صحيح البخاري (28) | كتاب العلم | أدب العالم في التعليم ومراعاة أفهام الناس

صحيح الإمام البخاري
المحتويات
  1. المقدمة
  2. (90) بَابُ السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ
    1. الشَّرحُ
    2. حديث 124
    3. الشرح
  3. (91) بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سُورَةُ الإِسرَاءِ: 85]
    1. حديث 125
    2. الشَّرحُ
    3. الفوائد من الباب
    4. التنزيه: الخالق عز وجل لا يُتَصَوَّرُ
    5. نفخ الروح في الإنسان
    6. حياة الله ليست كحياة المخلوقين
  4. (92) بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
    1. الشَّرحُ
    2. حديث 126
    3. الشَّرحُ
    4. تاريخ بناء الكعبة
    5. تفصيل بناء الكعبة وما جرى بعد ابن الزبير
    6. عدد مرات بناء الكعبة الشريفة
    7. بناء المسجد الحرام
    8. كسوة الكعبة
  5. (93) بَابٌ مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
    1. الشَّرحُ
    2. آداب المُدرِّس
    3. حديث 127
    4. حديث 128
    5. الشَّرحُ
    6. ترجمة معاذ بن جبل رضي الله عنه
    7. شرح ألفاظ الحديث
  6. مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
    1. دُعَاءٌ لِتَفْرِيجِ الكَرْبِ
  7. الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

المقدمة

الحَمدُ للهِ الحَيِّ القَيُّومِ، البَاقِي يَدُومُ، رَفَعَ السَّمَاءَ وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ، وَأَمسَكَ الأَرضَ بِجِبَالٍ فِي التُّخُومِ، صَوَّرَ بِقُدرَتِهِ هَذِهِ الجُسُومَ، ثُمَّ أَمَاتَهَا وَمَحَا الرُّسُومَ، ثُمَّ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَإِذَا المَيِّتُ يَقُومُ، فَفَرِيقٌ إِلَى دَارِ النَّعِيمِ وَفَرِيقٌ إِلَى نَارِ السَّمُومِ، تُفتَحُ أَبوَابُهَا فِي وُجُوهِهِم لِكُلِّ بَابٍ مِنهُم جُزءٌ مَقسُومٌ، وَتُوصَدُ عَلَيهِم فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ فِيهَا لِلهُمُومِ وَالغُمُومِ، يَومَ يَغشَاهُمُ العَذَابُ مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم فَمَا مِنهُم مَرحُومٌ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مَن لِلَنَّجَاةِ يَرُومُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي فَتحَ اللهُ بِدِينِهِ بِلَادَ الفُرسِ وَالرُّومِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا هَطَلَتِ الغُيُومُ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

(90) بَابُ السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ

الشَّرحُ

يُشِيرُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ اشتِغَالَ العَالِمِ بِالطَّاعَةِ لَا يَمنَعُ مِن سُؤَالِهِ عَنِ العِلمِ مَا لَم يَكُن مُستَغرِقًا فِيهَا وَأَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي الأَدَبَ.

وهذا فيه إشارة إلى أن الواحد لا ينبغي أن يترك السؤال عن أمر دينه فيما لا يعرفه، ولذلك قال الفقهاء: قبل أن يدخل الشخص في أي شيء ينبغي أن يعلم ما أحل الله منه وما حرم، ولذلك فإن الحكم في دين الله أنه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعرِفَةُ قَدرٍ مِنَ العِلمِ يَكُونُ بِإِهمَالِ تَحصِيلِهِ عَاصِيًا مِن أَهلِ الكَبَائِرِ مُستَحِقًّا لِلعَذَابِ الشَّدِيدِ فِي النَّارِ، وهذا الكلام ذكره الفقهاء تصريحًا في كتبهم:

  • فقد قال الغزالي في الإحياء: بَيَانُ العِلمِ الَّذِي هُوَ فَرضُ عَينٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم».
  • وقال النووي: بَابُ أَقسَامِ العِلمِ الشَّرعِيِّ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: الأَوَّلُ فرض العين، وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي يتعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوه.
  • وقَالَ بعض الفقهاء: وَهُوَ عِلمُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ صِحَّةُ الإِيمَانِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَعِلمُ مَا يَتَلَبَّسُ بِهِ مِنَ الأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ كَالوُضُوءِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوم وَزَكَاةٍ وَجَبَت عَلَيهِ وَحَجٍ أَرَادَهُ وَعِلمُ مَا يُبَاشِرُهُ مِن مُعَامَلَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَمُنَاكَحَةٍ وَمِنهُ تَجوِيدُ الفَاتِحَةِ — أي قراءتها على الصواب — وَعِلمُ أَحوَالِ القَلبِ بِأَن يَجتَهِدَ فِي مُدَاوَاتِهِ وَتَطهِيرِهِ، وَيَلتَحِقُ بِذَلِكَ مَعرِفَةُ كَيفِيَّةِ التَّوبَةِ.
  • وقال ابن عابدين: مَطلَبٌ فِي فَرضِ الكِفَايَةِ وَفَرضِ العَينِ: وَفِي تَبيِينِ المَحَارِمِ: لَا شَكَّ فِي فَرضِيَّةِ عِلمِ الفَرَائِضِ الخَمسِ وَعِلمِ الإِخلَاصِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ العَمَلِ مَوقُوفَةٌ عَلَيهِ وَعِلمِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَعِلمِ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ العَابِدَ مَحرُومٌ مِن ثَوَابِ عَمَلِهِ بِالرِّيَاءِ، وَعِلمِ الحَسَدِ وَالعُجبِ إذ هُمَا يؤثران في العَمَلَ، وَعِلمِ البَيعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ لِمَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الأَشيَاءِ وَعِلمِ الأَلفَاظِ المُحَرَّمَةِ أَو المُكَفِّرَةِ، وَلَعَمرِي هَذَا مِن أَهَمِّ المُهِمَّاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّك تَسمَعُ كَثِيرًا مِن العَوَّامِ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يُكَفِّرُ وَهُم عَنهَا غَافِلُونَ.

ولذلك والحمد لله فإن جمعيتنا هذه قائمة على تعليم الناس هذا القدر المفروض عليهم من علوم الدين، فأقول لكم في آخر رمضان: من لم يتعلم هذا الفرض بلا عذر يكون مقصرًا، لا يجوز له تأخيره يجب عليه أن يسعى لتحصيله وأبواب جمعيتنا مفتوحة على مدار الساعة بفضل الله للكبار والصغار والنساء والرجال مجانًا بلا مال، ولكن باب التبرعات لمن أراد أن يتبرع في وجوه الخير مفتوح، ومن تعلم فليسعَ هو لتعليم غيره من أولاده وزوجته ومن يقدر على إيصال هذا العلم إليهم، فإن تعلم هذا العلم ليس فَضلَةً وزيادة لا تدعو الحاجة إليها، لا، بل هو فرض عين على المكلفين.

ونشره في هذه الأيام ولا سيما علم التوحيد من أفرض الفروض، لانتشار الجهل بين أبناء المسلمين، والجهل خصوصًا بأمر العقائد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، يؤدي إلى انتشار الجماعات التكفيرية التي تفتت جسد هذه الأمة وتنشر القلاقل في بلاد المسلمين ويؤدي هذا إلى انتشار عقائد اليهود في مجتمعات المسلمين وهذا أعظم الفساد والعياذ بالله تعالى.

حديث 124

«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.

الشرح

أَبُو نُعَيْمٍ مِن أَكثَرِ الَّذِينَ رَوَى عَنهُمُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، هو الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ التَّيْمِيُّ الطَّلحيُّ القُرَشِيُّ الحَافِظُ الكَبِيْرُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ.

حَدَّثَ عَنْهُ البُخَارِيُّ كَثِيْرًا، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مَشْيَخَتِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ مَعِيْنٍ.

قصة اختبار ابن مَعين لأبي نُعيم

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الرَّمَادِيُّ: خَرَجْتُ مَعَ أَحْمَدَ وَيَحْيَى إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ خَادِمًا لَهُمَا. قَالَ: فَلَمَّا عُدْنَا إِلَى الكُوْفَةِ قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: أُرِيْدُ أَنْ أَختَبِرَ أَبَا نُعَيْمٍ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تُرِدْ، فَالرَّجُلُ ثِقَةٌ. قَالَ يَحْيَى: لَا بُدَّ لِي، فَأَخَذَ وَرَقَةً، فَكَتَبَ فِيْهَا ثَلَاثِيْنَ حَدِيْثًا، وَجَعَلَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ عَشرَةٍ مِنْهَا حَدِيْثًا لَيْسَ مِنْ حَدِيْثِهِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ جَاؤُوا إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ، فَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى دُكَّانِ طِيْنٍ، وَأَخَذَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ فَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَيَحْيَى عَنْ يَسَارِهِ، وَجلَسْتُ أَسْفَلَ الدُّكَّانِ. ثُمَّ أَخْرَجَ يَحْيَى الطَّبَقَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أَحَادِيْثَ، فَلَمَّا قَرَأَ الحَادِيَ عَشَرَ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيْثِي، اضرِبْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الثَّانِي، وَأَبُو نُعَيْمٍ سَاكِتٌ، فَقَرَأَ الحَدِيْثَ الثَّانِيَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَاضرِبْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الثَّالِثَ ثُمَّ قَرَأَ الحَدِيْثَ الثَّالِثَ، فَتَغيَّرَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَانقَلَبَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى يَحْيَى، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا — وَذِرَاعُ أَحْمَدَ بِيَدِهِ — فَأَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا هَذَا — يُرِيْدُنِي — فَأَقَلُّ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَاكَ، وَلَكِنْ هَذَا مِنْ فِعْلِكَ يَا فَاعِلُ، وَأَخْرَجَ رِجْلَهُ فَرَفَسَ يَحْيَى، فَرَمَى بِهِ مِنَ الدُّكَّانِ، وَقَامَ فَدَخَلَ دَارَهُ. فَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ ليَحْيَى: أَلَمْ أَمْنَعْكَ، وَأَقُلْ لَكَ إِنَّهُ ثَبْتٌ. قَالَ: وَاللهِ لَرَفْسَتُهُ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَفْرَتِي.

تُوُفِّيَ أَبُو نُعَيْمٍ شَهِيْدًا، فَإِنَّهُ أَصَابَهُ الطَّاعُونُ فِي عُنُقِهِ، وَمَاتَ يَوْمَ الشَّكِّ مِنْ رَمَضَانَ، سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمائَتَيْنِ. وَقَدْ كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ ذَا دُعَابَةٍ.

عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَي جَمرَةِ العَقَبَةِ، وَقَد سَبَقَ لَنَا أَن بَيَّنَّا مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ. «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».

(91) بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سُورَةُ الإِسرَاءِ: 85]

حديث 125

حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

«بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فَقَالَ:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سُورَةُ الإِسرَاءِ: 85]

قَالَ الْأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.

الشَّرحُ

عَنْ عَبْدِ اللهِ — يَعنِي عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ — الخَرِبُ ضِدُّ العَامِرِ، أَيِ المَكَانِ الَّذِي لَيسَ فِيهِ أَبنِيَةٌ، خَرِبٌ وَيُقَالُ خِرَبٌ — وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ — العَسِيبُ: عَصًى مِن جَرِيدِ النَّخلِ —، فَمَرَّ بِنَفَرٍ — عِدَّةُ رِجَالٍ مِن ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ — مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ — أَي قَالَ اليَهُودُ بَعضُهُم لِبَعضٍ —: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ — أَي سَلُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الرُّوحِ —.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ — حَتَّى لَا تَسمَعُوا شَيئًا تَكرَهُونَهُ —. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ — أَي مَا هِيَ حَقِيقَةُ الرُّوحِ — فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ — حَتَّى لَا أُشَوِّشَ عَلَيهِ —، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ — لَمَّا انكَشَفَ عَنهُ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ﷺ مِنَ الوَحيِ —:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾

أَي لَا يَعلَمُ حَقِيقَةَ الرُّوحِ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، لَم يُطلِع عَلَى ذَلِكَ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرسَلًا. وَالرُّوحُ مَخلُوقَةٌ لَهَا بِدَايَةٌ، وَهِيَ جِسمٌ لَطِيفٌ يُدَبِّرُ جَسَدَ الإِنسَانِ وَالبَهَائِمِ وَالمَلَائِكَةِ وَالجِنِّ، وَحَتَّى الحَشَرَاتُ فِيهَا رُوحٌ، وَالمَلَكُ المُوَكَّلُ بِقَبضِ الأَروَاحِ هُوَ سَيِّدُنَا عَزرَائِيلُ، يُسَمَّى بِذَلِكَ بِالإِجمَاعِ، وَيُقَالُ لَهُ مَلَكُ المَوتِ.

﴿وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سُورَةُ الإِسرَاءِ: 85]

قَالَ الْأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. هِيَ فِي القِرَاءَاتِ المَعرُوفَةِ المَشهُورَةِ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾، لَكِنَّ الأَعمَشَ قَالَ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا: ﴿وَمَا أُوتُوا﴾ وَهَذِهِ لَيسَت مِنَ السَّبعِ وَلَا مِنَ القِرَاءَاتِ المَشهُورَةِ.

الفوائد من الباب

فَإِذَن بَيَّنَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ مِن هَذَا البَابِ أَهَمِّيَّةَ مَا كَانَ يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ العَالِمَ قَد يُسأَلُ عَن شَيءٍ هُوَ لَا يَعلَمُهُ فَيَكِلُ العِلمَ إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لَمَّا سُئِلَ حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَكَتَ وَانتَظَرَ بَيَانَ الوَحيِ، نَزَلَ عَلَيهِ الوَحيُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ مَعنَاهُ لَا أَحَدَ يَعلَمُ حَقِيقَةَ الرُّوحِ إِلَّا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

غَايَةُ مَا نَعرِفُ عَنِ الرُّوحِ أَنَّ الرُّوحَ مَخلُوقَةٌ، أَنَّ الرُّوحَ جِسمٌ لَطِيفٌ لَهَا بِدَايَةٌ وَهِيَ تُدَبِّرُ جِسمَ الإِنسَانِ، وَالمَلَائِكَةُ وَالجِنُّ وَالبَهَائِمُ حَتَّى الحَشَرَاتُ حَتَّى الذُّبَابَةُ كُلُّ هَذَا فِيهِ أَروَاحٌ، وَكَمَا تَعلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي الآخِرَةِ يُعَادُونَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يُعَادُونَ، فَإِذَن نُؤمِنُ وَنُصَدِّقُ بِوُجُودِ الرُّوحِ وَلَكِن لَا نَعلَمُ حَقِيقَةَ الرُّوحِ، لَا نَستَطِيعُ أَن نَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ الرُّوحِ، لِأَنَّهَا لَيسَت مِن قَبِيلِ الهَوَاءِ أَوِ الغَازِ أَوِ الأَنوَارِ، اللهُ رَبُّنَا أَعلَمُ بِحَقِيقَةِ الرُّوحِ، نُؤمِنُ بِوُجُودِ الرُّوحِ وَنُصَدِّقُ أَنَّهَا مَخلُوقَةٌ وَأَنَّهَا جِسمٌ لَطِيفٌ تُدَبِّرُ أَجسَادَ هَؤُلَاءِ المَذكُورِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ وَالمَلَائِكَةِ وَالبَهَائِمِ.

التنزيه: الخالق عز وجل لا يُتَصَوَّرُ

فَإِذَا كَانَ هَذَا أَمرَ المَخلُوقِ وَهُوَ الرُّوحُ لَا نَستَطِيعُ أَن نَتَصَوَّرَهُ وَلَا نَعرِفُ حَقِيقَتَهُ، فَمَا بَالُكُم بِالخَالِقِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ مِن بَابِ أَولَى أَنَّنَا لَا نَستَطِيعُ أَن نَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ ذَاتِ رَبِّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا نَستَطِيعُ أَن نَتَصَوَّرَ اللهَ وَلَا نَستَطِيعُ أَن نَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ صِفَاتِ اللهِ، بَل نُؤمِنُ جَازِمِينَ أَنَّهُ سُبحَانَهُ مَوجُودٌ لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، مِن غَيرِ أَن نَتَخَيَّلَهُ نُؤمِنُ بِوُجُودِهِ جَازِمِينَ أَنَّهُ مَوجُودٌ بِلَا جِهَةٍ وَلَا مَكَانٍ كَمَا كَانَ قَبلَ الأَمَاكِنِ وَالجِهَاتِ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ وَبَعدَ أَن خَلَقَ الأَمَاكِنَ وَالجِهَاتِ لَا زَالَ بِلَا مَكَانٍ، نُؤمِنُ بِذَلِكَ جَازِمِينَ مِن غَيرِ أَن نَتَخَيَّلَهُ، مِن غَيرِ أَن نَتَصَوَّرَهُ، مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ لَا يُشبِهُ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، هَذَا هُوَ الإِيمَانُ، هَذَا هُوَ الإِسلَامُ.

نفخ الروح في الإنسان

وتُنفَخُ الروح في الإنسان بعد مائة وعشرين يومًا وهذا ثبتَ عن الرسولِ والحديثُ صحيحٌ ولا يَحتملُ هذا الغَلَط.

ولذلك يقول الفقهاء: إنَّ المنيَّ لا رُوحَ فيه كمَا دلَّ على ذلكَ القرءانُ والحديثُ. أمّا القرءانُ فقولُه تعالى:

﴿كَيفَ تَكفُرُونَ باللهِ وكُنتُم أَمْواتًا فأَحْيَاكُم ثم يُمِيْتُكُم ثم يحيِيْكُم ثم إلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ [سورة البقرة]

فقولُه تعالى ﴿وَكُنتُم أمْواتًا﴾ أي نُطَفًا في أصْلابِ آبائِكُم لا رُوحَ فيها كَما ذكرَ ذلكَ المفسِّرُونَ، ﴿فأَحيَاكُم﴾ في الأرحامِ بنَفْخِ الملَكِ الرُّوحَ بعدَ أربَعةِ أشهُر كمَا ثَبتَ ذلكَ في الحديث:

«إِنَّ أَحَدَكُم يُجمَعُ خَلْقُهُ في بطنِ أمِّه أربَعِينَ يَومًا نُطْفَةً ثمّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلكَ ثمّ يَكونُ مُضْغةً مِثْلَ ذلكَ ثم يُرسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فيَنفُخُ فيه الرّوحَ ويؤمَرُ بكَتْبِ أَربَعِ كلماتٍ بكَتْبِ رِزْقِهِ وأَجَلِه وعَمَلِه وشَقِيٌّ أم سَعِيد»

وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثم يُمِيتُكُم﴾ أَيْ عندَ انقضَاءِ آجَالِكُم ﴿ثم يُحيِيْكُم﴾ للبَعْثِ ﴿ثم إليهِ تُرجَعُونَ﴾ فتَصِيرُونَ للجَزاء.

حياة الله ليست كحياة المخلوقين

ونحن حياتنا بالروح واللحم والدم والأعضاء وأما حياة الله بلا روح ولا لحم ولا أعضاء. الْحَيُّ من أسماء الله معناه أن اللهَ تعالَى حَيٌّ بحياةٍ أزليّة لا بداية لها أبديّة لا نهاية لها، ليس كحياتنا بوجهٍ من الوجوه، فحياتنا بسبب روحٍ في جسدٍ من مُخٍّ وعظمٍ وعصبٍ ولحمٍ وغير ذلك، وأما حياة الله فليست مشابهة لحياة غيره، فهي حياة لا بروحٍ ولا بعظمٍ ولا بعصبٍ ولا بلحمٍ. والدليل على أنّ حياة الله تعالَى ليست كحياتِنا قوله تعالَى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: 11]

وأمّا قوله تعالَى:

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص: 72]

وقوله:

﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [سورة التحريم: 12]

وأمثال ذلك فليس معناه أنّ لله رُوحًا يحيَى بها، حاشا لله، بل الرُّوح هنا في الآيات الكريمة مضافة إلى الضمير العائد إلى الله عَزّ وجلّ وهي إضافة على سبيل التشريف والتكريم لِرُوح آدَم وعيسى عليهما السلام عند الله، كما يقال عن المسجد “بيت الله” وعن ناقة نبيّ الله صالِحٍ عليه السلام “ناقةُ الله”، والرُّوح قسمان: أرواح مُشَرَّفة، وأرواح خبيثة. فأمّا أرواح الأنبياء فَمِن القِسم الأول، وأمّا أرواح الكافرين فمن القِسم الثاني، ويَكفر من يعتقد أن الله تعالى رُوح أو أنّ له روحًا، وكذلك يكفر من يُسَمِّيه “الرُّوح”. وأمّا تسمية جبريل عليه السلام “الرُّوح القُدس” هذا في النُّصوص الشرعية نحو قوله تعالى:

﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة النحل: 102]

والقُدس وهو الطُّهر، ومعناه الرُّوح المقَدَّس أي الْمُطَهَّر مِن المآثِم.

(92) بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ

الشَّرحُ

مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ — أَي شَيئًا مُهِمًّا لَكِن لَيسَ مِنَ الوَاجِبَاتِ — مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ — أَي أَن يَفهَمَهُ بَعضُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِ مَقصُودِهِ فَيُؤَدِّيَ هَذَا إِلَى فِتنَةٍ عِندَهُم، فَيَترُكُهُ لِيَأمَنَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الوُقُوعِ فِي المَفَاسِدِ.

حديث 126

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ»

فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.

الشَّرحُ

كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا — أَي لَا تُعلِنُ لِغَيرِكَ، وَالإِسرَارُ ضِدُّ الإِعلَانِ —. فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبَةِ؟ — أَي فِي شَأنِ الكَعبَةِ —.

لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ — أَي دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ حَدِيثًا — بِكُفْرٍ — أَي زَادَ ابنُ الزُّبَيرِ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِأَنَّ الأَسوَدَ نَسِيَهَا فَسَبَقَهُ إِلَيهَا —.

لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ — أَي لَهَدَمتُهَا وَجَعَلتُهَا كَمَا كَانَت أَيَّامَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَانَت قُرَيشٌ تُعَظِّمُ أَمرَ الكَعبَةِ جِدًّا، فَخَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَظُنُّوا لِأَجلِ قُربِ عَهدِهِم بِالإِسلَامِ أَنَّهُ غَيَّرَ بِنَاءَهَا لِيَنفَرِدَ بِالفَخرِ عَلَيهِم بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الأَمرَ. قَالَ العُلَمَاءُ: يُستَفَادُ مِن هَذَا تَركُ المَصلَحَةِ لِأَمنِ الوُقُوعِ فِي المَفسَدَةِ.

فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ — أَي فَعَلَ النَّقضَ المَذكُورَ كَمَا كَانَ أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفَعَلَ البَابَينِ، يَعنِي بَنَى الكَعبَةَ عَلى مَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ.

تاريخ بناء الكعبة

كَمَا تَعرِفُونَ أَنَّ الكَعبَةَ أَوَّلُ مَن بَنَاهَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: المَلَائِكَةُ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ حَصَلَ الطُّوفَانُ وَتَهَدَّمَتِ الكَعبَةُ، ثُمَّ جَدَّدَ إِبرَاهِيمُ وَإِسمَاعِيلُ بِنَاءَ الكَعبَةِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ حَصَلَ أَن جُدِّدَ بِنَاءُ الكَعبَةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، اليَومَ القَدرُ القَائِمُ المَوجُودُ هَذَا البِنَاءُ الأَخِيرُ المَوجُودُ مِن أَيَّامِ العُثمَانِيِّينَ.

فَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، يَعنِي النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا يَقُولُ: «لَولَا قَومُكِ حَدِيثٌ عَهدُهُم بِكُفرٍ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ فَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ بَابٌ يَدخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخرُجُونَ»، لَكِن مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّ قُرَيشًا كَانَت تُعَظِّمُ أَمرَ الكَعبَةِ جِدًّا، فَالنَّبِيُّ ﷺ خَشِيَ إِن فَعَلَ هَذَا الأَمرَ وَهُم أَسلَمُوا حَدِيثًا، مَا زَالُوا جُدُدًا فِي الإِسلَامِ، خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ إِن غَيَّرَ بِنَاءَ الكَعبَةِ سَيَظُنُّونَ ظَنًّا غَيرَ جَيِّدٍ، فَلِذَلِكَ خَوفَ أَن يَقَعُوا فِي مَفسَدَةٍ تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ المَصلَحَةَ.

فَإِذَن فِي هَذَا الحَدِيثِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ، يَنبَغِي مِنَ العَالِمِ أَن يَفهَمَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى وَجهِهِ لِيُؤَدِّيَ الأُمُورَ بِحِكمَةٍ كَمَا يُحِبُّ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

تفصيل بناء الكعبة وما جرى بعد ابن الزبير

وَقَدْ كَانَتْ عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

«أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ وَفِي رِوَايَةٍ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ»

وَقَدْ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللهُ فِي أَيَّامِهِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَسْبَمَا أَخْبَرَتْهُ خَالَتُهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ إِذْ ذَاكَ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَتَأَسَّفُوا أَنْ لَوْ كَانُوا تَرَكُوهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ اسْتَشَارَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي رَدِّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ لُعْبَةً، يَعْنِي كُلَّمَا جَاءَ مَلِكٌ بَنَاهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.

عدد مرات بناء الكعبة الشريفة

  1. عمارة الملائكة: روى ذلك الأَزْرَقِيُّ في تاريخِ مكةَ والسيوطيُّ وغيرُهما.
  2. عمارة آدمَ عليه الصلاة والسلام: كما روى السيوطي والبيهقي.
  3. عمارة أولادِ آدمَ عليه الصلاة والسلام: كما رواه السهيلي وابن المنذر.
  4. عمارة سيدِنا إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما الصلاة والسلام.
  5. عمارة العمالقة وجُرْهُم — وهم قبيلتانِ مِنْ قبائلِ العرب —: روى ذلك ابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ في الدلائلِ.
  6. عمارة قصيِّ بنِ كلابٍ وهوَ أحدُ أجدادِ النبيِّ ﷺ: نقلَهُ الزبيرُ بنُ بكارٍ في كتابِ النّسبِ، وجزمَ به الماورديُّ في الأحكامِ السّلطانيةِ.
  7. عمارة قريشٍ.
  8. عمارة عبدِ الله بنِ الزبيرِ رضي الله عنه وعن أبيهِ.
  9. عمارة الحجاجِ بعدَ أنْ هدمَها.
  10. عمارة في زمنِ السلطنةِ العثمانيةِ: تروِي بعضُ المصادرِ في التاريخِ والسيرِ أنَّ الكعبةَ بنيتْ كذلكَ فِي زمنِ السلطنةِ العثمانيةِ، وهذا هوَ البناءُ القائمُ الآنَ.

بناء المسجد الحرام

وَأَمّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَأَوّلُ مَنْ بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَذَلِكَ أَنّ النّاسَ ضَيّقُوا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَلْصَقُوا دُورَهُمْ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللهِ وَلَا بُدّ لِلْبَيْتِ مِنْ فِنَاءٍ وَإِنّكُمْ دَخَلْتُمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْكُمْ فَاشْتَرَى تِلْكَ الدّورَ مِنْ أَهْلِهَا وَهَدَمَهَا، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْمُحِيطَ بِهَا، ثُمّ كَانَ عُثْمَانُ فَاشْتَرَى دُورًا أُخْرَى، وَأَغْلَى فِي ثَمَنِهَا، وَزَادَ فِي سَعَةِ الْمَسْجِدِ. فَلَمّا كَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ زَادَ فِي إتْقَانِهِ لَا فِي سَعَتِهِ وَجَعَلَ فِيهِ عُمُدًا مِنَ الرّخَامِ وَزَادَ فِي أَبْوَابِهِ وَحَسّنَهَا. فَلَمّا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ زَادَ فِي ارْتِفَاعِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَحَمَلَ إلَيْهِ السّوَارِيَ فِي الْبَحْرِ إلَى جَدّةَ، وَاحْتُمِلَتْ مِنْ جَدّةَ عَلَى الْعَجَلِ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَكَسَاهَا الدّيبَاجَ، وَصَرَفَ فِي مِيزَابِهَا وَسَقْفِهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضّةٍ وَكَانَتْ لَهَا أَطْوَاقٌ مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ. فَلَمّا كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ وَابْنُهُ مُحَمّدٌ الْمَهْدِيّ زَادَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ الْمَسْجِدِ وَتَحْسِينِ هَيْئَتِهِ.

كسوة الكعبة

قال القرطبي: قال أبو هريرة: نَهَى رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ، وَهُوَ تُبَّعٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَهُوَ تُبَّعُ الْآخَرُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ — ثياب كتانية بيض رقاق تعمل بمصر — ثُمَّ كُسِيَتِ الْبُرُدَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يَنْبَغِي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيءٌ، فإنه مَهْدِيٌّ إليها، ولا ينقص منها شيء. وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ أَحَدُنَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ جَاءَ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَ بِهِ الحجر ثم أخذه.

(93) بَابٌ مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا

وَقَالَ عَلِيٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟

الشَّرحُ

مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ — أَي خَصَّ العَالِمُ أُنَاسًا بِنَوعٍ مِنَ العِلمِ دُونَ آخَرِينَ خَشيَةَ أَن لَا يَفهَمُوا —. وَقَالَ عَلِيٌّ — أَي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ —: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ — أَي كَلِّمُوا النَّاسَ بِمَا يَفهَمُونَ وَيُدرِكُونَ بِعُقُولِهِم —، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ — أَي حَتَّى لَا يَفهَمُوا الأُمُورَ عَلَى غَيرِ حَقِيقَتِهَا فَيَصِيرَ عِندَهُم فِتنَةٌ فَيُؤَدِّيَ بِهِم ذَلِكَ إِلَى تَكذِيبِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ بَوَّبَ هَذَا البَابَ بِهَذَا العُنوَانِ: مَن خَصَّ بِالعِلمِ قَومًا دُونَ قَومٍ، قَد يَخُصُّ العَالِمُ قَومًا دُونَ قَومٍ بِالعِلمِ، لِمَاذَا؟ كَرَاهِيَةَ أَن لَا يَفهَمُوا، خَشيَةَ أَن لَا يَفهَمُوا، لِأَنَّ أَفهَامَ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَقَد يَخُصُّ العَالِمُ أُنَاسًا بِعِلمٍ وَلَا يَخُصُّ آخَرِينَ، لَا يَدعُو الآخَرِينَ إِلَى هَذَا المَجلِسِ، لِأَنَّ أَفهَامَهُم مُتَفَاوِتَةٌ، يَخشَى العَالِمُ مِن أُولَئِكَ أَن لَا يَفهَمُوا، أَن لَا يَعُوا.

حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفهَمُونَ لِأَنَّكَ إِذَا حَدَّثتَ الإِنسَانَ بِمَا لَا يُدرِكُهُ فَهمُهُ يُنكِرُهُ، مَاذَا يَقُولُ هَذَا؟ وَقَد يَقُودُهُ هَذَا إِلَى أَن يَتَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مُعَاكِسٌ لِشَرعِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

قصة العالم على شاطئ النيل

كَانَ وَاحِدٌ مِن أَهلِ العِلمِ مَرَّةً عَلَى شَاطِئِ النَّهرِ كَانَ يُقَطِّعُ بَيتًا عَلَى شَاطِئِ نَهرِ النِّيلِ فِي مِصرَ، يُقَطِّعُ بَيتًا مِنَ الشِّعرِ بِالتَّقطِيعِ العَرُوضِيِّ، فَمَرَّ رَجُلٌ عَامِّيٌّ مِن خَلفِهِ سَمِعَهُ وَمَا فَهِمَ مَاذَا يَعمَلُ فَظَنَّهُ يَسحَرُ نَهرَ النِّيلِ، ظَنَّهُ سَاحِرًا يَسحَرُ نَهرَ النِّيل فَدَفَعَهُ فِي النِّيلِ فَغَرِقَ فَمَاتَ، الجَهلُ يَجُرُّ إِلَى مِثلِ هَذَا، فَلِذَلِكَ أَنتَ إِذَا حَدَّثتَ النَّاسَ حَدِّثهُم بِمَا يَفهَمُونَ.

وَرَوَى مُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنتَ بِمُحَدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم إِلَّا كَانَ لِبَعضِهِم فِتنَةً، معناه: إِذَا حَدَّثتَ أُنَاسًا بِشَيءٍ لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم لَا بُدَّ أَنَّ بَعضَهُم يُفتَتَنُ بِسَبَبِ هَذَا، وَأَنتَ لَيسَ قَصدُكَ أَن تَكُونَ مُلقِيَ فِتنَةٍ، إِنَّمَا أَنتَ تُرِيدُ أَن تُبَيِّنَ لَهُمُ الخَيرَ وَالحَقَّ، لِذَلِكَ لَا تُحَدِّثهُم إِلَّا بِمَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم انظُر فِي حَالِ الحَاضِرِينَ قَبلَ أَن تَتَكَلَّمَ.

آداب المُدرِّس

وَلذلك يَنبَغِي أَن يُرَاعِيَ المُدَرِّسُ أُمُورًا أُخرَى تُعِينُهُ عَلَى الإِفهَامِ وَجَمعِ القُلُوبِ عَلَى الخَيرِ بَيَّنَهَا أَئِمَّتُنَا جَزَاهُمُ اللهُ خَيرًا مِنهَا الإِخلَاصُ فِي إِقرَاءِهِ لِطُلَّابِهِ وَشَرحِهِ لَهُم وَإِقبَالِهِ عَلَيهِم — يَعنِي إِذَا أَقبَلَ عَلَى الطَّالِبِ يُقبِلُ عَلَيهِ مُخلِصًا لَا يُقبِلُ عَلَيهِ لِغَرَضٍ دُنيَوِيٍّ إِنَّمَا يُقبِلُ عَلَى الطَّالِبِ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ بِإِقبَالِهِ عَلَيهِ يَنفَعُهُ فِي دِينِهِ — وَمُرَاعَاتِهِ لَهُم وَتَأنِيبِهِ لَهُم وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَقوَالِهِ وَأَعمَالِهِ، فَإِنَّ لِلإِخلَاصِ سِرًّا فِي انتِشَارِ العِلمِ وَالِاستِفَادَةِ مِنهُ.

فالَّذِي لَا يَكُونُ مُخلِصًا فِي الغَالِبِ العِلمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ لَا يَنتَشِرُ لَا يَستَمِرُّ، انظُر مَثَلًا إِلَى كِتَابِ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ إِلَى أَيَّامِنَا لَا يَزَالُ يُدَرَّسُ، انظُر كِتَابَ الآجِرُّومِيَّةِ إِلَى أَيَّامِنَا لَا يَزَالُ يُدَرَّسُ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، مَتنُ أَبِي شُجَاعٍ إِلَى الآنَ لَا يَزَالُ يُدَرَّسُ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، هَذَا فِيهِ سِرٌّ، الكُتُبُ السِّتَّةُ إِلَى الآنَ تُقرَأُ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، مُوَطَّأُ مَالِكٍ إِلَى الآنَ يُقرَأُ وَيُقبِلُ عَلَيهِ الطَّلَبَةُ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ لِسِرٍّ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ صَنَّفُوا مُخلِصِينَ.

حديث 127

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.

بَعدَ أَن أَورَدَ كَلَامَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ مُعَلَّقًا أَي مِن غَيرِ سَنَدٍ فِي عُنوَانِ البَابِ أَورَدَهُ مَرَّةً أُخرَى مُتَّصِلًا بِسَنَدٍ.

حديث 128

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ:

«يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ — ثَلَاثًا — قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا»، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

الشَّرحُ

وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ — أَي يَركَبُ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ —. وقد تتبع ابن علان أسماء الذين أردفهم النبي خلفه ونظم بذلك قصيدة.

ترجمة معاذ بن جبل رضي الله عنه

هذا الحديث فيه منقبة لِـمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه فالنبي ﷺ خصه بهذا الحديث وهذا العلم العظيم. وهو مُعَاذُ بنُ جَبَلِ بنِ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ. السَّيِّدُ، الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ شَابًّا أَمْرَدَ. وَلَهُ عِدَّةُ أَحَادِيْثَ.

وروي أَنَّ مُعَاذًا شَهِدَ بَدْرًا وَلَهُ عِشْرُوْنَ سَنَةً، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ. نَزَلَ حِمْصَ، وَكَانَ طَوِيْلًا، حَسَنًا، جَمِيْلًا. قَالَ عَطَاءٌ: أَسْلَمَ مُعَاذٌ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَزَيْدٌ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ أَحَدُ عُمُوْمَتِي.

وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:

«خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأُبِيٍّ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ»

وروي عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعًا:

«أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِيْنِ اللهِ: عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً: عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُم بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ: مُعَاذٌ، وَأَفْرَضُهُم: زَيْدٌ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنٌ، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ»

وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:

«مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ»

قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَدْرَكْتُ مُعَاذًا، ثُمَّ وَلَّيْتُهُ، ثُمَّ لَقِيْتُ رَبِّي، فَقَالَ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ لَقُلْتُ: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ وَعَبْدَكَ يَقُوْلُ: «يَأْتِي مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ بَيْنَ يَدَي العُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ» — أي برمية سهم —.

وقال مُعَاذٍ: لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لِي:

«كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ قَضَاءٌ؟»

قُلْتُ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَبِمَا قَضَى بِهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ. قَالَ:

«فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْمَا قَضَى بِهِ الرَّسُوْلُ؟»

قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُوْ. فَضَرَبَ صَدْرِي، وَقَالَ:

«الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُوْلَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُوْلَ اللهِ»

وداع النبي ﷺ لمعاذ

وروي عَنْ عَاصِمِ بنِ حُمَيْدٍ السَّكُوْنِيِّ: أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، خَرَجَ يُوْصِيْهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ:

«يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي»

فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُوْلِ اللهِ. قَالَ: «لاَ تَبْكِ يَا مُعَاذُ».

روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِيْنَ وَدَّعَهُ مُعَاذٌ قَالَ:

«حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَدَرَأَ عَنْكَ شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ»

فَسَارَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «يُبْعَثُ لَهُ رَتْوَةٌ فَوْقَ العُلَمَاءِ».

وَرَوَى سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:

«نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ»

وفي سنن أبي داود عن معاذ قَالَ: لَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:

«يَا مُعَاذُ! إِنِّي لأُحِبُّكَ فِي اللهِ»

قُلْتُ: وَأَنَا وَاللهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ أُحِبُّكَ فِي اللهِ. قَالَ:

«أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُوْلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ؟ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»

وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: كَانَ الَّذِيْنَ يُفْتُوْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةٌ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ. وَثَلاَثَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدٌ.

وخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الفِقْهَ، فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ. لَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ. كَانَ عُمَرُ يَقُوْلُ حِيْنَ خَرَجَ مُعَاذٌ إِلَى الشَّامِ: لَقَدْ أَخَلَّ خُرُوْجُهُ بِالمَدِيْنَةِ وَأَهْلِهَا فِي الفِقْهِ، وَفِيْمَا كَانَ يُفْتِيْهِم بِهِ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَلَّمْتُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحْبِسَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَالَ: رَجُلٌ أَرَادَ وَجْهًايَعْنِي الشَّهَادَةَفَلاَ أَحْبِسُهُ.

وروي عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيْهِم مُعَاذٌ، نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ.

وفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه

وروي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا أُصِيْبَ، اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، يَعْنِي فِي طَاعُوْنِ عَمَوَاسٍ، اشْتَدَّ الوَجَعُ، فَصَرَخَ النَّاسُ إِلَى مُعَاذٍ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ. قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرِجْزٍ، وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُم، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُم، وَشَهَادَةٌ يَخُصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُم. وقَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ:

«سَتُهَاجِرُوْنَ إِلَى الشَّامِ، فَيُفْتَحُ لَكُم، وَيَكُوْنُ فِيْهِ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ، أَوْ كَالوَخْزَةِ، يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ، فَيَشْهَدُ أَوْ فَيَسْتَشْهِدُ اللهُ بِكُمْ أَنْفُسَكُم، وَيُزَكِّي بِهَا أَعْمَالَكُم»

اللهم إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذًا سَمِعَهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الحَظَّ الأَوْفَرَ مِنْهُ. فَأَصَابَهُمُ الطَّاعُوْنُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم أَحَدٌ، فَطُعِنَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، فَكَانَ يَقُوْلُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمُرَ النَّعَمِ. قُبِضَ مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً. قَالَ ضَمْرَةُ بنُ رَبِيْعَةَ: تُوُفِّيَ مُعَاذٌ بِقُصَيْرِ خَالِدٍ مِنَ الأُرْدُنِّ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ.

شرح ألفاظ الحديث

لَبَّيكَ: أَي إِجَابَةً بَعدَ إِجَابَةٍ. وَسَعدَيكَ: أَي إِسعَادًا بَعدَ إِسعَادٍ. ثَلَاثًا: أَي كَانَ نِدَاءُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَوَابُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كُلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

«صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ»: أَي مُعتَقِدًا صِحَّتَهَا وَلَم يَكُن مُنَافِقًا.

«إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»: أَي عَلَى الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِيهَا، فَمَن مَاتَ عَلَى كَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَّمدٌ رَسُولُ اللهِ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَو عُذِّبَ فِيهَا عَلَى بَعضِ الذُّنُوبِ مُدَّةً مِنَ الوَقتِ.

«إِذًا يَتَّكِلُوا»: أَي يَمتَنِعُونَ عَنِ العَمَلِ اعتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ. إِذَا سَمِعَ بَعضُ العَوَامِّ مِنَ النَّاسِ هَذَا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ أَنَّ مَن قَالَ الشَّهَادَتَينِ وَآمَنَ بِهِمَا وَكَانَ صَادِقًا وَمَاتَ عَلَيهِمَا لَا يَخلُدُ فِي النَّارِ وَإِن دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ قَد يَمتَنِعُ عَن أَدَاءِ الفَرَائِضِ، قَد يَمتَنِعُ عَن أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ مُعتَمِدًا عَلَى أَنَّهُ قَالَ الشَّهَادَتَينِ بِلِسَانِهِ.

«وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا»: عِندَ مَوتِ مُعَاذٍ تَأَثُّمًا، خَشيَةَ الوُقُوعِ فِي الإِثمِ، يَعنِي يَخشَى أَنَّهُ إِن كَتَمَ أَن يَكُونَ قَد كَتَمَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِتَبلِيغِهِ، فَخَشيَةَ ذَلِكَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ عِندَ مَوتِهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ بَلَّغَ النَّاسَ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ.

مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ

دُعَاءٌ لِتَفْرِيجِ الكَرْبِ

«يَا ذَا المَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَنقَطِعُ أَبَدًا وَلَا يُحْصِيهِ غَيْرُك فَرِّجْ عنِّي ما أهَمَّنِي»

دُعَاءٌ عَلَّمَهُ سَيِّدُنَا مَلَكُ المَوْتِ لِنَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: «مَا قُلْتَهُنَّ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ عَنكَ وَقَضَى لَكَ مَا تُرِيدُ».

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ رَحمَةً مِن عِندِكَ تَهدِي بِهَا قُلُوبَنَا وَتَجمَعُ بِهَا شَملَنَا وَتَلُمُّ بِهَا شَعثَنَا وَتَرُدُّ بِهَا الفِتَنَ عَنَّا وَتُصلِحُ بِهَا دِينَنَا وَتَحفَظُ بِهَا غَائِبَنَا وَتَرفَعُ بِهَا شَاهِدَنَا وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلَنَا وَتُبَيِّضُ بِهَا وَجهَنَا وَتُلهِمُنَا بِهَا رُشدَنَا وَتَعصِمُنَا بِهَا مِن كُلِّ سُوءٍ.

اللهم أَعطِنَا إِيمَانًا صَادِقًا وَيَقِينًا لَيسَ بَعدَهُ كُفرٌ وَرَحمَةً نَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَة.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الفَوزَ عِندَ القَضَاءِ وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصرَ عَلَى الأَعدَاءِ وَمُرَافَقَةَ الأَنبِيَاءِ.

اللهم إِنَّا ضَعُفَ رَأيُنَا وَقَلَّت حِيلَتُنَا وَقَصُرَ عَمَلُنَا وَافتَقَرنَا إِلَى رَحمَتِكَ فَنَسأَلُكَ يَا كَافِي الأُمُورِ وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ كَمَا تُجِيرُ بَينَ البُحُورِ أَن تُجِيرَنَا مِن عَذَابِ السَّعِيرِ وَمِن دَعوَةِ الثُّبُورِ وَمِن فِتنَةِ القُبُورِ.

اللهم مَا قَصُرَ عَنهُ رَأيُنَا وَضَعُفَ عَنهُ عَمَلُنَا وَلَم تَبلُغهُ نِيَّتُنَا وَأُمنِيَّتُنَا مِن خَيرٍ وَعَدتَهُ أَحَدًا مِن عِبَادِكَ أَو خَيرٍ أَنتَ مُعطِيهِ أَحَدًا مِن خَلقِكَ فَإِنَّا نَرغَبُ إِلَيكَ فِيهِ وَنَسأَلُكَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم اجعَلنَا هَادِينَ مُهتَدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ حَربًا عَلَى أَعدَائِكَ وَسِلمًا لِأَولِيَائِكَ نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَن أَطَاعَكَ مِن خَلقِكَ وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَن خَالَفَكَ مِن خَلقِكَ.

اللهم هَذَا الدُّعَاء وَمنك الإِجَابَة وَهَذَا الجُهدُ وَعَلَيكَ التُّكلَانُ وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُون وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ ذِي الحَبلِ الشَّدِيدِ وَالأَمرِ الرَّشِيدِ.

اللهم احفَظ أَهلَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ بِحِفظِكَ وَانصُرهُم وَاخذُل كُلَّ مَن خَذَلَهُم. اللهم يَا مَن لَا يُهزَمُ جُندُهُ وَلَا يُخلَفُ وَعدُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيرُهُ، كُن لِأَهلِنَا فِي فِلَسطِينَ عَونًا وَنَصِيرًا وَمُعِينًا وَظَهِيرًا.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

اللهم أَعتِقنَا فِي رمضان من النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ.

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…