المحتويات
- المقدمة
- حديث 129 — مَن لَقِيَ اللهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا
- أحاديث الرجاء
- فضائل التوحيد
- مُلَخَّصُ مَسَائِلِ التَّوحِيدِ
- (94) بَابُ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ
- (95) بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
- (96) بَابُ ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِي الْمَسْجِدِ
- (97) بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
- السند والإجازة
- الخاتمة
- دعاء الختام
المقدمة
الحَمدُ للهِ الدَّاعِي إِلَى بَابِهِ، المُوفِّقِ مَن شَاءَ لِصَوَابِهِ، أَنعَمَ بِإِنزَالِ كِتَابِهِ، يَشتَمِلُ عَلَى مُحكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مِنهُ المُتَشَابِهَ، وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ فَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ. أَحمَدُهُ تَعَالَى عَلَى الهُدَى وَتَيسِيرِ أَسبَابِهِ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرجُو بِهَا النَّجَاةَ مِن عِقَابِهِ وَالفَوزَ بِثَوَابِهِ، هَدَى المُؤمِنِينَ بِرُسُلِهِ وَأَنبِيَائِهِ، وَأَرسَلَ الخَلِيلَ إِبرَاهِيمَ بِالتَّوحِيدِ فَعَظَّمَ رَبَّهُ وَمَا شَكَّ بِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَكمَلُ النَّاسِ عَمَلًا فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ أَفضَلِ أَصحَابِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي أَعَزَّ اللهُ بِهِ الدِّينَ وَاستَقَامَتِ الدُّنيَا بِهِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ دَارِهِ وَمِحرَابِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَشهُورِ بِحَلِّ المُشكِلِ مِنَ العُلُومِ وَكَشفِ نِقَابِهِ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن كَانَ أَولَى بِهِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ… وَنَختِمُهُ اليَومَ إِنْ شَاءَ اللهُ وَنَقْرَأُ السَّنَدَ وَنُعطِي إِجَازَةً بِمَا أَخَذْنَا وَنَسْأَلُ اللهَ القَبُولَ…
حديث 129 — مَن لَقِيَ اللهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا
«مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا».
الشرح
«مَنْ لَقِيَ اللهَ» أَي لَقِيَ الأَجَلَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ، وَهُوَ المَوتُ، أَو بُعِثَ يَومَ القِيَامَةِ، أَو بِمَعنَى رُؤيَةِ اللهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «وَلِقَاءُ اللهِ لِأَهلِ الجَنَّةِ بِلَا تَشبِيهٍ وَلَا كَيفِيَّةٍ وَلَا جِهَةٍ حَقٌّ»، لَكِن لَيسَ مَعنَى: «مَن لَقِيَ اللهَ»، الِاجتِمَاعَ بِالمَسَافَةِ بَينَ اللهِ وَبَينَ العَبدِ، حَاشَا للهِ تَعَالَى، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَسَافَةِ، مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ.
«لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» يَعنِي أَن يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، مَعنَاهُ: أَمثَالُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ تُقَالُ عِندَ مَن يَعِي وَيَفهَمُ، أَمَّا عِندَ مَن يَتَّكِلُ عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ فَيَترُكُ الفَرَائِضَ، يَترُكُ الوَاجِبَاتِ، وَيَنغَمِسُ فِي المُحَرَّمَاتِ، لَا نَذكُرُ لَهُ مِثلَ هَذَا حَتَّى لَا يَتَجَرَّأَ عَلَى فِعلِ الحَرَامِ، أَمَّا فِي الوَاقِعِ وَالحَقِيقَةِ مَن مَاتَ عَلَى كَلِمَةِ الشَّهَادَتَينِ مَعَ الِاعتِقَادِ الصَّادِقِ فِي قَلبِهِ بِهِمَا فَهُوَ إِلَى الجَنَّةِ، وَإِن دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذَا مِن فَضلِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
أحاديث الرجاء
وَهَذَا الحَدِيثُ مِن أَعظَمِ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ أَيِ الَّتِي فِيهَا تَهوِينٌ وَتَخفِيفٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ المُؤمِنِينَ، وَفِيهَا رَجَاءُ رَحمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي خَصَّ بِهَا عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ، وَهُوَ ضِدُّ اليَأسِ وَالخَوفِ، عُرِّفَ بِأَنَّهُ تَأَمُّلُ الخَيرِ وَقُربُ وُقُوعِهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَمِن ذَلِكَ:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
وَجَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، مَا المُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بالله شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار». رواه مسلم. «فَمَعْنَاهُ الْخَصْلَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَنَّةِ وَالْخَصْلَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنَّارِ».
وَفِي الحَدِيثِ قَالَ رَسُول الله ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَدَخَلَ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوتِ فَقِيلَ كَيفَ تَجِدُكَ قَالَ أَرجُو اللهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ ﷺ: «لَا يَجتَمِعَانِ فِي قَلبِ عَبدٍ فِي مِثلِ هَذَا المَوطِنِ إِلَّا أَعطَاهُ اللهُ مَا يَرجُوهُ وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ». رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ:
«لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبي»
وَفِي رِوَايَةٍ: «غَلَبَتْ غَضَبي» وَفِي رِوَايَةٍ: «سَبَقَتْ غَضَبي». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
مَعنَاهُ إِنَّ مَظَاهِرَ رَحمَةِ اللهِ أَكثَرُ مِن مَظَاهِرِ غَضَبِهِ، وَالعِندِيَّةُ هُنَا مَعنَاهَا عِندِيَّةُ المَكَانَةِ وَالتَّشرِيفِ لَا عِندِيَّةَ المَكَانِ وَالجِهَةِ فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذلِكَ الجُزءِ يَتَرَاحَمُ الخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابّةُ حَافِرهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»
وفي الحديث جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: وَاذُنُوبَاهُ وَاذُنُوبَاهُ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُلِ اللهم مَغْفِرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلِي» فَقَالَهَا ثُمَّ قَالَ: «عُدْ» فَعَادَ ثُمَّ، قَالَ: «عُدْ» فَعَادَ، فَقَالَ: «قُمْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ». رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
فضائل التوحيد
وَكُلُّ هَذِهِ الفَضَائِلِ وَالرَّحَمَاتِ وَالبَرَكَاتِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا المُؤمِنُ، وَهُنَا وَنَحنُ فِي آخِرِ دَرسٍ لَنَا فِي رَمَضَانَ هَذَا العَامَ وَنَختِمُ ثَلَاثَةَ كُتُبٍ مِن صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أُذَكِّرُكُم بِنِعمَةِ اللهِ عَلَينَا بِأَنْ هَدَانَا لِهَذَا الدِّينِ لِلتَّوحِيدِ، فَالَّذِي هُوَ مُعَرَّضٌ لِكُلِّ هَذِهِ الفَضَائِلِ الَّتِي ذَكَرتُهَا هُوَ المُؤمِنُ الَّذِي هُوَ عَلَى التَّوحِيدِ، وَهَذَا يُثبِتُ فَضلَ نِعمَةِ التَّوحِيدِ عَلَينَا، فَيَنبَغِي أَنْ نُحَافِظَ عَلَيهَا نَسأَلُ اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى الإِيمَانِ حَتَّى المَمَاتِ، وَمَا يُثبِتُ فَضَائِلَ التَّوحِيدِ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرتُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنهَا:
- التَّوحِيدُ هُوَ المِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى بَنِي آدَمَ
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾
- التَّوحِيدُ هُوَ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ المُنزَّلَةُ عَلَى أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: 1-2]
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]
فَكُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ بِهِ أَمِينُ الوَحيِ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَمرِ اللهِ جَاءَ فِيهِ أَوَّلًا الأَمرُ بِالتَّوحِيدِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهِ وَاجتِنَابِ الشِّركِ.
وَقَد قَالَ عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
فَالتَّوحِيدُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ عِيسَى بِهِ بَنِي إِسرَائِيلَ.
- التَّوحِيدُ هُوَ الَّذِي أُمِرَ المُؤمِنُونَ بِقِتَالِ المُشرِكِينَ لِأَجلِهِ وَعَلَيهِ قَامَتِ الدَّعوَةُ إِلَى اللهِ فِي شَتَّى بِقَاعِ الدُّنيَا.
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابنِ جُرَيجٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
أَيْ: لَا يُفتَنَ مُؤمنٌ عَن دِينِهِ، وَيَكُونَ التَّوحِيدُ للهِ خَالِصًا لَيسَ فِيهِ شِركٌ، وَيُخلَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الأَندَادِ.
- التَّوحِيدُ هُوَ أَوَّلُ مَأمُورٍ أَمَرَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ وَضِدُّهُ الكُفرُ فَهُوَ أَوَّلُ مَا نَهَتْ عَنهُ الشَّرَائِعُ جَمِيعُهَا.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]
- التَّوحِيدُ هُوَ أَعظَمُ المَعرُوفِ وَعَكسُهُ أَشَدُّ المُنكَرَاتِ وَهُوَ الكُفرُ.
فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ».
- التَّوحِيدُ هُوَ الشَّرطُ الرَّئِيسُ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾
فَالإِيمَانُ شَرطٌ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ.
- التَّوحِيدُ هُوَ أَعظَمُ حُقُوقِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ
- التَّوحِيدُ هُوَ السَّبَبُ الأَسَاسُ لِمَغفِرَةِ الذُّنُوبِ وَعَكسُهُ الشِّركُ وَهُوَ المَانِعُ لِمَغفِرَةِ الذُّنُوبِ.
فَفِي التِّرمِذِيِّ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
«يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»
- التَّوحِيدُ سَبَبٌ لِنَيلِ الرَّحمَةِ فِي الآخِرَةِ
﴿وَرَحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾
قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي تَفسِيرِهِ: مَعنَاهُ: يَتَّقُونَ الشِّركَ.
- التَّوحِيدُ سَبَبٌ لِنُزُولِ البَرَكَاتِ وَالخَيرَاتِ
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]
- التَّوحِيدُ شَرطٌ لِنَيلِ الشَّفَاعَةِ يَومَ القِيَامَةِ
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾
وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرضَى مِن عِبَادِهِ شَيئًا مَا لَم يَكُونُوا عَلَى التَّوحِيدِ:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾
- التَّوحِيدُ أَوَّلُ مَا يُسأَلُ عَنهُ العَبدُ فِي القَبرِ وَهُوَ سَبَبُ التَّثبِيتِ فِي القَبرِ
﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾
- كَلِمَةُ التَّوحِيدِ هِيَ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ثَابِتَةُ الأَسَاسِ الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]
قَالَ القُرطُبِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الْمُؤْمِنُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: الْإِيمَانُ.
- الإِيمَانُ هُوَ الشَّرطُ الأَسَاسُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ، فَنَادِ فِي النَّاسِ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ»، قَالَ فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ فِي النَّاس.
وَفِي البُخَارِيِّ أَنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». أَيْ مَآلُهُ إِلَى الجَنَّةِ وَإِنْ عُذِبَ بِشَيءٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
مُلَخَّصُ مَسَائِلِ التَّوحِيدِ
ولأجل هذا يا أحبابي كنا نزيد ونشرح في مسائل التوحيد وما أكثرها وما أعظم حاجة الناس لها ولا سيما في هذه الأيام، ولذلك ألخص لكم مسائل التوحيد فأقول:
نقولُ جازمين معتقدِين صادِقين مخلِصين، بأنّا نشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصّمدُ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، الذي لم يتخذْ صاحبةً وليس له والدٌ ولا والدةٌ، الأولُ القديمُ الذي لا يُشبِه مخلوقَاته بوجهٍ من الوجوه، لا شبيهَ ولا نظيرَ له، ولا وزيرَ ولا مُشيرَ له، ولا مُعينَ ولا ءامِرَ له، ولا ضِدَّ ولا مُغالِبَ ولا مُكْرِهَ له، ولا نِدَّ ولا مِثلَ له، ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا جوارحَ ولا أَدواتِ ولا أَركانَ له، ولا كيفيةَ ولا كميةَ صغيرةً ولا كبيرةً له فلا حَجْمَ له، ولا مِقدارَ ولا مِقياسَ ولا مِساحةَ ولا مَسافةَ له، ولا امتدادَ ولا اتِّساعَ له، ولا جهةَ ولا حَيِّزَ له، ولا أَينَ ولا مكانَ له، كان الله ولا مكان وهو الآنَ بلا مكان على ما عليهِ كانَ.
تنزَّه ربّي عن الجلوسِ والقعودِ والاستقرارِ والمحاذاةِ، الرّحمـٰنُ على العرشِ استوى استواءً منزهًا عن المماسةِ والاعوجاجِ، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِهِ ولم يتَّخِذه مكانًا لذاتِهِ، ومن اعتقدَ أنَّ اللهَ جالسٌ على العرشِ قال إمامنا الشافعي: فهو كافرٌ.
الرّحمـٰنُ على العرشِ استوى كما أخبرَ لا كما يخطرُ للبشرِ، فهو قاهرٌ للعرشِ مُتَصرِّفٌ فيه كيف يشاءُ، تنزَّهَ وتقدَّسَ ربّي عن الحركةِ والسكونِ، وعن الاتصالِ والانفصالِ والقُربِ والبُعدِ بالحِسِّ والمسافةِ، وعن التَّحوُّلِ والزّوالِ والانتقالِ، جلَّ ربّي لا تُحيطُ به الأَوهامُ ولا الظُّنونُ ولا الأفهامُ، لا فِكرةَ في الرَّبِّ، لا إلـٰه إلا هو، تقدَّسَ عن كلِّ صفاتِ المخلوقينَ وسِمَاتِ المحدَثينَ، لا يَمَسُّ ولا يُمَسُّ ولا يُحَسُّ ولا يُجَسُّ، لا يُعرَفُ بالحواسِّ ولا يُقاسُ بالناس، نُوَحِّدُه ولا نُبَعِّضُه، ليس جسمًا ولا يتَّصِفُ بصفاتِ الأجسام، فالمجسِّم كافر بالإجماع وإن قال «الله جسمٌ لا كالأجسام» وإن صام وصلى صورةً، فالله ليس شبحًا، وليس شخصًا، وليس جوهرًا، وليس عَرَضًا، لا تَحُلُّ فيه الأعراضُ، ليس مؤلَّفًا ولا مُرَكَّبًا، ليس بذي أبعاضٍ ولا أجزاءٍ، ليس ضوءًا وليس ظلامًا، ليس ماءً وليس غَيمًا وليس هواءً وليس نارًا، وليس روحًا ولا له روحٌ، لا اجتماعَ له ولا افتراقَ، لا تجري عليه الآفاتُ ولا تأخذُه السِّنَاتُ، منزّهٌ عن الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ والسَّمْكِ والتركيبِ والتأليفِ والألوانِ، لا يَحُلُّ فيه شىء، ولا يَنْحَلُّ منه شىء، ولا يَحُلُّ هو في شىء، لأنه ليس كمثله شىء، فمن زعم أن الله في شىء أو من شىء أو على شىء فقد أشرك، إذ لو كان في شىء لكان محصورًا، ولو كان من شىء لكان مُحدَثًا أي مخلوقًا، ولو كان على شىء لكان محمولًا، وهو معكم بعلمه أينما كنتم لا تخفى عليه خافية، وهو أعلم بكم منكم، وليس كالهواء مخالطًا لكم.
وكلَّم الله موسى تكليمًا، وكلامُه كلامٌ واحدٌ لا يتبعض ولا يتعدد ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً، ليس مُبتَدَأً ولا مُختَتَمًا، ولا يتخلله انقطاع، أزليٌ أبديٌ ليس ككلام المخلوقين، فهو ليس بفم ولا لسان ولا شفاه ولا مخارج حروف ولا انسلال هواء ولا اصطكاك أجرام. كلامُه صفةٌ من صفاتِه، وصفاتُه أزليةٌ أبديةٌ كذاتِه، وصفاته لا تتغيَّر لأنَّ التغيُّرَ أكبرُ علاماتِ الحدوثِ، وحدوثُ الصفةِ يستلزمُ حدوثَ الذاتِ، والله منزَّهٌ عن كل ذلك، مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك، فصونوا عقائدَكم من التَّمَسُّكِ بظاهِرِ ما تشابه من الكتابِ والسنَّةِ فإنَّ ذلك من أصولِ الكفر، مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك.
﴿فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالَ﴾
﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾
﴿هَلْ تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى﴾
ومن زعم أن إلـٰهنا محدودٌ فقد جَهِلَ الخالقَ المعبودَ، فالله تعالى ليس بقدر العرش ولا أوسع منه ولا أصغر، ولا تصِحُّ العبادة إلا بعد معرفة المعبود، وتعالى ربّنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد خرج من الإسلام وكفر.
اللهُ خالقُ كلِّ شيء
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللهِ﴾
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾
﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا﴾
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما دخل في الوجود من أجسامٍ وأجرامٍ وأعمالٍ وحركاتٍ وسكناتٍ ونوايا وخواطر وحياة وموت وصحة ومرض ولذّة وألم وفرح وحزن وانزعاج وانبساط وحرارة وبرودة وليونة وخشونة وحلاوة ومرارة وإيمانٍ وكفر وطاعة ومعصية وفوز وخسران وتوفيق وخذلان وتحركات وسكنات الإنس والجن والملائكة والبهائم وقطرات المياه والبحار والأنهار والآبار وأوراق الشجر وحبات الرمال والحصى في السهول والجبال والقفار فهو بخلق الله، بتقديره وعلمه الأزلي، فالإنس والجن والملائكة والبهائم لا يخلقون شيئًا من أعمالهم، وهم وأعمالهم خلق لله.
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾
الشهادة للنبي ﷺ
وَنشهد أن سَيِّدَنا ونبيَّنا وعظيمنا وقائدَنا وقُرَّة أعينِنا وغوثنا ووسيلتنا ومعلمنا وهادينا ومرشدنا وشفيعنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، مَن أرسَلَه اللهُ رحمةً للعالمين، جاءنا بدين الإسلام ككُلِّ الأنبياء والمرسلين، هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه قمرًا وهَّاجًا وسِراجًا مُنيرًا، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين، فعَلَّمَ وأرشدَ ونصحَ وهدى إلى طريق الحقِّ والجنَّة، ﷺ وعلى كلِّ رسولٍ أرسَلَه، ورضي الله عن ساداتنا وأئمتنا وقدوتنا وملاذنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر العشرة المبشرين بالجنة الأتقياء البررة وعن أمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات النقيات المبرآت، وعن أهل البيت الأصفياء الأجلاء وعن سائر الأولياء وعباد الله الصالحين.
ولله الفضل والمِنَّة أن هدانا لهذا الحق الذي عليه الأشاعرة والماتريدية وكل الأمة الإسلامية، والحمد لله رب العالمين.
(94) بَابُ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. أَي لَا يَنَالُ العِلمَ مَن يَخجَلُ مِن طَلَبِهِ وَمَن يَتَكَبَّرُ عَن سَمَاعِهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. أَي نِسَاءُ أَهلِ المَدِينَةِ، لِأَنَّ نِسَاءَ الأَنصَارِ كُنَّ شَدِيدَاتِ الحَيَاءِ، مَعَ ذَلِكَ لَم يَمنَعهُنَّ الحَيَاءُ عَن أَن يَسأَلنَ فِي أُمُورِ الدِّينِ مِمَّا يَخُصُّهُنَّ مِنَ الطَّهَارَةِ وَنَحوِهَا.
حديث 130 — أُمُّ سُلَيمٍ وسؤالها عن احتلام المرأة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ — وَهِيَ بِنتُ مِلحَانَ، وَالِدَةُ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ — إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ — أَي لَا يَمتَنِعُ مِن بَيَانِ الحَقِّ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَأمُرُ بِالحَيَاءِ فِي الحَقِّ، أَمَّا الِاستِحيَاءُ الَّذِي هُوَ مِن صِفَاتِ الخَلقِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى — فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ أَي رَأَت فِي مَنَامِهَا أَنَّهَا تُجَامَعُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» أَي إِذَا عَلِمَت بِخُرُوجِ المَنِيِّ بَعدَ الِاستِيقَاظِ عَلَيهَا الغُسلُ.
فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجهَهَا حَيَاءً، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ أَي هَل تَرَى المَرأَةُ المَاءَ وَتَحتَلِمُ؟
قَالَ: «نَعَمْ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَرأَةَ لَهَا مَنِيٌّ وَالرَّجُلَ لَهُ مَنِيٌّ، عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعضُ العَصرِيِّينَ مِن أَنَّ المَرأَةَ لَيسَ لَهَا مَنِيٌّ، فَهَذَا خِلَافُ القُرءَانِ والحَدِيث الشَّرِيف الصَّحِيحُ وخلاف إِجمَاع المُسلِمِينَ فَمَا نَسمَعُهُ مِن بَعضِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَقُولُونَ: المَرأَةُ لَيسَ لَهَا مَنِيٌّ، كَلَامٌ مَردُودٌ غَيرُ مَقبُولٍ، وَلَا تَلتَفِتُوا إِلَيهِ وَلَا تُصَدِّقُوهُ، كِتَابُ اللهِ حَسبُنَا، يَكفِينَا كِتَابُ اللهِ وَحَدِيثُ نَبِيِّنَا ﷺ.
«تَرِبَتْ يَمِينُكِ» أَصلُ مَعنَاهَا فِي اللُّغَةِ: افتَقَرَت وَصَارَت عَلَى التُّرَابِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ صَارَت تُستَعمَلُ عِندَ العَرَبِ لِلزَّجرِ وَالتَّنبِيهِ، وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّهُ يَدعُو عَلَيهَا بِالفَقرِ.
«فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا» كَيفَ يُشبِهُهَا وَلَدُهَا إِذَا لَم يَكُن لَهَا مَنِيٌّ.
هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لِلإِنسَانِ أَن يَترُكَ العِلمَ لِأَجلِ الحَيَاءِ، يَنبَغِي مِنهُ أَن يَتَعَلَّمَ، فَإِذَا تَرَكَ العِلمَ لِأَجلِ الحَيَاءِ فَهَذَا الحَيَاءُ مَذمُومٌ وَيَفُوتُهُ الخَيرُ الكَثِيرُ، كَذَلِكَ المُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَتَعَلَّمُ خَسِرَ خُسرَانًا كَثِيرًا.
حديث 131 — مَثَلُ النَّخلَةِ وَالمُسلِمِ
أَعَادَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلمَرَّةِ الرَّابِعَةِ لِفَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ لِأَجلِ قَولِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «فَاستَحيَيتُ».
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟»
فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي — أَي بَعدَ انتِهَاءِ المَجلِسِ — فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا.
تَأَسَّفَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى أَنَّ وَلَدَهُ مَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَو قَالَهُ لَظَهَرَت فَضِيلَتُهُ، وَالَّذِي مَنَعَهُ عَن ذَلِكَ هُوَ الحَيَاءُ وَمَا كَانَ يَنبَغِي أَن يَستَحِيَ. عَرَفَ الجَوَابَ، لَكِن الَّذِي مَنَعَهُ مِن أَن يَتَكَلَّمَ هُوَ الحَيَاءُ، هُوَ استَحَى لِوُجُودِ مَن هُوَ أَكبَرُ مِنهُ سِنًّا وَوُجُودِ مَن هُوَ أَعلَى مِنهُ قَدرًا، أَبُو بَكرٍ كَانَ مَوجُودًا، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ كَانَ مَوجُودًا، وَهَكَذَا، فَخَجِلَ.
فَلَمَّا حَدَّثَ عَبدُ اللهِ وَالِدَهُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ بِمَا وَقَعَ فِي نَفسِهِ أَجَابَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ: لَأَن تَكُونَ قُلتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا، تَمَنَّى عُمَرُ لَو قَالَهَا لِتَظهَرَ هَذِهِ الفَضِيلَةُ لِعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، فَكَانَ يُمكِنُهُ إِذَا استَحَى مِن أَن يُجِيبَ لِأَجلِ وُجُودِ مَن هُم أَجَلُّ مِنهُ وَأَكبَرُ مِنهُ سِنًّا أَن يَقُولَ لِشَخصٍ آخَرَ ثُمَّ هَذَا الشَّخصُ يُخبِرُ، لِذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ عَقِبَ هَذَا البَابِ بَوَّبَ بَابًا تَحتَ عُنوَانِ: بَابٌ مَنِ استَحيَا فَأَمَرَ غَيرَهُ بِالسُّؤَالِ، وَهَذَا مِن فَطَانَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ.
(95) بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
هُوَ استَحيَا وَلَكِن مَا تَرَكَ السُّؤَالَ، طَلَبَ مِن غَيرِهِ أَن يَسأَلَ.
حديث 132 — عليٌّ والمِقداد في سؤال المَذْي
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ — وَهُوَ ابنُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ — عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً — أَي كَثِيرَ المَذيِ، وَالمَذيُ غَيرُ المَنِيِّ، وَهُوَ المَاءُ الَّذِي يَخرُجُ مِنَ الرَّجُلِ عِندَ المُلَاعَبَةِ — فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ — وَهُوَ المِقدَادُ بنُ الأَسوَدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن فُرسَانِ الصَّحَابَةِ وَأَشِدَّائِهِم — أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «فِيهِ الْوُضُوءُ».
أَي لَا يُوجِبُ الغُسلَ، إِنَّمَا فِيهِ الوُضُوءُ، وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ، مَعنَاهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ استَحَى أَن يَسأَلَ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَن حُكمِ خُرُوجِ المَذيِ لِأَنَّهُ كَانَ مَذَّاءً، لِمَاذَا استَحَى؟ لِأَجلِ أَنَّهُ كَانَ مُتَزَوِّجًا مِنَ ابنَةِ النَّبِيِّ ﷺ، مِن فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، مَعَ ذَلِكَ لَم يَمتَنِع عَنِ السُّؤَالِ حَيَاءً، بَل أَمَرَ غَيرَهُ لِيَسأَلَ، وَقَد حَصَلَ عَلَى الجَوَابِ وَاستَرَاحَ وَعَرَفَ الحُكمَ الشَّرعِيَّ.
(96) بَابُ ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِي الْمَسْجِدِ
أَي إِلقَاءُ العِلمِ وَالفُتيَا فِي المَسجِدِ، يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا مِنَ استِعمَالَاتِ المَسجِدِ كَذَلِكَ، المَسجِدُ لَيسَ فَقَط لِلصَّلَاةِ، بَل لِلعِلمِ كَذَلِكَ.
حديث 133 — المواقيت المكانية للإحرام
حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ — أَي فِي المَسجِدِ النَّبَوِيِّ — فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ — الإِهلَالُ رَفعُ الصَّوتِ فِي التَّلبِيَةِ فِي الحَجِّ، وَمُرَادُهُ هُنَا الإِحرَامُ مَعَ التَّلبِيَةِ، وَالسُّؤَالُ عَن مَوضِعِ الإِحرَامِ أَي عَنِ المِيقَاتِ المَكَانِيِّ —
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»
- ذُو الحُلَيفَةِ: مِيقَاتُ أَهلِ المَدِينَةِ، المَكَانُ الَّذِي لَا يَتَجَاوَزُونَهُ إِلَّا بَعدَ الإِحرَامِ بِالحَجِّ أَو بِالعُمرَةِ، مَكَانٌ يُسَمَّى اليَومَ بِآبَارِ عَلِيٍّ
- الْجُحْفَةُ: مِيقَاتُ أَهلِ الشَّامِ
- قَرْنٌ: مِيقَاتُ أَهلِ نَجدٍ، وَهُوَ جَبَلٌ مُدَوَّرٌ أَملَسُ كَأَنَّهُ هَضَبَةٌ مُطِلٌّ عَلَى عَرَفَاتٍ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ — أَطلَقَ الزَّعمَ عَلَى القَولِ المُحَقَّقِ، وَمُرَادُهُ بِهَؤُلَاءِ الزَّاعِمِينَ أَهلُ الحُجَّةِ وَالعِلمِ الَّذِينَ يَعلَمُونَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيسَ مُرَادُهُ تَكذِيبَهُم — أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» — وَهُوَ جَبَلٌ مِن جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرحَلَتَينِ مِن مَكَّةَ —
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. أَي لَم أَنقُل هَذِهِ الأَخِيرَةَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا مِن شِدَّةِ تَحَرِّيهِ وَوَرَعِهِ أَنَّهُ مَا كَانَ مُتَأَكِّدًا أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَل نَقَلَهَا عَن أَهلِ الحُجَّةِ وَأَهلِ العِلمِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ.
(97) بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
أَي سَأَلَهُ سُؤَالًا فَأَعطَاهُ جَوَابَهُ وَزَادَ فِي الجَوَابِ مِن بَابِ الفَائِدَةِ.
حديث 134 — ما لا يلبسه المُحرِم
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ أَي فِي إِحرَامِ الحَجِّ أَوِ العُمرَةِ، وَالسُّؤَالُ عَن حَالَةِ الِاختِيَارِ، عَادَةً مَاذَا يَلبَسُ؟
فَقَالَ:
«لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ»
- القَمِيصُ: مِثلُ العَبَاءَةِ
- السَّرَاوِيلُ: هُوَ مَا يُسَمَّى البَنطَلُونَ
- الْبُرْنُسُ: كُلُّ ثَوبٍ رَأسُهُ مِنهُ مُلتَصِقٌ بِهِ
- الوَرْسُ: نَبتٌ أَصفَرُ مِنَ اليَمَنِ يُصبَغُ بِهِ الثِّيَابُ
- النَّعْلَيْنِ: حِذَاءٌ مَفتُوحٌ، مَا نُسَمِّيهِ بِالعَامِّيَّةِ: المَشَّايَةَ
وَقَولُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ» هَذَا جَوَابٌ عَن حَالَةِ الِاضطِرَارِ بِعَدَمِ وُجُودِ النَّعلَينِ، وَهُوَ سَأَلَهُ عَن حَالَةِ الِاختِيَارِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَجَابَهُ عَن سُؤَالِهِ وَزَادَهُ عَن حَالَةِ الِاضطِرَارِ.
السند والإجازة
الحَمدُ للهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ.
سند صحيح البخاري
يَروِيهِ شَيخُنَا الحَافِظُ العَلَّامَةُ الفَقِيهُ العَارِفُ بِاللهِ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ عَبدُ اللهِ الهَرَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ عَن جُملَةٍ مِن مَشَايِخِهِ، مِنهُم:
عَن أُستَاذِهِ الشَّيخِ العَارِفِ بِاللهِ العَلَّامَةِ المُقرِئِ الأُصُولِيِّ المُحَدِّثِ كَبِيرِ أَحمَدَ عَبد المُطَّلِب المَعرُوفِ بِحَاج كَبِير أَحمَدَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الكَدِّيّ الحَسَنِيِّ الحَبَشِيِّ بِقِرَاءَتِهِ عَلَيهِ لِجَمِيعِهِ، وَهُوَ عَنِ المُسنِدِ المُعَمَّرِ عَبدِ اللهِ صُوفَانَ بنِ عَودَةَ القَدُّومِيِّ النَّابُلُسِيِّ الحَنبَلِيِّ المَدَنِيِّ جِوَارًا، عَنِ الشَّيخِ حَسَنِ بنِ عُمَرَ الشَّطِّيِّ الحَنبَلِيِّ الدِّمَشقِيِّ، عَنِ المُسنِدِ الوَجِيهِ أَبِي المَحَاسِنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الكُزبَرِيِّ الدِّمَشقِيِّ الحَفِيدِ، عَن مُصطَفَى بنِ مُحَمَّدٍ الرَّحمَتِيِّ الدِّمَشقِيِّ ثُمَّ المَدَنِيِّ، عَنِ الأُستَاذِ عَبدِ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ الدِّمَشقِيِّ، عَنِ النَّجمِ مُحَمَّدٍ الغَزِّيِّ الدِّمَشقِيِّ وَمُسنِدِ مِصرَ وَالحِجَازِ وَالشَّامِ تَقِيِّ الدِّينِ عَبدِ البَاقِي الحَنبَلِيِّ البَعْلِيِّ:
أَمَّا الأَوَّلُ فَعَن وَالِدِهِ البَدرِ مُحَمَّدٍ الغَزِّيِّ الدِّمَشقِيِّ، عَن زَكَرِيَّا بنِ مُحَمَّدٍ الأَنصَارِيِّ
وَأَمَّا الثَّانِي فَعَنِ المُعَمَّرِ الوَاعِظِ أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ حِجَازِيّ، عَنِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ الشَّهِيرِ بِابنِ أُركمَاسَ الحَنَفِيِّ
كِلَاهُمَا عَنِ الحَافِظِ شِهَابِ الدِّينِ أَحمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ الرُّحلَةُ المُسنِدُ أَبُو إِسحَاقَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَحمَدَ بنِ عَبدِ الوَاحِدِ بنِ عَبدِ المُؤمِنِ البَعلِيُّ التَّنُوخِيُّ الأَصلِ ثُمَّ الدِّمَشقِيُّ نَزِيلُ القَاهِرَةِ المَعرُوفُ بِالبُرهَانِ الشَّامِيِّ، وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ الزِفتَاوِيُّ ثُمَّ الجِيزِيُّ، وَأُمُّ مُحَمَّدٍ عَائِشَةُ بِنتُ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الهَادِي المَقدِسِيَّةُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا بِهِ المُعَمَّرُ أَبُو العَبَّاسِ أَحمَدُ بنُ أَبِي طَالِبٍ الحَجَّارُ الصَّالِحِيُّ الحَنَفِيُّ، وَسِتُّ الوُزَرَاءِ وَزِيرَةُ بِنتُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ التَّنُوخِيَّةُ، قَالَا: أَخبَرَنَا بِهِ المُسنِدُ السِّرَاجُ أَبُو عَبدِ اللهِ الحُسَينُ بنُ المُبَارَكِ الرَّبَعِيُّ الزَّبِيدِيُّ الأَصلِ البَغدَادِيُّ الدَّارِ، وَأَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنِ عُمَرَ القَطِيعِيُّ، وَأَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ ابنُ أَبِي بَكرِ بنِ رَوزبَةَ القَلَانِسِيُّ إِجَازَةً مُكَاتَبَةً مِنهُمَا، قَالُوا: أَخبَرَنَا أَبُو الوَقتِ عَبدُ الأَوَّلِ بنُ عِيسَى بنِ شُعَيبٍ السِّجْزِيُّ الهَرَوِيُّ سَمَاعًا عَلَيهِ لِجَمِيعِهِ (٥٥٣هـ)، قَالَ: أَخبَرَنَا شَيخُ الإِسلَامِ أَبُو الحَسَنِ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُظَفَّرِ بنِ دَاوُدَ الدَّاوُدِيُّ (٤٦٧هـ)، قَالَ: أَخبَرَنَا شَيخُ الإِسلَامِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ بنِ حَمُّويَهْ السَّرَخسِيُّ (٣٨١هـ)، قَالَ: أَخبَرَنَا شَيخُ الإِسلَامِ أَبُو عَبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ بنِ مَطَرِ بنِ صَالِحِ بنِ بِشرٍ الفِرَبرِيُّ (٣٢٠هـ)، قَالَ:
أَخبَرَنَا جَامِعُهُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ شَيخُ الإِسلَامِ أَبُو عَبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ بنِ إِبرَاهِيمَ بنِ المُغِيرَةِ بنِ بَردِزبَه البُخَارِيُّ الجُعفِيُّ مَولَاهُم قِرَاءَةً عَلَيهِ وَأَنَا أَسمَعُ مَرَّتَينِ مَرَّةً بِفِرَبرَ وَمَرَّةً بِبُخَارَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا الحُمَيدِيُّ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ سَعِيدٍ الأَنصَارِيُّ قَالَ: أَخبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ إِبرَاهِيمَ التَّيمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ اللَّيثِيَّ يَقُولُ: سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى المِنبَرِ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى، فَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى دُنيَا يُصِيبُهَا أَو إِلَى امرَأَةٍ يَنكِحُهَا فَهِجرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ»
فَيَكُونُ بِهَذَا السَّنَدِ بَينَ شَيخِنَا وَبَينَ البُخَارِيِّ سَبعَ عَشرَةَ وَاسِطَةً.
فَهِذِهِ رِوَايَةُ أَبِي الوَقتِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ العِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ، كَمَا أَنَّ رِوَايَةَ كَرِيمَةَ المَروَزِيَّةِ طَرِيقَةُ المِصرِيِّينَ، وَرِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيَّ طَرِيقَةُ المَكِّيِّينَ وَالمَغَارِبَةِ وَاليَمَنِيِّينَ.
الخاتمة
خِتَامًا، أُوصِيكُمْ وَنَفسِيَ بِـ: دَوَامِ الِاستِغْفَارِ، وَبِالإِكثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا فِي فِلَسطِينَ، وَفِي غَزَّةَ الصَّابِرَةِ، وَبِنُصْرَةِ الحَقِّ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ، بِالدُّعَاءِ، بِالنِّيَّةِ، وَبِالثَّبَاتِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَبِالحِفَاظِ عَلَى مَا بَدَأتُمْ بِهِ فِي هَذَا الشَّهرِ: مِن صَلَاةٍ، وَقِرَاءَةِ قُرآنٍ، وَعِلْمٍ، وَرِفقَةِ خَيرٍ، وَصَدَقَةٍ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ فَإِنَّ خَيرَ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ فِي رَمَضَانَ…..
أَحبَابِي: كَمْ هِيَ عَظِيمَةٌ فَرحَةُ العَبدِ المُؤمِنِ الصَّالِحِ بِمَا قَامَ بِهِ مِنَ الخَيرَاتِ فِي رَمَضَانَ، وَكَم هُوَ عَظِيمٌ ثَبَاتُهُ عَلَيهَا بَعدَ رَمَضَانَ، مِنَ الإِمسَاكِ عَنِ الكَلَامِ الَّذِي لَا يُرضِي اللهَ تَعَالَى، مِنَ الِابتِعَادِ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ، نَعَم، بِإِقبَالٍ، بِهِمَّةٍ عَالِيَةٍ إِلَى مَجَالِسِ عِلمِ الدِّينِ، لَا تَشبَعْ أَخِي المُؤمِنَ مِن تَحصِيلَ عِلمِ الدِّينِ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لَا يَشبَعُ مُؤمِنٌ مِن خَيرٍ يَسمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنتَهَاهُ الجَنَّةُ»
رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وإنه يَمُرُّ عَلَى الإِنسَانِ أَحيَانًا أَوقَاتٌ يَكُونُ فِيهَا مِنَ الغَافِلِينَ ثُمَّ يَتَيَقَّظُ وَيَنتَبِهُ فَيَطرُقُ بَابَ التَّوبَةِ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَبَابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ مَا لَم تَصِلِ الرُّوحُ إِلَى الحُلقُومِ أَي مَا لَم يُغَرغِر، وَلَم تَطلُعِ الشَّمسُ مِن مَغرِبِهَا، وَمَا لَم يَرَ مَلَكَ المَوتِ عَزرَائِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
يَا أَخِي المُسلِمَ، لَعَلَّهَا أَيَّامٌ أَو سَاعَاتٌ أَو دَقَائِقُ أَو أَقَلُّ تَمضِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ثُمَّ يَنتَهِي بِهِ الأَمرُ إِلَى القَبرِ. تُرَى، أَلَيسَ الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ؟ بَلَى وَاللهِ. أَلَيسَ الكَيِّسُ الفَطِنُ الذَّكِيُّ هُوَ الَّذِي حَاسَبَ نَفسَهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا قَبلَ أَن يُحَاسَبَ فِي الآخِرَةِ؟ بَلَى وَاللهِ. فَالغَفلَةُ لَا تَنفَعُ، وَمَتَاعُ الدُّنيَا الغُرُورُ وَالخِدَاعُ.
وَإِنَّ مِنْ أَكبَرِ الخُسرَانِ أَنْ يَعُودَ المَرءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ خَاسِرًا، وَأَنْ يُبَدِّدَ المَكَاسِبَ الَّتِي يَسَّرَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ، وَأَنْ يَنقَلِبَ بَعدَ الإِقبَالِ مُدْبِرًا، وَبَعدَ المُسَارَعَةِ إِلَى الخَيرَاتِ مُهَاجِرًا، وَبَعدَ عِمَارَةِ المَسَاجِدِ بِالتِّلَاوَاتِ وَالطَّاعَاتِ مُعرِضًا، فَإِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ القُلُوبَ لَمْ تَحْيَ حَيَاةً كَامِلَةً بِالِإيمَانِ، وَلَم تَسْتَنِرْ نُورَها التَّامَّ بِالقُرءَانِ، وَأَنَّ النُّفُوسَ لَمْ تَذُقْ حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ وَلَا المُنَاجَاةِ كَمَا يَنبَغِي، وَأَنَّ الإِيمَانَ مَا يَزَالُ فِي النُّفُوسِ لَيسَ كَامِلًا.
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ مَا كَسَبَت *** وَيَحصُدُ الزَّارِعُونَ مَا زَرَعُوا
إِن أَحسَنُوا أَحسَنُوا لِأَنفُسِهِم *** وَإِن أَسَاءُوا فَبِئسَ مَا صَنَعُوا
وَقَالَ الشَّاعِرُ أَيْضًا:
تَرَحَّلَ شَهرُ الصَّبرِ وَالَهفَاهُ وَانصَرَفَا *** وَاختَصَّ بِالفَوزِ فِي الجَنَّاتِ مَنْ خَدَمَا
وَأَصبَحَ الغَافِلُ المِسكِينُ مُنكَسِرًا *** مِثلِي فَيَا وَيحَهُ يَا عُظمَ مَا حُرِمَا
مَن فَاتَهُ الزَّرعُ فِي وَقتِ البَذَارِ فَمَا *** تَرَاهُ يَحصُدُ إِلَّا الهَمَّ والنَّدَمَا
إحياء ليلة العيد
وَأُذَكِّرُكُمْ أَحبَابِي بِلَيلَةٍ يَغفُلُ عَنهَا أَكثَرُ النَّاسِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَقُولُ: هِيَ لَيْلَةُ يَغفُل عنهَا النَّاس.
رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الأُمِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ.
وكَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَهُوَ شَيخُ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى يَدْعُو فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ رَمَضَانَ مُنَزِّلَ الْقُرْآنِ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قَدْ انقَضَى، يَا رَبِّ فَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَتِي هَذِهِ أَوْ يَخْرُجَ رَمَضَانُ وَعَلَيَّ ذَنْبٌ تُعَذِّبَنِي بِهِ يَوْمَ أَلْقَاكَ.
وداع رمضان
إِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ قَدِ انْصَرَمَ وَمَضَتْ أَيَّامُه، فَكَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ رَحَلَ وَانْطَلَق، يَشْهَدُ لِمَنْ أَطَاعَ وَعَلَى مَنْ فَسَق، فَأَينَ الحُزنُ لِفِرَاقِهِ وَأَينَ القَلَق. مَا كَانَ أَشرَفَ زَمَانِه بَينَ صَومٍ وَسَهَر، وَمَا كَانَ أَصفَى أَحوَالِهُ مِن ءافَات الكَدَر، وَمَا كَانَ أَطيَبَ المُنَاجَاةِ فِيهِ بَينَ وَسَطِ اللَّيلِ والسَّحَر، ومَا كَانَ أَرَقَّ القُلُوبِ عِندَ اشتِغَالِهَا بالآيَاتِ والسُّوَر….
فَيَا أَيُّها المَقبُولُ هَنِيئًا لَكَ بِثَوَابِهِ تَثوِي بِهِ، وبُشرَاكَ إذَا أَمَّنَكَ الرَّبُّ مِنْ عِقَابِه، وطُوبَى لَكَ حَيثُ اسْتَخْلَصَك لِبَابِه، وَفَخرًا لَكَ حَيثُ شَغَلَكَ بِكِتَابِه.
وَيَا أَيُّهَا المَطرُودُ في شَهرِ السَّعَادَة، خَيبَةً لَكَ إِذَا سَبَقَكَ السَّادَة، وَنَجَا المُجتَهِدُون وَأَنتَ أَسِيرُ الوِسَادَة، وَانسَلَخَ هَذَا الشَّهرُ عَنْكَ ومَا انسَلَخْتَ عَن قَبِيحِ العَادَة، فَأَينَ تلَهُّفُكَ عَلى الفَوَاتِ وَأينَ الحُرَق…..
فَيَا إِخوَانِي، قَد دَنا رَحِيلُ هَذَا الشَّهرِ وحَانَ، فَرُبَّ مُؤَمِّلٍ لِقَاءَ مِثلِه بَعُدَ عَنِ الإِمكَان، فَوَدِّعُوهُ بِالأَسَفِ وَالأَحْزَان، وَاندُبُوا عَليهِ بِأَلسُنِ الأَسَى وَالأشجَان.
السَّلَامُ عَلَيكَ یَا شَهرَ رَمَضَان، سَلَامَ مُحِبٍّ أَوْدَى بِهِ القَلَق. السَّلَامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ ضِيَاء المَسَاجِد، السَّلامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ الذِّكرِ وَالمَحَامِد، السَّلامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ زَرْعِ الحَاصِد، السَّلَامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ المُتَعَبِّدِ الزَّاهِد، السَّلَامُ علَيكَ مِنْ قَلبٍ لِفِرَاقِكَ فَاقِد، السَّلامُ عَلَيكَ مِن عَينٍ لِفِرَاقِكَ فِي أَرَق….
السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ المَصَابِيح، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ التَّرَاوِيح، السَّلَامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ المَتجَرِ الرَّبِيح، السَّلَامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ الغُفرَانِ الصَّرِيح، السَّلَامُ عَلَيكَ يَا شَهرَ التَبَرِّي مِنْ كُل فِعلٍ قَبِيح.
فَيَا لَيتَ شِعرِي هَلْ تَعُودُ أَيَّامُكَ عَلَينَا أَمْ لَا تَعُود، وَيَا لَيتَنَا عَلِمْنَا مَنِ المَقبُولُ مِنَّا ومَنِ المَطرُود، ويَا لَيتَنا تَحقَّقْنَا مَا تَشهَدُ بِهِ عَلَينَا يَومَ الوُرُود، وَيَا أَسَفًا لِتَصَرُّمِكَ يَا شَهرَ السُّعُود، السَّلَامُ عَلَيكَ مِنْ مُوَدِّعٍ بِتَودِيعِكَ نَطَق.
أَينَ مَنْ كَانَ مَعَكُم فِي العَامِ المَاضِي، أَمَا قصَدَتْهُ سِهامُ المَنُونِ القَواضِي، فَخَلَا فِي لَحدِهِ بأَعمَالِه المَواضِي، وَكَانَ زَادُهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ الحَنُوطَ وَالخِرَق. رَحَلَ وَاللهِ عَنْ أَوطَانِه وظَعَن، وَأُزعِجَ عَن أَهلِهِ وَالوَطَن، وَبَقِيَ فِي لَحدِهِ أَسِيرَ الحَزَن، ومَا نفَعَهُ مَا جَمَعَ وَمَا خَزَن، وَتَمَنَّى أَنْ يُعَادَ لِيَزدَادَ مِنَ الزَّادِ ولَنْ، وَلَقَد هَتَفَ بِه هَاتِفُ الإِنذَارِ فَمَا فَطِن، وَأَصَمَّهُ الهَوَى عَنْ نَاصِحٍ قَدْ نَطَق.
فَتَيَقَّظ أَيُّها الغَافِل وَانظُر بَينَ يَدَيكَ، وَاحذَرْ أَنْ يَشهَدَ شَهرُ رَمَضَانَ بِالمَعَاصِي عَلَيك، وَتَزَوَّدْ لِرَحِيلِكَ وَانصِبِ الأُخرَى بَينَ عَينَيك، وَاسْتَعِدَّ لِلمَنَايَا قَبلَ أَنْ تَمُدَّ أَيدِيَهَا إِلَيك، قَبلَ أَنْ يُوثَقَ الأَسِيرُ وَيَشتَدَّ الزَّفِيرُ وَيَجْرِيَ العَرَق.
دعاء الختام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين:
اللهم إنا قد اجتمعنا على قراءة حديث نبيك المصطفى ﷺ وتَعَلُّمِ دينه وشرعه فكما جمعتنا في هذه الجمعية على خير اجمعنا يوم القيامة تحت ظل العرش تحت لواء النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام.
اللهم آمِنَّا في قبورنا ويوم القيامة وأدخلنا الجنة بلا عذاب ولا عقاب يا الله.
اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر أهل السنة والجماعة ومكِّن لهم في الأرض يا رب العالمين.
اللهم أرنا عز الإسلام والمسلمين وأرنا ذل الشرك والمشركين يا رب العالمين بجاه نبينا محمد ﷺ وبجاه أبي بكر الصديق وبجاه عمر الفاروق وبجاه عثمان ذي النورين وبجاه علي رضي الله عنهم أجمعين وبجاه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
اللهم أحسن لنا الختام وأمتنا على كامل الإيمان وارزقنا رؤية النبي عليه الصلاة والسلام واحشرنا معه في دار السلام مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
اللهم أصلح قلوبنا وأصلح أحوالنا وأصلح أبناءنا وأصلح نساءنا ولا تدع للشيطان سبيلا إلينا يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعنا على ما تحب وترضى وفقنا للعمل بسنة نبيك المصطفى ﷺ.
اللهم وفقنا للعمل بما افترضت علينا واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم انصر أهل السنة والجماعة، اللهم انصر أهل السنة والجماعة، اللهم انصر أهل السنة والجماعة، اللهم انصر من نصر الدين وعليك بأعداء هذا الدين فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز خذهم أخذ عزيز مقتدر.
اللهم إنا حضرنا ختم هذا الكتاب من حديث رسولك ﷺ من نقل سيدنا الإمام البخاري فبجاهه عندك وببركة إخلاصه انفعنا به وبما خدم به دينك وسنة نبيك ﷺ يا رب العالمين يا الله يا الله يا الله، لا تدع لنا في جمعنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا مريضا إلا شفيته ولا مبتلىً إلا عافيته ولا مسافرا إلا بالسلامة إلى أهله رددته ولا حاجة من حوائج الدنيا لك فيها رضًى إلا يسرتها لنا بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم شيخنا واجزه عنا كل خير، اللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين كل خير يا رب العالمين، اللهم اجز من كان سببا في هذا الخير خير الجزاء واجز مشايخنا عنا خير الجزاء.
اللهم انصر هذه الجمعية على من عاداها وارفع راية أهل السنة والجماعة على أيديها واجعلها سببا في الخير للعباد والبلاد يا رب العالمين واجعلها سببا في نصرة هذا الدين يا أرحم الراحمين.
اللهم ثبتنا على الحق وثبت الحق بنا، اللهم ثبتنا على الحق وثبت الحق بنا يا الله.
اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان واجعلنا آمنين في بلادنا وأوطاننا ومجتمعاتنا وبين أهلينا بجاه رسولك الكريم ﷺ، اللهم أزل من بين أبناء هذا البلد الشحناء والبغضاء والفحش وأسباب الفرقة والخلاف يا رب العالمين واجعلهم على قلب رجل واحد، واطرد من كان سببا في الشقاق بينهم يا الله ولا تدع له سبيلا إليهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. على نية التوفيق والقبول بجاه الرسول ﷺ وإلى أرواح المسلمين الفاتحة…
حاشية: – كلمة «كبير» كانوا يستعملونها على معنى العالم الفقيه الشيخ، في بلاد شيخنا. – «ابن أُركمَاس» ويقرأ بالشين. – قال العطار: هذا من أجل أسانيد البخاري.