٌ مِن جُملَتِهَا هَذِهِ: لَا يُقطَعُ شَجَرُهَا، لَا يُعضَدُ شَجَرُهَا)، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا (أَي لِلتَّمَلُّكِ) إِلَّا لِمُنْشِدٍ (أَي مَن يُعَرِّفُهَا) (سَاقِطَتُهَا مَعنَاهُ مَا سَقَطَ فِيهَا بِغَفلَةِ مَالِكِهِ إِلَّا لِمُنشِدٍ، إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، فَلَيسَ لِوَاجِدِهَا إِلَّا التَّعرِيفُ، وَلَا يَملِكُهَا، هَذَا مَذهَبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِمَن وَجَدَ لُقَطَةً فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ)، فَمَنْ قُتِلَ (أَي مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخرَى لِلمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى) فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ (بِأَفضَلِهِمَا، هَذَا الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ)، إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ (هَذَا مِنَ الدِّيَةِ)، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ» (مَعنَاهُ يُقتَصُّ، إِمَّا أَن يَقُولَ أَهلُ القَتِيلِ نَحنُ نُرِيدُ القِصَاصَ أَو يَقتَصِرُونَ عَلَى أَمرِ الدِّيَةِ)، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ (هَذَا الرَّجُلُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاه) فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ (أَي مُر مَن يَكتُبُ لِي مَا قُلتَهُ) (مَعنَاهُ: الخُطبَةُ الَّتِي أَنَا سَمِعتُهَا مِنكَ اكتُبهَا لِي، يَعنِي مُر مَن يَكتُبُ لِي هَذِهِ الخُطبَةَ. وَالبُخَارِيُّ ذَكَرَ كُلَّ هَذَا الحَدِيثِ تَحتَ هَذَا البَابِ: بَابِ كِتَابَةِ العِلمِ، حَتَّى يُوصِلَ لَكَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اكتُب لِي يَا رَسُولَ اللهِ، مَعنَاهُ مُرَادُ البُخَارِيِّ أَهَمِّيَّةُ كِتَابَةِ العِلمِ، يَعنِي اكتُبِ العِلمَ، إِذَا لَم تَكتُب سَتَنسَى، وَإِذَا نَسِيتَ فَاتَكَ وَسَيَفُوتُ غَيرَكَ، فَالمُهِمُّ أَن تَكتُبَ وَأَن تُقَيِّدَ هَذَا العِلمَ بِالكِتَابَةِ)، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ» (هُنَا وَجهُ الدَّلِيلِ: فَقَالَ: «اكتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ»، لِأَبِي شَاهٍ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصحَابَهُ بِكِتَابَةِ الحَدِيثِ.
هُنَا مُلَاحَظَةٌ وَفَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ، فِي أَوَّلِ الأَمرِ النَّبِيُّ ﷺ نَهَاهُم عَن أَن يَكتُبُوا حَدِيثَهُ، قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: خَشيَةَ أَن يَلتَبِسَ عَلَيهِمُ الحَدِيثُ وَالقُرءَانُ، فَاقتُصِرَ عَلَى تَبلِيغِهِمُ الوَحيَ وَكِتَابَةِ القُرءَانِ الكَرِيمِ وَمَا يَسمَعُونَهُ مِنَ الحَدِيثِ يَحفَظُونَهُ مِن غَيرِ كِتَابَةٍ، حَتَّى لَا يَلتَبِسَ عَلَيهِمُ القُرءَانُ مِنَ الحَدِيثِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، مِنَ الأَدِلَّةِ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ أَنَّهُ أَذِنَ هَذَا الحَدِيثُ: «اكتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، أَمَّا بَعدَ ذَلِكَ بَدَأَ العُلَمَاءُ بِتَدوِينِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَثُرَ التَّدوِينُ ثُمَّ التَّصَانِيفُ وَالكُتُبُ الحَدِيثِيَّةُ إِلَى مَا هُنَالِكَ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيرٌ كَبِيرٌ عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوَّلُ مَن دَوَّنَ الحَدِيثَ كَانَ الزُّهرِيَّ عَلَى رَأسِ المِائَةِ بِأَمرٍ مِن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
إِذَن: «اكتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ»، وَهُوَ أَبُو شَاهٍ، فِيهِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ بِكِتَابَةِ الحَدِيثِ عَنهُ، أَمَّا فِي أَوَّلِ الأَمرِ مَا كَانَ هَكَذَا، فَالحَدِيثُ وَرَدَ: «لَا تَكتَبُوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرءَانِ فَليَمحُهُ»، هَذَا الحَدِيثُ فِي مُسلِمٍ ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ رَخَّصَ وَأَذِنَ ﷺ)،
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ (قَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ وَهُوَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ، لَمَّا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُختَلَى شَوكُهَا وَلَا يُعضَدُ شَجَرُهَا»، قَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَبتٌ مَعرُوفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ)، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا (نَجعَلُ هَذَا الإِذخِرَ نَجعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا لِلسَّقفِ فَوقَ الخَشَبِ وَفِي قُبُورِنَا نَسُدُّ بِهِ فُرَجَ اللَّحدِ المُتَخَلِّلَةِ بَينَ اللَّبِنَاتِ)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (أَي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ لَمَّا قَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذخِرَ، الوَحيُ أَوحَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن يَقُولَ): «إِلَّا الْإِذْخِرَ، إِلَّا الْإِذْخِرَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (يَعنِي الإِمَامَ البُخَارِيَّ): يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ (مَعنَاهُ: إِمَّا أَن يُعقَلَ وَإِمَّا أَن يُقَادَ)، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ (سَأَلُوا البُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ: مَاذَا كَتَبَ لَهُ؟ يَعنِي مَاذَا أَمَرَ أَن يُكتَبَ لَهُ؟ هَذِهِ الخُطبَةُ الَّتِي مَرَّت مَعَنَا كُلُّهَا وَفِيهَا: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَن مَكَّةَ القَتلَ»، إِلَى آخِرِهِ).
113- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الشَّرحُ: 113- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي (أَي أَنَا أَكثَرُ الصَّحَابَةِ حِفظًا لِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ)، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ (عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ كَانَ يَكتُبُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبُو هُرَيرَةَ مَا كَانَ يَشغَلُ وَقتَهُ بِالكِتَابَةِ لَكِن رُزِقَ الحِفظَ).
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(مَعنَاهُ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الصَّحَابِيَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ كَانَ يَكتُبُ الحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ حَالَ هَذَا الصَّحَابِيِّ فَمَا بَالُكُم نَحنُ؟ مَا بَالُكُم بِأَحوَالِنَا؟ نَحنُ يَغلِبُ عَلَينَا أَن نَنسَى مَا سَمِعنَا مِنَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ إِن لَم نُدَوِّن، وَكَثرَةُ الِانشِغَالَاتِ وَالهُمُومِ وَإِلَى مَا هُنَالِكَ كَذَلِكَ قَد تَكُونُ سَبَبًا لِنَنسَى مَا سَمِعنَا.
لِذَلِكَ أَنصَحُ نَفسِي ثُمَّ أَنصَحُ غَيرِي عِندَ سَمَاعِ العِلمِ مِن أَهلِ العِلمِ الثِّقَاتِ أَن نُدَوِّنَ هَذَا العِلمَ، وَبَعدَ أَن نُدَوِّنَ هَذَا العِلمَ نَعرِضُ مَا كَتَبنَا عَلَى هَذَا العَالِمِ، لَابُدَّ مِنَ العَرضِ عَلَى العَالِمِ حَتَّى لَا يُنسَبَ إِلَى هَذَا العَالِمِ مَا لَم يَقُلهُ، وَهَذَا مِن الأَسبَابِ الَّتِي بِسَبَبِهَا نَجِدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ الأَخطَاءَ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: سَمِعنَا مِن هَذَا العَالِمِ كَذَا وَكَذَا لَكِن لَم يُحَرَّر عَلَيهِ وَلَم يُعرَض عَلَيهِ مَرَّةً أُخرَى، فَلَا يَأمَنُونَ بِذَلِكَ مِنَ الغَلَطِ، لَابُدَّ مِنَ العَرضِ لِضَمَانِ أَنَّ مَا سَمِعنَاهُ قَالَهُ ثَابِتٌ عَنهُ.
يَعنِي مَثَلًا قَد يَكُونُ العَالِمُ فِي مَجلِسٍ وَفِي هَذَا المَجلِسِ مَثَلًا خَمسِينَ مِنَ الأَشخَاصِ سَمِعُوا مِن هَذَا العَالِمِ مَا قَالَ، وَكُلُّهُم مَثَلًا يَكتُبُ مَا قَالَ هَذَا العَالِمُ، فَإِذَا أَنَا أَرَدتُ أَن أَفتَحَ فِي كُتُبِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا هَل سَأَجِدُ نَفسَ العِبَارَاتِ كُلُّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى نَفسِ الكَلَامِ، أَم سَأَجِدُ اختِلَافًا؟ سَأَجِدُ اختِلَافًا، مَعَ أَنَّهُ مِن شَيخٍ وَاحِدٍ وَفِي مَجلِسٍ وَاحِدٍ، لَكِن هَذَا كَتَبَ عَلَى حَسَبِ مَا سَمِعَ، وَذَاكَ كَتَبَ عَلَى حَسَبِ مَا سَمِعَ، وَهَكَذَا، فَنَجِدُ اختِلَافًا فِي النُّسَخِ.
فَلِذَلِكَ مِنَ المُهِمِّ العَرضُ عَلَى هَذَا الشَّيخِ الثِّقَةِ حَتَّى نَتَأَكَّدَ أَنَّ مَا سَمِعنَاهُ هُوَ قَد قَالَهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَينَا أَن نَتَوَهَّمَ، يَجُوزُ عَلَينَا أَن نَنسَى، فَهَذَا مِن بَابِ الأَمَانَةِ الشَّرعِيَّةِ، لِأَنَّ العِلمَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَمَانَةُ العِلمِ أَهَمُّ مِن أَمَانَةِ المَالِ، فَعَلَينَا أَن نَتَحَرَّى جَمِيعًا لِضَبطِ العِلمِ، وَإِلَّا يَفشُو الغَلَطُ وَتَظهَرُ الفَتَاوَى البَاطِلَةُ بَينَ النَّاسِ، ثُمَّ يَكثُرُ مَن يَقُولُ: أَنَا سَمِعتُ الشَّيخَ فُلَانًا قَالَ: أَنَا سَمِعتُ العَالِمَ فُلَانًا قَالَ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا العَالِمَ مَا قَالَ وَهَذَا الشَّيخَ الثِّقَةَ مَا قَالَ، إِنَّمَا الرَّاوِي تَوَهَّمَ).
السؤال الفقهي
مَا هِيَ أَوقَاتُ زَكَاةِ الفِطرِ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ؟
وَقتُ جَوَازٍ: وَهُوَ رَمَضَانُ، فَيَجُوزُ إِخرَاجُهَا وَلَو أَوَّلَ لَيلَةٍ مِنهُ، وَيُسَمَّى هَذَا تَعجِيلَ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ أَخرَجَهَا قَبلَ وُجُوبِهَا وَهَذَا يَكُونُ أَيضًا فِي غَيرِ زَكَاةِ الفِطرِ بِشُرُوطٍ.
وَقتُ وُجُوبٍ: وَهُوَ غُرُوبُ شَمسِ ءَاخِرِ يَومٍ مِن رَمَضَانَ أَي بِإِدرَاكِ جُزءٍ مِن رَمَضَانَ وَجُزءٍ مِن شَوَّالٍ.
وَقتُ النَّدبِ: وَهُوَ يَومُ العِيدِ قَبلَ صَلَاةِ العِيدِ وَذَلِكَ حَتَّى يَكتَفِي الفُقَرَاءُ فَلَا يَضطَرُّوا إِلَى أَن يَدُورُوا عَلَى النَّاسِ، قَال ﷺ: «أَغنُوهُم عَن طَوَافِ هَذَا اليَومِ».
وَقتُ كَرَاهَةٍ: وَهُوَ بَعدَ صَلَاةِ العِيدِ إِلَى الغُرُوبِ إِلَّا أَن يَكُونَ أَخَّرَهَا لِانتِظَارِ نَحوِ قَرِيبٍ لَهُ لِيُعطِيَهُ الزَّكَاةَ.
وَقتُ حُرمَةٍ: وَهُوَ تَأخِيرُهَا إِلَى مَا بَعدَ غُرُوبِ شَمسِ يَومِ العِيدِ إِلَّا أَن يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذرٍ.
دعاء لقضاء الحوائج:
اللهم صلّ على سيدنا ومولانا محمَّد صلاةً تنحلُّ بها عُقدَتِي وتُقِيلُ بِهَا عَثرَتِي، وتُفَرِّجُ بهَا كُربَتِي، وتُنقِذُنِي بِهَا مِن غَفلَتِي، وتَقضِي بِهَا حَوَائِجِي وسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا
هذا الدعاء يقال ألف مرة على حالةِ الوُضُوءِ مع استقبال القبلة في ليلة الجمعة بعد الغروب يوم الخميس.
الدعاء الختامي
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:
اللهم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفسِي وَشَرِّ الشَّيطَانِ وَشِركِهِ
اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ العَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنيَايَ وَأَهلِي وَمَالِي، اللهم استُر عَورَتِي وَآمِن رَوعَتِي وَأَقِل عَثرَتِي وَاحفِظنِي مِن بَينِ يَدَيَّ وَمِن خَلفِي وَعَن يَمِينِي وَعَن شِمَالِي وَمِن فَوقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن أُغتَالَ مِن تَحتِي
اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ وَبَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ مِن غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ وَأَعُوذُ بِكَ أَن أُظلَمَ أَو أَظلِمَ أَو أَعتَدِي أَو يُعتَدَى عَلَيَّ أَو أَكسِبَ خَطِيئَةً أَو ذَنبًا لَا تَغفِرُهُ اللهم اجعَلنَا مِنَ العُلَمَاءِ الحُلَمَاءِ البَرَرَةِ الأَتقِيَاءِ، اللهم فَقِّهنَا فِي الدِّينِ، وَاجعَلنَا مِنَ الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، اللهم أَكرِمنَا بِحِفظِ القُرآنِ العَظِيمِ، وَارزُقنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ، وَاحفَظنَا بِبَرَكَتِهِ وَبَرَكَةِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاجعَلنَا مِن العَامِلِينَ بِأَحكَامِهِ، وَمِنَ الوَقَّافِينَ عِندَ حُدُودِهِ، وَاجعَلهُ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَينَا، وَاجعَلهُ نُورًا لَنَا فِي الدُّنيَا وَالقَبرِ وَالآخِرَةِ.
رَبِّ اغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَارحَمهُم كَمَا رَبَّونَا صَغَارًا وَاغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ اللهم إِنَّا نسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغفِرَتِك، وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِن كُلِّ إِثمٍ، اللهم لا تَدَع لنا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلا هَمًّا إِلَّا فَرَّجتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ
اللهم انصُرُ أَهلَ فِلَسطِينَ اللهم انصُر أَهلَ غَزَّةَ اللهم انصُرهُم وَلَا تَنصُر عَلَيهِم، اللهم اجمَع صُفُوفَهُم، وَاشفِ مُصَابَهُم وارحَم شُهَدَاءَهُم. اللهم انصُر غَزَّةَ اللهم لَا تَرفَع لِلكَيَانِ المُحتَلِّ فِي القُدسِ وَغَزَّةَ رَايَةً، وَلَا تُحَقِّق لِجَيشِ الِاحتِلَالِ الصُّهيُونِيِّ غَايَةً، وَاجعَلهُم يَا رَبَّ العَالَمِينَ لِجَمِيعِ النَّاسِ آيَةً.
يَا رَبُّ انقَطَعَ الرَّجَاءُ إِلَّا مِنكَ يَا اللهُ، وَخَابَتَ الآمَالُ إِلَّا فِيكَ، وَانسَدَّتِ الطُّرُقُ إِلَّا إِلَيكَ، وَأُغلِقَتِ الأَبوَابُ إِلَّا بَابُكَ فَلَا تَكِلنَا إِلَى أَحَدٍ سِوَاكَ.
اللهم شَتِّت شَملَ اليَهُودِ الصَّهَايِنَةِ وَفَرِّق جَمعَهُم وَاجعَل تَدبِيرَهُم فِي تَدمِيرِهِم وَخَرِّب بُنيَانَهُم وَبَدِّل أَحوَالَهُم وَقَرِّب آجَالَهُم وَاقطَع أَعمَارَهُم وَاشغَلهُم بِأَبدَانِهِم وَخُذهُم أَخذَ عَزِيزٍ مُقتَدِرٍ، اللهم إِنَّا فُقَرَاءُ لِرَحمَتِكَ مُحتَاجُونَ لِعَونِكَ فَإِن عَجَزَت أَبدَانُنَا عَن مُشَارَكَتِهِم، فَاقبَل اللهم دُعَاءَنَا بِنَصرِهِم.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…..